إسلام ويب

تفسير سورة هود (27)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جرت سنة الله عز وجل أن من أعرض وتولى، وكذب الرسل وجحد الحق فإنه يعذبه في الدنيا ويأخذه أخذاً شديداً، ثم يوم القيامة ينتظره العذاب المقيم في نار الجحيم، ولما ذكر الله في كتابه أحوال الأمم السابقة، وما حل بالمكذبين منهم، خاطب نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بعد ذلك مبيناً له أن تلك القرى الماضية، منها ما بقيت آثاره للعظة والاعتبار، ومنها ما لم يبق له أثر ولا عين، وفي هذا تحذير للمشركين من أهل مكة وغيرهم، من أن يصيبهم ما أصاب الذين من قبلهم إن هم أصروا على كفرهم وطغيانهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة واللتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألف ألف وسلم تسليماً، قال: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة هود عليه السلام المكية، وما شأن المكيات؟ قد عرفتم، شأنهن معالجة العقيدة: التوحيد والنبوة والبعث الآخر، وها نحن مع هذه الآيات الثلاث وهي آيات العبرة مما تقدم من القرآن في هذه السورة، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة ثم نتدارسها، والله نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ * وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:100-102].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ [هود:100] الله جل جلاله وعظم سلطانه يقول لمصطفاه وخاتم أنبيائه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك الذي قصصناه عليك -وهو قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى وهارون مع فرعون- ذلك الذي تقدم نقصه عليك.

    فقوله: مِنْ أَنْبَاءِ [هود:100] أي: من أخبار القرى، وقد علمنا أن القرى في عرف القرآن: المدن والحواضر، القرية في عرف القرآن واصطلاحه: المدينة الحاضرة، ليست المدن الصغيرة التي يعبر عنها اليوم بالقرى.

    ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ [هود:100] وقد فعل، والمراد من هذا القصص أولاً: تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم على دعوته وأمته تابعة له، ثم حمله على الصبر والثبات حتى يواصل دعوته إلى نهايتها، إذ ما يقص الله القصة إلا من أجل أن نعبر بها إلى سلم النجاة وطريق السعادة.

    ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ [هود:100] يا رسولنا مِنْهَا قَائِمٌ [هود:100] كمدن صالح كما هي واقعة الآن عندنا في الشمال، ما زالت القصور في الجبال كما هي، ومنها حصيد لا وجود له ولا أثر كالزرع إذا حصد، كمدائن قوم لوط وبلاد عاد، انتهت كلها، ذلك الذي قصصنا عليك من أنباء القرى نقصه عليك من أجل ماذا؟ من أجل أن تثبت على دعوتك وتنتظر نصر الله لك فإنه ناصر أوليائه.

    وأقول: ونحن -المسلمون- تابعون لرسولنا صلى الله عليه وسلم، فهذا القصص يقص علينا جميعاً حتى نعبر أودية الضلال ومهالك ومعاطب الحياة لننجو ونسعد في الدنيا والآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ...)

    وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ [هود:101] لما أباد الله قوم عاد عن آخرهم وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين هل ظلمهم؟ والله! ما ظلمهم، وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ [هود:101] وبيان ذلك -كما قررناه مئات المرات- أن نعرف علة هذا الوجود، لم خلق الله عاداً وثمود؟ لم خلق فرعون؟ لم خلق أهل مدين؟ ما سر خلقه لهم؟

    خلقهم من أجل أن يعبدوه، هذه العبادة التي فرضها عليهم علتها أن يكملوا ويسعدوا، لا أقل ولا أكثر، ما الله في حاجة إليها أبداً، كان ولم يكن شيء غيره، علة وجودهم أن يعبدوه، فرفضوا العبادة، مع أن هذه العبادة ليس فيها أبداً حرج ولا مشقة ولا كرب ولا هم ولا حزن أبداً، ما هي إلا أعمال تشرح الصدر وتطيب النفس وتحقق الأمن والرخاء والسعادة بين الناس، فرفضوها وأصروا على الشرك والظلم والخبث والشر والفساد؛ إذاً: فاستوجبوا نقمة الله وعذابه فعذبهم، فهل ظلمهم؟

    وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ [هود:101] هم الذين ظلموا أنفسهم، النفس البشرية لما ينفخها الملك في جسم الطفل في رحم أمه كانت -والله- أكثر إشراقاً من هذا النور، كتلة من نور، ومن ثَمَّ العين تبصر والأذن تسمع واللسان ينطق، ما هي كهرباء، بل نور، فإذا حافظ عليها العبد بلا خبث ولا شر ولا فساد فهي إذاً نورانية سماوية وأهل لكمال الدنيا وسعادة الآخرة، فإن أفرغ عليها أطنان الذنوب وقناطير المساوئ والجرائم أصيبت بالظلمة والعفن والنتن، فمن صب عليها ذاك؟ من ظلمها؟ أهلها هم الذين ظلموها، ظلموا أنفسهم، عرضوها لمقت الله وغضبه وسخطه بترك أوامره وفعل نواهيه، وهو تحد لله وعدم مبالاة به.

