إسلام ويب

تفسير سورة هود (24)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يستمر الجدال والحوار بين شعيب عليه السلام وقومه، فبعد أن دعاهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، وأمرهم بإيفاء الكيل والقسط في الميزان سألوه مستهزئين عن كون صلاته التي يؤديها بالليل والنهار هي التي تحمله على منعهم من اتباع آبائهم في عباداتهم، أو الحجر عليهم من التصرف في أموالهم كيفما يشاءون، فرد عليهم مبيناً أن ما جاءهم به إنما هو من عند الله، محذراً إياهم من أن يصيبهم ما أصاب أسلافهم من المكذبين المعرضين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألف ألف وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة هود عليه السلام وفي قصة شعيب عليه السلام، فهيا بنا لنصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات مجودة مرتلة ونحن نتدبر ونتفكر، ثم نتدارسها جميعاً، والله نسأل أن يفتح علينا وينفعنا بما يعلمنا.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ * وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ [هود:87-90]. ‏

    جواب قوم شعيب نبيهم بعد دعوته لهم إلى الحق

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: قَالُوا يَا شُعَيْبُ [هود:87]، متى قالوا: يا شعيب؟ بعد أن سمعوا ما دعاهم إليه، وهو الآيات الثلاث التي درسناها، وها هي ذي فاسمعوها: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا [هود:84]، أي: وأرسلنا إلى مدين هذه القبيلة التي عرفنا أنها من ذرية إبراهيم، أرسلنا إليهم أخاهم في النسب شعيباً، قَالَ [هود:84] أي: شعيب يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [هود:84-86].

    وألفت نظركم إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر شعيباً يقول: ( إنه خطيب الأنبياء )، ما فاز بهذا اللقب إلا هو، فمن هو خطيب الأنبياء؟ شعيب عليه السلام.

    فأجابوه قائلين: أَصَلاتُكَ [هود:87] بالإفراد، وقرئ: (أصلواتك)، قراءتان سليمتان صحيحتان، أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ [هود:87]، وهم هنا إما أن يكونوا ساخرين مستهزئين محتقرين للصلاة وشأنها كما تعرفون الهابطين الساقطين من ساقطي العقول البشرية، يسخرون من الصلاة ومن أهلها.

    استهزاؤهم بصلاة شعيب وشخصه عليه السلام

    أَصَلاتُكَ [هود:87]، أي: أصلواتك التي تصليها الليل والنهار، وكان يكثر من الفرائض والنوافل، تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [هود:87] من تلك الأصنام والتماثيل التي يعبدونها تقرباً بعبادتها إلى الله عز وجل، كأنهم يعيشون عصر أمة الإسلام في قرونها الهابطة من القرن الرابع إلى اليوم، وهذه الكلمة سمعناها ويقولها الهابطون، يقولون: المصلي صلاته هي التي تقول له كذا وكذا! سخرية واستهزاء.

    قالوا: أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ونتبعك ونمشي وراءك، ولا نعبد آلهة عبدها آباؤنا وأجدادنا للفوز والظفر بما فيها وما عندها من الخير؟ إذ لا يعبدونها إلا طمعاً ورجاء في الخير ودفعاً للشر، إنهم يتقربون بها إلى الله كما يفعل جهالنا من زيارة القبور والوقوف عندها والتبرك بها وبدعائها والاستغاثة بها، لا يعتقدون أنهم يعبدونها، يعبدون الله، ويتوسلون بهذه إليه، وضع متشابه كأنهم اليوم.

    أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ [هود:87]؟ لأنه ندد بالتطفيف في الكيل والوزن، وبصد الناس في الطرقات، وبالمكس الذي يأخذونه، وبنشر الذهب والفضة بالمناشير ليسقط منها شيء حتى يأخذوه، فهم بعدما عاب عليهم جهلهم وضلالهم وظلمهم وشركهم ردوا فقالوا: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود:87]، ولا شك أن هذا من باب السخرية.

    إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود:87]، والحليم: ذو الحلم الذي لا يعرف الحماقة ولا السفه، والرشيد: الذي لا يعرف السفه أيضاً.

    هنا قال فقهاء الأمة: لو أن شخصاً قال لآخر في حال الغضب: اسكت، ما أطيبك يا طيب؛ فإنه يقام عليه حد القذف؛ لأنه ما أراد به أن يمدحه بالطيب، أراد أن يعرب عما يعتقده فيه من أنه يأتي الفاحشة، كما قالوا هنا: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود:87]، فلو قلت: أنت الطيب الطاهر، فمعناه أنك تقول: أنت الخبيث النجس، ويقام عليه الحد، وهذا هو الظاهر، فما قالوها معتقدين أنه حليم ورشيد، لو عرفوا هذا وكانوا يعرفون لآمنوا واتبعوه ومشوا وراءه، لكن قالوها كما قالوا: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [هود:87].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقاً حسناً ...)

