إسلام ويب

تفسير سورة ص (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من عباد الله من ينعم الله عليه في الدنيا بالملك، ومنهم من يختصه بالنبوة، ومنهم من يجمع له بين الاثنتين فيكون ملكاً نبياً، وهذا ما وقع لسليمان عليه السلام، لكن الله ابتلاه بالانشغال بخيله الصافنات، ثم تاب عليه السلام من ذلك، وسأل ربه عز وجل ملكاً لا ينبغي لأحد بعده، فآتاه عز وجل إياه فضلاً منه وإكراماً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ * وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص:30-40].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! إن هذا القصص قصها الله على رسوله، ولهذا نعلن في وضوح بأننا نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ إذ لو لم يكن رسولاً لله فلن يوحي إليه هذا الوحي، ولن ينزل عليه هذا القرآن وهذه القصص؛ لأنها لا يمكن أن تصل إلى إنسان مخلوق إلا بوحي من الله، وفيها العجب العجاب.

    قال تعالى: وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:30]، أي: وأعطينا داود، وقد تقدم في سياق الحديث عن داود ما هي الأشياء التي وهبها الله له، ثم وهب له سليمان، فسليمان ابن داود، وهما من بني إسرائيل من أولاد إسحاق بن يعقوب بن إبراهيم.

    وقوله: نِعْمَ الْعَبْدُ [ص:30]، أي: سليمان، فأثنى الله تعالى عليه وشكره.

    وقوله: إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:30]. هذا تعليل الثناء، فقد أثنى الله عليه؛ لأنه رجّاع إليه، ما إن يغفل حتى يعود إليه، وما إن ينس حتى يعود إليه، وما إن يزل في كلمة حتى يعود إليه. فقولوا: اللهم اجعلنا من الأوابين الرجّاعين. وكل من غفل غفلة يجب أن يرجع إلى الله، ومن قال كلمة سوء عليه أن يستغفر الله على الفور ويتوب إليه؛ لكي تمح تلك السيئة، ولنكن هكذا طوال حياتنا؛ لنكون أوّابين. اللهم اجعلنا من الأوابين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد)

    يقول تعالى في بيان رجوع داود: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ [ص:31]. والصافنات هي جمع صافنة، وهي الفرس السريع، والجياد كذلك، وقد عرضت عليه؛ لأنه كان يتهيأ للجهاد، فاستعرض قوته، واستعرض الخيول وعليها رجالها؛ ليغزو الظالمين والفاسقين والكافرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي...)

    قال تعالى: فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص:32]، أي: لقد شغله ذاك الاستعراض عن صلاة العصر، فقد كان أمامه الرجال والخيول وغيرها من قواته، وكانت تمر بين يديه وفد خل وقت العصر، فما استطاع أن يصلي حتى توارت الشمس وسقطت، واستترت وتغطت بالحجاب، ولأنه أواب رجع على الفور إلى الله، وصلى العصر، ثم بعد ذلك عاد من جديد يواصل استعراضه لخيله، كما قال تعال: فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ [ص:32]. والمراد بالخير هنا الخيل، والخيل كلها خير، كما قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم.

    وقوله: عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ، أي: عن صلاة العصر، والصلاة كلها ذكر، والمقيمون الصلاة والمقيمات ذاكرون لله تعالى، والصلاة من أكثر مجالات الذكر، فما أن تقول: الله أكبر إلا وأنت تذكر الله عز وجل حتى تقول: السلام عليكم. فلهذا تارك الصلاة لا يذكر الله، ولن يكونوا من الذاكرين أبداً، وأما المقيمون للصلاة فوالله إنهم لمن الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. ولا يحل لنا أن نشتغل عن صلاة العصر حتى تغرب الشمس أبداً، ومن حدث له حادث كهذا فعليه أن يصلي ويبكي، ويستغفر الله ويتوب إليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ردوها علي فطفق مسحاً بالسوق والأعناق)

    قال تعالى: رُدُّوهَا عَلَيَّ [ص:33]، أي: ردوا علي الخيل بعد أن صلى العصر واستغفر الله وتاب إليه.

