إسلام ويب

تفسير سورة هود (17)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كانت قبيلة ثمود تسكن في الحجر بين الحجاز والشام، وهم كغيرهم من شعوب الأرض حلت بهم السنن فدخل فيهم الشرك، وتغلغل بينهم الضلال والكفر، فبعث الله عز وجل فيهم نبيه صالحاً، يدعوهم إلى عبادة الله ونبذ ما يعبدون من دونه، مذكراً إياهم بنعمة الله عليهم باستخلافهم في الأرض واستعمارهم فيها، فما كان منهم إلا أن أظهروا الاستغراب وأبدوا العجب مما جاءهم به نبي الله من ترك ميراث الآباء والأجداد، حتى وإن كانوا أهل زيغ وضلال، فما بال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة هود المكية، والمكيات يعالجن العقيدة، وأعظم أركان العقيدة التوحيد، وإثبات النبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم، وتقرير البعث الآخر وما يتم فيه من حساب وجزاء إما بالنعيم المقيم، أو بالعذاب الأليم، وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة ثم نتدارسها إن شاء الله تعالى.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ * قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ [هود:61-63].

    ذكر بعض خبر ثمود

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا [هود:61]، هذا القصص الثالث في سورة هود عليه السلام، القصص الأول كان في نوح، والثاني في هود، والثالث مع صالح، وباقي الرسل كذلك.

    وثمود هذا أبو القبيلة، وما بين نبي الله صالح وثمود حوالي خمسة جدود أو ستة، وهذه القبيلة أصلها من الذين نزحوا من الجنوب لما أهلك الله عاداً، نزحوا فنزلوا بديار مدين ما بين الحجاز والشام، وديارهم إلى الآن موجودة.

    وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا [هود:61]، ولفظ ثمود بعض أهل العلم يعربه ويقرأ: (وإلى ثمودٍ)، والذي عليه الجمهور أنه ممنوع من الصرف، وَإِلَى ثَمُودَ [هود:61]، أي: وأرسلنا، القائل الله جل جلاله وعظم سلطانه، الرب تبارك وتعالى هو القائل: وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا [هود:61]، كما أرسلنا نوحاً إلى قومه، وكما أرسلنا هوداً إلى قومه، أرسلنا أيضاً صالحاً إلى قومه، فما هي مهمته، ما المراد من هذا الإرسال؟

    إرسال الرسل لسعادة الناس بدعوتهم إلى التوحيد

    يا معشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! لنعلم يقيناً أن هذه الدار وهذه الحياة ما هي إلا دار عمل فقط، فمن عمل فيها لتزكية نفسه وتطهيرها فزكت وطابت وطهرت سعد فيها، ثم يسعد ويكمل في الدار الآخرة، ومن لم يعمل فيها بتزكية نفسه، بل عمل فيها بما يخبث نفسه ويلوثها شقي في الدنيا وشقي وخسر في الآخرة.

    فالعبيد عبيد الله هو خالقهم ورازقهم وخالق هذا الكون لهم، هو الذي أوجدهم وأوجد أرزاقهم، إذاً: رحمة منه بهم يرسل الرسل ليبينوا لهم كيف يعيشون، على أي منهج ينهجون حتى يكملوا ويسعدوا، والشياطين مهمتها الإضلال والإفساد والتخويف، فهي تحدث للناس ألواناً من العبادات وصنوفاً من الطاعات بحجة التوسل بها إلى الله وإذا بها الشرك بعينه والعياذ بالله، فيشرك الناس بربهم أصناماً وتماثيل وصوراً وأشياء وأناساً وملائكة، إذ همة الشياطين ومهمتهم أن لا يعبد الناس الله وحده، فيقع الناس في الشرك بسبب الحاجة إلى الله والافتقار إليه، فيتوسلون إلى الله بحب الأصنام وعبادتها والتقرب إليها، فلما تفسد البلاد يبعث الله الرسول.

