إسلام ويب

تفسير سورة القصص (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما ذكرته هذه السورة من شأن موسى عليه السلام خروجه من مصر فراراً من بطش فرعون وقومه بعد قتله للقبطي، حيث استقر المقام به عليه الصلاة والسلام في مدين، فقد دخلها نهاراً ووجد فيها بئراً يسقي منها الرعاة أغنامهم، ورأى بينهم امرأتين لا تقدران على السقي، فأعانهما عليه، فكان ذلك أول أمره في مدين ومكثه فيها حتى تكليفه بالرسالة.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة القصص

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة القصص المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، قال تعالى: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:22-25].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا تعالى: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ [القصص:22]، اذكروا ما تقدم في الآيات السابقة من أن القبطي الذي سمع من موسى: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [القصص:18]، فهم أن موسى هو الذي قتل القبطي الأول، ومن ثم ذهب إلى قصر فرعون وأطلعهم على أن موسى هو الذي قتل القبطي الذي يبحثون عن قاتله من أيام، إذ قال تعالى في هذه الحادثة: فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا [القصص:19]، أي: فلما أن أراد موسى أن يبطش، بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا [القصص:19]، وهو القبطي الذي كان يقاتل الإسرائيلي، قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ [القصص:19]؟ وقائل هذا الكلام هو الإسرائيلي، أما القبطي فما علم بعد أن موسى قد قتل قبل هذا، وإن وجد في بعض التفاسير فهو من باب الخطأ.

    إذاً: لما عرف القبطي الحادثة السابقة ذهب رأساً إلى قصر الملك وأعلمهم أن موسى هو الذي قتل القبطي، ومن ثم: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى [القصص:20]، وهذا الرجل هو من رجالات فرعون في قصره وملكه، وهو مؤمن آل فرعون، وكان مؤمناً يكتم إيمانه، وقد آمن لما شاهد المعجزات التي قد تقدمت، لكن بقي في القصر، فجاء مسرعاً وأطلع موسى على أن فرعون يطلبه ليقتله، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ [القصص:20]، لما تبين لهم أنه قد قتل، وبالتالي فليقتل، فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص:20]، أي: اخرج من هذه الديار المصرية، من أرض فرعون ومملكته.

    فاستجاب موسى عليه السلام فخرج من مصر، فقال تعالى مصوراً ذلك: فَخَرَجَ مِنْهَا [القصص:21]، أي: من ديار المصرية، خَائِفًا [القصص:21]، أن يدرك ويلحق به فيؤخذ ليقتل أو يذبح، قال رب [القصص:21]، أي: يا رب! نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:21]، فلجأ إلى الله في صدق وطلب منه أن ينجيه من فرعون وملئه، وذلك حتى لا يلقوا عليه القبض فيقتلوه أو يعذبوه، وفعلاً استجاب الله له.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل)

    قال تعالى: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ [القصص:22].

    خروج موسى من أرض مصر

    وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ [القصص:22]، والمسافة ما بين الديار المصرية أو مملكة فرعون وديار مدين ثمانية أيام مشياً على الأقدام، ومدين هو اسم لإقليم، وسمي باسم مدين الذي هو من أولاد إبراهيم عليه السلام، وكان النبي الموجود في تلك البلد هو شعيب عليه السلام.

    وجوب حسن الظن بالله تعالى وقوة الرجاء فيه عز وجل والتوكل عليه

    وَلَمَّا تَوَجَّهَ [القصص:22]، أي: موسى، تِلْقَاءَ [القصص:22]، أي: جهة مدين، قال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ [القصص:22]، طلب من الله بهذه الصيغة وكله أمل ورجاء في الله أن يهديه الطريق الذي يصل به إلى أرض مدين، إذ إن الطريق لم تكن معبدة ولا سهلة، فخشي أن يضيع ويتيه في الصحراء يميناً وشمالاً، فسأل ربه بقوله: عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ [القصص:22]، وذلك حتى أصل إلى ديار مدين فأنجو من فرعون وظلمة وطغيانه، وقد استجاب الله له، إذ تقول بعض الروايات عن الأصحاب: أن الله قد بعث إليه ملكاً يمشي أمامه يقوده في الطريق، إذ لم تكن -كما ذكرنا- الطريق معبدة كطرقنا اليوم، وإنما صحراء شاسعة، وبالتالي فكيف يصل إلى مدين من خلال هذه الطريق؟ ولذلك أقول: لا حرج أن يبعث الله إليه ملكاً يمشي أمامه حتى يصل إلى أرض مدين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس...)

    قال تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص:23].

