إسلام ويب

تفسير سورة هود (13)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من حكمة الله عز وجل وعدله أنه لا يعامل أحداً من عباده على سبق والده أو ولده في الإيمان، وإنما يثيب من هو من أهل الإيمان على إيمانه ولو كان ابن أعدى أعدائه، ويأخذ من كان من أهل الكفر والطغيان ولو كان ابن نبي من أنبيائه، وهذا ما كان من ولد نوح الذي أبى أن يكون من المؤمنين، وفضل أن يأوي إلى جبل يعصمه من أمر رب العالمين، فكان من المغرقين، ووعظ الله نبيه نوحاً أن يجادل فيه حتى لا يكون من الجاهلين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ونادى نوح ربه قال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة هود عليه السلام، وهي مكية، والمكيات يعالجن العقيدة، ومن أهم أركانها: التوحيد والنبوة والبعث الآخر.

    وها نحن مع هذه الآيات الأربع، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة ثم نتدارسها إن شاء الله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:45-49]. اللهم اجعلنا منهم.

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ [هود:45] أي: قال: يا رب. ومتى كان هذا النداء؟ عندما كان يريد من ولده أن يركب السفينة معه وهو مصر على ألا يركب، في تلك الحالة نادى ربه بهذا النداء، لما امتنع كنعان أن يركب السفينة لأنه كان كافراً يستر كفره ويخفيه مع جماعات الكفر والشرك، فلما تم صنع السفينة وفار التنور وارتفع الماء وركب نوح والمؤمنون بقي هو ينظر إليهم، فقال له: اركب فما ركب عناداً ومكابرة، وقال: سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ [هود:43] كما تقدم.

    هنا في هذه الحالة قال نوح عليه السلام: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [هود:45] أي: من أولادي، وأولادي من أهلي، وأنت وعدتني أن تنجيني وأهلي، وهذا منهم، وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ [هود:45] الذي لا يتخلف ولا يتأخر أبداً، وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [هود:45]، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] فهو تعالى أعدل مَنْ حكم وأعلم من حكم.

    هذه شكوى نوح إلى ربه أعيدها وتأملوها: وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [هود:45] فكيف -إذاً- يغرق ولدي مع الغارقين؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ...)

    فأجابه الرب تبارك وتعالى سواء بواسطة الملك جبريل أو بنفسه: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود:46]، وعدتك بأن أنجيك وأهلك، لكن هذا ما هو من أهلك، هذا كافر وأنتم مؤمنون، فلا موالاة بينكم، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود:46] أي: قال بالكفر والشرك والتكذيب.

    إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود:46] أي: عمل غير ذي صلاح، أو: قولك هذا غير صالح، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:46] فكيف يتحمل نوح هذا؟

    يقول تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود:46] فالولاء بين المؤمنين والمؤمنين، أما بين المؤمن والكافر فلا، ولو كان الكافر ابنك أو أباك، هذا نوح وهذا كنعان ولده، ونوح ما كان جازماً بكفر ولده، بل كان يتوقع، ولكن لما سأل له النجاة وطلب النجاة من الله عاتبه ربه ولامه وقال: إنه ليس من أهلك، إن هذا العمل الذي عمل غير صالح، فلا تسألني بعد الآن عما ليس لك به علم.

    المنع من سؤال الله تعالى ما لم يأذن به ولم تجر به سنته

    وهذه عظيمة من عظائم الذنوب، وهي ما يكون من الذين يدعون للموتى وهم مشركون كافرون، يستغفرون للمشركين والكافرين يطلبون من الله عز وجل ما لم تجر سنة الله به، فالدعاء يجب أن يكون فيما أذن الله تعالى فيه وفيما أباح الدعاء فيه، أما أن تسأل الله عز وجل شيئاً لم يرده ولم يرضه فقد تعرضت لمقت الله عز وجل وغضبه، وهذا نوح العبد الشكور مع موقفه ومع صبره ومع جهاده ألف سنة إلا خمسين عاماً زلت قدمه بهذه الدعوة، فسمعتم عتاب الله له: يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود:46] لأنه كافر، أي: دعاؤك هذا عمل غير صالح، وهو نفسه كان عمل غير صالح، فكيف ننجيه وتطلب نجاته؟ فلا تسألني بعد الآن ما ليس لك به علم.

    فلهذا ما نسأل الله تعالى إلا ما علمنا أن الله أذن فيه وأحبه وأمر عباده به، فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [هود:46]، فلا بد أن تعلم أن الله يحب كذا أو يرضى بكذا، فإن كان فاسأله، أما أن تعرف أن الله يكره الكافرين وأنت تقول: أحبهم واغفر لهم؛ فلا، وقد علمتم ما جاء في قول الله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى [التوبة:113].

