إسلام ويب

تفسير سورة هود (11)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مكث نوح عليه السلام في قومه داعياً إياهم إلى توحيد الله سبحانه وتعالى ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومع هذا الزمن الطويل والعمر المديد لم يؤمن من قومه إلا العدد القليل، عندها أمره ربه أن يصنع الفلك الذي به ينجي الله عباده المؤمنين، ويذر من خلفهم من المكذبين الضالين في لجة اليم مغرقين، وذلك لهم خزي في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب مقيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأحد من يوم السبت- والليالي الثلاث بعدها ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة هود عليه السلام، وهي -كما علمنا- مكية، والمكيات يعالجن العقيدة، وأعظم أركانها: التوحيد، والنبوة، والبعث الآخر، وها نحن مع هذه الآيات الأربع، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة ثم نتدارسها إن شاء الله، والله نسأل أن ينفعنا بما نعلم ونعمل.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ [هود:36-39].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! تقدم في قصة نوح الجدال بينه وبين قومه، والآن جاء دور تصفية حساب هؤلاء المشركين المعاندين المكابرين.

    قال تعالى: وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ [هود:36]، من الذي أوحى إلى نوحٍ؟ الله رب السماوات والأرض وما بينهما.

    ونوح عرفنا أنه عبد الغفور، ووصف في القرآن الكريم بأنه العبد الشكور، نوح كان أول رسول أرسل لقوم يعبدون غير الله من المشركين بالله شيئاً من الأصنام والأوثان والآلهة الباطلة، فهو أول الرسل بهذا الاعتبار.

    قال تعالى: وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ [هود:36]، ماذا أوحي إليه؟ ما الذي بلغه؟ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [هود:36]، وكان المؤمنون يوم ذاك لا يزيدون على نيف وثمانين رجلاً وامرأة، وطالت مدة دعوته فبلغت ألف سنة إلا خمسين عاماً، أي: تسعمائة وخمسون سنة، فما أجاب دعوة الحق ولا أقبل على الله ولا استجاب لنداء نوح ودعوته إلا هذا العدد اليسير من أمة بمئات الآلاف، ثلاثة وثمانون مؤمناً ومؤمنة.

    معنى قوله تعالى: (فلا تبتئس بما كانوا يفعلون)

    فأعلمه عز وجل بأنه لن يؤمن من قومك إلا الذين آمنوا، وعليه فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [هود:36]، لا تكرب لا تحزن لا تغتم لا يصبك الهم بما كانوا يفعلونه، إذ جاء دور هلاكهم واستراحتك منهم، فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [هود:36]، فقد ضربوه وآذوه.

    ومن عجيب ما يروي الرواة أن رجلاً كان يحمل طفله على كتفه، فمر بنوح فقال: يا أبت! أعطني الحجر أضرب بها هذا الرجل، فناوله حجراً فضربه فأسال دم نوح من رأسه! ما تركوا شيئاً إلا فعلوه، قبحوا سلوكه وعيروه ونددوا به وسخروا منه واستهزءوا به وضربوه وهو صابر ما صبر مثله من صبر من المؤمنين، ما هي بسنة ولا عشر ولا عشرين ولا مائة، بل تسعمائة وخمسون سنة.

    فقال له مولاه عز وجل: فَلا تَبْتَئِسْ [هود:36]، أي: لا تكرب ولا تحزن ولا تغتم بفعلهم الذي فعلوه فقد جاء دور نهايتهم، وانتهيت من همهم وكربهم وغمهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون)

    وأمره بقوله: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود:37]، وكأنه سبق أن علمه صنعة الفلك في ماضي الأيام، فقال هنا: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ [هود:37] الذي عهدته وسمعت به وعرفناك به، والمراد من الفلك: السفينة، والفلك يطلق على الواحد والاثنين والجمع.

    وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود:37]، أي: تحت رعايتنا ونظرنا وحمايتنا، اصنعها ونحن معك نوجه ونسدد ونعين حتى تنتهي، فلست وحدك؛ لأنه أمر صعب، فمن يستطيع أن يصنع سفينة؟ وهي أول سفينة عرفتها البشرية، وأرشده تعالى وأوحى إليه وعلمه بما يأخذ من الخشب وكيف يدخل هذه المسامير في هذا الجسم، فكانت سفينة أقلت ثلاثة وثمانين وزيادة.

