إسلام ويب

تفسير سورة هود (21)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أقام لوط عليه السلام في قومه يدعوهم إلى عبادة الله، وتطهير أنفسهم مما هم مقيمون عليه من إتيان الفاحشة، ولكنهم أعرضوا واستمروا في فسقهم وفجورهم حتى هموا بإخراج لوط من بين أظهرهم، فلما أراد الله وضع نهاية لقصتهم أرسل إلى لوط ملائكة في صورة البشر، فلما رآهم كره مقامهم وخشي عليهم من قومه، فلما تسامع بهم قومه أتوه مسرعين، وللاعتداء على ضيفه عازمين، فأخبرته الملائكة بمصير قومه من المكذبين، وأمرته بالخروج مع من آمن من قومه حتى لا يصيبهم ما قدر للظالمين من العذاب الأليم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة هود عليه السلام المكية، والمكيات تعالج العقيدة، وتعالج أهم أركانها، الركن الأول: التوحيد، أي: لا إله إلا الله، والثاني: النبوة المحمدية وتقريرها، والثالث: عقيدة البعث الآخر والحياة الثانية، وما يتم فيها من حساب وجزاء على العمل في هذه الدنيا.

    وها نحن مع هذه الآيات الأربع، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها إن شاء الله، والله نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ * قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ * قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:77-80].

    مجمل الأحداث الواقعة من الملائكة قبيل نزولهم بقرى قوم لوط

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه بداية قصة لوط عليه السلام، وقد علمنا أن وفداً مكوناً من ثلاثة ملائكة هم: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، نزلوا ضيوفاً على إبراهيم، وقام بالضيافة، وبشر بهلاك قوم لوط، بتدميرهم وإنهاء وجودهم؛ لأنهم أجرموا إجراماً ما أجرمه أحد، وبشروا زوجته بتلك البشرى السارة أيضاً، وهي بأن يرزقها الله ولداً ويرزق ذلك الولد ولداً: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71].

    وعرفنا أن إبراهيم لما عرض الأكل ذلك اللحم المشوي المحنوذ وامتنع الضيف عن الأكل ارتاب وفزع وخاف، وكان قد قال لهم: أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات:91]؟ قالوا: إنا لا نأكل طعاماً إلا بثمنه، قال: كلوه بثمنه، قالوا: فما هو ثمنه؟ قال: أن تسموا الله في أوله، بأن تقولوا: باسم الله، وتحمدوا الله في آخره، بأن تقولوا: الحمد لله، وهذه سنة المسلمين إلى يوم الدين، إلا من غفل أو هلك فخرج من دائرة الإيمان والمعرفة، لا يأكل مؤمن ولا مؤمنة ولا يشرب إلا ويسمي الله أولاً وينهي طعامه وشرابه بالحمد لله، وهذه خير من الدنيا وما فيها.

    ثم إن إبراهيم وهو الأب الرحيم ما أطاق أن تدمر سدوم وعمورة وتلك المدن وفيهم مسلمون، وفيهم مؤمنون، شفقة عليهم ورحمة بهم، فأخذ يجادل الملائكة: هل ستفعلون وفيهم خمسون؟ قالوا: لا نفعل بهم إذا كان فيهم خمسون، وإذا كان فيهم أربعون، وإذا كان فيهم ثلاثون، قال: وإذا كان فيهم عشرة؟ قالوا: وليس فيهم عشرة، قال: إذاً: بئس القوم الذين لا يوجد فيهم عشرة مسلمين. وقال: إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ [العنكبوت:32]، وأهله عرفنا أنهم زوجته وبناته، إلا أن امرأته كانت من الهالكين.

    ذكر ما كان من لوط عليه السلام حين نزل به الملائكة ضيوفاً

    ثم ذهبوا إلى ديار قوم لوط إلى مدن سدوم وعمورة، وفي طريقهم مروا بابنتي يعقوب تستقيان الماء فقالتا: ذاك الشيخ الذي تنظرون إليه -وأشارتا إلى والدها- هو الذي يضيفكما، كانوا يسألون من يضيفهما في هذه المدينة، فأشارتا إلى أبيها لوط عليه السلام، ولما وصلوا وانتهوا إليه كان ما قصه الله تعالى: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا [هود:77].