    وصول موسى عليه السلام مدين ووروده ماءها

    وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ [القصص:23]، والماء قد يكون في بئر، فيُخرج ويوضع في حيضان أو أحياض، فيستقي الناس ويسقون أنعامهم، وَلَمَّا وَرَدَ [القصص:23]، أي: وصل، مَاءَ مَدْيَنَ [القصص:23]، ومدين كما ذكرت من قبل أنه إقليم، وهذا الإقليم فيه ماء في هذه المنطقة، فيشرب الناس منه ويسقون إبلهم وأغنامهم ومواشيهم، وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ [القصص:23]، أي: جماعة كبيرة من الناس، فهذا يسقي إبله، وهذا يسقي بقره، وهذا يسقي غنمه، وهذا يأخذ الماء إلى أهله في قربة أو في وعاء آخر، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ [القصص:23]، أي: من دون تلك الجماعة التي تسقي، امْرَأتَيْنِ [القصص:23]، وهما ابنتا شعيب عليه السلام، تَذُودَانِ [القصص:23]، أي: تدفعان غنمهما حتى لا تختلط بأغنام الناس، وتنتظران حتى يسقي الناس أنعامهم ويخلوا لهم الحياض فيسقون هم بعد ذلك، وكل ذلك خشية الاتصال بالرجال والاختلاط بغير المحارم.

    إذاً: كان هناك حجاب، وكان هناك عفة في ذلك الزمن، لكن الآن للأسف أنتم تعملون على أن تخلطوا النساء بالرجال في الدوائر الحكومية وفي الدارس بل وفي كل شيء، وهذا من صنيع بني عمكم اليهود، إذ هم الذين مسخوا البشرية، بل حتى ما أصبحت للمرأة قيمة لا في أوروبا ولا أمريكا أبداً، وإنما صعلوكة كالصعاليك، فتعمل الليل والنهار من أجل قوتها، وبالتالي تركت بيتها وهجرت منزلها، وهم بذلك يريدون أن يعود هذا إلينا، فيخرجونها لكي تعمل خارج البيت حتى يخرب البيت والعياذ بالله، ويحدث عند الخروج ما لا نتصور من الفتن والشر العظيم.

    بيان مروءة موسى في سؤاله للمرأتين عن حالهما

    ثم أخبر الله عن موسى أنه قال لهما: مَا خَطْبُكُمَا [القصص:23]؟ أي: ما شأنكما؟ ما السبب في أنكما تذودان غنمكما عن غنم الآخرين وتتأخران عن سقيها؟ فأجابتا بقولهما: لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ [القصص:23]، وفي قراءة: (حتى يَصدر الرعاء)، وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص:23]، أي: فإن سألتنا: لم خرجتما من بيت أبيكما لرعي الغنم؟ فالجواب: لأن والدنا شيخ كبير لا يقوى على هذا العمل، وتقول الروايات: إنه لما سقى الآخرون غطوا البئر بحجر لا يزيله إلا ثمانية أشخاص أو عشرة أشخاص، فانكب عليه موسى ورفعه بيديه، فلهذا قالت لأبيها: إنه قوي أمين، ثم أخرج عليه السلام الماء من البئر وسقى لهما، وعادتا مبكرتين على خلاف العادة، إذ إن العادة أنهما تأتيان متأخرتين، فتعجب الوالد كيف أنهما عادتا في هذا الوقت المبكر؟ فأخبرتاه بما حصل.

    قَالَ مَا خَطْبُكُمَا [القصص:23]، لماذا سألهما موسى هذا السؤال؟ لأنه رسول وأمين، ثم ماذا نقول فيه عليه السلام؟ لقد تعجب عليه السلام من بقاء فتاتين بهذه الطريقة، وكان هذا من الرغبة في الإصلاح وعمل الخير، قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ [القصص:23]، والرعاء جمع: راعي، وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص:23]، فعللتا سبب مجيئهما لسقي الغنم، أي: أن العلة في خروجنا من البيت هي أن أبانا شيخ كبير، وما عنده ولد سوانا، وحينئذ فَسَقَى لَهُمَا [القصص:24]، أي: أبعد الحجر عن فم البئر واستخرج الماء وملأ الحياض وسقتا غنمهما وعادتا إلى أبيهما.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فسقى لهما ثم تولى إلى الظل...)

    قال تعالى: فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24].

    بيان مروءة موسى في سقيه للمرأتين

    فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ [القصص:24]، والظل هو ظل شجرة السمر، وهي معروفة في الصحراء، وقد استظل تحتها وأكل من شجرها، إذ إنه عليه السلام خرج من مصر وليس معه خبز ولا ماء ولا طعام ولا شيء، حتى إن نعليه قد تمزقتا من المشي طيلة ثمانية أيام أو عشرة أيام، وهو مع ذلك كليم الله تعالى، لكن ابتلاه ليرفع درجته ويعلي مقامه، وهكذا ينبغي أن نعرف هذه الحقيقة، فهذا نبي الله ما أكل ولا شرب سوى ورق الشجر طيلة ثمانية أيام، وقد حصل هذا لأجدادنا وأسلافنا، أما نحن فإننا نعيش في نعيم لم تعرفه الدنيا قط، ومع هذا قلّ منا من يقول في صدق: الحمد لله، وإنما نقولها بلفظ بارد غير مقتنعين، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى [القصص:24]، أي: رجع إلى الظل الذي كان جالساً تحته.