    وقد عرفتم أن النبي صلى الله عليه وسلم في ذهابه من المدينة إلى مكة وقف على قبر أمه آمنة وبكى وذرف الدموع، فقيل له: ( ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: استأذنت ربي في أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي ) .

    وهذا نوح عليه السلام ولده فلذة كبده دعا الله أن ينجيه من الغرق فلم يرض الله بذلك ولامه عاتبه؛ لأنه كافر من الغارقين: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود:46] لماذا؟ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود:46] عمل عملاً غير صالح، ودعاؤك هذا عمل غير صالح فما يستجاب لك، فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [هود:46] وقفنا هنا، لا تسأل الله شيئاً إلا إذا علمت أن الله أذن بذلك وشرعه وأمر به.

    خلاصة القول: لا تقل: اللهم أنزلني منازل الأنبياء! لا يصح هذا، لا تقل: اللهم رد إلي شبابي، لا تقل: اللهم أحي لي أمي التي ماتت، لا تقل: اللهم أنقذ فلاناً من النار وهو كافر ومشرك.

    أثر الجهل في المفاسد والشرور

    فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ [هود:46] والوعظ معروف، أي: أنهاك أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:46] الذي يعملون ويفعلون بدون علم ويتخبطون في الحياة.

    وهنا يجب ألا ننسى أن كل المشاكل التي نعانيها وكل المظالم والشرور والمفاسد هي نتيجة الجهل، هبطت أمتنا لما جهلت، والأمر واضح، ففي حلقة كهذه والله! لأعلم أصحابها أتقاهم، وقف على هذا في كل قريبة ومدينة في العالم، فلا بد من العلم، الجهل هو الذي ينشأ عنه الفساد والشرور، وقلب مظلم ونفس ما عرفت كيف تحب الله تعالى وكيف تخافه، وما عرفت الجزاء المعد لأوليائه وأعدائه؛ كيف تهرب وكيف ترغب؟ فلا بد من العلم، ولذا قال تعالى لنوح عليه السلام: إِنِّي أَعِظُكَ [هود:46] أو أنهاك أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:46]، وأمتنا ما زالت تعيش في الجهل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ...)

    قال تعالى: قَالَ رَبِّ [هود:47]، الآن نوح يعتذر ويستغفر ويتوب، فيقول: رَبِّ [هود:47] أي: يا ربي، ويحذف حرف النداء (يا) لأن المنادى قريب من المنادي، والياء تنادي بها البعيد، يا إبراهيم، أما وهو معك فتقول: إبراهيم هل تسمع أم لا.

    والله معنا وقريب منا، مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7].

    قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ [هود:47]، أستجير بك وأتحصن بكرمك وولايتك أن أسألك بعد اليوم عن شيء ليس لدي علم به أبداً، فتاب نوح مع أنه كان مجتهداً في الدعوة إلى الله تعالى، قَالَ رَبِّ [هود:47]، أي: يا ربي! إِنِّي أَعُوذُ بِكَ [هود:47] أي: أتحصن وأستجير من أن أسألك شيئاً ليس لي به علم من محابك أو مكارهك.

    ومعنى هذا أنه لا بد من العلم، لا تقل إلا إذا علمت، لا تسمع إلا إذا علمت الإذن بالسماع، لا تأكل لا تشرب لا تقم لا تقعد إلا بالعلم، هكذا حياتك كلها موقوفة على العلم، على العلم تعيش، فهيا نطلب العلم.

    فحلقة كهذه من لازمها كذا سنة أما يصبح عالماً؟ بدون أن يقرأ أو يكتب عرف الحلال والحرام، عرف الشرك والتوحيد، عرف محاب الله ومكارهه، وهو يعيش على نور من ربه، وهو ما يقرأ ولا يكتب، فلو أن أهل قرية يجتمعون كل ليلة في بيت ربهم من بعد صلاة المغرب فما المانع؟

    كل ليلة طول العام يصبح أهل القرية كلهم علماء نساءً ورجالاً، وحينئذ تختفي مظاهر الظلم والخبث والشر والفساد في تلك القرية، تلك سنة الله، وسنة الله لا تتبدل ولا تتحول، لا يقع فيهم الشر ولا الفساد ولا الظلم، فما المانع؟ أهل المدن في أحياء مدنهم إذا دقت الساعة السادسة مساء توضئوا وحملوا أطفالهم ونساءهم إلى بيوت ربهم وصلوا المغرب وجلسوا يتعلمون الكتاب والحكمة، والنية الصادقة والرغبة عظيمة في أن يصبحوا أولياء الله لا يلبسون إلا وهم علماء أتقياء بررة من أولياء الله الصالحين، فتنتهي مظاهر الشر والخبث والفساد، هذا نوح يعتذر: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [هود:47].

