إسلام ويب

تفسير سورة هود (12)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما كان إعمار الأرض مطلب جليل، ولما كان قد سبق من الله القول بإغراق كل من على الأرض من غير المؤمنين أهل الفلك نوح والذين معه، لذلك فقد أمر الله نبيه نوحاً أن يحمل على ظهر سفينته من كل حيوان ونبات زوجين اثنين، ليكونوا النواة الأولى لإعمار الأرض من جديد، بعد أن يحل عليها الوعيد، من صاحب البطش الشديد سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الإثنين من يوم الأحد- واللتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة هود عليه السلام المكية المباركة الميمونة، والتي كغيرها من المكيات تعالج العقيدة، رزقنا الله وإياكم حسنها وصلاحها؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وهيا بنا لنصغي مستمعين إلى هذه الآيات الخمس مرتلة مجودة علينا، وبعد ذلك نتدارسها إن شاء الله تعالى.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ * وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ * وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [هود:40-44].

    أمر الله تعالى نوحاً بركوب السفينة بعد ظهور علامة الطوفان

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ [هود:40]، سبق في الآيات الكريمة أن الله أمر نوحاً بأن يصنع الفلك، أي: السفينة، واستجاب نوح وصنع بتعليم الله وتوجيهه وتوفيقه، وأصبح ينتظر متى يركب هذه السفينة، انتظر حتى جاء أمر الله عز وجل، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا [هود:40] بإغراق أهل الأرض، وَفَارَ التَّنُّورُ [هود:40]، والتنور: مكان صنع الخبز حيث يخبز فيه الخبز، يقال فيه: التنور، والآن يسمونه الفرن، وَفَارَ التَّنُّورُ [هود:40]، أي: خرج الماء من النار، النار مشتعلة والماء يخرج منها، هذه آية أن الساعة قد دقت وجاء وقت العذاب.

    حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا [هود:40]، والقائل رب العزة والجلال سبحانه وتعالى، قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [هود:40] من المخلوقات الممكن حملها في ذلك الوقت من سائر الحيوانات؛ لأن العالم سيفنى ويفنى كل من كان فيه من إنسان أو حيوان.

    وقوله تعالى: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [هود:40] أي: ذكر وأنثى؛ حتى تتوالد المخلوقات بعد نزوله من السفينة.

    وقوله تعالى: وَأَهْلَكَ [هود:40]، وأهله: نساؤه وأولاده وأولاد أولاده، أهل الرجل معروفون، واستثنى تعالى: إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ [هود:40] بالهلاك، وهما: واعلة امرأته وكنعان ولده، سبق أنهما سيهلكان وسيغرقان، امرأته الخائنة له، وابنه كنعان الذي رفض أن يركب معه في السفينة وكان يسخر مع الساخرين.

    وَمَنْ آمَنَ [هود:40]، أي: واحمل معك من آمن، وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود:40]، قالت العلماء: يقدرون بنيّف وثمانين رجلاً وامرأة، وهذا العدد قليل بالنسبة للبشرية كلها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال اركبوا فيها باسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم)

    ثم قال تعالى مخبراً عن نوح إذ قال: ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ [هود:41]، وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا [هود:41]، وجائز أن يكون القائل الله تعالى، وجائز أن يكون نوحاً.

    وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ [هود:41]، (باسم الله) هذه السنة قائمة إلى اليوم، كل من أراد أن يركب السيارة أو يركب بهيمة أو يركب باخرة يسن أن يقول: باسم الله، كما هي سنتنا في تناول الطعام والشراب إلى غير ذلك.

    وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا [هود:41]، وقرئ (مَجراها) بالإمالة وفتح الميم، وقرئ: ( مُجراها) بضم الميم، والكل صحيح، والمجرى: الذي به تجري، والمرسى: الذي فيه ترسو وتثبت، أي: تنطلق جارية في الماء أو تقف باسم الله تعالى لا باسم غيره، بقدرة الله وحوله وقوته، بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [هود:41].

