إسلام ويب

تفسير سورة هود (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما من نبي ولا رسول يبعثه الله عز وجل إلى قومه إلا ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى، وبشر من فعل ذلك بالجزاء الكريم في الدنيا والآخرة، وأنذر من أعرض وتولى بالخسران المبين، وعذاب يوم كبير، جزاء إعراضهم واستكبارهم، وظنهم السيء بربهم أنه عز وجل لا يعلم ما تكن صدورهم وما تخفي قلوبهم.

    1.   

    ما تعالجه السور المكية من قضايا العقيدة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الثلاثاء من يوم الإثنين- والليلة التي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن الليلة مع سورة هود عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم، والسورة مكية كالتي قبلها وهي سورة يونس، وكالتي بعدها أيضاً، وقد عرفتم -زادكم الله علماً- أن السور المكية تعالج أعظم أركان العقيدة:

    أولاً: تقرير معنى لا إله إلا الله، أي: بأن لا يعبد في الكون إلا الله، لا بالدعاء ولا بالاستغاثة ولا بالذبح ولا بالنذر، ولا بالحلف والتعظيم؛ إذ لا معبود بحق إلا الله.

    واستحق الله العبادة وحده لأنه الخالق للكون كله، واستحق العبادة وحده دون غيره لأنه خالق كل شيء ومليكه وربه، فمن يعبد معه؟ ثم إن غيره لا يملك نفعاً ولا ضراً، إذ هو مربوب مملوك لله، فكيف يدعى مع الله؟ كيف يستغاث به وينادى: يا فلان، فلا إله إلا الله.

    ثانياً: تقرير النبوة المحمدية، وإثباتها لأبي القاسم صلى الله عليه وسلم، وأنه حقاً وصدقاً رسول الله، اصطفاه من بين الناس واختاره واجتباه، وبعثه رسولاً إلى البشرية كلها، بل وإلى الجن معها.

    ثالثاً: عقيدة البعث الآخر، الحياة الثانية، الدار الآخرة، يوم القيامة، وما يجري في ذلك اليوم من حساب دقيق وجزاء واف عال كبير، فأهل الأرواح الزكية أصحاب الأنفس الطاهرة النقية أولئك الذين ما أشركوا بربهم سواه، ولا أذنبوا ذنباً وأبقوا آثاره على نفوسهم، بل تابوا وغسلوه ونظفوه، فماتوا وأرواحهم زكية طاهرة، هؤلاء دار الأبرار منازلهم، الجنة دار السلام، والذين أخبثوا أرواحهم بالشرك والذنوب والمعاصي والآثام فنتنت وعفنت وما أصبحت أهلاً لرضا الله، ولا للنزول في منازل الأبرار؛ هذه مصيرها جهنم وبئس المصير.

    هذه السور المكية تعالج هذه القضايا المهمة، والسورة مكية، وها نحن مع فاتحتها في هذه الآيات الخمس، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها إن شاء الله، والله أسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير)

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ * إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [هود:1-5].

    هجاء الحروف المقطعة وأنواعها في أوائل السور

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: الر [هود:1] هذه الحروف تكتب (الر) وتقرأ (ألف، لام، را).

    هذه ثلاثة حروف من حروف الهجاء التي عرفها العرب ونطقوا بها، هذه الحروف: (ألف، لام، راء) تعرف بالحروف المقطعة، وافتتحت بها سور كثيرة حوالي ثمان وعشرين سورة، بعضها آحاد ق [ق:1]، ن [القلم:1]، ص [ص:1]، وبعضها ثنائية: يس [يس:1]، طس [النمل:1]، وبعضها ثلاثية: الر [هود:1]، وبعضها رباعية: المر [الرعد:1]، وبعضها خماسية: كهيعص [مريم:1].

    قول الجمهور في المراد بالحروف المقطعة

    والعرب ما سمعوا هذا قط ولا عرفوه قبل نزول هذه الآيات، إذاً: فما تفسير هذه الحروف؟

    وقد علمتم زادكم الله علماً أن فيها ثلاثة أقوال:

    القول الأول الذي عليه الجمهور: هو أن هذا مما استأثر الله بعلمه، فإذا قرأت وقيل لك: ما معنى (الر)؟ فقل: الله أعلم بمراده به؛ إذ هذا من المتشابه، والمتشابه يفوض أمر فهمه إلى الله، هذا الذي تسلم به من الوقوع في الخطأ وتفسير ما لا تعلم تفسيره، قل: الله أعلم بمراده به، أي: فوض أمر فهمه إلى الله، وأنت مصيب غير مخطئ.