    هذه توبة نصوح: إلا تغفر لي ذنبي هذا وترحمني أكن من الخاسرين الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ...)

    فأجابه الرب تبارك وتعالى قائلاً: يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [هود:48].

    يَا نُوحُ اهْبِطْ [هود:48] أي: من السفينة بعدما رست على الجودي، والجودي جبل موجود إلى الآن في الموصل، اهْبِطْ بِسَلامٍ [هود:48] لا انعطاب ولا انكسار ولا مرض ولا سقوط من السفينة، سلام كامل مِنَّا وَبَرَكَاتٍ [هود:48] في أكلكم وشربكم وحياتكم لا تفارقكم أبداً، بركات الله عز وجل عليك يا نوح وعلى أمم ممن معك؛ إذ معه ثمانون رجلاً وامرأة ومعه من الحيوانات أمم.

    وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ [هود:48] في المستقبل، سوف نمتعهم، سنمتعهم بالطعام والشراب واللباس والحياة، وهم أحفاد الذين في السفينة عندما ينتشر النسل ويكثر، وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ [هود:48] في الدنيا بالطعام والشراب ومظاهر الحياة، ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [هود:48] بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة بكفرهم وشركهم وخروجهم عن عبادتنا، ومن هؤلاء قوم عاد وثمود وصالح وشعيب وفرعون، أما كانوا بعد نوح؟

    إذاً: اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك في السفينة، وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ [هود:48] متاع الحياة الدنيا، ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [هود:48]، هذا العذاب نتيجة كفرهم وشركهم وعدائهم لله ورسوله والمؤمنين، أمم أخبر الله تعالى عنها فكانت كما أخبر تعالى.

    ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [هود:48] موجع بألم في الدنيا بما شاء الله وفي الآخرة بالخلود في جهنم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ...)

    ثم قال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا [هود:49].

    انتهت الآن القصة بكاملها مفصلة، فقال الله للرسول محمد صلى الله عليه وسلم: تلك الأخبار العظيمة -يا رسولنا- من أخبار الغيب العظيمة، من كان يعلم هذا من أهل مكة أو من غيرهم من العرب وغيرهم؟ وإن علموا أشياء لا قيمة لها، أما هذا التفصيل وهذا البيان فمن يقدر عليه؟ هل كنا مع السفينة تمخر في الماء؟ وهل كنا مع نوح وهو يكلم ولده وولده يصر على الكفر؟ أو يعتذر لربه؟ من يخبر بهذا الخبر؟ من كان حاضراً؟

    تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا [هود:49] ما كنت يا رسولنا تعلم ذلك أنت ولا قومك من العرب، وخاصة قريشاً الذين يحاربون التوحيد.

    ثم قال تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49]، وهنا قال العلماء: في هذه الآية ثلاث فضائل:

    الأولى: في قوله تعالى: مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ [هود:49]، فهذه منة الله على رسوله، ما كان يعلم فعلمه، فامتن عليه.

    ثانياً: وعظه وألزمه بالصبر.

    ثالثاً: وعده ليسليه ويواصل دعوته: فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49]، اللهم اجعلنا منهم.

    حقيقة المتقين

    ومن هم المتقون ؟ هل هم بيض أو سود؟ صفر أم حمر؟ عرب أم عجم؟ أغنياء أم فقراء؟ بنو هاشم؟ بنو تميم؟ العدنانيون؟ الأحباش؟ من هم المتقون؟

    اعلموا أن المتقي هو الذي آمن بالله وبما جاء عن الله وعرف محاب الله ومكارهه، وفعل المحبوب لله وترك المكروه من أجل الله، ذلكم هو التقي، عبد آمن حق الإيمان فصدق الله ورسوله فيما أخبرا به من شأن الغيب والشهادة، ثم عرف أوامر الله تعالى ففعلها، وعرف نواهي الله فتركها، ذلكم -والله- العبد التقي؛ لأنه بطاعة الله بفعل الأمر وترك النهي اتقى عذاب الله وجعل بينه وبين عذاب الله وقاية.

    أما الكافر فكيف يقال فيه: تقي؟ أما الفاجر تارك الواجبات المنغمس في المحرمات كيف يقال فيه: تقي؟ من يقيه عذاب الله وسخطه حتى يوصف بأنه تقي.