    أيخلقك ويرزقك ويخلق الكون كله من أجلك من أجل أن تعبده فتعرض عنه أو تسخر من ذلك وتستهزئ؟ ويبعث رسوله وينزل كتابه فترفض ذلك وتدبر عنه ولا تبالي به، أي ظلم أعظم من هذا الظلم؟ ولهذا كان العذاب لازماً حتمياً.

    معنى قوله تعالى: (فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك ...)

    قال تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود:101] فما أغنت عنهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها ويدعون أنها تنصرهم على الرسول وتحفظ دينهم ودنياهم كما يزعمون، هل أغنت عنهم شيئاً؟ ما أغنت.

    وهل الآن الكفر وأهله من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب أهله غير ظالمين؟ والله! إنهم لظالمون، أيعبدون الله؟ أيطيعونه في أمره ونهيه؟ هل اتبعوا رسوله؟ أسالوا عنه وآمنوا به ومشوا وراءه؟ إذاً: هم ظالمون، والله! لتنزلن بهم نقمة الله طال الزمن أو قصر، وما يغني عنهم لا الهيدروجين ولا الغاز ولا أي شيء، وعما قريب تنزل بدارهم.

    فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ [هود:101] ماذا تغني عنهم؟ أيحاربون الله وينتصرون؟ أيعتزون بالجيوش والسلاح وأنواعه المتلونة؟ أيقهرون الله ويذلونه؟ حاشا وكلا، وهم أذل ما يكون عند الله عز وجل، ولكن يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري وغيره: ( إن الله ليملي للظالم ) يرخي له الزمام، يزيده في الأيام والأعوام، يرخي للظالم ( حتى إذا أخذه لم يفلته )، واحفظوا الحديث: ( إن الله يملي للظالم ) أي ظالم؟ الذي اتصف بالظلم وأصبح الظلم وصفاً لازماً له، هذا هو الظالم.

    ( إن الله ليملي للظالم ) ما شاء أن يملي له من مال ورجال ودولة وسلطان أو طول عُمْر أو ما إلى ذلك، لكن ( حتى إذا أخذه لم يفلته. وقرأ صلى الله عليه وسلم هذه الآية الكريمة: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] ).

    العبرة للأمة الإسلامية في هذه الآيات

    ولا ننس أن هذه الآية عبرة لهذه الأمة أمة الإسلام، وهي -كما تعلمون، كما تفهمون، كما تشاهدون- مفرقة، ممزقة، مشتتة، تحكمها الشهوات، تحكمها الأهواء، معرضة عن كتاب الله، معرضة عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس فيها أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، فإلى متى؟ والله! ما هي إلا تلك الإمهالة الإلهية، ثم إذا أخذها لم يفلتها.

    ومن قال: كيف وهم مسلمون؟ فإنا نقول له: ما فعل الله بأمة الأندلس جنة الدنيا؟ كيف أصبحت؟ هل نفعهم اسم الإسلام لما فسقوا وفجروا وعطلوا كتاب الله وانقسموا وتشتتوا؟

    وإن قلت: هذا حال زمنه بعيد، قلنا: والقريب كذلك، أليست بريطانيا استعمرت الشرق بكامله؟ أليست فرنسا استعمرت؟ أليس العالم الإسلامي كله -إلا هذه الرقعة- استعمره الغرب، أذلهم الله، أهانهم، أصابهم بالنكبات والويلات، لماذا؟ هل ظلمهم الله؟ والله! ما ظلمهم ولكن أنفسهم يظلمون، تمزقوا وتشتتوا دويلات وقطعاً ومذهبية وصوفية وعنترية، ثم غزتهم الشيوعية والإلحاد والعلمانية، فكانوا أهلاً للدمار والخراب، إلا أن الله لطف، وهم الآن تحت النظارة، سئل أحد السلف: أين الله؟ فقال: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14] ينتظر ماذا نفعل.

