إسلام ويب

تفسير سورة هود (23)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان أهل مدين يطففون المكيال ويخسرون الميزان، فلما جاءهم نبي الله شعيب عليه السلام دعاهم إلى العقيدة الصحيحة وإخلاص التوحيد لله العزيز الحميد، ثم أمرهم بإيفاء المكيال والقسط في الميزان، وبين لهم أن ما يقومون به من التطفيف هو إفساد في الأرض، والله عز وجل لا يرضى من عباده الفساد، وهو سبحانه يبارك لعباده في القليل مع القسط والعدل، ويمحق الكثير مع الغش والتطفيف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الإثنين من يوم الأحد- والليلتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة نبي الله هود عليه السلام، والسورة مكية، أي: نزلت بمكة قبل هجرة الحبيب إلى المدينة، والمكيات كلهن يعالجن العقيدة، إذ أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة بمكة ما فرضت فريضة إلا الصلاة في السنة العاشرة، وقبل ذلك كانت الدعوة كلها منصبة على إيجاد عقيدة سليمة صحيحة في قلوب المؤمنين، ويومها يصبحون مستعدين للجهاد والبذل والعطاء والعبادات بأنواعها، وأعظم ما يعالج في العقيدة التوحيد، أي: لا إله إلا الله، وإثبات النبوة لرسول الله وتقريرها، والإيمان بالبعث الآخر والحياة الثانية، يوم القيامة، وما يتم فيه من حساب وجزاء إما بالنعيم المقيم وإما بالعذاب الأليم.

    وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها جميعاً إن شاء الله تعالى، والله نسأل أن ينفعنا بما نعلم ونعمل.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [هود:84-86].

    بعثة شعيب إلى قبيلة مدين المنحدرة من نسل إبراهيم عليه السلام

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا [هود:84] أي: كما أرسلنا نوحاً إلى قومه، وأرسلنا هوداً إلى قومه، وأرسلنا صالحاً إلى قومه، وأرسلنا لوطاً إلى قومه أرسلنا كذلك شعيباً إلى قومه.

    وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا [هود:84] مدين اسم القبيلة، وسميت باسم أبي القبيلة، اسمه مدين بن إبراهيم من ذرية إبراهيم عليه السلام، وتزوج بنت ابن أخي إبراهيم لوط، وأنجب ما شاء الله، وأصبحت أمة، وداخلها الحيف والانحراف والشرك والكفر كما تشاهدونه في العالم، فأرسل إليهم نبيه ورسوله شعيباً عليه السلام، وهو من ذرية مدين عليه السلام، قال تعالى: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا [هود:84]، فهذه الأخوة أخوة نسب؛ لأنه منهم وهم منه، الكل يعود إلى مدين بن إبراهيم عليه السلام.

    سر ابتداء شعيب والأنبياء بالدعوة إلى العقيدة الصحيحة

    إذاً: ماذا قال لهم لما أرسله يحمل الرسالة؟ قال: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [هود:84]، بدأ بماذا؟ بالتوحيد، بدأ بالعقيدة، إذ العقيدة السليمة الصحيحة بمثابة الروح للجسد، فمتى عدمها الإنسان فهو ميت لا يؤمر بصلاة ولا زكاة، ولا ينهى عن ربا ولا زنا، ومتى صحت العقيدة وسلمت وكانت وفق ما يريد الله عز وجل لعباده فصاحبها -والله- حي، مره بالجهاد يخرج معك، مره بالإنفاق فوالله! قد يخرج من ماله كما خرج أبو بكر ، أما الجهاد وأما الصلاة وأما الصيام وأما العبادات فهو مستعد وقادر عليها؛ لأنه حي، فهل فهمتم هذه الحقيقة؟ والله! لهي خير من عشرين ألف ريال لمن أدركها وفهمها.