    فبم أجابهم الخطيب العظيم؟ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ [هود:88] أخبروني إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي [هود:88] على علم بربي وبصفاته وأسمائه وعباداته، وشرعه ومحابه ومساخطه وما أعد لأوليائه وما لأعدائه، وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا [هود:88]، إذ كان عليه السلام ذا مال وذا فضل من فضل الله تعالى، ما كان بينهم فقيراً، ولكن هو كان من أغنيائهم.

    وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [هود:88]، ليس مقصودي إذا نهيتكم عن عبادة هؤلاء الأصنام أو التماثيل أو القبور أنني أعبدها دونكم، ولا إذا نهيتكم عن تطفيف الكيل والوزن وبخس الناس أنني أفعل ذلك لأستغله وأنال هذا وحدي، هذا ما يخطر بالبال أبداً.

    إذاً: إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود:88] فقط آمركم بما أمركم الله به من عبادته وحده، واتباع شرعه ووحيه وما أنزله على رسله، وأنهاكم عن كل ما حرم الله من المحرمات، منها تطفيف الكيل والوزن وبخس الناس حقوقهم، كل هذا ما أريد به إلا الإصلاح، ولكن في حدود طاقتي وقدرتي: مَا اسْتَطَعْتُ [هود:88]، إذ لا قدرة لي أبداً أن نهديكم أو أن نصلحكم، ولكن أعلمكم وأبين لكم وأوجهكم في حدود ما نستطيع، والله! ما لي هم ولا قصد إلا هذا، فهذا رد عليهم لما قالوا: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود:87]، فقال: يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي [هود:88] ما أنا بجاهل، أنا على علم بربي؛ بأسمائه وصفاته، على علم بمحابه ومكارهه وما أعد لأوليائه، وما أعد لأعدائه، على علم واضح، وَرَزَقَنِي مِنْهُ [هود:88] من فضله وإحسانه رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [هود:88]، حاشاي أن أنهاكم عن شيء وأفعله من أجل أن أستغل الثمرة أو الفائدة، ولكن ماذا أريد؟ أريد الإصلاح فقط، أن أصلح فاسدكم، والفاسد: هو القلوب التي أدبرت عن الله وأقبلت على الأوثان والأصنام، تركت الأعمال التي شرع الله وأصرت على المنكر والباطل والتلصص والجريمة والخيانة والكذب.

    وأخيراً: وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ [هود:88]، أنا راغب، أنا محب لهذا وعازم عليه، ولكن في حدود طاقتي، وأنا مؤمن بأن توفيقي يكون بيد الله، إن وفقني فذاك، وإلا فلا ألام إذا بذلت جهدي وما في استطاعتي.

    وَمَا تَوْفِيقِي [هود:88] في هذه الدعوة وفي هذا الخير والذي وهبني إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88]، عليه لا على غيره، عليه لا على سواه اعتمدت وفوضت أمري، وإليه وحده أرجع في حاجاتي ومطلبي وما أريده؛ أرجع إليه تائباً منيباً ليس لي إلا الله، وهم لهم أصنام وتماثيل بالعشرات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح ...)

    ثم قال لهم أيضاً: وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي [هود:89]، أي: لا يحملنكم شقاقي وخلافي ونزاعي بيني وبينكم على أنني أنا في واد وأنتم في واد، أنا أعبد الله وحده وأنتم تعبدون وتشركون، أنا أدعو إلى القسط والعدل والحق والخير، وأنتم تدعون إلى الباطل والظلم والشر؛ لا يحملنكم هذا الشقاق بيني وبينكم أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ [هود:89]، أي: لا تستمروا في العناد والمكابرة والإصرار على الشرك والخيانة والكذب مشاقة لي ومعاندة لي، ما ينفعكم ذلك أبداً، لماذا؟ إني أخاف أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ [هود:89] ألا وهو الغرق الكامل الذي أفناهم وأنهاهم، أَوْ قَوْمَ هُودٍ [هود:89]، ماذا أصاب قوم هود؟ الريح العاصفة التي دمرتهم وقضت على وجودهم، وهم يعرفون هذا، أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ [هود:89] الرجفة التي أخذتهم والصيحة، وهم قريبون منهم، وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود:89]، فالمكان ما بين معان والأردن، إذ تحولت تلك الأمة إلى بحيرة منتنة تسمى بحيرة قوم لوط، وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود:89] في المسافة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود)

