إسلام ويب

تفسير سورة هود (15)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما جاء هود عليه السلام قومه عاداً بدعوة التوحيد، والإخلاص لله سبحانه رب العبيد، أعرض قومه عنه وأنكروا أن يكون الله قد بعثه واتخذه نبياً، زاعمين أن ما جاءهم به إنما هو من تخيلاته وأوهامه بسبب ما قد يكون أصابه من الأذى من بعض آلهتهم، جزاء تعديه وجهله على هذه الآلهة، فما كان من هود إلا أن أعلن البراءة منهم ومما يعبدون من دون الله، وتوكله على ربه سبحانه الذي يحفظه وهو يتولى الصالحين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن مع سورة هود عليه السلام المكية المباركة الميمونة، وقد علمتم -زادكم الله علماً- أن السور المكية تعالج العقيدة، تصحح عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والبعث الآخر وما يتم فيه من حساب وجزاء على الكسب في هذه الدنيا.

    وها نحن مع هود عليه السلام، وقد تقدم ما قاله، والآن يرد على قومه، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوة هذه الآيات المباركة مجودة مرتلة ونحن نتدبر ونتفكر، ثم نتدارسها بإذن الله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [هود:53-57].

    ذكر ما سبق من جواب قوم هود على دعوته لهم

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم الآيات الثلاث التي تقدمت حتى نكون على بصيرة؛ إذ قال تعالى وقوله الحق: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا [الأعراف:65] أي: وأرسلنا إلى قوم عاد أخاهم هوداً كما أرسلنا نوحاً إلى قومه، قَالَ [الأعراف:65]: أي هود عليه السلام: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:65] وهو معنى لا إله لكم إلا الله، إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ [هود:50]إن أنتم في عبادتكم غير الله إلا مفترون كاذبون مختلقون، إذ لا يعبد إلا الخالق الرازق المدبر، وهذه الأصنام أو التماثيل والأحجار ما خلقت ولا أعطت ولا منعت، فعبادتها كذب وافتراء.

    يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا [هود:51] على إبلاغي وعلى هذه الدعوة التي أحملها إليكم، لا أسألكم مالاً، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى [هود:51] الله، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي [هود:51] أي: خلقني، أَفَلا تَعْقِلُونَ [هود:51]؟

    وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ [هود:52].

    سوء أدب عاد في نداء نبيهم باسمه العلم

    هنا أجاب القوم، فماذا قالوا؟ قَالُوا يَا هُودُ [هود:53]، المفروض أنهم يقولون: يا رسول الله، يا نبي الله؛ إذ لا يحل أبداً أن ينادى الرسول والنبي باسمه العلم ويترك عنوان النبوة والرسالة، وبخاصة نبينا صلى الله عليه وسلم، فما كان صاحب من الأصحاب يقول: يا محمد أو يا أحمد، ولكن: يا نبي الله ويا رسول الله.

    وها نحن في كل صلاة نواجهه بالتحية والسلام فنقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ما نقول: السلام عليك يا محمد.

    إذاً: فالقوم غلاظ أجلاف كفار، قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ [هود:53] تصحح ما تقول وتؤكده من أنه لا يعبد إلا الله، ادعوا هذه الدعوى وإلا فهو في حد ذاته آية ودليل، وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ [هود:53] كونك تقول: هذه الآلهة باطلة، هذه العبادة لا تصح ولا تجزئ ولا تنفع؛ لن نترك آلهتنا من أجل قولك هذا، وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [هود:53] أي: بمتبعين ومصدقين لك، ومعنى هذا أنهم أغلقوا الباب في وجهه والدعوة التي قدمها كلها مسحوها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ...)

    ثم زادوا أيضاً فقالوا: إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ [هود:54]، آذيت آلهتنا فغضب إله من آلهتنا فصفعك وضربك في عقلك فأنت تهذي وتقول ما لا تعلم.

    وحدث -والله يعلم- أن أحد الفقهاء ممن عاشرناهم يعتب على أحد الموحدين دعاة الحق، يقول: فلان مريض في بيته ضربه الأولياء، والله! لفقيه يقرأ النحو والشريعة هنا في المدينة أيام كان الشيخ الطيب العقبي رحمة الله عليه مريضاً، مرض ثلاث سنوات في بيته، فقال: ضربه الأولياء! لأنه كان يندد بهم.