    أعيد فأقول: العقيدة -وهي الإيمان بالله وبما أمر الله أن نؤمن به إيماناً صادقاً صحيحاً- هذه العقيدة صاحبها حي بين الناس، يؤمر فيمتثل، ينهى فينتهي ويمتثل؛ لكمال حياته، وعادمها من أهل الشرك والكفر ميت.

    والدليل: هل نأمر اليهود إذا كانوا في ديارنا بأن يقيموا الصلاة معنا؟ هل نأمرهم بصيام رمضان إذا هل هلاله؟ الجواب: لا، فما السر، لماذا؟ لأنهم أموات، ما حيوا، انفخ فيه روح الإيمان فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وحينئذ مره يفعل، هذه الحقيقة.

    سبب ضعف العقيدة في المسلمين وطريق تصحيحها

    وأضيف إليها أخرى: وهي إذا كانت العقيدة مهلهلة مخلخلة، فيها الزيادة والنقص، والتقديم والتأخير، ما كانت موافقة لعقيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأولادهم وأحفادهم، فصاحبها ليس بميت ولكنه مريض، والمريض يقدر أحياناً على أن يقوم ويمشي وأحياناً ما يستطيع، يقدر أحياناً على أن يصوم وأحياناً ما يستطيع؛ لمرضه، وهذا واقع أمة الإسلام، فمرض العقيدة هو الذي كان ضعفاً في الإنسان، يمتثل أمر الله في كذا ولا يمتثله في كذا، ينتهي عما نهى الله عنه في كذا ولا ينتهي عما نهى عنه في كذا، هذا هو الواقع، فما سبب ذلك؟ ضعف العقيدة، ما هي بسليمة وما هي بصحيحة، لو عرضها على الكتاب ما وافق عليها، لو عرضها على هدي رسول الله وسنته ما صدقتها، فما سبب هذا؟ الجهل هو الذي سبب هذا المرض، إذاً: فهيا بنا لنزيل الجهل ونبعده عنا، فكيف نفعل؟ كيف نزيل الجهل وكيف نبعده؟ هل بفتح المدارس؟ لقد فتحناها، وملأت الدنيا وما نفعت، لماذا المدارس ما نفعت؟ لأنها ما فتحت لأجل أن يذكر الله فلا ينسى ويشكر فلا يكفر ويطاع فلا يعصى، شابتها شائبة الوظيفة والعمل الدنيوي فما أنتجت، واعلموا بأني لا أقول إلا ما وفقني الله إليه، وإني لموقن أني لا أقول في هذا المكان إلا الحق.

    إذاً: نعود إلى ما نبكي عليه يوماً بعد يوم، فهيا بنا لنزيل الجهل عنا يا أمة الإسلام، من أندونيسيا شرقاً إلى موريتانيا غرباً، فماذا نصنع يا شيخ، كيف نفعل؟

    الجواب: نؤمن حق الإيمان، ونصبح أهلاً لطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، لو أمرنا الله بالموت لمتنا، وحينئذ مع هذا الاستعداد إمام المسجد في القرية أو في الحي أو في المدينة يقول: أيها الأبناء، أيها الإخوان، معشر المؤمنات! من ليلتنا هذه لا يتخلف منا رجل ولا امرأة ولا طفل عن شهود صلاة المغرب والعشاء في مسجدنا هذا، فإذا دقت الساعة السادسة مساء وقف دولاب العمل، فلا متجر ولا مصنع، لا مقهى ولا ملهى، والفلاح يرمي بمسحاته ومنجله، ويأتي الكل إلى بيت ربهم ليطرحوا بين يديه ضارعين سائلين، لا هم لهم إلا رضاه، فإذا صلوا المغرب جلسوا مجلسكم هذا، وجلس لهم عالم رباني كمجلسي هذا، وليلة آية من القرآن الكريم تتلى فتحفظ في ربع ساعة، وتشرح وتفسر في ساعة، وتوضع أيديهم على المطلوب منها، فإن كان عقيدة اعتقدوها، وإن كان واجباً عرفوه وعزموا على النهوض به، وإن كان منهياً تركوه وتخلوا عنه، وفي الليلة الثانية حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا طول العام، طول الحياة.