    قال تعالى: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ [هود:90]، أي: اطلبوا المغفرة منه، وقد علمنا أن المستغفر اعترف بذنبه فاستغفر، أي: اعترفوا بخطئكم وجهلكم وظلمكم واعتدائكم وأنكم على باطل، واطلبوا المغفرة من ربكم: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ [هود:90] أي: أعلنوا عن خطئكم واطلبوا المغفرة من ربكم، الاستغفار: طلب المغفرة، ولا يطلب المغفرة إلا من عرف أنه زلت قدمه وسقط في الهاوية ويريد أن ينقذه الله تعالى منها، وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ [هود:90] أولاً ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [هود:90]، ارجعوا إليه في كل شئونكم وأحوالكم بالتوبة الصادقة والرجعة الكاملة، بالطاعة والتسليم لأمره ونهيه، إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ [هود:90]، ما يغلق الباب في وجوهكم وقد قرعتموه، ما يصدكم عن سبيله وقد طلبتم هذا السبيل، لا ترفعون أيديكم إليه ويردها خائبة أبداً؛ لأن من صفاته أنه الرحيم الودود الذي يحب المحبين ويقبل توبة التائبين ويدنيهم ويقربهم ويحبهم؛ لأنه ودود.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    هذه كلمات شعيب، وله أيضاً كلمات أخرى ستأتي؛ لأنه جدال، فأعيد تلاوة الآيات فتأملوها:

    قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود:87] ما دمت تقف هذا الموقف.

    قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي [هود:88] وعلم يقيني وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [هود:88]، بل إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود:88]، إصلاح ماذا؟ إصلاحهم؛ لأنهم فاسدون في الأرض بالشرك والخيانة والتلصص والسرقة والإجرام، وَمَا تَوْفِيقِي [هود:88] في ذلك إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88] أرجع، فحطم الآلهة والأصنام كلها، ما هناك إلا الله، إليه المرجع وإليه الإنابة.

    ثم قال لهم: وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي [هود:89] أي: لا يحملنكم شقاقي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ [هود:89] من العذاب الدائم، لا تستمروا على العناد والمكابرة والشقاق وتجعلوا من الخلاف بيني وبينكم سبباً لإهلاككم، توبوا إلى ربكم وارجعوا إليه في صدق، قولوا: لا إله إلا الله، شعيب رسول الله، وامشوا وراءه، فأحلوا ما أحل وحرموا ما حرم قبل أن ينزل بكم العذاب المحيط، وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ * وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [هود:89-90]، أعلنوا عن خطئكم وجهلكم وقولوا: نستغفر الله ونتوب إليه، وارجعوا إليه بفعل ما يحب وترك ما يكره، هذه نصيحتي إليكم، إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ [هود:90]، ما يردكم أبداً إذا قرعتم بابه وطلبتم رضاه؛ لأنه رحيم ودود.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    مازال السياق الكريم في الحديث عن شعيب عليه السلام ]، أليس رسول الله؟ بلى، فهو من الرسل، ومن الرسل العرب، [ مع قومه أهل مدين، إنه لما أمرهم بعبادة الله تعالى وحده، ونهاهم عن نقص الكيل والوزن وبخس الناس أشياءهم والسعي في الأرض بالفساد، إذ كانوا يكسرون الدراهم وينشرونها بالمنشار ويقطعون الطريق ويصدون عنها، فردوا عليه قوله بما أخبر تعالى به عنهم في قوله: قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ [هود:87]، إنهم بهذا الخطاب ينكرون عليه نهيه لهم عن عبادة الأوثان والأصنام التي كان يعبدها آباؤهم من قبلهم، كما ينكرون عليه نهيه لهم عن نقص المكيال والميزان وبخس الناس أشياءهم، وأمره إياهم بالتزام الحق والعدل في ذلك، ينكرون عليه نهيه لهم وأمره إياهم، وينسبون ذلك إلى كثرة صلاته، فهي التي في نظرهم قد أصابته بضعف العقل وقلة الإدراك.

    وقولهم له: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود:87]، إنما هو تهكم واستهزاء منهم، لا أنهم يعتقدون حلم شعيب ورشده، وإن كان في الواقع هو كما قالوا؛ إذ الحليم هو الذي لا يحمله الغضب أن يفعل ما لا يفعله في حال الرضا والرشد، والرشيد خلاف السفيه الذي لا يحسن التصرف في المال وغيره. هذا ما تضمنته الآية الأولى.

    وأما الآيات الثلاث بعدها فقد تضمنت رد شعيب عليه السلام على مقالتهم السابقة، إذ قال: يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ [هود:88] أي: أخبروني إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي [هود:88]، أي: على برهان وعلم يقيني بألوهيته ومحابه ومساخطه، ووعده لأوليائه ووعيده لأعدائه، وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا [هود:88]، أي: حلالاً طيباً، أخبروني، فهل يليق بي أن أتنكر لهذا الحق والخير وأجاريكم على باطلكم؟ اللهم لا.

