إسلام ويب

تفسير سورة هود (26)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن قصة موسى عليه السلام مع فرعون من جانب، ومع بني إسرائيل من جانب آخر شغلت حيزاً في كتاب الله لم تشغله قصة أخرى من القصص القرآني، فقد بعث الله عز وجل موسى عليه السلام إلى فرعون بعد أن تربى في بيته صغيراً، فدعاه موسى إلى توحيد الله، والكف عن ظلم بني إسرائيل، إلا أن فرعون تكبر وأعرض ونأى بجانبه، واستخف قومه من أقباط مصر فأوردهم موارد الهلاك، وأتبعوا وإياه في الدنيا لعنة ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأحد من يوم السبت- والليالي الثلاث بعدها ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألف ألف وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة هود عليه السلام المكية، والمكيات كما علمتم تعالج العقيدة بأهم أركانها وأعظمها: التوحيد والنبوة والبعث الآخر.

    وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها، والله نسأل أن يفتح علينا فيعلمنا وينفعنا بما يعلمنا، إنه قدير.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ [هود:96-99].

    دلالة الآيات القرآنية على وحدانية الله تعالى والرسالة المحمدية

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! من القائل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى [هود:96]؟ الله، فهل رأيتموه؟ الجواب: لا، وأنزل كتابه على رسوله فعرفناه برسوله وكتابه، فهذا كتابه القرآن العظيم ذو المائة وأربع عشرة سورة، الذي حوى معارف الأولين والآخرين، علوم الملكوت الأعلى والملكوت الأسفل، علوم الدارين الدنيا والآخرة، هذا الكتاب بلسان عربي مبين، فهل الذي أنزله يكون غير موجود؟ أين يذهب بالعقول إذاً؟

    ثم هذا العلم والمعرفة التي حواها هذا الكتاب لن يكون صاحبها إلا العليم، بل كل العلوم والمعارف تصدر عنه وهو موحيها ومنزلها، وهذا مصطفاه ورسوله بيننا من نبأه فجعله نبياً؟ من أرسله فجعله رسولاً؟ وعاش بيننا ثلاثاً وعشرين سنة وهو يدعونا، وقد عرفنا الله وعرفنا الطريق إليه، إذاً: فكلنا يقين بأنه لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ كل آية تشهد بذلك.

    فالآية من أنزلها؟ من قالها؟ كلمات من؟ هي كلمات الله، إذاً: الله تعالى موجود بعلمه وقدرته، فوق عرشه بائن من خلقه، والذي نزلت عليه وأوحيت إليه لن يكون إلا رسولاً، وهو حقاً رسول الله وخاتم أنبيائه.

    1.   

    الحوادث الواقعة لموسى عليه السلام قبل بعثته إلى فرعون

    حادثة إلقائه في اليم ووصوله إلى قصر فرعون

    وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى [هود:96] من موسى هذا؟ هذا موسى كليم الله، موسى بن عمران، موسى النبي والرسول، وجاء في القرآن الحديث عنه في سور عديدة، حتى إن كلمة موسى عرفنا أن معناها موشي، وأصلها مكون من الماء والشجر؛ إذ فرعون الطاغية، فرعون الجبار المتكبر الذي قال لقومه: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، وقال في كبرياء: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] وهو -والله- لكاذب، وهو -والله- ليعلم أنه كاذب، ولكن ليموه ويغرر بالأمة الجاهلة، وهو يعلم مثل ما نعلم أن الله فوق سماواته فوق عرشه، هو الذي أنزل كتابه وبعث رسله، ولكن للتدجيل، للتعمية والتغطية، للتضليل قال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24].

