إسلام ويب

تفسير سورة هود (28)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن إرسال الرسل وإنزال الكتب غايته العظمى وهدفه الأسمى هو إثبات وحدانية الله عز وجل، وإخلاص العبادة له، وقد أخبر الله عباده مؤمنهم وكافرهم أن موعدهم يوم القيامة، الذي يؤخره سبحانه وتعالى لأجل لا يعلمه إلا هو، وفي ذلك اليوم ينقسم الناس إلى شقي وسعيد، أما الأشقياء فمصيرهم إلى النار لهم فيها زفير وشهيق، وأما السعداء فهم في جنات الخلود، في سدر مخضود وطلح منضود.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة هود عليه السلام، وهي مكية، والمكيات من السور يعالجن العقيدة بأعظم أركانها: التوحيد والنبوة والبعث الآخر، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوة هذه الآيات ثم بعد ذلك نتدارسها إن شاء الله تعالى.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ * فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ [هود:103-109].

    دلالة إهلاك الأمم المكذبة على وحدانية الله والبعث الآخر

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ [هود:103] إشارته في قوله: (ذلك) إلى العذاب والدمار والخراب الذي صبه الله على تلك القرى الكافرة الظالمة من قوم نوح وهود وصالح وشعيب وعلى فرعون، ذلك فيه آية أكثر من الشمس دلالة على وجود الله وعلى قدرته وعلى علمه وحكمته ورحمته وتدبيره، وعلى أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره، لكن من هو الذي يشاهد هذه الآية العظيمة، هل العميان أم البصراء؟ الأموات أم الأحياء؟

    إذاً: حين تمر ببحيرة لوط التي كانت بحيرة عامرة فأصبحت بحراً منتناً سل: الذي فعل هذا موجود أو معدوم؟ موجود، إذ فعله دال على وجوده، وقادر أم ضعيف؟ إنه على كل شيء قدير.

    والذي يمر بمدائن صالح يسأل: أين تلك الأمة التي كانت تعمر تلك الأرض فلاحة وزراعة وتتخذ من الجبال قصوراً وبيوتاً، أين هي؟ وهكذا، ففي ذلك العذاب والتدمير آية لمن؟ لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ [هود:103] أي: للمؤمنين صحيحي الإيمان الصادقين فيه؛ لأنهم أحياء يبصرون ويسمعون ويجيبون، أما الكافر فيمر بالمدينة وقد خربت ولا يسأل: من خربها، لماذا خربت؟ فهو كالبهيمة.

    علة حصر الاستهداء بعذاب المكذبين في المؤمنين بالآخرة

    أردت أن أقول: حصر هذا في المؤمنين لأنهم أحياء، أما الكفار فأموات، ما يشاهدون آية أبداً، ويكفي أنهم يعيشون في الأرض ولا يسألون: من أوجد الأرض؟ يجدون في الأرض من المخلوقات عجباً ولا يسألون: من خلقها، يرفع رأسه إلى السماء يشاهد الكواكب والنجوم والأفلاك والشمس وما يقول: من خلق هذا، أو لماذا؟ أبداً، لأنه ميت الضمير، ما هو بحي، فلهذا قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً [هود:103] أية آية؟ وأعظم آية لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ [هود:103]، من هو الذي يخاف عذاب الآخرة، هل الكافر أو المؤمن؟ المؤمن بالحياة الثانية، المؤمن بالآخرة وما فيها من نعيم مقيم أو عذاب أليم، بل نحن عرفنا أن علة الدار الآخرة وسر وجودها هو الجزاء على عملنا في هذه الدنيا، نحن نعمل الآن، فمتى نتلقى الجزاء؟ في الدار الثانية، فاعملوا الآن ما شئتم من خير وشر فالدار ليست دار جزاء وإنما الجزاء في الدار الآخرة.

    إذاً: فسر وجودنا أن نعبد الله عز وجل لتزكو نفوسنا وتطهر قلوبنا ونصبح أهلاً لجوار الله في السماء والملكوت الأعلى، فمن عبد غير الله وترك العبادة كلها خبثت نفسه وأصبح من أهل الشقاء والخسران في الدار الآخرة، لا جزاء له إلا العذاب المهين، والآيات تبين هذا: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ [هود:103].

    أعيد القول: فالذي يخاف عذاب الآخرة والله! لهو المؤمن الصادق الإيمان، الموقن بأن بعثاً وحياة أخرى ستتم، وهذه كلها دلائلها وبراهينها.