    وشيء آخر: وهو أني ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، فإني لا آمركم بتوفية الكيل والوزن وأنقصها، ولا بترك عبادة الأوثان وأعبدها، ولا أنهاكم عن كسر الدراهم وأكسرها، فأكون كمن يأمر بالشيء ولا يفعله، وينهى عن الشيء ويفعله، فيستحق اللوم والعتاب ونزع الثقة منه وعدم اعتباره، فلا يؤخذ بقوله ولا يعمل برأيه.

    وأمر آخر: هو أني ما أريد بما أمرتكم به ولا بما نهيتكم عنه إلا الإصلاح لكم ما استطعت ذلك وقدرت عليه، وما توفيقي في ذلك إلا بالله ربي وربكم، عليه توكلت في أمري كله، وإليه وحده أنيب، أي: أقبل بالطاعة وأرجع بالتوبة.

    ثم ناداهم محذراً إياهم من اللجاج والعناد، فقال: ويا يقوم! لا يَجْرِمَنَّكُمْ [هود:89] أي: لا يحملنكم شِقَاقِي [هود:89] أي: خلافي على الاستمرار في الكفر والعصيان، فيصيبكم عذاب مثل عذاب قوم نوح وهو الغرق، أو قوم هود وهو الريح المدمرة، أو قوم صالح وهو الصيحة المرجفة، وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود:89] في الزمن والمكان، وقد علمتم ما حل بهم من دمار وخراب، أي: لا يحملنكم شقاقي وعداوتي على أن ينزل بكم العذاب، واستغفروا ربكم مما أنتم عليه من الشرك والمعاصي، ثم توبوا إليه بالطاعة، إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ [هود:90] لا يعذب من تاب إليه، وَدُودٌ [هود:90] بحب من أناب إليه ].

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات ]، إذ كل آية تحمل هداية تهدينا إلى الطريق المستقيم، حيث رضا الله والجنة دار النعيم.

    [ من هداية الآيات:

    أولاً: التعريض القريب يُعطي حكم القذف الصريح ]، كما قلت لكم: حين يريد أن يتهمه بالخبث يقول: أنت طيب طاهر، فهو يريد بهذا أن يسبه بالعيب وبالخبث، كقولهم: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود:87]، ولو كانوا آمنوا بحلمه ورشده لما كفروا به ولما عصوه وخرجوا عن طاعته، ولكن يتهمونه بالحمق والسفه، نظير هذا في الآية الكريمة في قول الله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان:49]، فهل أبو جهل عزيز كريم؟ بل ذليل ومهين، ولكن من باب السخرية به والاستهزاء: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان:49].

    [ ثانياً: كراهية إتيان الشيء بعد النهي عنه ]، إذا نهينا عن سوء ألا نأتيه، عيب كبير أن ينهاكم الشيخ عن فعل كذا ويفعله، عيب وعار أننا ننهى عن باطل ونرتكبه، عن منكر ونفعله، عن محرم ونغشاه، من أين أخذنا هذا؟

    من قوله: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [هود:88].

    [كراهية إتيان الشيء بعد النهي عنه، وترك الشيء بعد الأمر به والحث عليه ]، كوننا نأمر ونحث الإخوان على فعل كذا ولا نفعله عيب كبير.

    [ ثالثاً: كراهية اللجاج والعناد؛ لما يمنع من الاعتراف بالحق والالتزام به ]، كراهية اللجاج والعناد في الخصومات لما يمنع من الاعتراف بالحق والالتزام به، إذا خاصم وجادل فإنه يغطي الحق ويقول الباطل يريد أن ينتصر، فلهذا يجب أن يكون الجدال في حدود معروفة لا تزيد، أما أن يحتدم غضبه وجداله فسيقول الباطل، من أين أخذنا هذا؟ من قوله: وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ [هود:89] إلخ الآية.

    [ رابعاً: وجوب الاستغفار والتوبة من الذنوب ]، وجوب الاستغفار والتوبة من كل ذنب نرتكبه قولاً أو عملاً، من أين أخذنا الهداية؟ من قوله: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ [هود:90].

    [ خامساً: وصف الرب تعالى بالرحمة والمودة ]، الله ودود ذو العرش المجيد، تقول: الله محب، الله يحب، الله يود، المودة من الله.. كل هذا وصف تعالى به نفسه، إذ لا نصف ربنا إلا بصفة وصف بها هو نفسه أو وصفه بها رسوله، أما أن نبتكر ونخترع وصفاً لله وإن كان يدل على الجلال والكمال فلا يجوز، صفات الله يوقف فيها عند الشرع، ما وصف الله به نفسه نصفه به، ما وصفه به رسوله نصفه به، وإذا ما كان عندنا عن الله ولا عن الرسول وصف فلا نصف الله تعالى به، فهل يجوز أن نقول: الله طويل؟ لا يجوز؛ فما وصف الله نفسه بهذا القول، لا بد من الوقوف عند الكتاب والسنة في صفات الرب عز وجل.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.