    إذاً: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا [هود:37]، أي: بعنايتنا ورعايتنا وتحت نظرنا نوجهك ونسددك: اعمل كذا اعمل كذا؛ بواسطة ملائكة الله تعالى وبالوحي الذي أوحي إليك، وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود:37]، ولا ترهب ولا تخف ولا تكل؛ لأننا معك بكامل العناية.

    ثانياً: وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا [هود:37]، لا تقل: اعف عنهم، ولا ارحمهم، ولا اهدهم، ولا أصلحهم، انتهت الدعوة، ظلموا فلا تخاطبني فيهم، إذ كان يدعو لهم ويستغفر لهم ويسأل الله هدايتهم أيام كان يرجو إيمانهم، أما الآن فانتهى الأمر.

    ظلم قوم نوح بالشرك بالله تعالى

    وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا [هود:37]، فما هو هذا الظلم الذي ظلموه؟

    أولاً: الشرك بالله، وهذه حقيقة يجب أن تستقر في أذهاننا وقلوبنا، وأن الشرك أفظع أنواع الظلم، ولا ظلم أفظع من الشرك، فالظلم عام، ظلمك لنفسك أن تصب عليها أطنان الأوساخ والذنوب والآثام، ظلمك لإخوانك بسلب أموالهم وبنهش أعراضهم وبالسخرية بهم والاستهزاء بهم، ولكن فوق هذا الظلم ظلمك لربك، يخلقك ويرزقك ويكلؤك ويحفظك من أجل أن تعبده، فتلتفت إلى الأحجار والأصنام والشهوات والدنيا وتعبدها وتتركه هو، فأي ظلم أكثر من هذا؟! تأخذ حق الله الواجب له الذي خلقك من أجله وتعطيه لغيره.

    فلهذا قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، قالها لقمان عليه السلام في موعظته لابنه، يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]؛ لأنه أخذ حق الله وإعطاؤه لمن لا يستحقه، فأي ظلم أعظم من هذا؟

    مظاهر الشرك بالله تعالى

    والشرك -معاشر المستمعين والمستمعات- له مظاهره:

    أولاً: دعاء غير الله، فمن دعا غير الله طالباً حاجة منه فقد أشرك؛ لأن هذا الحق حق الله الذي يعطي ويمنع، ويضر وينفع، وهو الخالق عز وجل، أما المخلوق فليس له قدرة على ذلك، فأضاع وقته وأضاع أمله، وسأل من لا يعطيه، ولهذا الدعاء هو العبادة، والدعاء مخ العبادة، فمن دعا غير الله وطلب حاجة منه فقد أشرك وظلم الظلم الأعظم.

    وهل يجوز لي أن أقول: يا فلان! أعطني ريالاً أنا في حاجة إليه؟ أو: ناولني كأس ماء؟ كل ذلك يجوز، فما هو الدعاء الذي لا يجوز؟

    الجواب: أن تدعو قبوراً وأصناماً وأحجاراً وأوهاماً وشياطين، هذا هو الشرك بالله العظيم، أما أن تسأل أخاك أن يعطيك شيئاً فهذا جائز؛ لأنه يسمعك ويراك، أما أن تقف على قبر: يا سيدي فلان؛ فهل سيسمعك؟ هل يرى وقفتك أمامه، هل يقدر على أن يمد يده؟ كيف يجوز هذا، بأي حق؟

    وقد تقول: أنا استشفع به، وهذه كلمة باطلة، ما أذن لك الله بهذه الشفاعة، لو كان حياً وعبداً صالحاً فإن لك أن تقول: يا فلان! ادع الله لي أن يرحمني أو يعفو عني، أما وهو ميت وأنت تدعوه فهذا مظهر من مظاهر الشرك ظاهر في هذه الأمة من القرن الرابع إلى اليوم، يدعون القبور والأولياء: يا سيدي فلان، يا سيدي فلان! والشيعة والعوام يقولون: يا رسول الله! يا فاطمة ! يا حسين ! وهذا -والله- لمن أفظع الظلم وأعظمه.