    اعلموا أن لوطاً لم يعرف أنهم ملائكة وأنهم مرسلون من قبل الله، فما عرف إلا أنهم استضافوه وبحثوا عمن يضيفهم، فليس هناك سوى لوط، أشارت ابنتاه إليه فهو الذي يضيفهما، قال تعالى: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا [هود:77] ولوط عرفتم أنه ابن أخي إبراهيم، والده هاران ، هاران أخو إبراهيم، فلوط ابن أخي إبراهيم، وقد عرفتم أنه هاجر معه من بابل العراق إلى الشام.

    وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ [هود:77] تغير، تألم، حصل له السوء، ماذا يصنع وهم حسان الوجوه في صورة شبان من أجمل الشبان؟ خاف عليهم من أولئك المجرمين المفسدين في الأرض، وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ [هود:77] إي والله، هذا يوم عصيب، سيهاجمونه في بيته ويفتكون بضيوفه، كيف لا يكون اليوم عصيباً وشديداً عليه؟

    وبالفعل ما إن شعروا بالضيوف حتى جاءوا كالكلاب يهرعون، فأغلق الباب عليهم، ووقف في الباب، وقال ما ستسمعون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات ...)

    قال تعالى: وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ [هود:78]، ولوط ليس من هذه الأمة أهل سدوم وعمورة وتلك المدن، هو من بابل العراق كما علمتم، ما عنده قريب، لا عصبة ولا جماعة ولا قوم، وإنما أرسله الله إليهم ليعلمهم، ليرشدهم، ليبصرهم، ليهديهم، فرفضوا، أبوا إلا الشرك والكفر واللواط والعياذ بالله تعالى، فما إن سمعوا حتى جاءوا، ولعل امرأته هي الخائنة التي أشارت إليهم بأية واسطة أنه يوجد ضيوف عند لوط فهاجموهم، ولا يبعد هذا لأنها كانت من الغابرين الهالكين.

    وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ [هود:78] الإهراع كيف يكون؟ سرعة مع لهث كالكلاب، الشهوة تدفعهم وهم في تلك الحال، وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ [هود:78]، أي: ومن قبل هذا المجيء لهذه السيئات كانوا يفعلونها، والسيئات: جمع سيئة، والسيئة: الفعلة أو الخصلة أو الكلمة أو أية حركة من شأنها أن توجد السوء في النفس، والسوء في النفس ظلمة وعفن ونتن، فتخبث بذلك النفس.

    معنى السيئة وحقيقتها

    نذكر معاشر المستمعين والمستمعات أن كلمة السيئة هي الواحدة من السوء، والسوء ما يسوء إلى النفس التي بين جنبي الإنسان، التي في صدره، هذه النفس كل كلمة محرمة، كل قول ممنوع، كل حركة ذهاباً أو إياباً محرمة، كل أكل، كل شرب، كل عمل حرمه الله ونهى عنه وتوعد فاعله بالعذاب هو سيئة، ومن شأنها حسب سنة الله تعالى أنها تسيء إلى النفس فتحولها إلى نفس كأنفس الشياطين في خبثها ونتنها وعفنها، وصاحب هذه النفس لا يرجى له الخير ولا خير فيه أبداً.

    وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ [هود:78] الشرك والكفر والظلم والاعتداء، وأقبح سيئة أن يأتي الذكر الذكر، وجاء من سورة العنكبوت: أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ [العنكبوت:29]، يركب بعضهم بعضاً وهم يضحكون في النادي.