    هذه الآيات لم ما نعبر بها، نعرف العبارة في البحر نعبر بها النيل، وهنا ما نعرف العبارة هذه، والله! لن يأمنوا ولن يسلموا إلا إذا عادوا إلى الله عز وجل، وأول خطوة لو أرادوا أن يجتمعوا في هذه الروضة، والآن المواصلات آية من آيات الله، يجتمعون في الروضة فقط، وأول شيء يتفقون عليه وضع دستور لأمة الإسلام يطبق في الشرق والغرب، في العرب والعجم، ولا يتخلف منه حكم ولا مادة، ومصدره قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم وما فقهه علماء الأئمة الأربعة ويأخذون في تطبيقه، ما هي إلا سنة وإذا هم أمة واحدة، طبقوا القانون فأصبحوا أمة واحدة، كلمتهم واحدة، وبذلك ينجون من هذا الفسق والفجور والباطل والشر والعناد والكبر والإلحاد والعلمانية وما إلى ذلك.

    ولكن أبوا، فهم مصرون على هذا، والله! إنهم مصرون كما نشاهد، هل تغني عنهم جيوشهم وأموالهم ورجالهم؟ هل أغنت عنهم في فلسطين لما دخلها اليهود؟ والله يقول: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود:101] كانوا يعولون عليها ويصممون على أنها تنصرهم وتدفع عنهم.

    فهذه العبرة، وهذه العبارة لمن أراد أن يعبر إلى طريق السلام والنجاة.

    ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ [هود:100] الله يتفضل ويتكرم بقصه على رسولنا ونحن أتباعه يقص علينا، مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ [هود:100] وقد شاهدنا القائم وشاهدنا الحصيد.

    وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود:101]، لما دقت الساعة وأراد الله إبادتهم، إهلاكهم، إذلالهم، تسليط العدو عليهم لم تغن عنهم شيئاً.

    فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [هود:101] أي: خسران وتدمير، فلتسمع هذا البشرية، إنها معنية بالذات ومقصودة، ليس هذا لغير البشر.

    فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود:101]، لما استعمرتنا بريطانيا وفرنسا وإيطاليا أما كان المسلمون يدعون سيدي عبد القادر ورسول الله وفلاناً وفلاناً؟ هل أغنت عنهم تلك الشركيات؟ ما أغنت أبداً ولن تغني، وأنفذ الله أمره فيهم وسلط عليهم عدوهم، وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [هود:101] أي: تخسير وتحطيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد)

    ثم قال تعالى: وَكَذَلِكَ [هود:102] أي: وهكذا أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى [هود:102] هكذا أخذ ربك إذا أخذ القرى: المدن والحواضر والعواصم، وَهِيَ ظَالِمَةٌ [هود:102] والحال أنها ظالمة، فما معنى أنها ظالمة؟ من ظلمت؟

    ظلمت نفسها، صرفتها عن مزكياتها ومطهراتها، صرفتها عن كمالها وسعادتها، هي التي ظلمتها، آثرت الشهوات وأحبت الدنيا والأطماع ورغبت عن الله وما عند الله وأقبلت على الدنيا ومفاسدها، إذاً: بذلك ظلمت نفسها، هي التي ظلمت نفسها.

    وَكَذَلِكَ [هود:102] هكذا أَخْذُ رَبِّكَ [هود:102] يا رسول الله إِذَا أَخَذَ الْقُرَى [هود:102] والحال أنها ظالمة، حاشا لله تعالى أن يكون إقليم من الأقاليم يطبق شرع الله، تسوده الأخوة والتوحيد الكامل الخالص لا يعرفون إلا الله ولا يرهبون إلا الله وهم جسم واحد وقلب واحد، حاشا لله أن يسلط عليهم الدنيا، لو تكالب العالم بأسره عليهم فوالله! ما ضرهم ولا استطاع أن يصل إليهم، ولسادوا وفازوا، بل ولفتحوا العالم.

    وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى [هود:102] والحال أنها ظالمة لنفسها بكفرها وشركها وإعراضها عن دعوة ربها، وتعاطيها ما حرم الله وما نهى عنه الله ورسوله من المآكل والمناكح والمشارب والملابس وكل شئون الحياة.

    إِنَّ أَخْذَهُ شَدِيدٌ [هود:102] أي: أخذ الله إذا أخذ أَلِيمٌ [هود:102] مؤلم شديد موجع.

    العذاب المنتظر للعالم الكافر

    وها نحن ننتظر، فمن عاش منا فسوف يرى، إذا لم تسارع أمة الإسلام بالتوبة فسوف ينزل بها ما ينزل بديار الكفر، وديار الكفر طالت مدة الإمهال والإنظار لها، فهم أيضاً على الأبواب، والحمد لله أن أوجد الله هذا السلاح العجيب: الغاز هذا الذي أصبح أمثل سلاح في العالم يملكونه، وكلٌ يريد أن يصبه على غيره، فسوف يصبونه على أنفسهم، وتنتهي هذه المظاهر، فلا طائرة ولا سلاح ولا هاتف يهتف به، تنتهي عما قريب، واقرءوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) لم يتركه، ( وقرأ: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] )، هذا الزنا وهذا اللواط وهذا الفجور وهذا الربا في أوروبا وأمريكا واليابان والصين أترضاه البشرية لنفسها؟ أيرضاه ربها لها؟