    فأعلمه بعض رجاله أن دولته وسلطانه يزول على يد بني إسرائيل، فمن بنو إسرائيل؟ هؤلاء لما وصل يوسف إلى الديار المصرية وبيع كعبد حيث فعل به إخوته هذا وباعوه، وشاء الله أن تتجلى إكراماته وإنعاماته على خلقه، فما هي إلا أربعون سنة ويوسف عليه السلام قد ملك الديار المصرية، وهو جالس على أريكة الملك، واقرءوا قول الله تعالى من سورة يوسف: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101] ونزح من أرض كنعان الناس فدخلوا في مصر وقد حكمها العدل الإلهي وساد الطهر في تلك البلاد، وتمضي الأيام وتتوالي الأعوام ويظهر الجهل ونشأ فرعون بعد قرون، ثم كان بنو إسرائيل الذين نزحوا من فلسطين إلى مصر مع يوسف عليه السلام وبعده، فلما حكم أصبحت دولة واحدة.

    وتمضي الأعوام ويداخل الناس الجهل والضلال فضلوا، ففرعون -والعياذ بالله تعالى- يروى أنه كان بواباً للمقبرة فقط، حارس المقبرة، فلما اشتدت عضلاته وقوي أصبح يقول لمن يأتوا بميت: ادفعوا ضريبة نسمح لكم أن تدفنوه، ظلماً وعدواناً، ثم بعد ذلك لما تجبر ضمه إليه الملك الحاكم لقوته، فمات الحاكم فملك هو، أصبح هو الملك، فطغى وتجبر وقال: أنا ربكم الأعلى، ما علمت من إله غيري.

    في تلك الأثناء كان بنو إسرائيل موجودين، لكن أهانوهم، أذلوهم، كسروهم، حطموهم، لأنهم أجانب ليسوا من أهل البلاد، وأعظم من ذلك أن هناك من تنبأ وقال: إن لهؤلاء شأناً سيكون لهم!

    فما كان من فرعون إلا أن أخذ برأي هؤلاء، فقال: ماذا نقول فيهم؟ قال: إذاً: ينبغي أن نحد من عددهم ولا نسمح لهم بأن يكثروا ليبقوا دائماً تحتنا، فصدر أمر بذبح الذكور وإبقاء الإناث: يا أهل البلاد! كل من ولدت عنده امرأة إسرائيلية يحضر الممرض أو الطبيب، فإن وجده ذكراً ذبحه ودفنه، وإن وجده أنثى تركه، لأنهم قالوا: إذا انتشر هذا الشعب وقوي فسوف يكون زوال دولتك وملكك على يده، وكان كذلك، فقد فعل الله ذلك.

    والشاهد عندنا في موسى، ثم بعد عامين أو ثلاثة أو أربعة قلت المواليد وقل العمال والخدم، فقال النصحاء الكبراء الماديون: لو تعفو عن الذبح سنة حتى يوجد لدينا عمال، وشاء الله أن السنة التي فيها العفو ولد فيها هارون، والسنة التي فيها القتل والذبح ولد فيها موسى، وأوحى الله إلى أم موسى: أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7].

    وبالفعل امتثلت أمر ربها وجعلته في صندوق ورمته في النيل، وشاء الله أن يدخل قصر فرعون وحدائقه، وإذا بجوار للملك في الماء يعثرن عليه، فكدن يطرن من الفرح، فأخذوه، ففتحوا الصندوق، فكل من نظر إلى موسى أحبه حتى يكاد يدخله في قلبه: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] كل من ينظر إليه يحبه، وشاء الله وهو المدبر الحكيم أن لا يقبل ثدي امرأة قط، وليس عندهم الثدي الصناعي الذي عندكم، وهو يصرخ من العطش والجوع، كلما قدم له ثدي أميرة من الأميرات، سيدة من السادات ما يقبله، ثم إن والدته عليها السلام قالت لأخته: امشي في البلاد وتحسسي علَّكِ تسمعين عن أخيكِ شيئاً، وسمعت وقالت: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [القصص:12]؟ وهذه دوخت فرعون، كيف هم له ناصحون؟ إذاً: هذا أخوكِ أنتِ! وصرفهم الله عز وجل وهو المدبر الحكيم، وما كان إلا أن أصبحت أمه هي المرضعة له، فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ [القصص:13] تدبير ذي العرش جل جلاله وعظم سلطانه.