    ويروى أن من علمهم هذه الجريمة هو إبليس، فلم تعرف البشرية ذلك قبله قط، وقد قصصنا غير ما مرة تلك القصة لما حدث اللواط على عهد عمر ، لاط رجل بآخر في البحرين من العجم، فتعجب العرب من الصحابة وأولادهم، كيف ينزو الذكر على الذكر؟! ما كادوا يصدقون أبداً، فاختلفوا في الحكم، فحكم علي رضي الله عنه بأن يرسلا من أعلى جبل إلى أسفله ثم يضربا بالحجارة حتى الموت، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، أبو حنيفة يقرر أن اللائط لا بد أن يرسل من أعلى مكان -ولو من الصومعة- إلى الأرض ثم يرجم بالحجارة، أي: نفعل به كما فعل الله بقوم لوط، وغير الإمام أبي حنيفة يطبق عليه حد الزنا بالرجم حتى الموت.

    والشاهد عندنا: أنهم يعملون السيئات، والسيئات كل ما يسيء إلى نفسك فيخبثها ويلوثها حتى ولو نظرة تتعمدها هكذا وتنظر إلى امرأة لا تحل لك، فلهذا -معاشر المؤمنين والمؤمنات- يجب أن نتحاشى السيئات، وأن نبتعد عنها ولو أن نهاجر من بلد، من قرية، من عمل نجد أنفسنا مضطرين فيه إلى فعل السيئات، فتجب الهجرة؛ لأن السيئات إذا تلوثت بها النفس حرمت رحمة الله ورضوانه.

    معنى قوله تعالى: (قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم)

    قَالَ [هود:78] أي: قال لوط عليه السلام لقومه الذين جاءوا كالكلاب فزعين يهرعون: يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ [هود:78]، هل المراد من بناته بنتاه اللتان إحداهما ثيب والأخرى محصنة، أو المراد ببناته نساء البلاد؟ الصحيح أنه نساء البلاد؛ إذ الرسول أب للأمة، وتقدم لنا هذا في قول الله تعالى: وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]، قرأ عبد الله بن مسعود في قراءة ليست سبعية: (وهو أب لهم)، فقوله: هَؤُلاءِ بَنَاتِي [هود:78] يعني كل النساء في تلك البلاد يعتبرن بناته ولا حرج؛ لأنه سيدهم وكبيرهم.

    هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ [هود:78]، تريدون الفاحشة هذه؟ أليست المرأة أطهر من الرجل؟ كيف يأتي الرجل الرجل ويفعل فاحشة في دبره، ويترك المرأة التي خلقها الله لذلك وهي أطيب وأطهر ما تكون؟

    ولا عجب؛ فقد بلغنا أنه يوجد في أوروبا أندية اللواط، هذه الجريمة نذكر بها قول عبد الملك بن مروان وهو يخطب الناس على المنبر في دمشق، فأقسم بالله قال: لولا أن الله تعالى ذكر قصة قوم لوط ما كان يخطر ببالنا أن الرجل ينزو على الرجل، وأن الذكر ينزو على الذكر أبداً، وكانت للعرب همة امتازوا بها، من ذلك: أنهم لا يوجد في ديارهم البغال، البغال توجد في مصر وفي الشام وفي الفرس، في جزيرة العرب لا يوجد بغل ولا بغلة، حتى أهدى المقوقس بغلة بيضاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسمى دلدل، لماذا ما توجد البغال؟ لأن العرب لا تطيب نفوسهم ولا تسمح لهم أن ينزو الحمار على الفرس، ما يستطيعون أبداً ولا يقبلون أن ينزو الحمار على الفرس حتى تلد بغلة.

    وبلاد العرب والمسلمين -والحمد لله- هي أقل ما توجد فيه هذه الفاحشة والعياذ بالله، ويجب ألا توجد، وجزاء هذا الفاعل الإعدام، حتى ولو كان صبياً؛ للحديث: ( إذا وجدتم من يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول ).

    معنى قوله تعالى: (فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد)

    قال تعالى: قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي [هود:78]، اتقوا الله، خافوا عذابه وغضبه وسخطه أن ينزل بكم عذابه، واتقوه ولا تخزوني في ضيفي.

    وقد تقدم أن الضيافة من شعار الإسلام والمسلمين، وأنها من واجبات هذه الأمة، وأن الضيف يجب أن يكرم وأن يصان ماله وأن يحفظ فلا يؤذى لا في ماله ولا في عرضه ولا في دينه؛ لا أنك تستضيفه وتؤذيه! فهذا رسول الله لوط صلى الله وسلم عليه وعلى نبينا قال لقومه: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي [هود:78]، وهو عند الباب يدفعهم.