    معنى قوله تعالى: (ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود)

    ثم قال تعالى: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ [هود:103] ذلك اليوم الذي فيه عذاب الآخرة يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ [هود:103] من يجمعهم؟ الذي أوجدهم وفرقهم في الأرض يوجدهم مرة أخرى ويجمعهم، مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ [هود:103] ولا يتخلف إنسان قط، ولا جان قط، ولا حيوان قط.

    وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود:103] محضور، لا يتخلف إنسان ولا جان ولا حيوان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما نؤخره إلا لأجل معدود)

    ثم قال تعالى: وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ [هود:104] ما نؤخر هذا اليوم يوم القيامة، يوم الساعة، يوم نهاية هذه الحياة وبداية الأخرى، ما نؤخره إلا من أجل أننا كتبنا في كتاب المقادير وحددنا اليوم المعين والساعة واللحظة الذي يتم فيها هذا، فلهذا لا يتقدم ولا يتأخر ولو بدقيقة.

    وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ [هود:104] وقد ضربت لكم المثل بالمعماري عندما يجلس على كرسيه ويضع الورقة بين يديه والقلم في أصبعه ويرسم فلة أو قصراً أو قرية على ورقة ويحدد مساحاتها ويحدد أنواع أبوابها كاملة، ثم يعطيها لذي القدرة فيطبقها كما هي في الورقة، أليس كذلك؟

    فالله عز وجل ( أول ما خلق القلم قال: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة )، فكتب كل شيء وحدد له وصفه: طويل، عريض، أعمى، كافر، مؤمن، سعيد، شقي، بالضبط، والله! ما يتخلف شيء. فالمعماري هل يتخلف له شيء حين يرسم؟ مع أنه إنسان ضعيف، وهكذا هو كتاب المقادير، إذاً: فلولا أن الله أجل له أجلاً وحدده له لكان يجيء يوم القيامة وتنتهي هذه الحياة، لم تطول؟ لكن لا بد أن يستمر وجودها حتى تدق الساعة وتنتهي هذه الحياة الدنيا.

    هذا معنى قوله تعالى: وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ [هود:104] من عده؟ خالقه الله عز وجل جل جلاله وعظم سلطانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد)

    ثم قال تعالى: يَوْمَ يَأْتِ [هود:105] وقرئ: (يوم يأتي)، يوم يأت ذلك اليوم وذلك العذاب لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [هود:105]، أي: لا تتكلم، حذفت التاء أيضاً للتخفيف، لا تتكلم نفس إلا بإذنه، فالخليقة كلها واقفة في صعيد واحد، والله! ما يقدر أحد من المخلوقات أن يتكلم إلا بإذن الله له، لا سلطان ولا جبار ولا ولي ولا أحد أبداً، يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ [النبأ:38] جل جلاله وَقَالَ صَوَابًا [النبأ:38] أيضاً، لن يستطيع أن يقول باطلاً أو كذباً أو خطأً.

    ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [هود:103-105]، كيف حالهم؟ قال: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود:105]، هل هناك وسط؟ كلا.

    أهل الموقف كلهم من إنس وجان وحيوان منهم الشقي ومنهم السعيد، صنفان فقط، لماذا؟ كما هم في الدنيا كافرون ومؤمنون، بررة وفجرة، عادلون وظالمون، أطهار وخبثاء، هل هناك نوع ثالث؟ كلا.

    إذاً: فالجزاء كذلك، إما سعداء بسبب زكاة نفوسهم وطهارة أرواحهم بإيمانهم وصالح أعمالهم، وإما نفوس خبيثة منتنة؛ بسبب جرائم وموبقاتهم، فهذا الصنف شقي وذاك سعيد، وليس هناك واسطة بين هؤلاء وهؤلاء.

    أسباب السعادة والشقاوة

    وقد سبق حكم الله الذي تقرر: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، كن ابن من شئت، أو كن أباً لمن شئت، أو أخاً لمن تريد، والله! ما ينفعك ذلك شيئاً، ولكن هل نفسك زكية، أي: نقية طاهرة طيبة، أو خبيثة عفنة منتنة؟

    فإن كانت زكية طاهرة أفلحت وفزت ونجوت من النار ودخلت الجنة، وإن كانت خبيثة منتنة عفنة كأرواح الشياطين وأخباث الناس فهم أهل الخسران الأبدي، واقرءوا: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15].