    القول الثاني في المراد بالحروف المقطعة

    وهناك لهذه الحروف فائدتان وهما قولان في معناها:

    الفائدة الأولى: أن القرآن الكريم تحدى الله تعالى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله فعجزوا، واقرءوا لذلك قول الله تعالى من سورة بني إسرائيل -أي: الإسراء-: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88] ناصراً ومعيناً، وما استطاعوا، ووالله! لن يستطيعوا.

    ثانياً: تحداهم الله بعشر سور ما دام أنهم عجزوا عن القرآن كله: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [هود:13] فعجزوا وما استطاعوا، فتحداهم بسورة واحدة، والقرآن مائة وأربع عشرة سورة، فتحداهم سورة واحدة إذ قال تعالى وقوله الحق: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:23-24] إذاً: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [البقرة:24].

    إذاً: هذا القرآن الكريم الذي تحدى به العرب والإنس والجن مركب من هذه الحروف: المر، المص، طسم، كهيعص.. أليست هذه الحروف؟

    إذاً: ركبوها أنتم وألفوا صورة مثل القرآن، فإن عجزتم فقولوا: آمنا بالله، لو كان حروفاً أعجمية ليس بلغتهم، وما سمعوا بها فسيعذرون، لكن هذه هي الحروف التي تتحدثون بها طول النهار، فألفوا سورة، فعجزوا. هذه الفائدة الأولى والقول الأول.

    القول الثالث في المراد بالحروف المقطعة

    الفائدة الثانية والقول الثاني: أن هذا القرآن الكريم ما أطاق المشركون أن يسمعوه، ولا عجب، فعدوك ما يطيق أن يسمع صوتك وكلامك، ما استطاعوا أن يسمعوا القرآن، إذاً: فمن تدبير الله عز وجل أن أنزل هذه الفواتح بهذه الحروف التي ما اعتادوها ولا ألفوها ولا سمعوا بها، فتضطرهم إلى أن يسمعوا، ما اعتادوا هذا الصوت: كهيعص، فالذي يريد ألا يسمع حين يسمع هذه الفواتح يصغي بأذنه ويفتح قلبه ليسمع، فإذا فتح قلبه دخل نور القرآن فقال: آمنت أنه لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، وعلى هذا آمنوا، قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26] أي: صدر أمر حكومي من حاكم مكة المشرك بأنه لا يسمح لمواطن من المواطنين من رجل أو امرأة أن يسمع هذا القرآن، ومن يضبط وهو يسمع الرسول يقرأ أو غيره فسيعاقب، قالوا: نحفاظ على مجتمعنا من أن يمسخ وأن يتمزق: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [فصلت:26] إذا كان يقرأ عمر أو علي أو بلال أو الرسول صلى الله عليه وسلم فأنتم صيحوا، صفقوا حتى ما يسمع الناس القرآن، كل هذا محافظة على شركهم وكفرهم وباطلهم وجهلهم، فأنزل الله تعالى كتابه بهذه الحروف التي تضطرهم إلى أن يسمعوا، بل لما صدر الأمر بالمنع كان أبو سفيان وأبو جهل والأخنس بن شريق كل منهم يذهب ليسمع كلام الله من الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ، ويلتقون في الظلام فيلوم أحدهم الآخر: كيف تمنعون الناس وأنتم تسمعون؟ فيقولون: من الليلة لا نعود، سبحان الله العظيم! ولكن ما هي إلا سنيات وغشيهم نور الله وآمنوا عن آخرهم بالله ورسوله وكتابه.

    فإن سئلت عن الحروف المقطعة فقل: الله أعلم بمراده، فإن قيل: هل هناك فائدة؟ فقل: نعم، فيه فائدتان جليلتان:

    الأولى: أن هذا القرآن مؤلف من هذه الحروف وعجزوا عن تأليف سورة من مثله.

    ثانياً: هذه كانت جذابة لقلوبهم تنفذ إلى عقولهم، فإذا سمعوا الصوت: طسم [الشعراء:1] يقول تعالى عقبه: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ [الشعراء:2]. إذاً: هذا معنى قوله تعالى: الر [هود:1].