    ثم قال لهم: أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [هود:78] ذو عقل، ذو وعي، ذو بصيرة، ذو رشد بعيد عن السفه والحمق والطيش؟ أما يوجد فيكم رجل بصير؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد)

    قال تعالى: قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ [هود:79] هذا هو الجواب، لما قال لهم: أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [هود:78] يدفع عني هذه المحنة، ويردكم على أعقابكم ويهزمكم في طلبكم هذا؟ إذ لو كان بينهم من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لكان يصدهم، لو كان فقط بينهم ذو عقل أو خلق لقال: هذا سلطانكم، إمامكم، رسولكم جاءه ضيف، فلا تعتدوا على ضيفه، أكرموا هذا الضيف كما يكرمه، صونوه واحفظوه لا أن تتكالبوا عليه!

    وحقاً ليس فيهم رجل رشيد، فلهذا فالبلد أو القرية التي لا يوجد فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لا حياة أسوأ من حياتها، ولا خير في البقاء فيها، إذا وجدت قرية أو مدينة ما يوجد فيها من يأمر بالمعروف ولا من ينهى عن المنكر فكيف تكون الحياة فيها؟ أسوأ من الجحيم، أقبح وأسوأ، وهذه الكلمة من نبي الله لوط كلمة عجيبة: أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [هود:78].

    فأجابوه قائلين: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ [هود:79] أي حق في بناته؟ وهل قال لهم: لكم فيهن حق حتى يقولوا: ما لنا في بناتك؟ يعني: ما لنا غرض ولا شهوة ولا رغبة في بناتك، أنت تعرف هذا، مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ [هود:79]، ما نحن بأزواج لبناتك ولا نطالبك بذلك، ولكن تعلم ما نريد.

    وقد حكى الله تعالى لنا قول لوط للرسل من الملائكة في سورة الذاريات فقال: قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات:31-36].

    وهنا يقول تعالى: قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ [هود:79] أي: نريد إتيان الذكران الذين عندك، هؤلاء الشبان نريد أن نفعل بهم الفاحشة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد)

    فقال عليه السلام: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً [هود:80]، آهٍ لو كان عندي قدرة على ضربكم وإبادتكم لفعلت، أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:80] ما عندنا قبيلة تحمينا ولا جماعة ولا منظمة، وهنا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( ويرحم الله لوطاً؛ لقد كان يأوي إلى ركن شديد ) ألا وهو ركن الله عز وجل، غفل، والإنسان يغفل.

    وأصل الحديث في البخاري ومسلم ، يقول صلى الله عليه وسلم: ( نحن أحق بالشك من إبراهيم ) يعني: إذا كان إبراهيم يشك فنحن أحق بالشك منه، ولكن ما شك إبراهيم؛ إذ قال تعالى عنه: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا [البقرة:260] وبالفعل فعل، أخذ أربعة طيور فذبحها، ووضع كل جزء على جبل ثم ناداها والرءوس بيده، فيأتي الطير ويلصق رأسه به.

    فلهذا يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( نحن أحق بالشك من إبراهيم ) ما شك إبراهيم أبداً، إذ قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260]، لنشاهد العملية كيف تتم، وقال صلى الله عليه وسلم: ( ويرحم الله لوطاً؛ فقد كان قد يأوي إلى ركن شديد )، فلوط عليه السلام قال: أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:80]، ما عندي، فنسي الله عز وجل.

    وقال صلى الله عليه وسلم: ( ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي )، لو أنني سجنت كما سجن يوسف سبع سنوات وجاءني الداعي يقول: اخرج فوالله لأخرجن، ويوسف قال: لا، حتى يبحث الموضوع وتتحقق القضية.