    فكيف سمي بموسى؟ لأنهم وجدوه بين الشجر والماء: موشي، وما زال اليهود يسمون موشي، كـموشي ديان عليه لعائن الله.

    حادثة اختبار فرعون له في صباه بالتمر والجمر

    وتربى موسى في حجر فرعون، وحدثت حادثة تاريخية أيضاً والمناسبة حاضرة، فلما أخذ موسى عليه السلام يحبو أراد أن يقوم فأخذ بلحية فرعون وجذبها، وهل فرعون الملك بلحيته؟ أي نعم، كانت البشرية الذكور ذكور والإناث إناث، ما هناك حلق للوجوه أبداً، إلا النساء علامة أنهن إناث، والفحول اللحى، وموسى أما أخذ بلحية هارون أيضاً؟

    فلما شد موسى اللحية بيده -وكان قوياً- تشاءم فرعون وقال: هذا هو، وتلك المؤمنة آسية عليها السلام لطفته وقالت: ما يدري، اختبره وامتحنه، جئه بجمر وتمر وقدمه له، فإن أخذ التمر فهو على علم بما فعل بك، وإن أخذ الجمر فهو لا يدري، وقدم له في الطبقين الجمر والتمر فأخذ جمرة فلصقت في فيه فكانت عقدة في لسانه، وقال بعدها: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه:27-28].

    حادثة قتل القبطي والخروج إلى مدين

    ونشأ في الديار المصرية ابن ملك يذهب ويجيء في الشوارع محترماً مبجلاً، وشاء الله أن يجد اثنين يتضاربان من الناس كالعادة، قبطي مصري وإسرائيلي موسوي، إذاً: فما كان منه إلا أن لكمه لكمة في صدره بيده فمات، صادفت القلب وهو موضع حساس فمات، لما مات القبطي كان لا بد أن يتحرك رجال الدولة والمخابرات والبوليس، وموسى ستره الله، وتمضي الأيام أو الشهور ويجد موسى اثنين يقتتلان؛ لأن الأقباط أهل البلاد يكرهون الإسرائيليين لأنهم أجانب، فوجدهما يقتتلان فاستغاث الإسرائيلي بموسى: أنقذني، فتقدم وهجم، فإذا بالقبطي يقول: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ [القصص:19] وانتشرت الفكرة، وصدر الأمر بأن ابن فرعون موسى هو الذي قتل، فاطلبوه، وجاء مؤمن من المؤمنين: يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص:20-21] يترقب أن يلقى القبض عليه، وحفظه الله فمشى حوالي ثمانية أيام وانتهى إلى مدين بلاد شعيب، وثَمَّ وجد امرأتين -وهما بنتا شعيب- تستقيان الماء، وكانتا لعفتهما وطهارتهما وحيائهما مبتعدتين والناس يسقون، فموسى تألم: لم تبقى هاتان الفتاتان؟ فتقدم وكان شجاعاً وقوياً، وحسبه أن ضرب واحداً فقتله بيده، فما كان منه إلا أن سقى لهما، ثم تولى إلى ظل شجرة كان يستظل بها قبل سقيه لابنتي شعيب، فلما ذهبت البنات إلى أبيهما عليه السلام قال: كيف سقيتما قبل الناس؟ فقصتا عليه القصة، فقال: ائتيني به يا فلانة، فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25] فقال: الحمد لله، فتح الله علي، كان تحت شجرة لا يأكل ولا يشرب، فذهب، وكان يمشي وهي أمامه وهو وراءها لأنها الدليل، هي التي تعرف الطريق، فكشفت الريح عن ساقها أو بعض ساقها، فالثياب الخفيفة الرياح تعبث بها، فقال لها: امشي ورائي ودليني بحجر أو كذا حتى ما ينظر إلى جسمها.