    معنى قوله تعالى: (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير)

    وقوله: كِتَابٌ [هود:1] أي: هذا الذي رُكِّب من هذه الحروف كتاب جليل عظيم، والتنكير للتفخيم، كتاب عجزت البشرية عن مثله.

    كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود:1] إحكاماً كاملاً لا خلل ولا تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقص، كما يحكم البناء، وبعد الإحكام فصل الله عز وجل تلك الآيات فبين الحلال والحرام، والخير والشر، والنفع والضر، والكمال والنقصان، والسعادة والشقاء، والجنة والنار، فصله فيه تفصيلاً عجباً: ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ [هود:1] ألا وهو الله، عليم بدقات وذرات الكون، حكيم يضع كل شيء في موضعه، عليم بخفايا الأمور وظواهرها، بالموجود والمعدوم، هو الذي تولى تفصيل تلك الأحكام، فبين لنا الحلال والحرام في المناكح، في المطاعم، في المشارب، في الملابس، بين أساليب الحرب والسلم والمال والاقتصاد بالتفصيل العجب، ولكن حرمنا من القرآن أنا ما نجتمع عليه هكذا من قرون عديدة؛ إذ قالوا لنا: تفسير القرآن صوابه خطأ وخطؤه كفر، فمن يقوى على أن يكفر؟ إذا سمعت من يقول: قال الله فأدخل أصبعك في أذنيك واشرد، واهرب؛ حتى لا تنزل الصاعقة عليك!

    فأصابع من فعلت هذا؟ أصابع الثالوث المكون من ثلاث طوام: أولاً: المجوسية الناقمة عن الإسلام، واليهودية وهي أشد نقمة، والصليبية وهي أكثر من ذلك، تعاونوا وأبعدوا الأمة عن روحها؛ إذ القرآن روح، ولا حياة بدون روح، قالوا: اقتلوها، ثم قالوا: ما نستطيع قتلها، فقالوا: اقتلوها معنوياً، ابعدوا عنها الروح لتموت، وقد فعلوا ونجحوا، أما هبطت أمة الإسلام وتمزقت وتشتت، وذلت وهانت؟ وآخر ما نزل بها حفنة من اليهود أذلوها وكسروا أنفها.

    فهيا لنعصي الثالوث ونجتمع على كتاب الله في بيوتنا وبيوت ربنا، كل ليلة طول العمر نتدارس كتاب الله لنعرف الحلال والحرام، والواجب والمستحب، وما يرغبنا فيما عند الله، وما يرهبنا مما لدى الله.

    وقد يقال: ما نستطيع، شغلونا بالفيديو والتلفاز، ما عندنا وقت نجتمع فيه، شغلونا بالعمل، الدكاكين مفتوحة، والمقاهي كذلك طول الليل من الصبح إلى وقت النوم، فكيف نجتمع؟ فأقول: إذاً: ماذا ننتظر؟ إن لله عز وجل سنناً لا تتخلف ولا تتبدل، والآيات تدلكم على ذلك.

    هكذا يقول تعالى: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1] ألا وهو الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير)

    ثم قال تعالى: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [هود:2]، أي: أحكمت وفصلت من أجل ماذا؟ من أجل أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [هود:2] لا عيسى ولا مريم ، لا العزير ولا موسى، لا عبد القادر ولا جبريل، فلا إله إلا الله، ومع الأسف صرفونا عن التوحيد وعن القرآن، وأصبحنا نحلف بغير الله، وأصبحنا نذبح الذبيحة ونقول: هذا عجل سيدي البدوي ، هذا غنم كذا، وأصبحنا نحج إلى القبور ونعكف عليها ونتمرغ عليها، ونأخذ من تربتها وقلوبنا متعلقة بغير الله! هذا فعل الثالوث، مع أن الله يقول: أحكمت الكتاب وفصلته من أجل أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [هود:2] وحده، لا ملك مقرب في السماء ولا نبي مرسل في الأرض، ولا ولي من الصالحين، لا يعبد إلا الله، أي: لا أحد يدعى، ولا يستغاث به، ولا يستعاذ به، ولا يطرح بين يديه، ولا يخر له الناس ساجدين، إلا الله وحده؛ إذ الخلق كلهم مربوبون مملوكون له وهو مالكهم، فأي منهم يعبد مع الله؟ فالرسل ما عبدوا ولا أذنوا لمن معهم أن يعبدوهم، بل قالوا: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59].

    أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ [هود:2] المتكلم من هو؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالآية تقرر التوحيد وتقرر النبوة المحمدية: إِنَّنِي لَكُمْ [هود:2] يا بني الناس مِنْهُ [هود:2] أي: من الله تعالى نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ [هود:2] برسالته، نذير لأهل الشرك والمعاصي بسوء العواقب والدمار والخراب في الحياتين، وبشير أبشر أهل التوحيد والإيمان والعمل الصالح بسعادة الدنيا والآخرة، وهذه مهمته صلى الله عليه وسلم، النذارة والبشارة، ينذر ويخوف المجرمين ويبشر المستقيمين الصالحين: إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ [هود:2] أي: من الله نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ [هود:2].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى ...)

    ثانياً: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [هود:3] هذا الكتاب أحكمت آياته وفصلت من لدن حكيم خبير من أجل ألا تعبدوا إلا الله، ومن أجل أن تستغفروا ربكم أيها المشركون الكافرون الفاسقون المجرمون، استغفروا ربكم فقولوا: اللهم اغفر لنا، غفرانك ربنا.

    ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [هود:3] أي: ارجعوا إليه واطرحوا بين يديه، إن قال: صوموا صمنا، إن قال: تكلموا تكلمنا، إن قال: غضوا أبصاركم غضضنا، إن قال: صلوا صلينا، إن قال: جاهدوا جاهدنا، وهكذا، ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [هود:3] ارجعوا بعد الشرود الذي طال قروناً عديدة، عودوا إلى ربكم.

    ثم قال: يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا [هود:3] استغفروه، ثم توبوا إليه، تخلوا عن الشرك والجرائم والموبقات، والله يمتعكم متاعاً حسناً، بالرخاء، الأمن، الطهر، الصفاء، العزة، السيادة، الكرامة، كل هذا -والله- تحقق في هذه البلاد لما تابوا إلى الله ورجعوا إليه.

    يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [هود:3] إلى نهاية أعماركم، وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود:3]، وكل من عمل صالحاً وفعل خيراً وتفضل بإحسان يعطيه الله ذلك ولا ينقصه شيئاً.

    معنى قوله تعالى: (وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير)

    هذا وَإِنْ تَوَلَّوْا [هود:3] فلم تقبلوا، وأدبرتم وأعرضتم؛ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ [هود:3] هذه كلمات الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، علمه الله كيف يقول، فسبحان الله!

    يقول تعالى: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1] لماذا؟ من أجل أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ [هود:2].

    ثانياً: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ [هود:3] اعترفوا بذنبكم، ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا [هود:3] أصلها: تتولوا، فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ [هود:3] وهو محنة في الدنيا وعذاب الآخرة، أما أصاب المسلمين عذاب الذل والهون في الدنيا؟ أما استعمروا؟ أما ذلوا وهانوا في الدنيا؟ وأما الآخرة فلا تسأل: فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ [هود:3].

    فإما ذل وهوان وإما قحط وجدب في الدنيا، أو خلاف وفرقة وصراع وقتال، أما الآخرة فلا تسأل؛ فإنه العذاب الكبير، يلقى أحدهم في جهنم فلا يلتقي بأخ ولا قريب ولا بعيد ملايين السنين وهو يعيش في جهنم، أي عذاب أكبر من هذا العذاب؟ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:19-22].

    فالعالم الثاني عالم الجزاء، نسبة هذا العالم إليه كقطرة الماء في النيل أو في الفرات أو في البحر الأبيض، هذه الدنيا كلها نسبتها إلى الآخرة قطرة ماء كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم، أغمس أصبعك في الماء واستخرجه وانظر البلل ذاك وزِنه فكم يبلغ جراماً؟ انسبه إلى المحيط الهندي فما هي النسبة؟

    وحسبنا أن ضرس الكافر كجبل أحد، وأن ما بين كتفيه مائة وثلاثون كيلو متر؛ إذ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( كما بين مكة وقديد ) مائة وثلاثين كيلو، هذا عرضه، تأكل النار منه بلايين السنين بلا نهاية، ونحن مقبلون ولا ندري، وغافلون وهابطون ما نقرأ هذا القرآن الكريم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير)