    أضف إلى ذلك الظلم والخبث والشر والفساد والعلمانية والكفران بالله ولقائه ورسله، فإلى متى؟ والله! ما هي إلا إمهالة فقط؛ ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) حتى الظالم بيننا منتظر وستنزل به نقمة الله عز وجل فرداً كان أو جماعة أو مملكة.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    وإليكم شرح هذه الآيات في الكتاب لتزدادوا معرفة وعلماً بها.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    لما قص تعالى على رسوله في هذه السورة ما قص من أخبار الأمم السالفة خاطبه قائلاً: ذَلِكَ [هود:100] أي: ما تقدم في السياق مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى [هود:100] أي: أهلها، نَقُصُّهُ عَلَيْكَ [هود:100] تقريراً لنبوتك، وإثباتاً لرسالتك، وثبيتاً لفؤادك، وتسلية لك ] وأمته تابعة له.

    [ وقوله تعالى: مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ [هود:100] أي: من تلك القرى البائدة منها آثار قائمة من جدران وأطلال، ومنها ما هو كالحصيد ليس فيه قائم ولا شاقص، لاندراسها وذهاب آثارها.

    وقوله تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ [هود:101] أي: بإهلاكنا إياهم، ولكن هم ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي والمجاحدة لآياتنا والمكابرة لرسلنا.

    وقوله تعالى: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود:101] أي: لم تغن عنهم أصنامهم التي اتخذوها آلهة فعبدوها بأنواع العبادات من دعاء ونذر وذبح وتعظيم، إذ لم تغن عنهم شيئاً من الإغناء ]، وهل يغني السلاح الآن والدنيا هذه تغني؟ هذه أعظم من عبادة الأوثان.

    [ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود:101]بعذابهم، وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [هود:101] أي: تخسير ودمار وهلاك.

    ثم في الآية الأخيرة قال تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ [هود:102] أي: وكالأخذ المذكور أخذ ربك إِذَا أَخَذَ الْقُرَى [هود:102] أي: العواصم والحواضر بمن فيها، والحال أنها ظالمة بالشرك والمعاصي.

    إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] أي: ذو وجع شديد لا يطاق، فهل يعتبر المشركون والكافرون والظالمون اليوم، فيترك المشركون شركهم والكافرون كفرهم والظالمون ظلمهم قبل أن يأخذهم الله كما أخذ من قبلهم؟ ]

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونشر رسالته وتسليته بما يقصه الله تعالى عليه من أنباء السالفين ]، فلولا أنه رسول فكيف سيأتيه هذا الخبر؟ فهو تقرير للنبوة وإثباتها.

    [ ثانياً: تنزه الله تعالى عن الظلم في إهلاك أهل الشرك والمعاصي ]، حاشاه أن يظلمهم، ولكن يهلكهم بظلمهم لأنفسهم، إذ قال تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ [هود:101].

    [ ثالثاً: آلهة المشركين لم تغن عنهم عند حلول النقمة بهم شيئاً أبداً ]، كذلك الصناعات والطائرات والسلاح الذي بيد العرب والكافرين والله! ما يغني شيئاً إذا دقت الساعة.

    [ رابعاً: التنديد بالظلم، والسوء عاقبة الظالمين ]، ما هو الظلم يرحمكم الله؟

    هو وضع الشيء في غير موضعه، ذلكم -والله- الظلم، الآن لو تدخل أصبعك في أذنيك وتغني فهل ظلمت أم لا؟ أهذا مكان للغناء؟ أو تخرج إلى الشارع وتجلس في وسطه وفي يدك الشيشة تشرب، أهذا عدل؟ هذا ظلم.

    فالظلم: وضع الشيء في غير موضعه، أنت مخلوق لذكر الله، لم تترك ذكر الله وتذكر الدنيا والشهوات والأطماع؟ أنت مخلوق لشكر الله، لم تشكر فلاناً وفلاناً ولا تشكر الله؟ والذكر والشكر ينتجان عن عبادة الله عز وجل، من عبد الله بما شرع ذكر وشكر، ومن أعرض عن عبادة الله فوالله! ما ذكر ولا شكر، العبادة كلها ذكر وشكر، تقوم فتغتسل من جنابة فتكون قد ذكرت الله وشكرته، تقوم فتصلي فتكون ذكرت وشكرت، فإن كنت تنام ولا تبالي بالصلاة فما ذكرت ولا شكرت.

    والله أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس من كتاب الله ونسمع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.