    اجتماع كلمة الرسل على دعوة الناس إلى عبادة الله تعالى وحده

    فقوم عاد أهلكهم الله ودمرهم عن آخرهم، فالجماعة التي نجت عاشت دهراً من الزمن تعبد الله، ثم مات العلماء فظهر الشرك هنا وهناك، وانتشر والعياذ بالله، فإذا بحكمة الله ورحمته تبعث إليهم صالحاً، فقال تعالى: وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا [هود:61]، وصل إليهم رسولاً مرسلاً إليهم، فقال: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [هود:61]، ما عندكم -والله- إله يستحق أن يعبد إلا الله، لماذا يا صالح ؟

    لأن الذي يستحق أن يعبد هو المالك لرقابنا، المالك لنفوسنا، الخالق لنا، الذي نحن ماضون إليه، الذي يحيي ويميت ويعطي ويمنع، هذا الذي يجب أن يعبد، أما من لا يخلق ولا يرزق ولا يعطي ولا يمنع ولا يحيي ولا يميت من هذه التماثيل والأشياء والهياكل التي زينتها الشياطين فكيف تعبد؟ كيف تكون آلهة مع الله؟

    وهذه الكلمة رددها كل نبي ورسول، وخاتمهم وإمامهم صلى الله عليه وسلم جاء بكلمة لا إله إلا الله، فلا يستحق أن يعبد في الكون إلا الله، فلا إله موجود يستحق أن يعبد إلا الله، ولا يدخل أحد في الإسلام حتى يشهد على علم ويقول: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، من أجل أن يعبد الله بما يبين له رسول الله.

    قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ [هود:61]، أطيعوه، أذعنوا له، خافوه، ارهبوه، استجيبوا لأمره إذا أمر ولنهيه إذا نهى في ذل وانكسار أمامه عز وجل، هذه هي العبادة، مع حبه غاية الحب وتعظيمه غاية التعظيم، وهم يعرفون من هو الله، فقد كان آباؤهم علماء وصلحاء وربانيين، ولكن طغى عليهم الجهل فقط، اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [هود:61].

    معنى قوله تعالى: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)

    ثم قال لهم واعظاً مذكراً مبيناً معلماً: هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [هود:61]، فهل أصنامكم أنشأتكم وأوجدتكم؟ وتماثيلكم وصوركم التي تعكفون حولها هل أنشأتكم؟ من الذي أنشأهم؟ الله جل جلاله، أنشأنا من الأرض إذ خلق أبانا آدم من طينة الأرض وخلق حواء من ضلعه الأعوج، ثم تناسلنا حتى أصبحنا أمماًوشعوباً في الأرض، أليس الله الذي أنشأنا في الأرض؟ هل هناك من يقول: سيدي عبد القادر أو رسول الله أو جبريل أو ملك الموت أو فلان وفلان وفلان؟

    هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود:61]، أي: جعلكم تعمرونها، عمرها بكم، عرفكم وعلمكم كيف تزرعون وتحصدون، كيف تغرسون وتجنون الثمار.

    والاستعمار لغة الأوروبيين، فدولة مهزومة ضعيفة يدخلون إليها برجالهم فينشئون فيها بعض المصانع ويعلمونهم بعض العلوم والمعارف ويستغلون خيراتهم ويأكلون ثمار بلادهم، ويقال: استعمار.

    معنى قوله تعالى: (فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب)

    هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود:61]، إذاً: فَاسْتَغْفِرُوهُ [هود:61] قولوا: غفرانك ربنا وإليك المصير، تبنا إلى الله، رجعنا إلى مولانا، هيا لنتخلى عن عبادة غيره، نعرض عن عبادة من سواه، ونعلن عن ذلك بكلمة: أستغفر الله، نستغفر الله ونتوب إليه، فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [هود:61].

    وقد علمنا مما سبق أن الاستغفار يقدم على التوبة، لماذا؟ لأن العبد إذا اعترف بذنبه وأقر به أمكنه أن يتوب، أما إذا لم يعترف بالذنب ولم يقر أنه مذنب فهل سيتوب؟

    أولاً: اعترفوا بأنكم مخطئون ضالون جاهلون مشركون، فقولوا: نستغفر الله، ثم توبوا إليه بالرجوع إلى عبادته وحده دون عبادة من سواه، هذه كلمة صالح، فهو نبي يوحى إليه، ورسول من الرسل العرب، أحد الرسل العرب، وهذه لغته وفصاحته، فماذا قال لهم؟

    قال: فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [هود:61]، وعلل لذلك فقال: إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ [هود:61]، الله قريب ما هو ببعيد، العوالم كلها في قبضته، فأين البعد؟!

    واقرءوا إن شئتم وتأملوا قوله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67]، فنحن بين يديه.

    وإن أردت مثالاً آخر: فحين تكون الشمس في النهار فكلكم تحتها وهي قريبة منكم تشاهدونها وتشاهدكم.

    إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ [هود:61]، أي: مجيب الدعاء، إذا دعاه العبد الصادق، العبد المنيب، العبد التائب الراجع ما يخيبه أبداً، فهيا بنا نستغفر الآن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ...)