    والعاقبة دائماً وأبداً للمتقين، لو تنزل نازلة بأي بلد فالذين ينجيهم الله هم المتقون، العاقبة الحسنى الحميدة الطيبة للمتقين؛ لأنهم يسيرون على منهج الحق على السراط المستقيم، ما يتحطمون أبداً ولا يذلون ولا يرهبون، يمشون على الطريق، عرفوا الأوامر فأقاموها وقاموا بها، وعرفوا النواهي فتركوها وتخلوا عنها وهم في طريقهم، فمن يؤذيهم؟

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    معاشر المستمعين! اسمعوا شرح الآيات من الكتاب، وما بيناه كاف والحمد لله.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    مازال السياق في الحديث عن نوح وقومه، قال تعالى: وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ [هود:45] أي: دعاه سائلاً: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [هود:45]، وهذا كان منه حال الإركاب في الفلك وامتناع ولده كنعان من الركوب، أي: ربي! إن ولدي كنعان من زوجتي ومن جملة أولادي، وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي ومن معي من المؤمنين، وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ [هود:45] أي: الذي لا خلف فيه أبداً، وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [هود:45] أعلمهم وأعدلهم، وهذا ابني قد استعصى عني ولم يركب معي وسيهلك مع الهالكين إن لم ترحمه يا ربي يا رب العالمين.

    فأجابه الرب تبارك وتعالى بقوله الحق: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود:46] أي: الذين وعدتك بإنجائهم؛ لأنه على غير دينك وعلى خلاف منهجك، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود:46] أي: إن سؤالك هذا إلي بإنجاء ولدك وهو كافر على غير ملتك وقد أعلمتك أني مغرق الكافرين؛ سؤالك هذا عمل غير صالح يصدر عنك، إِنِّي أَعِظُكَ [هود:46] أي: أنهاك وأخوفك أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:46].

    قال نوح: رَبِّ [هود:47] أي: يا !ربي إِنِّي أَعُوذُ بِكَ [هود:47] أي: أستجير وأتحصن بك أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [هود:47] أي: الذين غبنوا أنفسهم حقوقها فهلكوا.

    فأجابه الرب تعالى: يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ [هود:48] اهبط من السفينة أنت ومن معك من المؤمنين بسلام منا، أي: بأمن منا وتحيات وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ [هود:48] أي: من ذرية من معك، فلا تخاف جوعاً ولا شقاءً، وَأُمَمٌ [هود:48] من ذرية من معك سَنُمَتِّعُهُمْ [هود:48] متاع الحياة الدنيا بالأرزاق، ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [هود:48] يوم القيامة؛ لأنهم ينحرفون عن الإسلام ويعيشون على الشرك والكفر.

    وهذا من علم الغيب الذي أخبر الله تعالى به فكان -والله- كما أخبر؛ فقد نشأت أجيال وأجيال من ذرية نوح منهم الكفار ومنهم المؤمنون، وفي الجميع ينفذ حكم الله ويتم فيهم وعده ووعيده.

    وقوله تعالى في الآية -وهي الأخيرة في هذا السياق-: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ [هود:49] أي: هذه القصة التي قصصناها عليك من أنباء الغيب الذي لا يعلم تفصيله إلا الله، نُوحِيهَا إِلَيْكَ [هود:49] ضمن آيات القرآن مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ [هود:49] على وجه التفصيل مِنْ قَبْلِ هَذَا [هود:49] القرآن، إذاً: فَاصْبِرْ [هود:49] يا رسولنا على أذى قومك مبلغاً دعوة ربك حتى يأتيك نصرنا؛ فإن العاقبة الحسنى الحميدة دائماً للمتقين ربهم بطاعته والصبر عليها حتى يلقوه مؤمنين صابرين محتسبين ]، اللهم اجعلنا منهم.

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: رابطة الإيمان والتقوى أعظم من رابطة النسب ]، فهل نفع النسب كنعان ؟ والمؤمنون نفعهم ذلك أم لا؟ فرابطة الإيمان والتقوى أعظم من رابطة النسب.

    [ ثانياً: حرمة العمل بغير علم؛ فلا يحل القدوم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه ]، ومعنى هذا ألا يبقى جاهل بين المؤمنين، إذا كان لا يحل ولا يجوز العمل إلا بعد العلم وجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يعلم، ولهذا لا جاهل في المؤمنين والمؤمنات، قبل أن توجد المدارس والكليات مرت ثلاثمائة سنة وهم أعلم أهل الأرض بالكتاب والسنة بهذه المجالس العلمية.

    [ ثالثاً: ذم الجهل وأهله ]، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:46].

    [ رابعاً: شرف نوح عليه السلام وأنه أحد أولي العزم من الرسل ]، أولو العزم خمسة من بينهم نوح وهو أولهم، وإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بعده والله قدمه في الذكر، فقال: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب:7].

    [ خامساً: بيان العبرة من القصص القرآني، وهي تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ] مما يعانون ويكابدون من المشاق التي تواجههم من الكفار والمشركين.

    [ سادساً: تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وإثباتها ببرهان عقلي، وهو الإخبار بالغيب الذي لا يعلم إلا من طريق الوحي.

    سابعاً: بيان فضل الصبر وأن العاقبة الحميدة للمتقين، وهم أهل التوحيد والعمل الصالح ]، اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.