    أعيد عليكم هذا الحديث المنير الذي رواه الشيخان، يقول صلى الله عليه وسلم: ( نحن أحق بالشك من إبراهيم )؛ إذ قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260]، ( ويرحم الله لوطاً؛ لقد كان يأوي إلى ركن شديد )، ألا وهو ركن الله فيحميه ويقيه، ( ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي )، فيوسف ما أجاب الداعي، بل قال: حتى يقع كذا وكذا.

    إذاً: قال تعالى: قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:80]، وبعد ذلك في الآيات الآتية يتم الجزاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ...)

    فلما قال عليه السلام: أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:80] أخبرته الملائكة أنك أنت الآن مع الركن الشديد: يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ [هود:81] أرسلنا إليك لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ [هود:81] أبداً، قيل: رمى فيهم جبريل كذا حفنة من الرمل فعميت أبصارهم، أو بجناحه وتحول إلى ملك، المهم أنهم بشروه بأنه لن يصلوا إليه، فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ [هود:81] ببنتيه، بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ [هود:81]، ويقال: سرى آخر الليل وأسرى، فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ [هود:81] امشوا هكذا رأساً ولا تنظروا وراءكم؛ حتى لا يشاهدوا الأهوال فيفزعوا، إِلَّا امْرَأَتَكَ [هود:81] دعها تلتفت وتنظر، إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود:81] وهم في أول الليل؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ...)

    قال تعالى: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا [هود:82] لا نسأل: كيف، والله! لقد انقلبت تلك المدن الثلاث وأصبح ما كان أعلى أسفل والأسفل أعلى، ثم أرسل عليهم حجارة من سجيل كالتي أرسل على أبرهة ورجاله، حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ [هود:82] منظمة، مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ [هود:83] أيضاً معلمة مطبوعة، كل واحد الحجارة باسمه، وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:83]، هذا الكلام قاله الله ليلفت نظر المشركين، ليلفت نظر الغافلين، ليلفلت نظر الآيسين، وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:83] هذه النقمة الإلهية ليست بعيدة من الظالمين، والله! لتنزلن بهم وبساحتهم ويصابون بالبلاء والشقاء.

    كل من ظلم وخرج عن منهج الحق لا بد أن يصاب بهذا، لم؟ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وضع الله منهجاً للبشرية يجب أن تسلكه، فإن رفضوا وخرجوا عنه فوالله! لا بد أن يهلكوا بأي نوع من أنواع الهلاك والعذاب، وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ [هود:83] في أي زمان ومكان بِبَعِيدٍ [هود:83].

    والأمر واضح، فالذي يأكل السم ألا يموت؟ الذي يشرب السم ألا يموت؟ الذي يدخل في النار أما يحترق بها؟ وهكذا من خرج عن منهج الله لا بد أن يخسر ويتحطم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: فضيلة إكرام الضيف وحمايته من كل ما يسوء ] كما وقف لوط يحمي ضيفه.

    [ ثانياً: فظاعة العادات السيئة وما تحدثه من تغير في الإنسان ]، فماذا أحدثت في قلوب أولئك والعياذ بالله؟

    [ ثالثاً: بذل ما يمكن لدفع الشر؛ لوقاية لوط ضيفه ببناته ]، أما كان عند الباب يدفع ويتمنى لو كان هناك من ينصره؟

    [ رابعاً: أسوأ الحياة ألا يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ]، أسوأ الحياة وأقبحها وشرها في هذه الدنيا: أن ينعدم من يأمر بالمعروف بين الناس وينهى عن المنكر، لو وجد من يأمر وينهى في قوم لوط لما كانت ستنتشر تلك الجريمة العظمى، لكن سكتوا فانتقلت إليهم وعمتهم، وأصبحوا كلهم لائطين والعياذ بالله تعالى.

    [ خامساً: إظهار الرغبة في القوة لدفع الشر وإبعاد المكروه ] محمود [ ممدوح ].

    يعني: تمنيك القوة وطلبك القوة لإظهار الحق محمود وليس بمذموم، أما قال لوط: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:80]؟ فأيما مؤمن يرى المنكر أمامه والمكروه يتمنى أن لو يرزق قوة لينهي هذا الباطل والمنكر.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.