    فلما سمعوا هذا الكلام ماذا قالوا؟ بدأهم هو بهذه الدعوة: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي [هود:61] خالقي ورازقي ومولاي ومعبودي قَرِيبٌ مُجِيبٌ [هود:61]، فما كان جوابهم؟

    قال تعالى عنهم: قَالُوا يَا صَالِحُ [هود:62]، وقد بينا أن قولهم: يا صالح لا يصح أبداً، فلا يصح من مؤمن أن يقول لنبي من أنبياء الله: يا فلان باسمه، يا عيسى أو يا موسى، وقد ضربت لكم المثل بأصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم، والله يقول: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور:63]، نعم قل: يا علي ، يا أبا بكر ، أما أن تقول: يا محمد فلا؟؟ بل: يا رسول الله، أو يا نبي الله، فهؤلاء أساءوا مع أنبيائهم حيث نادوهم بأسمائهم: يَا صَالِحُ [هود:62].

    قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا [هود:62]، قبل أن تدعونا إلى ترك عبادة آلهتنا التي عبدها آباءنا وأجدادنا ونحن نعبدها تبعاً لهم، قبل أن تأمرنا كنا نرجو فيك أن تكون رجل البلاد، لأنه كان مستقيماً جميلاً صالحاً أديباً، والأنبياء يحمون من الشيطان وهم في أرحام أمهاتهم، فقبل أن يأمرهم كان كالعلم بينهم، فقالوا: يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا [هود:62] نرجو أن تكون سيد هذه البلاد، أو إمامها أو حاكمها أو كذا، فقد كنت مرجواً قبل هذا، أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [هود:62]، هذا الاستفهام للإنكار عليه، أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ [هود:62]، كأن هذه كانت في بداية الدعوة، إنا لفي شك مما تدعونا إليه! وما الذي يدعوهم إليه؟

    أن يعبدوا الله وحده، أن يوحدوا الله في عبادته، وهي حبه الأعظم وتعظيمه الأعظم وطاعته الكاملة فيما يأمر به وفيما ينهى عنه، فقالوا: وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ [هود:62]، مرتابو النفوس، في قلوبنا ريب، كيف يكون الذي تدعونا إليه حقاً ونحن ورثنا عن آبائنا وآباؤنا عن أجدادنا أن هذه الأصنام وهذه التماثيل تقربهم إلى الله فتقضي حوائجهم وتسد خلاتهم، كيف هذا؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته ...)

    فماذا قال صالح؟ قال: يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ [هود:63] أخبروني إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي [هود:63] إن كنت على علم قطعي يقيني بأنني على الحق، وأن عبادة الله هي الحق وأن عبادتكم لهذه الأصنام باطلة، فماذا أصنع؟ كيف نرجع، كيف نتأخر، كيف نسكت؟

    إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي [هود:63] أولاً، وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً [هود:63] ألا وهي النبوة والرسالة، وقبل التنبيء أو الإرسال كان ينكر ذلك ويكرهه، لكن بعدما أمر بأمر الله أن يصيح في وجوههم وأن يعلن عن بطلان عباداتهم ويأمرهم بالطاعة والعودة إلى الله عز وجل؛ قال: أخبروني إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً [هود:63] أعطاني منه رحمة وهي النبوة والرسالة والولاية والقرب منه تعالى، إذاً: فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ [هود:63]، من يقوى على أن ينصرني؟ والله! لا أحد، من ينصرني من الله إن عصيت ربي؟ كيف تريدون أن نسكت، تريدون أن نوافقكم على الشرك والباطل، تريدون أن نرضى بما أنتم عليه، تريدون أن نسكت؟ كيف أقف في وجه الحق وأتركه بعد ذلك؟

    ثم قال: فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ [هود:63]، والتخسير والخسران بمعنى واحد، أي: إن أنا أطعتكم واستجبت لكم وتركتكم على باطلكم خسرتموني وخسرتم أيضاً أنتم، فالخسران لي ولكم.