    وقوله: فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ [ص:33]، أي: أخذ يمسحها. وقد وردت روايات إسرائيلية بغير هذا، وهي خطأ وباطل، فقد ذكروا بأنه أخذ يذبحها ويتصدق بلحومها، وحاشاه! فلم يفعل هذا أبداً.

    ومعنى فطفق: أي: فأخذ يمسح الخيل من رقابها ومن أرجلها، فرحاً بها وإعداداً لها للجهاد، وليس بأنه ذبحها وأطعم الفقراء لحومها.

    وأما غير هذا وإن وجد في كتب التفسير إلا أنه من روايات بني إسرائيل، والأكاذيب عندهم بالملايين.

    وقوله: بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ [ص:33]، السوق: هي سيقان الخيول، وأعناقها: رقابها، فأخذ يمسحها فرحاً بها، ويدعو لها، ويصلحها للجهاد في سيبل الله عز وجل، لا أنه ذبحها وعقرها للفقراء والمساكين؛ لأجل أنها شغلته عن صلاة العصر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب)

    قال تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ [ص:34]. يخبر تعالى أنه فتن نبيه سليمان وامتحنه واختبره، فكيف لا يمتحنكم ولا يختبركم؟ فلابد أننا سنمتحن بمرض وفقر، وذل ونسيان، وإعراض وغيرها، فنحن معرضون للفتنة.

    وقوله: وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ [ص:34]، أي: الذي يجلس عليه، وهو سريره، فإن الكرسي مبسوط وواسع.

    وقوله: جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ [ص:34]، أي: ثم تاب إلى الله ورجع.

    وقد وردت روايات إسرائيلية في تفسير هذه الآية، وللأسف أن ابن جرير الطبري الذي هو عمدتنا في التفسير ذكر هذه الإسرائيليات، فقد ذكر: أن سليمان أضاع خاتمه، وأخذه جني، إلى آخر الرواية التي ذكرها في أربع صفحات أو خمس. مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فسرها بدون هذا الباطل كله، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن سليمان كان على سريره فقال: لأطأن الليلة تسعين امرأة أو تسعين جارية، تلد كل واحدة منهن غلاماً يجاهد في سبيل الله، فقال له أحد الجالسين: قل إن شاء الله، فلم يفعل. فوالله ما ولدت منهن واحدة، إلا واحدة ولدت نصف غلام ). ومعنى نصف غلام: أي طفلاً مشلولاً، نصفه حي ونصفه ميت؛ لأنه لم يقل: إن شاء الله، فجيء بالولد بعد تسعة أشهر ووضع على الكرسي، فسأل: ما هذا؟ فأخبروه، فعرف وتاب إلى الله. وهذه الرواية موجودة في البخاري ومسلم .

    ولا ينبغي أن نعرض إعراضاً كاملاً عن تلك الروايات التي رواها ابن جرير أو ابن كثير أو غيرهما من الرواة، لكن هذه صحت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي في البخاري ومسلم، وقد حصل للرسول صلى الله عليه وسلم مثل هذا، فقد جاءه وفد يسأله عن ثلاثة أمور، فقال لهم: غداً أجيبكم ونسي أن يقول: إن شاء الله، وغفل؛ لأنه بشر، فعاتبه ربه فانقطع عنه الوحي نصف شهر، واقرءوا قوله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24]. وبهذا أدب الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وكانوا قد سألوه عن الروح، وعن ذي القرنين، وعن أصحاب الكهف، وبعد النصف شهر وقد أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكرب والحزن ما لا يعلمه إلا الله سلاه الله وفرحه بقوله: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:1-3]. لأن المنافقين قالوا: لقد ذهب عنه الوحي وانتهى، وأصبح مثلكم. وقال له: وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:4-8]، أي: فتلك النعم كلها لا تنسى.

    إذاً: فسليمان عليه السلام لما لم يستثن لم تنجب من التسعين أو المائة جارية إلا واحدة أنجبت نصف ولد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( والله لو قال: إن شاء الله لأنجبن تسعين غلاماً يجاهدون في سبيل الله).