    ثم قال تعالى: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [هود:4] إذا قلت: كيف هذا العذاب؟ فالجواب: أليس رجوعكم إلى الله؟ هل هناك من يقول: لا، ما نرجع إلى الله أبداً؟ وهل أنت جئت بنفسك، هل تملك أنك ما ترجع؟ حين تؤخذ روحك هل هناك من يردها؟

    إِلَى اللَّهِ [هود:4] وحده مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [هود:4] يريده، التعذيب كالتنعيم، الإسعاد كالإشقاء، على كل شيء قدير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ...)

    ثم قال تعالى: أَلا [هود:5] و(ألا) للتنبيه، كما يقال اليوم: ألو.. ألو، هكذا وجدت مع التليفون، سألنا الفرنسيين والبريطانيين: ما معنى ألو؟ فقالوا: لا ندري. فقلنا: سئل سيبويه عن (أيّ) هل هي معربة أو مبنية؟ فقال: (أيّ) هكذا خلقت!

    فنحن عثرنا على (ألا) في القرآن وهي -والله- (ألو) عندكم؛ لأنه حين تأخذ الهاتف تقول: ألو.. ألو، ومعناه: هل أنت تسمع قولي؟ مستعد لقبول الكلام؟ هذا معناه، فاسمع الآية الكريمة:

    أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ [هود:5] المنافقون وضعفة الإيمان إذا سمعوا القرآن وهم في الحلقة يتطامنون حتى لا يظهروا ويعرفوا، بعضهم يذهب من الحلقة لا يجلس، أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ [هود:5] يثني الصدر هكذا حتى لا يسمع ولا يرى، لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ [هود:5] أي: من الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أو ليستخفوا من الله.

    معنى قوله تعالى: (ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور)

    أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [هود:5]، كان بعض الكافرين في مكة حين يسمعون القرآن ما يستطيعون أن يسمعوه، بعضهم لجهلهم يظن أنه إذا كان غطى وجهه بثوبه فلن يعرف الله عنه كفره ولا ضلاله، وهذا خطأ بينه الله تعالى في هذه الآية فقال تعالى: أَلا [هود:5]، اسمعوا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ [هود:5]، أي: من الرسول، أو من القرآن، أو من الله عز وجل، يستخفون: يستترون.

    أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [هود:5]، الوقت الذي يستغشون فيه ثيابهم الله يعلمهم، ويعلم ما يخفونه وما يعلنونه، وقد كان بعضهم إذا دخل بيته وتدثر في فراشه وغطائه يقول: لا يعرفني الله عز وجل! يظنون أن الله لا يعلم ما يسرون وما يعلنون، هكذا يقول تعالى: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ [هود:5]، أي: الله تعالى، مَا يُسِرُّونَ [هود:5] من أقوالهم الباطلة، وَمَا يُعْلِنُونَ [هود:5] من أعمالهم الكاذبة، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [هود:5].

    أسمعكم الآيات مرة ثانية فتأملوا.

    الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ * إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [هود:1-5] إنه تعالى عليم بذات الصدور، ما في داخل الصدر هو عليم به.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    إليكم هداية الآيات، فلكل آية هداية.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: مظهر من مظاهر إعجاز القرآن، وهو أنه مؤلف من الحروف المقطعة ولم تستطع العرب الإتيان بسورة مثله.

    ثانياً: بيان العلة في إنزال الكتاب وإحكام آيه وتفصيلها، وهي: أن يعبد الله تعالى وحده، وأن يستغفره المشركون ثم يتوبوا إليه؛ ليكملوا ويسعدوا في الدنيا والآخرة.

    ثالثاً: وجوب التخلي ] والبعد [ عن الشرك أولاً، ثم العبادة الخالصة] لله عز وجل [ ثانياً.

    رابعاً: المعروف لا يضيع عند الله تعالى إذا كان صاحبه من أهل التوحيد ]؛ إذ قال تعالى: [ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود:3].

    خامساً: بيان جهل المشركين الذين كانوا يستترون عن الله برءوسهم وثيابهم.

    سادساً: مرجع الناس إلى ربهم شاءوا أم أبوا، والجزاء عادل ولا يهلك على الله إلا هالك ] والعياذ بالله.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.