    ثانياً: النذر: ويسمى عند العامة بالعدة أو الوعدة، يقول: يا سيدي فلان! إن ولدت امرأتي ولداً فسأفعل لك كذا وكذا، يا سيدي فلان! إذا خرج ولدي من السجن فسأفعل معك كذا وكذا، من ذبيحة أو إزار أو شموع، فهذا -والله- نذر لغير الله، استقبلت هذا المخلوق بوجهك وقلبك وتكلمت معه ووعدته، فهل يصح مع غير الله؟ والله! لا يصح أبداً، ولن يستفيد منه شيئاً إلى يوم القيامة، هذا النذر.

    وآخرون ما عندهم الذبح، فيقولون: هذه الشاة لسيدي فلان، يغرس شجر نخل أو زيتون فيقول: هذه لسيدي فلان، هذه النخلة للشيخ الفلاني؛ لتبارك وينمو ثمرها، فيعطونها هكذا لغير الله عز وجل.

    بل أصبحوا إذا ولد ولد يقولون: هذا الولد لسيدي فلان، إن جاءت امرأتي بولد فسأجعله له! إلى هذا الحد في خلال ألف سنة من الظلمات تقريباً.

    وآخر ما عندنا: الحلف: وحق سيدي فلان، ورأس فلان! فمن هو الذي تحلف به سوى الله عز وجل؟ من هذا الذي يقوى على أن يكون في منصب الرب تعالى يحيي ويميت ويعطي ويمنع فتحلف به؟

    العاقبة الأليمة لظلم قوم نوح

    إذاً: قال تعالى لنوح عليه السلام: وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا [هود:37]، أي: أشركوا أولاً، وظلموا أنفسهم ثانياً، وظلموا المؤمنين أيضاً، وظلموا نوحاً بالسب والشتم والضرب وما إلى ذلك، فلفظ الظلم عام، استوجبوا العقوبة العاجلة.

    إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [هود:37]، لا تخاطبني فيهم، انتهى أمرهم، إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [هود:37]، فما هي إلا أيام وفتحت أبواب السماء ونبعت المياه من تحت الأرض فالتقى الماء على أمرٍ قد قدر، فهلكت البشرية كلها والله وما نجا إلا أصحاب السفينة، واستمرت كذلك فترة من الزمن حتى جفت المياه ويبست الأرض ورست السفينة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ...)

    قال تعالى: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ [هود:38]، من هو الذي يصنع الفلك؟ نوح عبد الله، عبد الغفور، وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ [هود:38]، الملأ الذين يملئوا العين بالأبهة وحسن المنظر من الأغنياء والرؤساء والحاكمين وأهل المال.

    وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ [هود:38]، ما هذا الذي تصنعه يا نوح؟! قال: سفينة، قالوا: أي سفينة؟ قال: بيت أحمل فيه المؤمنين وأنا معهم، قالوا: كيف تحمل السفينة؟ قال: يحملها الماء، تكون فوق الماء، فقالوا: هل ستأتي بالبحر إليها أو تنقل هذه إلى البحر؟ يسخرون ويستهزئون، وقد عرفتم إخوانكم حين يسخرون ويستهزئون كيف يقولون.

    قال تعالى: قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا [هود:38] الآن فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ [هود:38] غدا كَمَا تَسْخَرُونَ [هود:38]، حين تضطرب الحياة وتنزل الأمطار ويصبحون هاربين شاردين والمياه من فوقهم ومن تحتهم، وهم كالخنازير؛ فحينئذ سنسخر منكم، فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ [هود:38] منا.

    ثانياً: نسخر منكم لفساد عقولكم وذهاب آرائكم وهبوطكم لجهلكم وعدم بصيرتكم، وإنكاركم للحق وتكذيبكم لربكم، كل هذا أيضاً يسخر به نوح وقومه من هؤلاء الهابطين في عقولهم وأفكارهم وفهومهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم)

    ثم قال لهم: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [هود:39]، عما قريب حقاً ستعلمون مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ [هود:39]، ويذله بالهلاك والهوان والدون، وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ [هود:39]، وهو عذاب يوم القيامة.

    وجاء من سورة نوح: أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا [نوح:25]، ما إن أغرقوا في الماء حتى دخلوا النار، من الماء إلى النار! وهو كذلك، خرجت أرواحهم بالماء فدخلت في جهنم، أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا [نوح:25].