    ومن اللطائف: ألا ننسى كلمة إن شاء الله أبداً، وأكثرنا ينساها، فإذا كان الأمر مستقبلاً فلا بد وأن تقول: إن شاء الله، كأن تقول: غداً إن شاء الله نلتقي في المسجد، أو والله لأعطينك كذا إن شاء الله، فإن الله قد عاتب رسوله صلى الله عليه وسلم على نسيانها بقوله: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24]. ونحن من باب أولى. ومثله سليمان عليه السلام فإنه حين لم يستثن ونسي الله أدبه الله تعالى، فقال عن ذلك: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ [ص:34].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي...)

    قال تعالى: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ص:35]. لقد كان أول طلب له من ربه أنه سأل الله المغفرة للخطأ الذي حصل منه، ثم طلب منه ملكاً لا يكون لأحد من الناس بعده في النظام والدقة، والحكم والعدل وغيرها مما يحتاجه الملك، ولم يكن يريد ملك الديار والمباني فقط، بل يُريد سلطان العدل والقوة، والجهاد والرباط، ويريد منه شيئاً عظيماً لا يكون لغيره، وتوسل إلى الله بقوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ص:35]. فتوسل إلى الله ليستجيب له، ونحن لا نتوسل إلى الله في دعائنا، وإن توسلنا توسلنا إليه بفلان وفلان من الأموات، ولا ضلال أعظم من هذا، ومن الناس من يتوسل إلى الله بحق فلان وبجاه فلان، وكأنهم يجعلون لفلان حق على الله، وأنه يجب عليه أن يعطيه حقه. وهذا كفر كما قال الإمام أبو حنيفة . فإنه قد قال رحمه الله تعالى ورضي عنه: من قال: أسألك بحق فلان فقد كفر. ووجه كفره: أنه جعل لإنسان مخلوق خلقه الله حق على الله، فلو اجتمعت البشرية كلها على أن تجعل على الله حقاً لما كان لها ذلك؛ لأنه هو خالقها وواهبها ومعطيها كل شيء، فليس لها حق عليه.

    فلهذا معاشر المستمعين والمستمعات! انزعوا من أذهانكم مقولة: أعطني بحق فلان، وأسألك بجاه فلان، فإن هذا باطل، وتوسلوا إلى الله بقولكم: اللهم إني أسألك كذا، إنك قوي متين .. إنك على كل شيء قدير .. إنك لطيف خبير .. إنك رءوف رحيم .. إنك تواب كريم. فتوسلوا إليه كما كان يتوسل الأنبياء والمرسلين.

    ومثال ذلك: أننا إذا قلنا: اللهم اغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم نكون قد توسلنا إلى لله حين قلنا: إنك أنت الغفور الرحيم، ومثلها: اللهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم. فقد توسلنا إلى الله حين قلنا: إنك أنت التواب الرحيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب)

    قال تعالى: فاستجبنا له فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ [ص:36]. ولا يوجد أحد سُخر له الريح بعد سليمان أو قبله، فإنه كان إذا قال لها: قفي وقفت، وإذا قال لها: ميلي إلى الغرب أو الشمال مالت، فهي في يده يتصرف بها كيف شاء، وقد كان يبني السفينة العظيمة، ويحمل عليها رجاله المجاهدين وأمتعتهم، ثم تأتي الريح وتحركها وترفعها، وتسوقها إلى حيث يريد سليمان إما إلى الشمال وإما إلى الجنوب، وإما الشرق وإما الغرب، ومن لم يصدق قلنا له: الطائرة الكبيرة تحمل ثلاثمائة نسمة، ومع ذلك تطير شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً. والله هو الذي خلق صانعها، وعلمه كيف يصنعها، وخلق موادها، فهو نفسه الذي سخر لسليمان الريح يصرفها كيف يشاء.

    وقوله: رُخَاءً ، أي: لينة هشة مطيعة له.