    إذاً: وجاء وقص على شعيب قصته، وطمأنه شعيب: نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:25] لأن هذا الإقليم مستقل، ما هو تحت ملك فرعون، وهذا هو اللجوء السياسي، وبقي عنده وزوجه إحدى ابنتيه، لكن بقي عشر سنين يرعى الغنم حتى يكمل ويستعد ويبلغ الأربعين وينبأ، عشر سنوات وهو يرعى الغنم، ثماني سنوات هي مهر الزواج؛ إذ زوجه ابنته على أن يرعى الغنم ثمان سنوات وسنتين تبرعاً منه، فلما أكمل عشر سنين وأنجب أخذ زوجته ومشى، فمن دفعه أن يمشي إلى مصر؟

    عبادة الله تعالى علة إرسال الرسل وخلق الجنة والنار

    وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى [هود:96] الذي أرسله ربه، وكان بيده عصاه تلك التي كان يرعى الغنم بها ووهبه إياها شعيب، وقيل: هذه العصا كانت من عهد آدم نزل بها من الجنة، وتوارثها الرسل والأنبياء واحداً بعد واحد، ولا عجب.

    وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا [هود:96] وقد أعطاه تسع آيات جاءت مفصلة في سورة الأعراف، ومن أبرزها اليد والعصا، اليد يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء كفلقة قمر، آية عجيبة، والعصا يلقيها في الأرض فتتحول إلى عفريت، إلى جان يتقلب.

    إذاً: أرسله الله بآياته يحملها معه لأجل أن يهدي الله به الأقباط وفرعون، وهنا نذكر: ما علة هذا الوجود؟ ما سر هذا الوجود؟ يجب على كل ذي عقل أن يعرف هذا.

    اعلموا أن الله تبارك وتعالى أراد أن يذكر ويشكر، فمن يذكره؟ من يشكره؟ فأعد أولاً هذه الدار دار الدنيا، هذا الفندق العظيم، وهيأه لقبول الحياة فيه، فلما تم خلقه واكتملت حياته وأصبح صالحاً للعيش فيه خلق آدم وزوجه حواء من الضلع الأعوج، ثم أنزلهما إلى هذه الدار وبارك فيهما فانتشرت البشرية من نسلهما، الآن المرأة تلد ثمانية عشر ولداً من أجل ماذا؟ من أجل أن يذكر الله ويشكر، لا أقل ولا أكثر، ما هو في حاجة إلى شيء، فلهذا يا ويل من لا يذكر الله ولا يشكره.

    ثم أوجد عالمين آخرين: عالم في أسفل الأكوان، وأنا أقول: دائماً أقرب المعاني للعوام مثلي، فضع رأسك بين ركبتيك وفكر وأنت نازل إلى أسفل لتعرف، فإلى أين ستنتهي؟ لكن أعلمنا الله أن هناك عالم الشقاء تحت عنوان: سجين، دار الشقاء والخسران الأليم، ثم ارفع رأسك وفكر، ففوقك السماوات السبع، فالجنات، فالعرش، فسقف العرش، فالرحمن عز وجل.

    إذاً: هنا أوجد عالم السعادة الجنة دار الأبرار فوق السماء السابعة، وأعد فيها كل أنواع النعيم كما أعد في تلك الدار كل أنواع الشقاء والعذاب الأليم، وأرسل الرسل، أرسل نوحاً إلى قومه وهوداً إلى قومه وصالحاً إلى قومه وإبراهيم إلى قومه وهكذا، وأرسل الآن موسى أيضاً إلى فرعون وملئه، ما قال: إلى قومه؛ لأنه ليس من قومه، إلى فرعون وملئه.

    أقول: السر أنه تعالى أراد أن يعبد بالذكر والشكر، فوعد وتوعد، فوعد الذاكرين الشاكرين بأن ينزلهم في دار السلام منازل الأبرار، مع إضافة، وهي أنهم في هذه الدار دار الشقاء لن يشقوا ولن يمرضوا ولن يتألموا، هم سعداء، لكن لا قيمة لهذه السعادة بالنسبة إلى الدار الآخرة، وتوعد من كفر به وترك ذكره وشكره بأن يشقيه ويرديه ويهلكه في الدنيا ويدخله دار البوار في جهنم ولا يخرج منها أبداً.