    وهكذا يقول هنا: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ [هود:39]، عذاب يوم القيامة؛ لأنه عذاب دائم قائم ما يزول أبداً لا بسنة ولا بمليون، ليس فيه نهاية، وهو عذاب الآخرة.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    معاشر المستمعين! أسمعكم شرح هذه الآيات من الكتاب.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    عاد السياق بعد الاعتراض بالآية (35) إلى الحديث عن نوح وقومه ]، فما هي الآية التي اعترضت بين الآيات؟ هي قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [هود:35]، إذ هذا قاله لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما قاله لنوح، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ [هود:35].

    قال: [ عاد السياق بعد الاعتراض بالآية (35) إلى الحديث عن نوح وقومه، فقال تعالى: وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [هود:36]، وهذا بعد دعوة دامت قرابة ألف سنة إلا خمسين عاماً، أي: فلن يؤمن بعد اليوم أحد من قومك، وعليه فَلا تَبْتَئِسْ [هود:36]، أي: لا تغتم ولا تحزن بسبب ما كانوا يفعلون من الشر والفساد والكفر والمعاصي؛ فإني منجيك ومن معك من المؤمنين ومهلكهم بالغرق.

    وقوله تعالى في الآية الثانية: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود:37]، أي: وأمرناه ] الرب أمر نوحاً [ أن يصنع الفلك -أي: السفينة- تحت بصرنا وبتوجيهنا وتعليمنا؛ إذ لم يكن يعرف السفن ولا كيفية صنعها ] لولا أن الله علمه وأرشده.

    [ وقوله: وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا [هود:37]، أي: لا تسألني لهم صرف العذاب ولا تشفع لهم في تخفيفه عليهم؛ لأنا قضينا بإهلاكهم بالطوفان، فهم لا محالة مغرقون.

    قوله تعالى: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ [هود:38]، يخبر تعالى عن حال نوح وهو يصنع الفلك بقطع الخشب ونجره وتركيبه وقومه يمرون عليه، وكلما مرّ عليه أشراف القوم وعليتهم يسخرون منه، كقولهم: يا نوح! أصبحت نجاراً! أو: هل تنقل البحر إليها، أو تنقلها إلى البحر؟! فيرد عليهم نوح عليه السلام بقوله: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ [هود:38]، أي: منا، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [هود:39]، أي: مستقبلاً، مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ [هود:39]، أي: يذله ويهينه ويكسر أنف كبريائه، وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ [هود:39]، وهو عذاب النار يوم القيامة، وهو عذاب دائم لا نهاية له أبداً ].

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: كراهية الحزن والأسى والأسف على ما يقوم به أهل الباطل والشر والفساد ]، ما من حقنا أن نحزن ولا نكرب ولا نتألم من فساد المفسدين وظلم الظالمين وخبث الخبثاء، فنوح نهي عن هذا الحزن، اتركهم لله، أرادوا العذاب فهم فيه.

    [ ثانياً: بيان تاريخ صنع السفن وأنها بتعليم الله لنوح عليه السلام ]، أول سفينة عرفتها البشرية بصنع الله عز وجل؛ إذ هو علمه وأوحى إليه بواسطة ملائكته أن: افعل كذا وافعل كذا حتى أنجزها وأتمها.

    [ ثالثاً: بيان سنة البشر في الاستهزاء والسخرية بأهل الحق ودعاته؛ لظلمة نفوسهم بالكفر والمعاصي ]، هذه سنة باقية إلى قيام الساعة، [ بيان سنة البشر ] في ماذا؟ [ في الاستهزاء والسخرية ]، بمن؟ [ بأهل الحق ودعاته؛ وذلك لظلمة نفوسهم بالكفر والمعاصي ]، فالكافر نفسه مظلمة، وكذلك مرتكب كبائر الذنوب: الربا، والزنا، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وأذية المؤمنين، تصبح نفسه منتنة عفنة مظلمة لا يرجى منه خير، ولا يؤمل منه غير الشر والعياذ بالله تعالى.

    [ رابعاً: بيان صدق وعد الله رسله ]؛ حيث أنجز لنوح عليه السلام ما وعده.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.