إسلام ويب

تفسير سورة ص (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من حكمة الله عز وجل وعدله أنه فرق بين عباده من اهتدى منهم ومن ضل، فأهل الضلال والزيغ أعد لهم العذاب الأليم جزاء إعراضهم وكفرهم، وأهل الإيمان والتقوى وعدهم الأجر العظيم والثواب الجزيل في الدنيا والآخرة، وكل هذا أنزله الله عز وجل على رسوله الكريم ليتدبره أهل العقول اليقظة والأفئدة الحية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ * وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ * كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:26-29].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قال ربنا تعالى: يَا دَاوُدُ [ص:26]! وما كان لمحمد النبي الأمي أن يقص هذه القصص لولا أنه وحي أوحاه الله إليه، وأن كتابه أنزله عليه، وقد نادى الله داود بقوله: يَا دَاوُدُ [ص:26]! ليلفت نظره، ويجمع قواه العقلية والقلبية، ويسمع ما يأمره الله به وينهاه.

    وقوله: إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ [ص:26]. وهنا لطيفة، وهي: لا يقال لأحد خليفة لله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما ما عدا الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يقال له: خليفة الله، والصحابة قالوا لـأبي بكر : يا خليفة رسول الله! وداود خلف الأنبياء والمرسلين، فهو يحكم بما كانوا يحكمون، فهو خليفة الله، ويصح أن تقول: خليفة من سبقه من الأنبياء والمرسلين.

    وقوله: فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص:26]، وقد سبق وعلمتم أن ملكين كريمين تصورا في صورة رجلين، وتحاكما إلى داود في قضية التسع والتسعين نعجة، فحكم داود بسرعة من غير تأمل ولا تروٍ فأخطأ، وأعلمه الله بخطئه، فتاب إليه وخر راكعاً وأناب، فذكره تعالى بهذه الحادثة، وقال له: فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص:26]. وقد علمنا أن الحكم كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( البينة على المدعي واليمين على من أنكر ). فعلى القاضي والخليفة إن علم الحق في المسألة أن لا يقضي ويصدر الحكم بموجب ما علم، ولكن يصدره بموجب البينة. وهناك حادثة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد اشترى النبي صلى الله عليه وسلم فرساً، وأنكر الذي باعه، وجحد أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتراه منه وقال: ما بعته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من يشهد لي؟ قال خزيمة : أنا أشهد لك يا رسول الله )! فبطلت دعوة ذاك المدعي الذي قد يكون منافقاً، فقد باع الفرس وأراد أن يحتال. والشاهد من هذا: أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وكون القاضي يعلم أن الحق في القضية لفلان لا يكفي، بل لا بد من بينة وشهود.

    وقوله: فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ص:26]، أي: في أية قضية من القضايا لا بد أن تحكم فيها بالحق.

    وقوله: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى [ص:26]، أي: ولا تمل إلى ما تريده شهوتك وهواك؛ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص:26]. لأن اتباع الهوى يضل عن سبيل الله، وعن الطريق الموصل إلى رضوان الله عز وجل.

    معنى قوله تعالى: (إن الذين يضلون عن سبيل الله...)

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص:26]. واسمع يا عبد الله! إلى هذا الخبر الخطير، فإن الله توعد الذين يخرجون عن طريق الإسلام والحق والعدل، والصدق والوفاء، ويسلكون طرق الشيطان، ويعبدون غير الرحمن، ويحكمون بغير ما شرع الله بأن لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص:26]، أي: بسبب نسيانهم يوم الحساب. والذي يذكر الدار الآخرة وما يجري فيها من جزاء بعد الحساب إما الجنة وإما النار لا يحكم بغير الحق، ولا تزل قدمه ولا يفجر ولا يفسق أبداً، وإنما يفسق ويفجر ويظلم من نسي يوم الحساب، فلا يخطر بباله ولا يذكره ولا يفكر فيه. ومن هنا يجب ألا ننسى الدار الآخرة أبداً طول حياتنا، ففيها العصمة، فإن من نسي الموت وما يتم فيه وما يكون يوم القيامة يفجر ويفسق ولا يبالي، ولا يستعصم ويتمسك بالحق إلا الذي يذكر الدار الآخرة.