    هذه دعوة صالح في بدايتها، وما زال السياق، فمرة يقول هو، ومرة يقولون هم، وآخر الحادثة هذه جاءت في سورة الشمس وضحاها، حيث قال تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا [الشمس:11] بطغيانها وجبروتها، أصحاب المصانع والأموال والمزارع والحقول، أرأيتم الطغيان ماذا ينتج عنه؟ كذبت بسبب طغيانها، كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا [الشمس:11-12]، وهو قدار بن سالف عليه لعائن الله، فعقر الناقة، فلما عقر الناقة دقت الساعة وأصابهم الله بالصيحة، بعد أن أعطاهم فرصة ثلاثة أيام: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [هود:65]، فلما جاء أمر الله تعالى نجى صالحاً والذين آمنوا وأخذت القوم الصيحة فهلكوا عن آخرهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    أسمعكم شرح الآيات من الكتاب.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    هذه بداية قصة صالح مع قومه؛ إذ قال تعالى مخبراً عن إرساله إلى قومه: وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا [هود:61] أي: وأرسلنا إلى قبيلة ثمود بالحجر بين الحجاز والشام أخاهم في القبيلة لا في الدين ]، الأخوة هذه قبلية وأخوة نسب، ما هي أخوة دين، فالمسلم أخو المسلم وإن كان هذا عربياً وهذا عجمياً، لكن الأخوة في النسب من قبيلة واحدة.

    وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أننا إذا مررنا بهذه الديار فلا نضحك أبداً، وإذا استطعنا أن نبكي فإننا نبكي أو نتباكى، ولولا أن الله حفظنا بهذه الحكومة الإسلامية حكومة عبد العزيز لرأيتم الملاهي والملاعب في تلك الديار، لكن في هذه الحكومة ذلك ممنوع، إذا كنت تريد أن تتجول وتنظر إلى تلك القصور في الجبال فتجول، أما أن تضحك وتغني فلا، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا تدخلوها إلا وأنتم باكون، فإن لم تبكوا فتباكوا )، فالذي يمر بديار الهالكين ويضحك هل له قلب؟ هل فيه إيمان؟

    قال: [ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59] فناداهم بعنوان القومية جمعاً لقلوبهم على ما يقول لهم من آدابه وبلاغته ]، ما قال: يا أعداء الله، يا كفار، قال: يا قوم، جمعاً لقلوبهم على ما يقول لهم، فقال: [ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ [هود:61] أي: آمنوا به ووحدوه في عباداته فلا تعبدوا معه أحداً، إذ ليس لكم من إله غيره، إذ هو ربكم، أي: خالقكم ورازقكم، ومدبر أمركم، هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [هود:61] أي: ابتدأ خلقكم بخلق أبيكم آدم عليه السلام منها، وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود:61] أي: جعلكم تعمرونها بالسكن فيها والعيش عليها، إذاً: فَاسْتَغْفِرُوهُ [هود:61] بالاعتراف بألوهيته، ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [هود:61] فاعبدوه وحده ولا تشركوا في عبادته أحداً ].

    يا معشر المستمعين والمستمعات! حتى لا تفوتنا الفرصة نقول: الذين يقولون: يا رسول الله! المدد، يا سيدي عبد القادر ! أعطني كذا، الذي يحلفون بغير الله كلهم في عداد المشركين، فليتوبوا إلى الله عز وجل، والذين يستغيثون: يا مولاي، يا سيدي يا كذا، سواء كان ملكاً أو رسولاً أو كان شيطاناً أو كان وهماً من الأوهام، كلهم بذلك أشركوا غير الله في عبادته، إذ لا أحد ينادى ويستغاث به ويسأل الحاجات إلا الله الذي بيده ملكوت كل شيء، أما أموات ندعوهم ونستغيث بهم فهل يسمعون كلامنا؟ قف أمام قبر علي ألف سنة وأنت تنادي: يا علي ، فهل يستجيب؟ والله! ما يستجيب.

    فلا نبك ونأسف على قوم صالح ونحن غارقون فيما كانوا فيه غارقين والعياذ بالله، لا يصح للمؤمن أن يحلف بغير الله، فالذي يقول: بحق فلان، وجاه فلان؛ فقد عظم هذا الذي حلف به ورفعه إلى مستوى الربوبية والألوهية، ولست بقائل هذا، بل الرسول هو القائل: ( من حلف بغير الله فقد أشرك ) ومرة قال: ( فقد كفر ).

    قال: [ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [هود:61] أي: ابتدأ خلقكم بخلق أبيكم آدم منها ]، أي: من الأرض، وقد عرفتم أن الملائكة جمعته من تربة الأرض أحمرها وأسودها حتى أصبح طينة من صلصال، وخلقه الله منها.

    [ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود:61] أي: جعلكم تعمرونها بالسكن فيها والعيش عليها، إذاً: فَاسْتَغْفِرُوهُ [هود:61] بالاعتراف بألوهيته، ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [هود:61] فاعبدوه وحده ولا تشركوا في عبادته.