    وهنا يرد سؤال لو كنا بصراء: كيف نزكي أنفسنا؟ ما هي مادة التزكية؟ أين تباع هذه المادة المزكية؟ كيف نستعملها لتزكو نفسي؟ فيجاب ويبين له؛ لأنه راغب في تزكية نفسه.

    والأمور التي يخاف منها يقول فيها: يا شيخ! ما هي مواد التزكية هذه؟ أين توجد؟ كيف نفر منها؟ كيف لا نستعملها؟ فيبين له.

    قف في مجمع عالمي كامل لكرة القدم وقل هذا البيان، فوالله! ما يسألك واحد لا أبيض ولا أسود كيف تزكى النفس؟

    نعم لو آمن عبد الله أو أمة الله قبل أن يسمع هذا وسمع حكم الله فوالله! لا يبيت حتى يسأل: كيف يزكي نفسه؟ والذي ما آمن ولا عرف كالبهيمة.

    فأقول: تزكو النفس وتطهر وتطيب حتى تصبح كأرواح الملائكة على الإيمان الصحيح والعمل الصالح، وتخبث وتنتن وتعفن على الشرك والمعاصي، ولا سوى هذا، تزكو وتطيب وتطهر ونشاهد -والله- طهرها وصفاءها، فأهل الأرواح الطاهرة الزكية لا يخبثون ولا يغشون ولا يخدعون ولا يظلمون ولا يكذبون ولا يسرفون؛ لأنهم على نور من ربهم.

    وأهل الأرواح الخبيثة هم الظلمة المجرمون، وكل الشر والفساد ينتج عنهم؛ لأن أرواحهم منتنة ميتة، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، هذا حكم الله، فمن يعقب عليه؟

    لا ملك ولا ملِك ولا أحد أبداً، والله يقول عن نفسه: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41]، من يقوى على أن يعقب على الله؟

    إذاً: فهذه الشقاوة والسعادة هنا ناتجة عن ماذا؟ عن أناس زكوا أنفسهم بالإيمان والعمل الصالح، وأناس خبثوها بالشرك والمعاصي، لا أقل ولا أكثر.

    وقولي: كن ابن من شئت أو أباً لمن شئت؛ لأن النسب لا قيمة له، فإن كنت ابن النبي وأنت مشرك كافر فنفسك على ماذا ستزكو؟ تطيب بماذا؟ ما استعملت مادة التطييب.

    كن ابن شئت وآمن واعمل صالحاً فستزكو نفسك وما يضرك أبداً أن أباك كافر أو مشرك، فهل ضر إبراهيم أبوه؟ ما ضره، هل نفع إبراهيم والده؟ ما نفعه؛ لأن القضية ما هي قضية أنساب، ولا قبليات، قضية: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، وأنت مسئول عن تزكية نفسك أو تخبيثها لا غيرك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق)

    قال تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود:105]، ثم قال تعالى في البيان: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا [هود:106]، ما لهم؟ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [هود:106]، أهل الموقف منهم الشقي ومنهم السعيد، والآن يدخل هؤلاء في جناتهم وهؤلاء في عذابهم، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [هود:106]، والزفير صوت أقوى من الشهيق، الزفير الأول، والشهيق الثاني بعده، وانظر الحمار حين ينهق، فالحمار حين ينهق له زفير وشهيق، هذا مثال فقط، وإلا فالنار وزفيرها وشهيقها ما يقادر قدره ولا تقدر بحال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك ...)

    خَالِدِينَ فِيهَا [هود:107]، أي: في جهنم، أي: في النار التي لهم فيها زفير وشهيق، والخلود معناه: البقاء والدوام إلى الأبد، خَالِدِينَ فِيهَا [هود:107]، لا يخرجون منها.

    ثم قال تعالى: مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ [هود:107]، وهذه الأرض تفنى والسماء هذه تفنى، لكن ننتقل إلى أرض أخرى وسماء أخرى، فالجنة أليست أرضاً ونحن فوقها، والنار أليست أرضاً وهم فوقها؟ والسماء فوقها، والعلو أليس سماء؟ هي هي، لا بد من وجود أرض وسماء لا تنتهيان.

    خَالِدِينَ فِيهَا [هود:107]، إلا أن السنة بينت أن من مات من العصاة مع عدم التوبة من الذنوب هؤلاء يعذبون ما شاء الله أن يعذبوا، أهل الكتاب والسنة المؤمنون الموحدون الذين ما عبدوا غير الله إذا ارتكبوا ذنوباً وماتوا قبل التوبة يدخلون النار؛ حتى يطهروا ويصفوا ويطيبوا، والمدة يعلمها الله، ثم ينقذهم ويدخلهم الجنة.

    إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ [هود:107]، مشيئة الله ليست فوقها مشيئة أبداً، مشيئتنا فوقها مشيئة، تشاء أنت وأبوك ما يشاء، تشاء أنت والحاكم ما يشاء، لكن الله إذا شاء أو لم يشأ فما هناك قوة أخرى.

    إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود:107]، إذا أراد شيئاً أن يفعله قدر عليه، فإذا قضى بأن يخلدوا في النار خلدوا، وإذا قضى بأن يخرج منها من شاء أن يخرجه أخرجه، يفعل ما يشاء ليس عليه أبداً قدرة ولا سلطان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك ...)

    الصنف الثاني: (وَأَمَّا الَّذِينَ سَعِدُوا)، قراءة نافع ، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا [هود:108]، الجنة تقابل النار، فرن جهنم والبستان أمامه شاهد، ادخل البستان حيث الظلال والأشجار والفواكه والخضار، ثم انظر إلى الفرن وشاهد الزفير والشهيق والنار، ما هناك شيء خفي أبداً، كل شيء واضح.

    وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا [هود:108]، أي: لا يخرجون -والله- منها، ولا ينتهون من حياتهم فيها أبداً، وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122]، مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ [هود:108]، فهمتم معنى داوم السماء والأرض؟ ما دام الذي نجلس عليه والذي يكون فوقنا، الآن نحن على أرض وفوقنا السقف والسماء، فأهل الجنة تحتهم أرض وفوقهم سماء، أهل النار على الأرض وفوقهم سماء.

    خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108]، عطاءً غير مقطوع، من جذ التمر يجذه: إذا قطعه، عطاء إلهي لا ينقطع أبداً، نعيم الجنة لا ينتهي، وعذاب النار كذلك.

    وقوله تعالى: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ [هود:108]، كما قدمنا، لنعلم أن الله هو ذو المشيئة وليس هناك مشيئة فوقه، وقد شاء الخلود لأهل الجنة فلا يستطيع أحد أن يخرجهم؛ لأنه شاء ذلك، وقد وعدهم والله عز وجل ومن أصدق منه وعداً ووعيداً.

    وإنما فقط ليعلمك يا بني أنه لا مشيئة لأحد إلا لله فقط، إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ [هود:108]، على فرض أنه لو شاء أن يخرج أهل الجنة ويرميهم في النار فله ما يشاء؛ لنبقى تحت رحمته مستضعفين أذلة بين يديه، لا نتكبر ولا نترفع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل ...)

    إذاً: والآن بعد هذا العرض الإلهي لعالم الآخرة ختم الآيات بقوله يوجه رسوله: فَلا تَكُ [هود:109]، يا رسولنا، يا محمد، فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ [هود:109]، أي: شك وارتياب مما يعبد هؤلاء المشركين في مكة وفي الجزيرة وفي غيرها، لا تكن في شك أنهم على الباطل وأنهم أهل الشر والفساد وأنهم أهل الشقاء والخسران.

    فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ [هود:109]، ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل بالتقليد الأعمى جيلاً بعد جيل لا بكتاب ولا بسنة ولا برسول بين لهم عبادة الأصنام والأحجار أبداً، إنما التقليد جيل يقلد جيلاً، الولد يقلد والده، وهكذا، ليس عندهم أدنى برهان ولا علم ولا سلطان على عبادتهم هذه.

    مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا [هود:109] رب العزة والجلال لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ [هود:109]، وإنا والله! لنوفينهم أجرهم على الخير والشر بثواب غير منقوص كامل واف، في الدنيا وفي الآخرة، وهكذا من يعمل اليوم سوءاً يجز به اليوم وغداً، ومن يعمل صالحاً اليوم يثب عليه اليوم وغداً؛ لأن الله عدل؛ ولأن الله رءوف رحيم، وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ [هود:109].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    قوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً [هود:103]، أي: إن في أخذ الله تعالى للأمم الظالمة وتعذيبها بأشد أنواع العذاب، في هذا آية ] أي: علامة واضحة [ على أن من عذب في الدنيا قادر على أن يعذب في الآخرة، فالمؤمنون بلقاء الله تعالى يجدون فيما أخبر تعالى به من إهلاك الأمم الظالمة آية هي عبرة لهم فيواصلون تقواهم لله حتى يلاقوه وهم به مؤمنون ولأوامره ونواهيه مطيعون.