    وقد قال تعالى عن بعض أنبيائه: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ص:46]، أي:بخصوصية، وهي أنهم دائماً يذكرون الدار الآخرة، وفي الآية التي نحن بصددها يقول الله: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص:26]. والحساب يكون على الأعمال خيرها وشرها، ولا بد من حساب كامل يجري على كل فرد من البشر ومن الجن أيضاً، فمن نجا دخل الجنة، ومن خسر دخل النار، وفي هذا عبر وعظات، والقرآن روح، من فقد هذه الروح مات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا...)

    قال تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا [ص:27]، أي: لم نخلقهم للعبث واللهو والباطل، والله تعالى لم يخلق كوكباً واحداً عبثاً فضلاً عن السماوات والأرض وما بينهما، وإنما يعتقد ذلك المبطلون الهابطون اللاصقون بالأرض، والعلمانيون والبلاشفة الحمر، ومن إليهم من الناس، الذين لا يتفكرون في خلق السماء والأرض، ولا يتفكرون في هذه المخلوقات. تعالى الله عما يقولون ويعتقدون علواً كبيراً.

    وقوله: ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ص:27]، أي: اعتقاد الكافرين، فهم الذين يظنون ذلك، ولا يمكن لأي أحد من ذكر أو أنثى يستخدم عقله ويتفكر في هذا الكون العظيم أن يقول: إن الله خلقه عبثاً وباطلاً ولهواً. فهذا مستحيل.

    والكافرون هم الذين جحدوا وجود الله، وكتبه ورسله ولقائه ، وجحدوا شرائع الله، ولم يعترفوا بها، فهؤلاء هم الكافرون، الذين ينظرون إلى الكون كله بأنه خلق للعبث واللهو.

    والنار التي سيعذب بها الكفار ليست فرناً من هذه الأفران، فإن الشمس التي فوق رءوسنا أكبر من الأرض بمليون ونصف مليون مرة، وهي نار ملتهبة، لا تنطفي أبداً، ولو اقتربت منا قليلاً لأحرقتنا، ولو ابتعدت منا قليلاً لمتنا من البرد والثلج. والنار هي عالم آخر، وهي أكبر من الشمس بملايين المرات، وهي في العالم السفلي، ولك أن تفكر أخي المسلم! لو أنك نزلت ونزلت في الأرض ملايين السنين، فسوف تنتهي إلى الجحيم، الذي هو النار دار البوار وعالم الشقاء، والعياذ بالله العزيز الجبار.

    وقوله: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص:27]، أي: ويل لهم منها، فإنهم فيها يُسقون الحميم، ويُصب على رءوسهم الحميم، ويجوعون فيأكلون الزقوم، وهكذا أبد الآبدين، فلا علاج ولا دواء، ولا موت ولا صحة، وإنما آلام وأمراض، وجوع وعطش بلا نهاية، نعوذ بالله من عذاب النار. فاحمدوا الله على أنكم من أهل لا إله إلا لله، واسألوا الله أن يتوفانا عليها، وأن لا ننتكس ونرتد، والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض...)

    قال تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ [ص:28]؟ فلا يمكن أن يقع هذا من الله العزيز الحكيم، الرءوف الرحيم. والذين آمنوا وعملوا الصالحات من عهد آدم إلى يومنا هذا هم من آمن بالله ولقائه، ورسله وكتبه، وقضائه وقدره، ثم عمل الصالحات بامتثال أوامر الله، فما أمر الله بفعله فعله، وما أمر بقوله قاله، وما أمر باعتقاده اعتقده. فهذه هي الصالحات، وأهلها في الفراديس العلى، وهم السعداء. والمفسدون في الأرض هم اللصوص .. المجرمون .. الغشاشون .. الخداعون .. المرابون .. سفاكوا الدماء .. أهل الأذى للمؤمنين والمؤمنات .. عبدة الأحجار والأصنام والشهوات، وكل من ينشر القبح والشر والفساد والشرك والباطل في الأرض هو مفسد، يفسد فيها. فحاشا الله ربنا ومولانا أن يجعل المفسدين كالأبرار المؤمنين، وبهذا يذكّر الله العقول والقلوب.