    فلا عجب فالبشرية هي البشرية، مضت منذ أيام هود آلاف السنين، فقالوا: ما عندنا ما نقول إلا أنه اعتراك بعض آلهتنا بسوء فقط، فأنت تهرف بما لا تعرف!

    معنى قوله تعالى: (قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه)

    فماذا قال هود الآن؟ قال: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ [هود:54] أولاً، وَاشْهَدُوا [هود:54] أنتم أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [هود:54].

    أولاً: قال: أُشْهِدُ اللَّهَ [هود:54] وقدَّم شهادة الله وهي الأحق والأولى، وَاشْهَدُوا [هود:54] أنتم، ما قال: أشهد الله وأشهدكم، فيسوي بين شهادة الله وشهادة المشركين، قال: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ [هود:54] أولاً وَاشْهَدُوا [هود:54] أنتم أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [هود:54]، لا أعترف بإله صنم ولا حجر ولا شمس ولا قمر.

    وقوله: مِنْ دُونِهِ [هود:55]، أي: من دون الله، وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ [هود:54-55].

    معنى قوله تعالى: (فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون)

    ثم قال لهم: فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ [هود:55]، امكروا بي كلكم واتفقوا على قتلي أو ضربي أو أذيتي، فافعلوا، فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ [هود:55] أي: لا تمهلوني، وهذا لأنه رسول الله، نبي الله، ولي الله، لأنه مع الله والله معه، فما قيمة البشرية كلها إذا اجتمعت على أذية عبد يحميه الله عز وجل ويتولاه بنصرته؟ فماذا يفعلون؟

    وقد قالها نوح عليه السلام: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ [يونس:71].

    وقالها خاتم النبيين وإمام المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أمره الله أن يقول: ادعوا شهداءكم -أصنامكم وآلهتكم- من دون الله، وكيدوني ولا تمهلوني، فقال: قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنظِرُونِ [الأعراف:195] لم؟ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [الأعراف:196]، ما تستطيعون أن تعملوا شيئاً.

    ولما دخل المدينة قام بعض الصحابة بحراسته، فأنزل الله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67]، فقال للحراس: ادخلوا بيوتكم، فقد كفانا الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ...)

    قال هود عليه السلام: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ [هود:54-55]، لماذا ؟ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [هود:56].

    والناصية: شعر مقدم الرأس على الجبهة، وإذا أخذته من جبهته قدته كالحمار، كل البشرية بين يدي الله ذليلة مسكينة مقهورة، والله يتصرف فيها آخذ بناصيتها ويقودها حيث شاء، ما من دابة تدب على الأرض من إنسان أو حيوان أو جان إلا هو -أي: الله تعالى- آخذ بناصيتها، قاهر لها، مذلها، متصرف فيها.

    ثم علل لذلك فقال: إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود:56]، على طريق العدل والحق لا ظلم ولا حيف ولا جور، فهو يهلك الظالمين وينجي المؤمنين المظلومين بقوته وعلمه وقدرته ورحمته وحكمته، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ [هود:56] أي: خالقي وخالقكم، مالكي ومالككم، مَا مِنْ دَابَّةٍ [هود:56]، أصل الداب: ما دب على الأرض يدب دباً، وزيدت التاء للمبالغة، ما من داب أو دابة إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [هود:56]، أي: قاهر لها متحكم فيها مذلها، إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود:56].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوماً غيركم ...)

    ثم قال لهم: فَإِنْ تَوَلَّوْا [هود:57] والأصل: تتولوا؛ لأنه مضارع، فإن تتولوا: أي تدبروا وترجعوا إلى الوراء وتعرضوا عن دعوة الحق، وتصروا على عبادة الأصنام؛ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ [هود:57]، أديت واجبي، إذا أعرضتم عن دعوتي ورفضتموها وأدبرتم ورجعتم إلى الوراء فأنا قد بلغت رسالة ربي، إذ هذا هو الذي عليَّ، ما عليَّ إلا البلاغ فقد بلغت، وشأنكم أنتم تقبلون أو تدبرون، تقبلون حقاً أو ترفضون، هكذا يقول عليه السلام: فَإِنْ تَوَلَّوْا [هود:57] أي: فإن تتولوا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ [هود:57]، ما الذي أرسل به إليهم؟ هو أن يقولوا: لا إله إلا الله، ويعبدوا الله بما يأمر وينهى، أن يشهدوا أنه لا إله إلا الله، وأن يعبدوه بما يحب أن يعبد به من الاعتقاد أو القول أو العمل، وذلك يأتيهم من طريق وحيه ورسوله.

    فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ [هود:57] أولاً، ثانياً: وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ [هود:57]، يدمركم ويذهب وجودكم ويأتي بآخرين يعبدونه، ما هو في حاجة إليكم، فإصراركم على كفركم وشرككم لا قيمة له، لم؟ قال: وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا [هود:57] أبداً، لو رفعوا سلاحهم كلهم الآن وسددوا للسماء فهل سيضرون الله عز وجل؟ ما يضرونه.

    إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [هود:57] والحفيظ: الرقيب العليم الحاكم الحافظ لكل المخلوقات، إذ المخلوقات كلها في قبضته، فكيف تضرونه؟ هكذا يقول هود عليه السلام في هذا الحجاج.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    أسمعكم شرح الآيات من الكتاب:

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    ما زال السياق في قصة هود مع قومه ]، وقومه هم عاد، أين ديارهم؟ أين ديار عاد؟ في جنوب الجزيرة، في رمال الأحقاف من حضرموت إلى قريب من العراق، [ إذ أخبر تعالى عن قيل قوم هود لهود، فقال تعالى: قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ [هود:53]، أي: بحجة أو برهان على صحة ما تدعونا إليه من عبادة الله وترك عبادة آلهتنا، والاعتراف بنبوتك، وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا [هود:53] أي: عبادتها، عَنْ قَوْلِكَ [هود:53] أي: من أجل قولك: إنها لا تستحق أن تعبد لكونها لا تنفع ولا تضر، وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [هود:53]، أي: بمتابعين لك على دينك، ولا مصدقين لك فيما تقول، إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ [هود:54]، أي: ما نجد ما نقول فيك إلا أن بعض آلهتنا التي تسبها وتشتمها قد أصابتك بسوء، بخبل وجنون، فأنت تهذر وتهذي ولا تدري ما تقول.

    فأجابهم قائلاً: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [هود:54]، فأعلن براءته في وضوح من آلهتهم، وأنه لا يخافها؛ إبطالاً لدعواهم أنها أصابته بسوء، وأعلمهم أنه يشهد الله على ذلك، ثم أمرهم أن يشهدوا هم كذلك، وقوله: مِنْ دُونِهِ [هود:55] أي: من دون الله من سائر الآلهة والشركاء.

    ثم تحداهم مستخفاً بهم وبآلهتهم فقال: فَكِيدُونِي جَمِيعًا [هود:55] أي: احتالوا على ضري ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ [هود:55] أي: لا تؤخروني ولا تمهلوني.

    ثم كشف لهم عن مصدر قوته وهو توكله على ربه، فقال: إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ [هود:56]، أي: فوضت أمري إليه، وجعلت كل ثقتي فيه، وهو لا يسلمني إليكم ولا يخذلني بينكم.

    ثم أعلمهم بإحاطة قدرة الله بهم وقهره لهم فقال: مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [هود:56]، أي: قاهر لها، متحكم فيها، يقودها حيث شاء، وينزل بها من العذاب ما يشاء.

    ثم أعلمهم أن ربه تعالى على طريق العدل والحق فلا يسلط أعداءه على أوليائه، فقال: إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود:56]، فلذا أنا لست بخائف ولا وجل.

    ثم قال لهم: فَإِنْ تَوَلَّوْا [هود:57] أي: فإن تدبروا عن الحق وتعرضوا عنه؛ فغير ضائري ذلك إن أبلغتكم ما أرسلني به ربي إليكم، وسيهلككم ويستخلف قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً من الضر لا قليلاً ولا كثيراً، إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [هود:57]، أي: رقيب، وسيجزي كلاً بما كسب بعدله ورحمته، وله الحمد والمنة ].