    وقوله تعالى: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود:103]، أي: ذلك الذي فيه عذاب الآخرة هو يوم القيامة، حيث يجمع فيه الناس لفصل القضاء، وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود:103]، إذ تشهده الخلائق كلها إنسها وجنها وحيواناتها.

    وقوله تعالى: وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ [هود:104]، أي: وما يؤخر يوم القيامة إلا لإكمال عمر الدنيا المعدود بالسنين والأيام ]، بل والساعات.

    [ وقوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [هود:105]، أي: بإذن الله تعالى.

    وقوله: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود:105]، أي: والناس فيه ما بين شقي وسعيد، وذلك عائد إلى ما كتب لكل إنسان من شقاوة أو سعادة في كتاب المقادير أولاً، ولما كسبوا من خير وشر في الدنيا ثانياً.

    وقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا [هود:106]، أي: في حكم الله وقضائه، فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ [هود:106]، وهو صوت شديد، وَشَهِيقٌ [هود:106]، وهو صوت ضعيف، والصوتان متلازمان؛ إذ هما كأول النهيق وآخره عند الحمار.

    وقوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا [هود:107]، أي: في النار، مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ [هود:107]، أي: مدة دوامهما.

    وقوله: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ [هود:107]، أي: لا يخلد فيها إلا ما شاء ربك ألا يخلد فيها وهم أهل التوحيد ممن ماتوا على كبائر الذنوب.

    وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود:107]، أي: إن ربك أيها الإنسان فعال لما يريد، إذا أراد شيئاً فعله لا يحال بينه وبين فعله.

    وقوله: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا [هود:108]، أي: حكم الله تعالى بسعادتهم لما وفقهم الله من الإيمان والعمل الصالح وترك الشرك والمعاصي، فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ [هود:108]، إذ إرادة الله مطلقة، لا تحد إلا بمشيئته العليا.

    وقوله: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108]، أي: عطاء من ربك لأهل طاعته غير مقطوع أبداً، وهذا دليل خلودهم فيها أبداً.

    وقوله تعالى: فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ [هود:109]، هو خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ينهاه ربه تعالى أن يشك في بطلان عبادة المشركين أصنامهم؛ فإنهم لا دليل لهم على صحة عبادتها وإنما هم مقلدون لآبائهم يعبدون ما كانوا يعبدون من الأصنام والأوثان.

    وقوله تعالى: وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ [هود:109]، يخبر تعالى أنه موفي المشركين ما كتب لهم من خير أو شر أو رحمة أو عذاب توفية كاملة لا نقص فيها بحال ].

    هداية الآيات

    معاشر المستمعين! لهذه الآيات هدايات سنستعرضها فتأملوا.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: فضل وفضيلة الإيمان بالآخرة ]، كيف فهمنا هذا واستنبطناه؟ أما قلنا: المؤمنون بالآخرة أحياء يسمعون ويبصرون ويفكرون ويهتدون، والكفار أموات، فلهذا ما استفادوا.

    [ ثانياً: حتمية البعث الآخر وأنه لا شك فيه ]، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود:103].

    [ ثالثاً: الشقاوة والسعادة مضى بهما القضاء والقدر قبل وجود الأشقياء والسعداء ].

    السعادة والشقاء مضى بهما كتاب المقادير قبل وجود الناس، وقد بينا هذا، فقد علم الله أن فلاناً يكفر به ويشرك به ويعصيه فكتب شقاوته، وعلم أن عبده فلاناً يؤمن به ويطيعه فكتب سعادته، ويبعث الرسول وينزل الكتاب والناس أحرار فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

    [ رابعاً: عجز كل نفس عن الكلام يوم القيامة حتى يؤذن لها ]، لا يستطيع أن يتكلم مخلوق يوم القيامة إلا بعد إذن الله تعالى له.

    [ خامساً: إرادة الله مطلقة ]، لو شاء أن يخرج أهل النار لأخرجهم منها، ولو شاء أن يخرج أهل الجنة لأخرجهم، لماذا؟ [ لأنه حكم بما أخبر به وهو العزيز الحكيم ]، إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ [هود:107]، لتبقى عقيدتنا في مشيئة الله مطلقة ليس فوقها مشيئة، إن شاء أن يخرج أهل الجنة أخرجهم، ولكن حاشاه وقد وعدهم بالخلد فيها والبقاء الأبدي.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.