    قد تقول: يا شيخ! تريدنا أن نعطل الحياة ونوقفها؟ ما معنى أننا نأتي إلى المسجد بنسائنا وأطفالنا ورجالنا كل ليلة؟

    الجواب: الذين قلدناهم ومشينا وراءهم، واعتقدنا أنهم أهل العلم بالدنيا، إذا دقت الساعة السادسة في لندن أو باريس أو نيويورك وقف العمل، وأين يذهب النصارى؟ إلى دور السينما، إلى الملاهي، إلى الملاعب، إلى المقاصف، يا إخوة الإسلام! والله لكما تسمعون، فكيف ونحن نريد أن نشق السماوات السبع ونتجاوزها إلى الفردوس الأعلى نعجز عن أن نقف بين يدي ربنا ساعة في الأربع والعشرين ساعة، وهم لا يعجزون أن يتيهوا في الباطل والشر والكفر؟

    فلو تم هذا في أية قرية، في أية مدينة، في أي حي من الأحياء سنة واحدة لقلنا: تعالوا لنزورهم وندخل إليهم وننظر أحوالهم، والله! ما يبقى بينهم فاسق ولا جائر ولا ظالم ولا مراب ولا زان ولا كذاب، وتنتهي مظاهر الخوف والفزع ومظاهر الجوع والعري، كل ذلك ينمحي؛ لأنهم أصبحوا أولياء الله، والله يقول عن أوليائه: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، فمن يرد على الله؟

    هذا هو الطريق، وقلنا: نعطي جوائز لمن يطبق هذه، والله! لنقصدنهم لنزورهم إذا شاهدناهم يفعلون هذا، وقد كتبنا كتاب (المسجد وبيت المسلم) ليسهل الطريق، ثلاثمائة وستون آية وحديثاً، فيوماً آية ويوماً حديث، على أن تقبل عليه الجماعة بنسائها وأطفالها في المسجد، وبعد سنة ننظر أحوالهم كيف ستتغير، ولكن كأنما وزعنا الكتاب على القبور، إذاً: ماذا نقول؟ لا إله إلا الله.. لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله!

    عموم الدعوة إلى عبادة الله تعالى وحده

    ونعود إلى الآية الكريمة، فرسالة الرسل مفتتحة بكلمة: (اعبدوا الله) أولاً لا تعبدوا غيره، إذ ليس لكم إله سواه، ومعنى (اعبدوه): أطيعوه في الأمر والنهي، فما هي أوامره ونواهيه؟

    المعلم يعلمنا بما أمر الله وبما نهى الله، ونعلم ونعمل، وبذلك تتحقق ولايتنا لله، إذ لا بد من العلم، فشعيب عليه السلام قال لقومه: اعبدوا الله، فكيف نعبده يا شعيب؟ اعبدوه بكذا وكذا وكذا، وتجنبوا أن يعبد مع الله غيره من سائر المعبودات.

    إذاً: وهذه أمة الإسلام من حقنا أن نقول لها: أيها المسلمون! اعبدوا الله ما لكم من إله غيره؛ إذ نجد من يعظم غير الله فيحلف به: وحق فلان، ورأس فلان، وسيدي فلان! وهذا -والله- شرك في تعظيم الله وعظمته، ونجد من يستغيث ويستعيذ: يا سيدي فلان! في القبور، في الأضرحة، في كل مكان، حتى إذا سقطت سبحته من يده قال: يا سيدي عبد القادر ! وهكذا، إذاً: حق لنا أن نقول: يا أيها المسلمون! اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.