    وروي: أن من أراد أن يركب السفينة يستحب له أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم. وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67]، ثم يقرأ أيضاً: بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [هود:41]، هذه سنة الركوب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهي تجري بهم في موج كالجبال ...)

    ثم قال تعالى مخبراً عنها: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ [هود:42]، أمواج الماء تشاهدونها في البحر كيف ترتفع، أخبر تعالى أنها ترتفع كالجبال، أمواج الماء في الأرض لا في البحر، إذ أصبحت الأرض كلها بحراً، وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ [هود:42] في العلو والارتفاع.

    وهنا وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ [هود:42]، يعني: قبل أن يرتفع الماء حين فار التنور وبدأ الماء يخرج من الأرض والسماء تمطر نادى نوح ابنه رحمة به وشفقة عليه، وكيف لا وهو ولده وفلذة كبده؟ نادى ابنه: يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ [هود:42]، اركب معنا السفينة ولا تبق مع الكافرين الغرقى الهالكين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ...)

    فقال الولد العاق الكافر والعياذ بالله تعالى: قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ [هود:43]، دع الماء يرتفع وأنا سآوي إلى جبل وسـأرتفع إلى نصفه أو ثلثه فالماء ما يصل إلى هذا المستوى، سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ [هود:43]، وبالفعل ارتفع الماء فغطى الجبل وهلك كنعان .

    فقال له والده نوح عليه السلام: لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ [هود:43]، هذا اليوم ليسه فيه من يعصم إلا الله، أمر الله بإغراق الأرض وأهلها، إذاً: فلا مجال لأن تنجو أبداً، لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ [هود:43]، هذا الاستثناء حسن، إذا رحم الله، وقد رحم أهل السفينة كلهم ونجاهم.

    وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ [هود:43]، كان يخاطبه والماء يرتفع، وبعد ذلك ارتفع الماء وانتهى وانقطع الكلام، فنوح في سفينته وهو في أمواج الماء.

    وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ [هود:43]، أي: كنعان مِنَ الْمُغْرَقِينَ [هود:43]، وإن قيل: من هو أبو الكنعانيين؟

    فالجواب: ذاك كنعان بن سام بن نوح ، فأحد أبنائه يقال له: سام ، وهو الذي ولد له بعد النزول من السفينة والعيش في الأرض، وسماه كنعان باسم أخيه.

    إذاً: قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ [هود:43]، أي: كنعان مِنَ الْمُغْرَقِينَ [هود:43]، وما أكثرهم فهم بمئات الآلاف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ...)

    وَقِيلَ [هود:44] القائل الله جل جلاله، وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ [هود:44]، وابتلعيه في بطنك، وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي [هود:44] عن الإمطار وإنزال الماء، فمن الذي أمر الأرض والسماء؟ من الذي يستجاب له سوى الله؟

    وَغِيضَ الْمَاءُ [هود:44]، دخل في بطن الأرض، وجفت الأرض، وَقُضِيَ الأَمْرُ [هود:44] الذي حكم الله به وأنجزه؛ إذ هلك كافر على الأرض.

    وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [هود:44]، أي: السفينة، استقرت على جبل يقال له: الجودي، وهو قريب من الموصل من طرف الجزيرة.

    وهناك ثلاثة جبال فاضلة: جبل الطور؛ إذ ناجى الله فيه موسى، وجبل حراء؛ إذ أوحى الله فيه إلى مصطفاه ونزل فيه جبريل وأوحى إليه، وهذا الجبل الجودي، والجبال ثلاثتها موجودة على حالها لم يتغير فيها شيء.

    وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [هود:44]، إذ لم يبق ظالم على وجه الأرض، ما هم إلا أهل السفينة نزلوا وبارك الله فيهم وتناسلوا وكانت البشرية، وهي الآن لا يحصي عددها إلا الله، فهذا تدبير الله، وفعل الله تعالى، وخلق الله، ومع هذا ملايين البشر الآن يأكلون ويشربون وينكحون ويطيرون ولم يذكروا الله ولم يسألوا عنه ولم يعرفوه، فماذا ينتظرون؟ إعراض كامل عن ذكر الله، جهل كامل بالله، ما يسألون: من خلقنا؟ من رزقنا؟ يأكلون ويشربون كالبهائم، وهل يرضى الله بهذا الوضع؟ كلا. وسوف ينزل بهم نقمته كما أنزلها على قوم نوح، أما كانوا بهذه الصورة؟ والله! ما كانوا أكثر من هؤلاء أبداً، كانوا مشركين ويعبدون الله ويعصونه، ومع هذا سحقهم إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14]، فالبشرية الآن تنتظر حرباً غازية لا ينجو فيها إلا من شاء الله أن ينجو، ولا يبقى بعدها طيران ولا مدافع ولا غازات ولا هيدروجين، نعود كما كانوا يعيشون، وبهذا أخبر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، ولم يتخلف الخبر، فلينتظروا وهم في إصرار على العلمانية والكفر والخبث والشر والفساد في شرق الدنيا وغربها.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    إذاً: أتلو عليكم شرح الآيات مرة ثانية من الكتاب؛ لنزداد بصيرة وعلماً.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    ما زال السياق ] سياق الكلام، سياق الآيات [ في الحديث عن نوح وقومه ]، ونوح اسمه عبد الغفور، ووصفه الله بالعبد الشكور، إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:3]، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    [ قال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ [هود:40] ]، والتنور هو الفرن؛ لأنها آية، أي: كون النار يخرج منها الماء، فالماء يطفئ النار، ولكن هنا العكس، فالماء يخرج من النار آية من آيات الله.

    قال: [ أي: واصل صنع السفينة حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا [هود:40] أي: بإهلاك المشركين ] والكافرين، ولم يهلكهم ربهم وهو خالقهم؟ لأنهم كفروا به وجحدوه وتنكروا له وعصوه وعبدوا غيره وأطاعوا شهواتهم وأهواءهم وعبدوا الشياطين وتركوا الرحمن، فغضب الجبار عز وجل فأنهاهم وأنهى وجودهم.

    قال: [ وَفَارَ التَّنُّورُ [هود:40]، أي: خرج الماء من داخل التنور وفار، وتلك علامة بداية الطوفان، فاحمل فيها -أي: في السفينة التي صنعت- مِنْ كُلٍّ [هود:40] ] وفي قراءة سبعية: (من كلِّ زوجين اثنين)، [ أي: من كل نوع من أنواع الحيوانات زوجين، أي: ذكراً وأنثى ]؛ لتعمر الأرض كما كانت.

    [ وَأَهْلَكَ [هود:40] واحمل أهلك من زوجة وولد كـسام وحام ويافث ، إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ [هود:40] أي: بالإهلاك، كامرأته واعلة وولده كنعان ، وَمَنْ آمَنَ [هود:40]، أي: واحمل من آمن من سائر الناس ] رجالاً ونساء، [ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود:40]، أي: نحو من ثمانين رجلاً وامرأة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى.

    أما الثانية فقد أخبر تعالى فيها: أن نوحاً قال لجماعة المؤمنين: ارْكَبُوا فِيهَا [هود:41]، أي: في السفينة. بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا [هود:41]، أي: باسم الله تجري وباسم الله ترسو، أي: تقف ]، هذا مقود السفينة، ما هناك مقود آخر.

    [ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [هود:41]، أي: فهو لا يهلكنا بما قد يكون لنا من ذنب ويرحمنا فينجينا ويكرمنا ]؛ لأنه لا بد أننا سنذنب بعض الذنب، ما هناك يومها من معصوم إلا نوح؛ فلهذا قال: إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [هود:41].

    [ وقوله تعالى في الآية الثالثة: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ [هود:42] وصف للسفينة وهي تغالب الماء وتمخر عبابه وأمواج الماء ترتفع حتى تكون كالجبال في ارتفاعها وقيامها، نادى نوح ابنه كنعان وهو في هذه الساعة في معزل، أي: من السفينة حيث رفض الركوب فيها لعقوقه وكفره، فقال له: يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا [هود:42] ] وقرئ: (يا بنيِّ) بالكسر.

