إسلام ويب

تفسير سورة هود (19)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أرسل الله عز وجل ملائكته إلى قوم لوط في صورة البشر، وفي الطريق إليهم حلوا ضيوفاً على إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام، فذبح لهم عجلاً وحنذه لهم، فلما قدمه بين أيديهم أمسكوا عنه، فلما خافهم بينوا له حقيقتهم وما أرسلوا به إلى قوم لوط، ثم بشروه وزوجه بإسحاق عليه السلام، ومن بعده ولده يعقوب رحمة من عند الله بعباده المؤمنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة واللتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة نبي الله هود عليه السلام، وهي مكية، والمكيات يعالجن العقيدة بأعظم أركانها: التوحيد والنبوة والبعث الآخر.

    وها نحن مع هذه الآيات الخمس، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة ثم نتدارسها إن شاء الله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [هود:69-73].

    تقرير القصص القرآني للنبوة المحمدية وتثبيته صلى الله عليه وسلم به

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! مثل هذا القصص الذي قصه الله تبارك وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم يقرر ويثبت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ لو لم يكن رسولاً يوحى إليه فمن أين له أن يقص هذا القصص؟ هل كان مع إبراهيم وبينهما آلاف السنين؟

    إذاً: القصص في القرآن يقرر النبوة المحمدية ويؤكدها، وأن من نزلت عليه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الوقت الذي أنكر الناس نبوته وكذبوه فيها وحاربوه من أجلها.

    ثانياً: الرسول صلى الله عليه وسلم في حاجة إلى من يدعمه ويقويه ويشد من أزره ويثبت قلبه؛ لأنه رجل يدعو البشرية كلها، فالقرآن الكريم يثبت من قلبه، ويزيد في ثباته وقوته على دعوته ونشرها، قال تعالى في هذه السورة: وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120]، فالرسول في مكة قد تجاوز الأربعين من السنين والله يوحي إليه مثل هذا القصص، كما قص قصة نوح وهود وصالح، والآن مع قوم لوط، وأما ما جرى مع إبراهيم فمجرد تقديم فقط، فالقصة قصة لوط.

    فقوله تعالى: وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ [هود:69]، إلى أين؟ إلى مهمة ينفذونها وهي تدمير قوم لوط، لأن إبراهيم كان ببلاد القدس من فلسطين، وقوم لوط في بلاد الشام.

    وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ [هود:69]، وهؤلاء الرسل هم ثلاثة من الملائكة: جبريل وميكائيل وإسرافيل، وقيل: أكثر، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم، والبشرى بتدمير قوم لوط وإهلاكهم؛ لأن إبراهيم عليه السلام وأهله تألموا من جرائمهم، حتى زوجه سارة كانت تبكي مما يبلغها عنهم، فجاءت البشرى تزف إليهم، قال تعالى: وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى [هود:69]، فلما انتهوا إليه حيوه بقولهم: سلام، قَالُوا سَلامًا [هود:69]، فرد عليهم عليه السلام بقوله: سَلامٌ [هود:69].

    معنى السلام ومشروعيته في ديننا

    والسلام من السلم والسلامة، وهذه التحية هي التي أعطيتها هذه الأمة، فمن قال: السلام عليكم كتب له عشر حسنات، ومن زاد (ورحمة الله) زيد له عشر حسنات، ومن زاد (وبركاته) زيد له عشر حسنات، فيثاب العبد بثلاثين حسنة، ما من عبد يسلم عليك فيقول: السلام عليكم، فترد عليه بقولك: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته؛ إلا كتب لك ثلاثون حسنة، مع العلم أن البدء بالسلام سنة وأن الرد واجب، إذا ترك العبد السلام لا يأثم، وفاته أجر، ولكن إذا سلم ولم يرد عليه فالذي لم يرد عليه آثم؛ لأنه تارك لواجب، فالتحية سنة يثاب عليها فاعلها، والرد واجب؛ لقول الله تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا [النساء:86]، هذا فعل أمر، فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86] على الأقل، وأحسن منها أن تزيد: ورحمة الله وبركاته.

    ومن المعلوم ما بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الماشي يسلم على القاعد، والراكب يسلم على الماشي، ولا نفاضل بين الناس فهذا نسلم عليه وهذا لا نسلم عليه، بل نسلم على من نعرف وعلى من لا نعرف، هذه التحية التي فضلنا الله تعالى بها على كثير من الأمم، أعطاناها الله فلا نفرط فيها.