    وقوله: حَيْثُ أَصَابَ [ص:36] أي: أراد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والشياطين كل بناء وغواص)

    يقول تعالى: وكذلك وسخرنا له وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ [ص:37]. فالعمارات والمباني كان يبنيها الجن، ومنهم الغواصون في البحر يخرجون اللآلئ، فكانوا يشتغلون معه ليلاً ونهاراً، وهذا لم يحصل لإنسان آخر، فالشياطين والجان الخبيثة المجرمة الفسقة الفجرة الكافرة سخرهم الله له من كُلَّ بَنَّاءٍ ، وهو كثير البناء، وَغَوَّاصٍ ، أي: كثير الغوص في البحر. فالبحر له.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وآخرين مقرنين في الأصفاد)

    قال تعالى: وَآخَرِينَ [ص:38]، أي: من شياطين الجن مُقَرَّنِينَ [ص:38]، أي: مربوطين بالحبال الحديدية فِي الأَصْفَادِ [ص:38]، أي: في السجون تحت الأرض، فكان الذي لا يعمل ويتمرد يُشد في عنقه ويديه الحديد ويسجن. وسبحان الله العظيم! والجان قد يتمثل إنساناً، وقد يتمثل حيواناً أيضاً. إذاً: فسخر له الجان بأن تمثلوا كالآدميين أمامه فاستخدمهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب)

    قال تعالى: هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص:39]، أي: أعط من شئت، وامنع من شئت؛ لأنك لا تحيف ولا تجور، ولا تظلم ولا تعتدي، فالمال بين يديك، فهب لمن تشاء، وامنع من تشاء؛ وذلك لعلم الله تعالى بحكمته وعدله ورحمته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب)

    قال تعالى: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا [ص:40]، أي: بعد هذا الخير العظيم الذي أعطيناه في الدنيا لَزُلْفَى [ص:40]، أي: لقربى في الجنة دار السلام.

    وقوله: وَحُسْنَ مَآبٍ [ص:40]، أي: ومرجع في عليين، والذي يُعطي هذا العطاء هو الله عز وجل، فقولوا: آمنا بالله. وهذا من إفضال الله وإنعامه على أوليائه.

    وهنا لطيفة، وهي: إذا نظرت إلى عمارة عالية فلا تتمناها لك، ولكن قل: عندي والله ما هو خير منها، وإذا رأيت سيارة فخمة فلا تتمناها، وقل: عندي ما هو خير منها، وإذا رأيت أولاد رجل مع أبيهم، فلا تقل: لو كان هؤلاء أولادي، ولكن قل: سبحان الله! فوالله إنها تعدل ذلك كله.

    وقد ورد أن سليمان عليه السلام سمع رجلاً يتمنى أن يعطى مثل ما أُعطي، فقال له: لن تستطيع أن تشكر الله عليها، ولكن أنصحك بأن تقول: سبحان الله، فإن قبلها الله منك والله لهي خير لك من الدنيا وما فيها. فتسبيحة واحدة يقبلها الله منك خير لك من الدنيا وما فيها من المباني والسيارات والأولاد وغير ذلك، وإذا أعجبك شيء فقل: سبحان الله والحمد لله والله أكبر. فهي خير من ذلك كله.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات:

    [ من هداية هذه الآيات:

    أولاً: الولد الصالح هبة إلهية لوالده، فليشكر الله تعالى من وهب ذلك .

    ثانياً: الثناء على العبد بالتوبة الفورية التي تعقب الذنب مباشرة ] فبمجرد ما يقول الكلمة الباطلة يستغفر الله، وبمجرد أن يأكل اللقمة من الحرام يستغفر الله. هذه هي التوبة الفورية، وأما من يقول: سأتوب حين أتزوج فليست توبته فورية، والتوبة يجب أن تكون على الفور، وهذا مأخوذ من قول الله تعالى: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:30]، أي: رجّاع على الفور.

    [ ثالثاً: جواز استعراض الحاكم القائد ] المسلم [ قواته تفقداً لها لما قد يحدثه فيها ] وكذلك أسلحته ورجاله. وهذه سنة الله في الناس، فمن كان ذا سلطان ودولة فليأتس بسليمان.

    [ رابعاً: إطلاق لفظ الخير على الخيل فيه تقرير أن الخيل إذا ربطت في سبيل الله كان طعامها وشرابها حسنات لمن ربطها في سبيل الله، كما في الحديث الصحيح: ( الخيل لثلاث ) ] فإطلاق لفظ الخير على الخيل مشروع؛ لأن الخيل قال الرسول صلى الله عليه وسلم ( هي الخير ). والدينار والدرهم من الخير وكذلك الخيل؛ لأنها أعدت للجهاد في سبيل الله.