    وقوله: أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص:28]؟ والمتقون ليسوا بني فلان من الناس، ولكنهم الذين اتقوا سخط الله وغضبه بفعل ما أمر بفعله، وترك ما نهى عن فعله، سواء كانوا بيضاً أو سوداً .. صفراً أو حمراً .. عرباً أو عجماً .. في الأولين أو في الآخرين. اللهم اجعلنا منهم. آمين.

    والفجار هم الذين خرجوا عن الطريق المستقيم، يقال: انفجر الماء وتفجر إذا خرج من الأنبوب، والصراط المستقيم صراط سوي، وهو عبارة عن أوامر ونواهٍ، من فعلها انتهت به إلى باب الجنة، ومن خرج عنها فجر. فالزناة فجرة، واللائطون فجرة، والمرابون فجرة، والعاقون لوالديهم فجرة، والظالمون للمؤمنين فجرة، وتاركوا الصلاة فجرة؛ لأنهم خرجوا عن الطريق المستقيم، فمن عاد واستقام نجا، ومن مات على ذلك الفجور هلك، وأمره إلى الله، وقد قال الله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام:153]، أي: التي عن اليمين والشمال فتهلكوا.

    وبهذا ينفي تعالى أن يُسوي بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات وبين المفسدين في الأرض، وبين المتقين وبين الفجار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ...)

    قال تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ [ص:29]، أي: كتاب عظيم، وإي والله إنه لكتاب عظيم، فو الله لو اجتمعت البشرية كلها ومعهم الجن ما استطاعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، بل لقد تحداهم الله أن يأتوا فقط بعشر سور فما استطاعوا، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة فما استطاعوا، فهذا الكتاب العظيم الذي هو القرآن الكريم مبارك، ومملوء بالبركة، فما من مؤمن يقرؤه ويتأمله ويتدبره إلا اهتدى وعرف، وما من مؤمن يتلوه ويتدبره إلا استقام على الطريق المستقيم، وما من مؤمن يقرأه ويتعلمه إلا عرف الطريق إلى الله، ويكفي في بركته أن تاليه يعطى على كل حرف عشر حسنات، فمن سلك سبيله نجا، ومن اعوج أو انحرف عنه هلك وخسر. والمسلمون اليوم من تتبع حالهم وجدهم لا يقرءونه إلا على الموتى، حتى صار المسلم إذا سمع القرآن في بيت يعلم أن فيه ميتاً، وأما أن تمر بجماعة ثلاثة أو أربعة في مكان يقرءون القرآن ويتدارسونه فهذا نادر، ولا يوجد، مع أن فيه نجاتنا، فأهل القرية يجب أن يجتمعوا في جامعهم الذي يجمعهم لصلاة الجمعة كل ليلة بنسائهم وأطفالهم، فيأخذون في ليلة آية من كتاب الله، وفي ليلة حديثاً من أحاديث رسول الله، وهكذا طول العمر، ولو فعلوا لن يبق بينهم فاسق ولا فاجر، ولا ظالم ولا كافر، ولا مشرك ولا غيرهم، وسيصبحون أولياء الله، لو رفعوا أيديهم إليه وسألوه أن يزيل الجبال لأزالها. وكذلك أهل المدن، فإن المدينة الواحدة قد يكون فيها عشرة أحياء أو خمسة أو سبعة أحياء، فليجتمع أهل كل حي، ويكون هذا نظامهم، فإذا جاء وقت المغرب نادوا يا طلاب الدار الآخرة! ووقف العمل، فيقبل أهل الحي إلى بيت ربهم يصلون المغرب، ثم يجلس لهم عالم بكتاب الله، وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، فيقرا عليهم آية فقط، ويرددها لمدة ربع ساعة؛ حتى يحفظها النساء والأطفال والرجال، ثم يشرحها لهم، ويبين مراد الله فيها، وهكذا طول العام. ووالله لن يبق فيهم جاهل، ولكنهم فقدوا القرآن من قرون من أكثر من ألف سنة، وأصبح فقط يُقرأ على الموتى. فهو كتاب مبارك حرمه المؤمنون بواسطة أعدائهم وخصومهم، فلقد صرفوهم عنه، مع أن الله سماه روحاً، واقرءوا قول الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52]. فالقرآن بمثابة الروح، من قرأه وعمل بما فيه حيا قلبه، ومن هجره وتركه هلك ومات، والعياذ بالله، وهو نور من أخذ به اهتدى إلى طريق السعادة والكمال، ومن تنكب عنه وجهله ضل ومات في الظلام.