    [ فقال له: يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ [هود:42] فتغرق كما يغرقون. فأجاب الولد قائلاً: سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ [هود:43]، أي: يمنعني منه حتى لا أغرق، فأجابه نوح قائلاً: لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [هود:43] أي: بعذاب الكافرين، إِلَّا مَنْ رَحِمَ [هود:43]، أي: الله، فهو المعصوم من الغرق.

    قال تعالى: وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ [هود:43]، أي: بين الولد العاق والوالد الرحيم، فَكَانَ [هود:43] أي: الولد مِنَ الْمُغْرَقِينَ [هود:43].

    وقوله تعالى: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ [هود:44]، أي: اشربيه وابتلعيه، وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي [هود:44] من الصب والإمطار، والآمر للأرض والسماء هو الله تعالى لا غيره.

    وَغِيضَ الْمَاءُ [هود:44]، أي: نقص ونضب، وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [هود:44]، أي: ورست السفينة بركابها على الجودي، وهو جبل بالجزيرة قرب الموصل.

    وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [هود:44]، أي: هلاكاً لهم، فلم يبق منهم أحد؛ إذ أخذهم الطوفان وهم ظالمون، بدأ الطوفان أولاً يوم فاتح رجب واستمر ستة أشهر حيث رست السفينة في أول المحرم ].

    بدأ الطوفان أول رجب وانتهى بآخر الحجة وأول محرم فنزلوا، فستة أشهر وهم على السفينة، وتذكر بعض الروايات عن بني إسرائيل ما كانوا يأكلون ونحو ذلك، ولسنا في حاجة إلى ذلك، فالله وليهم والله يطعمهم ويسقيهم.

    هداية الآيات

    هذه الآيات لها هدايات، فهيا نتفكر فيها.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: الإيمان ينجي والكفر يهلك ويردي ] أما نجى الله المؤمنين وأهلك الكافرين؟ إذاً: هذه قاعدة: الإيمان ينجي والكفر يهلك ويردي.

    [ ثانياً: مشروعية التسمية ]، أي: قول (باسم الله)، [ مشروعية التسمية عند الركوب في السفينة أو غيرها ] كالسيارة، فكيف تقول عند الركوب في السيارة؟

    تقول: باسم الله، والحمد لله، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، نقول ذلك كلما ركبنا سيارة أو طيارة صغيرة أو كبيرة؛ لأن الله أمرنا بهذا، إذا ركبنا البعير أو الفرس، فحين تجلس على مقعد السيارة تقول: باسم الله، والحمد لله، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون.

    فهل كنا قادرين على خلق الفرس والبعير؟ أو على صنع الطيارة والسيارة؟

    [ ثالثاً: عقوق الوالدين كثيراً ما يسبب الهلاك في الدنيا، أما عذاب الآخرة فهو لازم لا ينفك أبداً ]، فمن أين أخذنا أنه يسبب الهلاك؟ ذلك أنه لما عق كنعان كان سبب هلاكه، فهلك وغرق وصار إلى جهنم.

    [ رابعاً: مظهر من مظاهر رحمة الوالد بولده ]، شاهدنا رحمة الوالد بولده في قول نوح لابنه: يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ [هود:42]، لولا الرحمة لما قال هذا الكلام.

    [ خامساً: مظاهر عظمة الرب تعالى وإطاعة الخلق أمره حتى الأرض والسماء ]، حيث استجابتا وأطاعتا، أما أمر الأرض أن تبتلع ماءها فابتلعته؟ فما بقيت قطرة، والسماء أما قال لها: أقلعي فأقلعت من الصب ونزول الماء؟

    قال تعالى: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر:10-13] ذات الألواح هي السفينة المكونة من ألواح الخشب، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ [القمر:13-14] من الذي كفر؟ نوح عليه السلام، من كفره؟ قومه، حيث كذبوه وآذوه وأعرضوا عن دعوته.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.