    معنى قوله تعالى: (فما لبث أن جاء بعجل حنيذ)

    وقوله تعالى: فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ [هود:69]، ما لبث زمناً طويلاً، بل كدقائق فقط، لما فاجأه الضيف ودخلوا عليه ما هي إلا لحظات حتى خرج إلى بيته وعنده عجل فذبحه، أو كان مذبوحاً فشواه على الحجارة الرمضاء الحارة وقدمه إليهم، وإلى الآن الشيُّ على النار ليس بأطيب من المشوي على الحجارة، أنقى وأنظف وأطيب، هذا الحنيذ بمعنى: محنوذ، مفعول أي: مشوي على الحجارة الحارة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ...)

    قال تعالى: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ [هود:70] لما قدم لهم اللحم، ومن الجائز ألا يكون معه غيره في تلك الظروف، فأبوا أن يمدوا أيديهم ليأكلوا على خلاف العادة، فإذا وضع الطعام بين يدي الضيفان فإنهم يتناولونه على الفور، فما إن وضعه حتى أذن لهم في ذلك، فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ [هود:70]، وهم ملائكة والملائكة لا يأكلون ولا يشربون، ولو شاء الله لأكلوا، ولكن لم يشأ الله فتركهم على فطرتهم، فالملك لا يأكل ولا يشرب، فَلَمَّا رَأَى [هود:70]، أي: إبراهيم، أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ [هود:70]، إلى ذلك الحنيذ المشوي، نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [هود:70]، لم لا يأكلون؟! لأن العادة أنه إذا لم يسلم عليك الرجل وأنت في الطريق فمن الجائز أن يكون أراد أن يمكر بك، أن يكيد لك، وإذا سلم عليك فقد أمَّنك، فلما دخلوا على إبراهيم قالوا: (سَلامًا)، فأمنوه، فرد عليهم، وحين لم يأكلوا نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [هود:70]، وقع في نفسه الخوف منهم، والتوجس كالرعب في النفس، فلما شاهدوا ذلك منه وعرفوا أنه خاف من موقفهم هذا قَالُوا لا تَخَفْ [هود:70]، أزالوا خوفه من نفسه، لا تَخَفْ [هود:70] يا إبراهيم، لماذا؟ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ [هود:70]، ما جئنا لأجلك، وإنما أرسلنا من قبل ربنا إلى قوم لوط لندمرهم.

    وقوم لوط أشاعوا الفاحشة فتركوا النساء وأصبحوا ينزون على الذكور والعياذ بالله تعالى، وهي فاحشة لم تعرفها البشرية إلا على أيديهم، وسيأتي بيان ذلك في الآيات.

    قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ [هود:70]، لوط هذا ابن أخي إبراهيم، فأخو إبراهيم أنجب ولداً سماه لوطاً، فلوط ابن أخي إبراهيم، إذاً: فإبراهيم عم لوط، وخرج معه -كما علمنا- من بابل لما حكموا عليه بالإعدام وما استطاعوا وفشلوا، فما كان إلا أن خرج إبراهيم ومعه لوط ابن أخيه ومعه زوجته سارة عليها السلام، ثلاثة أنفار، تركوا العراق ودخلوا الشام، وعرفنا كيف مشى إلى مصر، وكيف حصل ما حصل لـهاجر كما تقدم.

    قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ [هود:70]، أي: لتدميرهم وإنهاء وجودهم؛ لإجرامهم وظلمهم الفاسد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب)

    قال تعالى: وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ [هود:71]، امرأة إبراهيم سارة ، مأخوذة من السرور، وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ [هود:71] على ستارة تنتظر ما يأمرها به زوجها فتقدمه للضيفان، وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ [هود:71] لما علمت أن هؤلاء الملائكة جاءوا لتدمير المجرمين والقضاء على المفسدين ضحكت لذلك وفرحت، ولا التفات إلى من فسر الضحك بالحيض ولا داعي إلى هذا، وإنما فرحت بهلاك ودمار قوم لوط الذين آلمهم فعلهم وتألموا له سنين، فَضَحِكَتْ [هود:71]، إذاً: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ [هود:71]، وإسحاق ولدها، وسبق أن ولدت هاجر إسماعيل، هاجر المصرية القبطية ولدت إسماعيل، وسارة ما ولدت، والآن آن أوان ولادتها، حيث خدمت الملائكة هذه الخدمة وفرحت بما جاءوا به من رسالة، فبشروها بإسحاق: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71]، هذه البشرى لا يقوى عليها أحد إلا الله، كونه يبشرها بولد ويكبر الولد ويتزوج ويولد له ولد واسمه يعقوب لا يقدر على هذا إلا الله، فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71]، ثم كل الأنبياء والرسل من أولادها إلا محمداً صلى الله عليه وسلم فمن نسل هاجر عليها السلام.