    وقوله: إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ [هود:61]، أخبرهم بقرب الرب تعالى من عباده، وإجابته لسائليه ترغيباً لهم في الإيمان والطاعة، وترك الشرك والمعصية. هذا ما تضمنته الآية الأولى.

    أما الآية الثانية: فقد تضمنت رد القوم عليه عليه السلام، إذ قالوا بما أخبر تعالى عنهم: يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا [هود:62]، أي: كنا نأمل فيك الخير ونرجو أن تكون سيداً فينا، حتى فاجأتنا بما تدعونا إليه من ترك آلهتنا لإلهك! ثم أنكروا عليه دعوته فقالوا: أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [هود:62]، وأخبروه أنهم غير مطمئنين إلى صحة ما يدعوهم إليه من توحيد الله تعالى فقالوا: وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ [هود:62]، أي: موقع في الريب، وهو اضطرب النفس وعدم سكونها إلى ما قيل لها أو أخبرت به. هذا ما تضمنته الثانية.

    أما الآية الثالثة: فقد تضمنت دعوة صالح لقومه بأسلوب رفيع رغبة منه في إقامة الحجة عليهم لعلهم يؤمنون ويوحدون، إذ قال بما أخبر تعالى في قوله: قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي [هود:28]، أي: على علم يقيني بالإيمان بربي ووجوب عبادته وتوحيده، وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً [هود:63] وهي النبوة والرسالة، فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ [هود:63]؟ اللهم إنه لا أحد أبداً، إذاً: فإنكم ما تزيدونني إن أنا أطعتكم في ترك عبادة ربي والرضا بعبادة آلهتكم إلا خساراً وضلالاً في هذه الحياة وفي الحياة الآخرة أيضاً ]، فيا أهل لا إله إلا الله! احمدوا الله عز وجل على أنكم مؤمنون موحدون.

    هداية الآيات

    هذه الآيات الثلاث لها هدايات، فهيا نستعرض هداياتها.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: وحدة الوسيلة والغاية عند كافة الرسل ]، دعوة الرسل واحدة، الوسيلة واحدة والغاية واحدة، ما اختلف رسول مع رسول، أما قال تعالى: وَإِلَى عَادٍ [الأعراف:65]، وَإِلَى ثَمُودَ [الأعراف:73].

    [ وحدة الوسيلة والغاية عند كافة الرسل، فالوسيلة عبادة الله وحده، والغاية رضا الله ودخول الجنة دار السلام ]، فمن أين أخذنا هذا؟ من قوله كل رسول: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59].

    [ ثانياً: تقديم الاستغفار على التوبة في الآية سره ] والحكمة منه [ أن المرء لا يقلع عن ذنبه حتى يعترف به ]، كما بينت لكم، فسر البداية بالمطالبة بالاستغفار أن الإنسان إذا لم يعترف بذنبه فلن يتوب منه، يقول: ما هي بمعصية هذه، فإذا استغفر فمعناه أنه اعترف وقال: أستغفر الله، وأمكنه أن يتوب.

    [ ثالثاً: بيان سنة في الناس، وهي أن المرء الصالح يرجى في أهله، حتى إذا دعاهم إلى الحق وإلى ترك الباطل كرهوه ]، إلى اليوم في أية قرية وأية مدينة أي عبد صالح درس في الجامعة الإسلامية فنزل في قريته فإنهم يحترمونه ويكبرونه، فإذا قال: يا جماعة! لا تدعوا غير الله، ما هذه الذبائح وهذه المولد؟! فإنهم يصبحون أعداءه، سنة الله هذه لا تتبدل، فماذا قال قوم صالح؟ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا [هود:62]، والآن تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟

    [ بيان سنة في الناس، وهي أن المرء الصالح يرجى في أهله، حتى إذا دعاهم إلى الحق وإلى ترك الباطل كرهوه، وقد يصارحونه بما صارح به قوم صالح نبيهم؛ إذ قالوا: قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا [هود:62].

    رابعاً: حرمة الاستجابة لأهل الباطل بأي نوع من الاستجابة؛ إذ الاستجابة لا تزيد العبد إلا خساراً ]، لا يجوز أن نستجيب لأهل الباطل بأية إجابة أبداً؛ لأننا لا نزداد بذلك إلا خسارة؛ إذ قال صالح لقومه: فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ [هود:63]، إذا أنا أطعتكم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.