    إذاً: فإذا جاء الرسول إلى الأمة فماذا يعني؟ يعني أنه يقول: يا عباد الله! اذكروا ربكم واشكروه، هذه علة وجودكم وخلقكم، فإن قالوا: بم نذكره وكيف نشكره؟ فهناك التعليم، يعلمهم كيف يصلون، كيف يصومون، كيف يتصدقون، جميع أنواع العبادة يعلمهم إياها، ويعلمهم المقابل المضاد وهو المعاصي، فالله يكره الحسد، يكره البغضاء، يكره العداء، يكره الشرك والكفر، يكره النميمة، يكره السرقة، وهكذا، فيعلمهم ما يسعدهم وهو ما يزكي نفوسهم، ويعلمهم ما يشقيهم ليحذروه ويتجنبوه ويبتعدوا عنه، هذه مهمة الرسل وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: عرفنا لماذا أرسل الله موسى بآياته وحججه وسلطانه المبين إلى فرعون وملئه؟ لأنهم كفروا، أشركوا، تمردوا، فسقوا، فجروا، طغوا، ظلموا، قتلوا كما علمتم، إذاً: من رحمة الله، من مقتضى ربوبيته أن يرسل إلى هذه الأمة من ينقذها ويحول بوارها إلى فرح وطهر وصفاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد)

    قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ [هود:96-97] ما المراد من ملئه؟ رجاله الذين هم في الدولة، الذين إذا نظرت إليهم ملئوا عينيك من رجال المال والحكم والسلطة والجيش.

    قال تعالى: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ [هود:97] رفضوا أمر موسى واتبعوا أمر فرعون، موسى قال: أدعوكم إلى أن تعبدوا الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه، وفرعون قال: أنا ربكم، ما علمت لكم من إله غيري، فاتبعوا أمر فرعون مع الأسف، ولا عجب؛ فمن الذين اتبعوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم اليوم؟ ولا واحد في الألف ولا في المليون من بيض الناس وسودهم وصفرهم، أما علمت أوروبا وأمريكا واليابان والصين والروس بوجود محمد والرسالة والقرآن؟ والله! لقد علموا به، وكفروا وهم مستمرون على الكفر، والمسلمون عرفوا أيضاً وما استقاموا، ما أدوا واجب الذكر والشكر، ما ذكروا الله كما ينبغي ولا شكروه، فلهذا فالمصائب تنزل بهم والبلايا لا تفارقهم.

    قال تعالى: إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [هود:97] نحن نتبع صاحب الرشد الذي يقودنا إلى السلامة، إلى السعادة، إلى الطهارة، إلى الصفاء، إلى المودة، إلى الإخاء، ما نتبع توجيهات وأوامر وتعاليم من يدعونا إلى الفرقة والشقاق والنفاق وسفك الدماء وقتل الناس، وهذا عام في البشرية كلها حتى أهل المدينة، يجب أن تتبعوا من كان ذا رشد يدعوكم إلى الرشد، لا إلى الباطل والمنكر.

    وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [هود:97] يأمرهم بالشر والفساد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود)

    ثم قال تعالى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [هود:98] يقدمهم، قدم يقدم: إذا تقدمهم ومشى أمامهم، وقوم فرعون لا ندري كم هم، يتقدمهم وهم يمشون وراءه إلى باب جهنم، آية من آيات الله.

    يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [هود:98] هو الذي يتقدمهم، فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود:98] والورد معروف، مكان الشرب حيث الاستقرار.