    وقوله: لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29]، أي: لا ليقرءوه على الموتى، بل ليدّبروا آياته ويتفكروا فيها، ويذكروا ما لهم من ثواب، وما عليهم من حق وواجب، فيعبدوا الله ويكملوا ويسعدو. اللهم اجعلنا منهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] مع هداية الآيات:

    [ من هداية هذه الآيات:

    أولاً: وجوب الحكم بالعدل على كل من حكم، ولا عدل في غير الشرع الإلهي ] فلا حكم إلا بحكم الله عز وجل، وكل من حكم بغير كتاب الله وسنة رسوله فهو ضال، وليس بالعادل.

    [ ثانياً: حرمة اتباع الهوى لما يفضي بالعبد إلى الهلاك والخسار ] فلا تتبع هواك يا عبد الله! وما تشتهيه نفسك وما تحسنه لك الشياطين، بل اتبع هدى الله، وسر خلف رسول الله، وقل ما يقول، وافعل ما يفعل، وأما الهوى فإنه قد يزلك ويسقطك في الهاوية، والذين يصدرون أحكاماً بالهوى كلها باطلة، بل الحكم يكون بما قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم.

    [ ثالثاً: تقرير البعث والجزاء ] إن هذه الآيات تقرر أن هناك حياة أخرى فيها الجزاء على الكسب والعمل في هذه الدنيا، وهذه الدار دار عمل فقط، والدار الآخرة دار جزاء فقط، فكلنا عامل بالخير أو بالشر، والجزاء هناك ليس هنا. فقد يعمل أحدهم ستين أو ثمانين سنة ثم يموت وذلك لأنه لا جزاء في الدنيا، وإنما الجزاء في الدار الآخرة.

    [ رابعاً: إبطال ظن من يظن أن الحياة الدنيا خلقت عبثاً وباطلاً ] ففيها إبطال نظرية الملاحدة والعلمانيين، والذين يفهمون أن الدنيا خلقت عبثاً ولهواً وباطلاً، فهم يغنون ويزمرون، ويرقصون ويأكلون وينكحون ويظنون أن الحياة خلقت لهذه الأمور فقط، ووالله ما خلقت إلا لأن يُذكر الله فيها ويشكر، ويطاع أمره ونهيه؛ فينتقل المطيعون إليه إلى الجنة دار النعيم، فليس في خلق الله لهو ولا باطل ولا عبث.

    [ خامساً: تنزيه الرب تعالى عن العبث والظلم ] فحاشا لله أن يقول أو يعمل باطلاً أو لهواً أو عبثاً، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً وقد قال: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا [ص:27].

    [ سادساً: فضيلة العقول لمن استعملها في التدبر والتذكر ] وأصبح يعرف بها الحق من الباطل، والخير من الشر، والهدى من الضلال، وأما الذي يُهمل عقله وينساه، ويتبع شهوته وهواه فهو هابط مع الهابطين، وهالك مع الهالكين، فلا بد من استخدام العقل بالتفكر والتأمل والتدبر، فأنت لم تخلق للأكل والشرب، وإنما تأكل وتشرب لتبقى حياتك فقط، وأما علة خلقك فهي: أن تذكر الله وتشكره، وذلك بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    [ سابعاً: بركة القرآن لا تفارقه أبداً، وما طلبها أحد إلا وجدها ] فهو مملوء بالبركة، من طلب الهداية وجدها فيه، ومن طلب العلم وجده فيه، ومن طلب الاستقامة هداه إليها، ومن طلب الأجر فالحرف منه بعشر حسنات، وأما أن يقرأ على الموتى فهذا مكر ثالوثي من المجوس واليهود والنصارى، فقد حولوا المسلمين من القرآن إلى اللهو، ومن الحق إلى الباطل، وقد احتالوا ونجحوا في حيلهم، والعياذ بالله. وإلى الآن لا يجتمع المسلمون على كتاب الله إلا نادراً.

    وصلى الله وسلم على بينا محمد وآله وسلم.