    فهل فهمتم الآيات؟! هل المسلمون حين يجتمعون ليلة الموت ويقرءون القرآن يتدبرون هذا التدبر؟ هل يقرءونها لأجل أن يعلموا؟ والله! ما كان، قرون مضت لا يجتمع فيها ثلاثة أو أربعة على آية يتدبرونها، مع أننا مأمورون بتدبر كل آية، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [النساء:82]؟ وحسبنا تلك الحادثة النبوية، وفيها يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لـعبد الله بن مسعود : ( يا ابن أم عبد! اقرأ علي شيئاً من القرآن، فيقول: أقرأ عليك وعليك أنزل؟! فيقول: إني أحب أن أسمعه من غيري، فيقرأ عليه سورة النساء إلى أن يصل عند قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41]، فإذا بعيني رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان الدموع وهو يقول: حسبك ).

    فلو أن المسلمين كل ليلة من صلاة المغرب إلى العشاء يجتمعون في بيوت ربهم نساء ورجالاً وأطفالاً، وليلة آية وليلة حديثاً طول العام؛ فما الذي سيحدث رحمكم الله؟ ما النتائج؟

    والله! لن يكون إلا خير وهدى، ورحمة ونور، ينتهي الجهل بالمرة وتنتهي مظاهره وتنتهي آثاره، فلا زنا ولا كذب ولا ربا ولا سرقة ولا عداوة ولا بغضاء ولا حسد، هذه الأمراض كلها تزول بعلاج القرآن، فالقرآن شفاء وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82]، فما الذي يضرنا أن نقرأ الآيات ونشرحها هكذا، ما الذي نفقد؟ معاشر المستمعين! سنبكي هكذا وعلى الله عز وجل البلاغ.

    هداية الآيات

    والآن مع هداية الآيات، وقد علمنا أن كل آية من ستة آلاف ومائتين وست وثلاثين آية تحمل هداية، فقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] آية، معناها: قل يا رسولنا: الله واحد لا ثاني معه، فهذه الآية قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] من أنزلها؟ من قالها؟! هذه أنزلها الله، الله قالها، فالله موجود إذاً، ولا إله إلا هو ولا معبود غيره، ومن نزلت عليه لن يكون إلا رسول الله، إنه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل آية تقرر أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله، فما يمكن لآية أن تذهب بدون هداية.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    [ من هداية الآيات:

    أولاً: بيان مدى مجاحدة ومكابرة المشركين في كل زمان ومكان ] إلى الآن وبعد الآن، في الشرق والغرب، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ [هود:53-54].

    [ ثانياً: تشابه الفكر الشركي وأحوال المشركين؛ إذ قول قوم هود: إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ [هود:54] إلى آخره يردده جهلة المسلمين، وهو: فلان ضربه الولي فلان ]، عالم جاء مهاجراً من الديار الجزائرية منذ أربعين سنة، فقال عنه بعضهم لأنه نشر دعوة التوحيد في تلك البلاد؛ قال حين مرض: ضربه الأولياء. سبحان الله!

    تشابه الفكر الشركي وأحوال المشركين؛ إذ قول قوم هود: إِنْ نَقُولُ [هود:54]، أي: ما نقول إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ [هود:54] يردده جهلة المسلمين، وهو فلان ضربه الولي الفلاني، وفي المدينة يقولون: طرده الرسول من المدينة! وعلة هذا الجهل، لأنهم ما عرفوا.

    [ ثالثاً: مواقف أهل الإيمان واحدة، فما قال نوح لقومه متحدياً لهم قاله هود، وقاله رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ]، فنوح قال: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ [يونس:71].

    ومحمد صلى الله عليه وسلم أمره الله أن يقول: قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [الأعراف:195-196].

    وهود ماذا قال؟ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ [هود:55-56]، فمواقف أهل الإيمان واحدة، فما قال نوح لقومه متحدياً لهم قاله هود لقومه.

    [ رابعاً: تقرير مبدأ أن كل شيء في الكون خاضع لتدبير الله، لا يخرج عما أراده الله له أو أراده به ]، من أين أخذنا هذا؟ من قوله: مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [هود:56]، كل الخليقة ذليلة بين يدي الله يقودها حيث شاء، إن شاء أعز وإن شاء أذل، إن شاء أعطى وإن شاء منع، إن شاء أحياء وإن شاء أمات، إذاً: الخليقة كلها في قبضته.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966301419

    عدد مرات الحفظ

    711414274