    فَأَوْرَدَهُمُ [هود:98] إلى أين؟ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود:98] من القائل؟ الله، قبح وساء هذا الورد الذي وردوه، إنه جهنم، وكيف نفهم جهنم؟

    نقول: انظر إلى الشمس في الساعة العاشرة صباحاً وانظر إلى ذلك الكوكب فكله جهنم، من صنعه؟ من كوكبه؟ من ملأه؟ من سخره؟ لا بد أن تقول: ما كان بنفسه، فذبابة ما كانت بنفسها، إذاً: الله خالقه، فهذا مظهر من مظاهر العذاب، مع العلم بأن الشمس أكبر من الأرض بمليون ونصف مليون مرة، فكيف إذاً بذلك العالم الذي قلنا: طأطئ رأسك وفكر وانزل وانزل حتى تصل إليه، فلا نهاية له.

    فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود:98] والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود)

    وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً [هود:99] وأتبعوا في هذه الدنيا، في هذه الدار لعنة، أما لعنهم الله؟ أما أغرقهم؟

    وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ [هود:99] أيضاً لعنة أخرى إلى جهنم، قال تعالى: بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ [هود:99] الرفد: ما ترفد به صاحبك وتسد به حاجته وتعينه به، هذا الرفد الذي أرفدهم هو النار.

    وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ [هود:99] كذلك لعنة أخرى بالدخول في جهنم، بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ [هود:99] الذي أرفدهم به وأعانهم عليه.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    معاشر المستمعين! أسمعكم الآيات من الكتاب.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    هذه لمحة خاطفة لقصة موسى عليه السلام مع فرعون تضمنتها أربع آيات قصار، قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى [هود:96] أي: بعد إرسالنا شعيباً إلى أهل مدين أرسلنا موسى بن عمران مصحوباً بآياتنا الدالة على إرسالنا له وصدق ما يدعو إليه ويطالب به، وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ [هود:96] أي: وحجة قوية ظاهرة على وجوب توحيد الله تعالى وبطلان ألوهية من عداه؛ كفرعون عليه لعائن الله.

    وقوله تعالى: إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ [هود:97] أي: أرسلناه بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وأشراف جنده وزعماء دولته، فأمرهم موسى باتباع الحق وترك الباطل فأبوا واتبعوا أمر فرعون فأضلهم، وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [هود:97] حتى يهدي إلى الفلاح من اتبعه.

    قال تعالى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [هود:98] أي: يتقدمهم إلى النار فيوردهم حياضها، وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود:98] أي: نار جهنم.

    وقوله تعالى: وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً [هود:99] أي: فرعون وقومه لعنوا في الدنيا، ويوم القيامة يلعنون أيضاً، فبئس الرفد المرفود، وهما لعنة الدنيا ولعنة الآخرة، والرفد: العون والعطاء، والمرفود به هو المعان به والمعطى لمن يرفد من الناس ].

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: من كتب الله شقاءه لا يؤمن بالآيات، بل يردها ويكذب بها حتى يهلك ]، فموسى أما جاء بتسع آيات من أعظم الآيات، فهل آمن قومه؟ ما آمنوا، آمن بعضهم ولكن ما آمنوا كلهم، إذاً: فالمعجزات لا تستلزم الإيمان أبداً، لو يطالب الآن واحد بمعجزة ويشاهدها الناس فسيبقون كما هم، قلّ من يؤمن، لأن الله إذا كتب شقاوة عبد وخسرانه فكيف يزول ذلك؟ مستحيل.

    [ ثانياً: قوة الحجج وكثرة البراهين لا تستلزم إذعان الناس وإيمانهم ]، قوة الحجج وكثرة البراهين والأدلة ما تستلزم أن يذعن الناس ويقبلوا، والواقع شاهد.

    [ ثالثاً: التحذير من اتباع رؤساء الشر وأئمة الفساد والضلال ] في الدنيا.

    [ رابعاً: ذم موارد الباطل والشر والفساد ]، بئست الموارد تلك الموارد، الخانات والحانات والمزامير والطبول والملاهي والملاعب.

    [ خامساً: شر المعذبين من جمع له بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ]، شر المعذبين من جمع له عذاب الدنيا مع عذاب الآخرة، والعياذ بالله تعالى.

    والله نسأل أن ينجينا وينجي كل مؤمن ومؤمنة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.