    [ خامساً: ربط الطائرات النفاثة في الحظائر اليوم والمدرعات وإعدادها للقتال في سبيل الله حل محل ربط الجياد من الخيل في سبيل الله ] فسليمان عليه السلام كان يحبس الخيل، ونحن نحبس الطائرات المقاتلة والبواخر وغيرها، فلا بد من هذا، والحاكم هو المسئول عن مثل هذه الأمور، فليست بدعة ولا منكراً ولا باطلاً.

    [ سادساً: تقرير قول بعضهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين؛ إذ عدم الاستثناء في قوله: ( لأطأن الليلة مائة جارية )، ... الحديث عوقب به، فلم تلد امرأة من المائة إلا واحدة، وولدت طفلاً مشلولاً، وعوقب به نبينا فانقطع عنه الوحي نصف شهر، وأكربه ذلك؛ لأنه لم يستثن عندما سئل عن ثلاث مسائل، فقال: ( غداً أجيبكم ) ] وهذه اللطيفة العلمية شائعة بين الناس، فهم يقولون: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وهو قد اعتبر ترك كلمة إن شاء الله سيئة، وحرم صاحبها ما أراده، وكذلك رسولنا حرم نصف شهر لم يوح إليه، فهذا يدخل تحت قولهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين.

    ومثال ذلك: أن تعتبر حسناتك بالنسبة إلى علي بن أبي طالب وإلى أبي بكر الصديق كأنها سيئة لهم؛ للفرق بينك وينهما. ومثال آخر: لو أن أحد العلماء يدخن مثلاً سيشنع عليه العامة ويقبحوا فعله أكبر تقبيح، ولو دخن غيره من العامة فلن يبالوا به. وهذا المعنى لطيف وشائع بين الناس، فإن العبد الصالح إذا عمل سوءاً يقبح في نظر الناس، ويشتد قبحه، وإذا عمله غيره من الهابطين فلن يبالوا به، فحسنات الأبرار سيئات المقربين.

    ونص الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله. فطاف عليهن جميعاً فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، وأيم الذي نفس محمد بيده ). فالرسول صلى الله عليه وسلم يحلف على هذه القضية. ( وأيم الذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون ).

    [سابعاً: مشروعية التوبة من كل ذنب صغيراً كان أو كبيراً ] فإذا زلت القدم فلابد من التوبة والاستغفار.

    [ ثامناً: بيان إنعام الله تعالى على عبده سليمان ] حيث استجاب الله دعوته وأعطاه مما يريد وزاده على ذلك.

    [تاسعاً: مشروعية التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى ] وذلك من أجل أن يستجيب الله الدعاء، ولا يكون التوسل بفلان وفلان، وإنما بالعمل الصالح،كأن تصلي ركعتين وتسأل الله، أو تأخذ طعامك وتضعه بين يدي محتاج أو فقير، ثم تسأل الله عز وجل حاجتك، فإذا سألت الله فتوسل إليه بما يحب أن تتوسل به إليه، كأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأما أن تسأله بحق فلان وجاه فلان فإن هذا التوسل حرام وباطل، ولا يصح أبداً، وهو من كيد الكائدين، فقد علمونا هذا التوسل حتى نسينا التوسل المعروف المشروع، فلم نعد نتوسل لا بالصلاة، ولا بالذكر، ولا بقراءة القرآن ولا بالدعاء، ولا بغيرها من الأعمال الصالحات أبداً، وإنما نتوسل بحق فلان أو جاه فلان، حتى لا يستجاب لنا. وهذا من كيد الثالوث الأسود المجوس واليهود والنصارى.

    [ عاشراً: بيان تسخير الله تعالى لسليمان الريح والجن، وهذا لم يكن لأحد غيره من الناس ] وقد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن عفريتاً من الجن تفلت علي البارحة ليقطع على صلاتي ). فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يخبر بهذه الحادثة، فقد أراد العفريت أن يفتنه، فأخذه ولببه هكذا، ثم قال: ( فحماني الله تبارك وتعالى منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد؛ حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان عليه السلام: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ص:35]. فرددته خاسئاً ) ].