    إذاً: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71]، وهنا لا ننس أن سن إبراهيم فوق المائة، وأن سنها هي تسعون سنة، والمرأة عادة إذا بلغت الخمسين انتهى الحيض والحمل، لكن بلغت المائة، وإبراهيم تجاوز المائة.

    قال تعالى: فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ [هود:71]، ضحكت لماذا؟ فرحاً بتدمير الظالمين والفاسقين، فبذلك بشرناها بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب)

    قال تعالى: قَالَتْ يَا وَيْلَتَا [هود:72]، والأصل: يا ويلي. فزيدت التاء: يا ويلتِي، يَا وَيْلَتَا [هود:72] احضري هذا أوان حضورك، فهي متعجبة: كيف وأنا في التسعين أنجب؟! كيف آتي بولد؟ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ [هود:72]، يضحك الناس مني، كيف يتم هذا؟ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا [هود:72]، بعلها: زوجها، والبعل دائماً يطلق على الزوج، وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا [هود:72]، تجاوز المائة، كيف يتم هذا؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد)

    قال تعالى: قَالُوا [هود:73]، أي: الملائكة، أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [هود:73]؟ ما من حقك أن تعجبي من أمره، هذا الاستفهام للإنكار، كيف تعجبين من أمر الله والله يخلق ما يشاء، ويقول للشيء: كن فيكون؟!

    قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [هود:73]، دعوة الملائكة لإبراهيم وأسرته، رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [هود:73]، وهنا امرأته سماها أهل بيت إبراهيم، فـعائشة إذاً هي من أهل البيت، فزوجات الرجل هن أهل البيت، فلا يصح لأحد أن يخرجهم، رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [هود:73]، يعنون سارة ، فهي أهل البيت، وإبراهيم صاحب البيت، وزوجته وأولاده كلهم أهل البيت، وهذه الدعوة كانت سبباً في انتشار الأنبياء والرسل من بني إسرائيل من عهد إبراهيم إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من هذا البيت، دعوة استجابها الله: قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [هود:73]، أي: يا أهل البيت، إِنَّهُ [هود:73]، أي: الرب تبارك وتعالى، حَمِيدٌ [هود:73] بعظائم وجلائل إحسانه وإفضاله وإنعامه، مَجِيدٌ [هود:73]، ذو الكرم والمجد والشرف والكمال.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    أسمعكم تلاوة الآيات مرة أخرى: وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى [هود:69]، ما هذه البشرى؟ بتدمير الظالمين وهلاك الفاسقين، قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ [هود:69]، سلموا على إبراهيم فرد السلام عليهم، وتلك سنتنا، فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ [هود:69]، هنا بيان فضيلة الضيافة، وقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه )، واختلف: هل الضيافة في المدن والقرى والبوادي أو هي في البوادي والقرى فقط؟

    الصحيح أنها في الكل، ولكن أهل المدن معذورون؛ إذ المدينة فيها مساكن، فيها مطاعم، فيها أسواق، يستطيع الضيف أن يجد ما يأكل وما يبيت فيه، لكن إذا جاءك في قرية ما فيها مطعم، ولا دكان يبيع خضرة ولا فاكهة، فكيف يصنع؟ أين يأكل؟

    إذا جاء في بادية فضيافته من باب أولى وجوباً، لكن في المدن خف هذا الواجب؛ لأن العلة ما هي؟ حين ينزل علينا رجل في قرية ما فيها مطعم ولا دكان وأهل القرية يأكلون في بيوتهم ويعملون في مزارعهم، فماذا يصنع هذا الضيف؟ أيموت جوعاً؟ يجب أن يطعموه وجوباً وليكرموه يوماً وليلة، وزيادة يومين من باب الفضل.

    فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا [هود:69-70] من قبل ربنا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ [هود:70-71]، وراء الستار مستعدة للخدمة، فَضَحِكَتْ [هود:71] فرحاً بماذا؟ بتدمير الفسقة والفجرة قوم لوط، فَبَشَّرْنَاهَا [هود:71] بتلك الفرحة ببشرى أخرى، بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ [هود:71-72]، رد عليها الملائكة، ماذا قالوا؟ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [هود:73]، كيف هذا؟! رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [هود:73].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    أسمعكم شرح الآيات من الكتاب أيضاً؛ لنزداد علماً وبصيرة.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    هذه بشارة إبراهيم عليه السلام التي يبشره الله تعالى بها؛ إذ قال تعالى: وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى [هود:69]، والمراد بالرسل جبريل وميكائيل وإسرافيل، إذ دخلوا عليه داره فسلموا عليه فرد عليهم السلام، وهو معنى قوله تعالى: قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ [هود:69]، وقوله تعالى: فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ [هود:69]، أي: لم يبطئ حتى جاء بعجل مشوي، فـ(حنيذ) بمعنى: محنوذ، وهو المشوي على الحجارة ] الحارة، [ فقربه إليهم وعرض عليهم الأكل بقوله: ألا تأكلون. فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ [هود:70]، أي: لم يتناولوه، نَكِرَهُمْ [هود:70]، بمعنى: أنكرهم وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [هود:70]؛ لأن العادة أن الضيف إذا نزل على أحد فقدم إليه طعاماً فلم يأكل عرف أنه ينوي الشر، ولما رأت الملائكة ذلك منه قالوا له: لا تَخَفْ [هود:70]، وبينوا له سبب مجيئهم فقالوا: إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ [هود:70]، أي: لإهلاكهم وتدميرهم بسبب إجرامهم، وكانت امرأته قائمة وراء الستار تخدمهم مع إبراهيم، فلما سمعت بنبأ هلاك قوم لوط ضحكت فرحاً بهلاك أهل الخبث، فعندئذ بشرها الله تعالى على لسان الملائكة بإسحاق ومن بعده يعقوب، أي: بولد وولد ولد، فلما سمعت البشرى صكت وجهها تعجباً على عادة النساء، وقالت: يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي [هود:72]، تشير إلى زوجها إبراهيم، شَيْخًا [هود:72]، أي: كبير السن، إذ كانت سنه يومئذ مائة سنة وسنها فوق التسعين، إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ [هود:72]، أي: ولادتي في هذه السن أمر يتعجب منه. فقالوا: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [هود:73]، أي: بيت إبراهيم، إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [هود:73]، أي: محمود بإفضاله وإنعامه عليكم عز وجل، مَجِيدٌ [هود:73]، أي: ذو مجد وثناء وكرم، وامرأة إبراهيم المبشرة هي سارة بنت عم إبراهيم عليه السلام، والبشارة هنا لإبراهيم وزوجه سارة معاً، وهي مزدوجة؛ إذ هي بهلاك الظالمين وبإسحاق ويعقوب ]، البشرى بهلاك الظالمين وبإسحاق ويعقوب.

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات ]، ألفت النظر إلى معنى هداية الآية، أي أنها علامة تهدي إلى الإيمان بالله ولقائه، الإيمان بالله ورسوله، ما من آية في القرآن إلا وهي تدل دلالة قطعية على وجود الله وعلمه وقدرته وعلى صدق نبوة رسوله، وعلى صحة معتقد البعث الآخر، كما أن الآيات الكونية كل آية منها تدل على ذلك، أرني حبة تمر فقط، فمن صنعها؟ لم صنعت؟ من أوجدها؟ موجدها عليم حيكم رحيم قدير، إذاً: هي تقول: لا إله إلا الله، انظر إلى كوكب، إلى الزهرة، انظر إلى نعجة، إلى قطة فقط، تأمل هذه الآية، فهي تدل على ماذا؟ على موجد عليم، حكيم، قدير على إيجادها، ومستحيل أن توجد بدون موجد، فكل آية في القرآن تدل على أنه لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وكل آية في الكون تدل على أنه لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن آمن بالله آمن برسوله.

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: استحباب تبشير المؤمن بما هو خير له ولو بالرؤيا الصالحة ]، ما معنى هذا؟ يستحب لنا أن يبشر بعضنا بعضاً ولو برؤيا صالحة نراها ونبشر بها إخواننا، أما بشرت الملائكة إبراهيم وسارة ؟

    [ ثانياً: مشروعية السلام لمن دخل على غيره أو وقف عليه أو مر به، ووجوب رد السلام ] كما قدمنا، السلام يسلم الراكب على الماشي، أنت راكب والماشي يمشي فتسلم عليه، ويسلم الماشي على القاعد، ما دام هو قاعداً وأنت ماش فسلم عليه، السلام سنة والرد واجب، ويسلم القليل على الكثير، القليل يسلم على الكثير، والكبير على الصغير، الكبير يبدأ السلام.

    [ ثالثاً: مشروعية خدمة أهل البيت لضيوفهم ووجوب إكرام الضيف، وفي الحديث الصحيح: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) ]، والضيافة يوم وليلة، وتستحب ثلاثة أيام.

    [ رابعاً: شرف أهل بيت إبراهيم عليه السلام ]، أما قال تعالى: رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [هود:73]؟

    واللطيفة التي ما ننساها هي أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته، ما تستطيع أن تخرج عائشة أو فلانة، وتقول: هذه ليست من أهل البيت، فأهل البيت هم الرجل وزوجته وأولاده.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.