    معنى قوله تعالى: (ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط)

    ثم قال تعالى عن عبده ورسوله شعيب: وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ [هود:84]، إذ شاعت فيهم هذه الفاحشة، ظهر فيهم هذا المنكر والباطل، وهو التطفيف في الكيل والوزن، إذا كالوا لك أو وزنوا لك يبخسون ذلك ولا يعطونك المكيل أو الموزون وافياً، وإذا اكتالوا منك أو وزنوا فإنهم يوفونه عناداً ومكابرة، يقولون: ورثنا هذا عن آبائنا وأجدادنا، وهي من جملة المنكر والباطل والمحرمات التي يتعاطونها، لكن أبرز هذه المحرمات هذا الظلم، يضاف إلى ذلك أنهم يصدون عن سبيل الله، ينزلون في الطرقات، ويطالبون الناس بالمكوسات، يقال للمرء : ادفع كذا وإلا فلن تمر، وينصبون أنفسهم في الطرقات ويقولون للمرء: أين تذهب؟ فإن قال: أذهب إلى شعيب، يقولون: ارجع ولا تذهب إليه، ويردونه بالقوة، إذ جاء من سورة الأعراف قول الله تعالى عنه: وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا [الأعراف:86]، هذه جرائمهم: التطفيف في الكيل والوزن، وأخذ المكوسات، وبخس الناس في مبيعاتهم، في مشترياتهم، في أعمالهم، صفة عامة في هذه الأمة، فأراد الله علاجها وإصلاحها، فبعث رسوله شعيباً، وها نحن نسمع ما يقول، يقول: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [هود:84] أولاً، وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ [هود:84]، كانوا في خير والحمد لله، الطعام متوافر، اللباس متوافر، ما هم في مجاعة، ولا في ضعف بحال من الأحوال، إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ [هود:84]، ألا وهو عذاب الدنيا، عذاب الإبادة والاستئصال، بحث لم يبق منهم أحد، وعذاب الآخرة الذي لا يفارق أصحابه، هذا العذاب المحيط.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ...)

    ثم قال لهم: وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ [هود:85]، قالت العلماء: على الذي يكيل أو يزن أن يوفر شيئاً حتى يطمئن إلى أنه وفى، ما يمسك الميزان في الوسط وينظر ألا تسقط أو تنزل صفحة من صفحات الميزان، لا بد من التوفية ولا بد من القسط الذي هو العدل: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ [الأنعام:152].

    وأذكركم بقول الله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ [المطففين:1-3] كالوا لهم، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:3-6]، هذه السورة مدنية ما هي مكية، ونزلت في أهل المدينة، واعترفوا بذلك، فقالوا: كنا أسوأ الناس كيلاً ووزناً، سواء في الشرق أو الغرب، ما إن نزلت فينا هذه الآية حتى أصبحنا أعدل الناس كيلاً ووزناً، واستمر هذا إلى مدة حوالي أقل من أربعين سنة، لما أتينا المدينة مهاجرين والله! كنت أعجب من الذي يكيل أو يزن، أقول له: لا تسقط الميزان هكذا، فيقول: لا، أمرنا هكذا، استمرت من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الوقت القريب، والآن لا أدري، وقد قال قائل: هم إلى الآن في المدينة هكذا، فثبتهم الله إلى يوم لقائه.

    وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ [هود:85]، والقسط: العدل، ليس فيه نقص ولا زيادة، ولكن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لا بد من توفية، حتى تطمئن إلى أنك ما ظلمت ولا بخست.

    وقوله: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [هود:85]، بخس الناس أشياءهم كأن ساومه في بقرة، في بعير، في منزل، في بستان، في بضاعة يعرف أنها تساوي عشرين ويقول له: بعشرة، وهذا شائع بين الناس، يعرف أنها تساوي عشرين، فيقول له: هل تبيعها بخمسة عشر؟ فما يجوز، وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [هود:85]، كذلك أجرة العمال، تعرف أن العامل هذا يأخذ عشرة، فتقول له: أعطيك خمسة، تبخسه في عمله، فما يجوز.

    وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [هود:85] مطلقاً، إذا كان العامل في العادة يشتغل بألف فلم تقول أنت: نعطيك ثمانمائة؟ قل: أعطيك ما يعطون العمال، فلو كنت مكانه أيرضيك هذا؟ الناس يأخذون ألفاً وأنت تأخذ خمسمائة؟ ‏

    معنى قوله تعالى: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين)

    (( وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ))[هود:85]، العثو والعثي في الأرض هو العمل بالمعاصي، الذين يفسدون في الأرض كيف يفعلون؟ هذا تارك صلاة، وهذا آكل ربا، وهذا خائن وهذا سارق، هذا عاق لوالديه، هذا كذاب، هذا متكبر، كلهم مفسدون في الأرض، إذ الأرض لا تصلح إلا على طاعة الله ورسوله، أي: على العدالة والاستقامة، فإذا وقعت انحرافات، فهذا تارك واجبات وهذا فاعل محرمات؛ فهذا هو العثو في الأرض والفساد فيها، ولا تعثوا في الأرض مفسدين فيها، عثا يعثو، وعثي يعثى كرضي يرضى: إذا أفسد. والآن أقولها في وضوح وصراحة، نحن -معاشر الإخوان المؤمنين السعوديين- في نعمة، فإما أن نحفظها وإما أن تسلب من أيدينا، أحببنا أم كرهنا، وكيف نحفظها؟ بألا نفسد في الأرض التي طهرها الله تعالى وصفاها ونقاها وأكرم أهلها وأمنهم من مخاوف، فإذا سعينا فساداً في الأرض فوالله! لن تدوم النعمة، فقيد النعم هو الشكر. إذاً: فمن الليلة لا دش في بيوتنا، لا يرى الله تعالى ولا ملائكته صورة لخليعة ولا لفاسد في بيوتنا أبداً؛ لأننا أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتحت راية: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فمن غد لا يقف أحد منا أمام بنك ربوي أبداً بحال من الأحوال، نعرض عن تلك البنوك، فوالله! لتغلقن أبوابها بدون شيء، فقط لا نمشي، لا نقف أمامها، فهل نحن ملزمون بها؟ والله! ما بيننا ملزم أبداً، ولا يوجد في دولتنا ملزم، نحن الذين فتحناها بأيدينا بعيداً عن الحكومة، وفتحنا أبوابها ورغبنا الناس فيها وأوقعناهم في محنتها، فماذا نقول: (( وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ ))[هود:85] أرض المملكة (( مُفْسِدِينَ ))[هود:85]، كيف نفسد فيها؟ تارك الصلاة أفسدها، عاق والديه أفسدها، الكذاب أفسدها، آكل الربا أفسدها، المتأخر عن الصلاة المهمل لها أفسدها، كل معصية لله هي الفساد؛ لأن نظام الحياة الإسلامية كخط مستقيم، كل من خرج عنه أفسد، فهيا نستقم على منهج الحق، ولا يرى ربنا تعالى فينا مفسدين في الأرض، كما نصح شعيب لقومه: (( وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ))[هود:85].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ)

    قال تعالى: بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ [هود:86]، هذا قول شعيب، يا جماعة! ما عند الله خير لكم مما عندكم، البركة التي يتركها في مالك إذا عدلت وما بخست ولا نقصت خير من هذا الذي تريد أنت، والمدخر لك يوم القيامة أفضل من هذا، طاعتك لله ورسوله أفضل من مالك وتجارتك، بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [هود:86]، عدنا من حيث بدأنا: إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [هود:86]؛ لأن المؤمنين أولياء الله، والله يعزهم ولا يذلهم، يسعدهم ولا يشقيهم، الإيمان هو الذي يحمل على الطاعة الكاملة لله ورسوله.

    وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [هود:86]، ما أنا بموكل بهدايتكم وإصلاحكم لا بالعصا ولا بالسيف أبداً، ما أنا بمسئول عن هذا، كل ما في الأمر أني أعظكم وأبين لكم، ما عندي سلطة على أن نصلح بيعكم وشراءكم، أو نصلح قلوبكم ونفوسكم، لست مكلفاً بهذا، أنا مكلف بأن أبلغكم واعظاً مذكراً منبهاً، وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [هود:86].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    أسمعكم شرح الآيات من الكتاب.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    هذه بداية قصص شعيب عليه السلام مع قومه أهل مدين، قال تعالى: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا [هود:84]، أي: وأرسلنا إلى قبيلة مدين أخاهم في النسب شعيباً، قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [هود:84]، أي: وحدوا الله تعالى، ليس لكم إله تعبدونه بحق إلا هو، إذ هو ربكم الذي خلقكم ورزقكم ويدبر أمركم.

    وقوله: وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ [هود:84]، أي: لا تنقصوا المكيال إذا كلتم لغيركم، والميزان إذا وزنتم لغيركم، وقوله: إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ [هود:84]، أي: في رخاء وسعة رزق ] وكانوا كذلك، [ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ [هود:84]، أي: إن أصررتم على الشرك والنقص والبخس، وهو عذاب يحيط بكم، فلا يفلت منكم أحد.

    وقوله: وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ [هود:85]، أمر بتوفية المكيال والميزان بالعدل بعد أن نهاهم عن النقص تأكيداً لما نهاهم عنه ]، نهاهم عن النقص وأمرهم بالتوفية، [ وليعطف عليه نهياً آخر، وهو النهي عن بخس الناس أشياءهم، إذ قال: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [هود:85] أي: تنقصونهم حقوقهم وما هو لهم بحق من سائر الحقوق، ونهاهم عما هو أعم من ذلك، فقال: وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [هود:85]، أي: ولا تسعوا في الأرض بالفساد، وهو شامل لكل المعاصي والمحرمات.

    وقوله: بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [هود:86]، أي: وما يبقى لكم بعد توفية الناس حقوقهم خير لكم مما تأخذونه بالنقص ] والبخس، لما في الأول من البركة، ولما في الثاني من المحق لها، إن كنتم مؤمنين بشرع الله ] ووعده ووعيده.

    [ وقوله: وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [هود:86] أي: بمراقب لكم حين تبيعون وتشترون، ولا بحاسب محصٍ عليكم ظلمكم فأجازيكم به، وإنما أنا واعظ لكم ناصح ليس غير هذا ].

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات.

    من هداية الآيات:

    أولاً: وحدة دعوة الرسل ]، أي: دعوتهم كلها واحدة لا تختلف كما قدمنا، [ وهي البداية أولاً بتوحيد الله تعالى، ثم الأمر والنهي لإكمال الإنسان وإسعاده بعد نجاته من الخسران ].

    أولاً: التوحيد بأن يعبد الله وحده.

    ثانياً: الأمر والنهي لإكمال الإنسان وإسعاده بفعل الأوامر وترك النواهي، فمتى نشقى؟ إذا تركنا الأوامر، أليس كذلك؟ إذا أضعنا الصلاة والزكاة، إذا فعلنا المنهيات فشربنا الخمر وزنينا.. وهكذا.

    [ ثانياً: حرمة نقص الكيل والوزن أشد حرمة ]، وحسبنا أن يواجه الله أهل المدينة ويقول: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين:1]، والويل: واد في جنهم اسمه ويل، وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:1-6].

    [ ثالثاً: وجوب الرضا بالحلال وإن قل، وسخط الحرام وإن كثر ]، من أين أخذنا هذا؟ من قوله: بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ [هود:86]، فريال حلال -والله- خير من مائة ألف حرام، أقسم بالله الذي لا إله غيره! لعشرة ريالات حلال أفضل من عشرة ملايين من حرام، فالبقية الحلال أفضل من قناطير السرقة والاختلاس.

    [ رابعاً: حرمة بخس الناس حقوقهم كأجور العمال وأسعار البضائع ونحو ذلك ]، ما هناك فرق بين بضاعة وبين رجل عامل أو امرأة عاملة.

    [ خامساً: حرمة السعي بالفساد في الأرض بأي نوع من الفساد، وأعظمه تعطيل شرائع الله عز وجل ].

    وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.