    فضل الدعاء وسؤال الله تعالى ما العبد في حاجة إليه

    فَقَالَ رَبِّ [القصص:24]، أي: يا رب! إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ [القصص:24]، أي: من طعام، سواء كان خبزاً أو مرقاً أو أي شيء آخر، والمراد بالخير هنا الطعام، ولفظ (خير) يطلق على المال، ويطلق على الطعام، ويطلق على العمل الصالح، إذ هو لفظ عام يشمل أشياء كثيرة، لكن المراد به هنا الطعام، فقال رب إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ [القصص:24]، ولم يقل: لما تنزل إلي، وذلك أنه خاف بأن الله سوف ينزل إليه طعام، أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ [القصص:24]، قل أو كثر، فَقِيرٌ [القصص:24]، أي: محتاج إلى ذلك، فهذا هو التوسل إلى الله، وهذا هو الدعاء، وهذا هو سؤال الله في صدق، رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24]، وقد استجاب له الرحمن عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء...)

    قال تعالى: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25].

    بيان فضل الحياء عند المؤمنات الصالحات

    فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا [القصص:25]، أي: إحدى الفتاتين اللتان كانتا ترعيان وتسقيان الغنم، تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص:25]، أي: تجعل الحياء تحت رجليها وتمشي عليه فلا يفارقها أبداً، وهنا يقول عمر رضي الله عنه: ما كانت سلفعاً خراجة ولاجة، لكن للأسف اليوم النساء من البيت إلى السوق، ومن السوق إلى الدكان، ومن الدكان إلى بيت فلانة، فهي خراجة ولاجة، وهذا عيب ومحنة شديدة وقعنا فيها، فيا رجال الإسلام! ويا فحول الإسلام! لا تسمحوا لنسائكم أن يخرجن كل أسبوع وكل يوم إلا من ضرورة، إذ لا خير في الخروج والولوج، إذ إنه يترتب على هذا فساد كبير، لكن إن قيل: يا شيخ! نساؤنا موظفات رسمياً يخرجن ويعدن؟ أين أنت يا مسلم من قول عمر: ولاجة خراجة، والولاجة هي كثيرة الولوج، أي: كثيرة الدخول، والخراجة هي كثيرة الخروج.

    الإيجاز في القول من آداب المرأة المسلمة

    ثم قال تعالى: قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25]، فهذه هي الرسالة التي حملتها من أبيها، وهي أدق من البرقية، إذ إنها حوت على كلمات قليلة جداً، إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25]، ولم تقل مع هذا كلمة أخرى، لا كيف حالك؟ ولا جزيت خيراً، ولا من أنت؟ وإنما قالت: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25].

    وسيأتي معنا أنه لما مشت معه كانت الريح تكشف عن ساقها وعن ما وراءها، فقال لها موسى عليه السلام: امشي ورائي وارمي أمامي بحصىً نحو الطريق لأعرفها، وهذا هو الذي ذكرته لوالدها وتعجب منه، أي: من صلاحه واستقامته، إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26]، أي: قوي في بدنه، أمين في رعايته.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    والآن إليكم شرح الآيات من الكتاب فتأملوها أيضاً.

    معنى الآيات

    قال الشارح: [ معنى الآيات: ما زال السياق في شأن موسى عليه السلام بعد حادثة القتل والنصح له بمغادرة بلاد مصر إلى بلاد مدين مدينة شعيب عليه السلام ]، ومدين هو اسم البلد الذي كان فيه نبي الله شعيب عليه السلام، ومدين هو ابن إبراهيم عليه السلام، وموسى هو ابن إسحاق بن يعقوب عليهما السلام، فبينهما صلة كبيرة، إذ إنهما أولاد العم، فلهذا سافر إلى بلد عمه.

    قال: [ فقال تعالى مخبراً عنه: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ [القصص:22]، أي: ولما توجه موسى عملاً بنصيحة مؤمن آل فرعون، تِلْقَاءَ مَدْيَنَ [القصص:22]، وجهه أن يتجه تلقاء مدين، أي: نحوها.. وجهتها، ولم يكن له علم بالطريق الصحراوي، والمسافة مسيرة ثمانية أيام، قال: عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ [القصص:22]، أي: ترجَّى ربه سبحانه وتعالى أن يهديه الطريق السوي حتى لا يضل فيهلك، واستجاب الله له فهداه الطريق حتى وصل إلى بلاد مدين.

    وقوله تعالى في الآية الثانية من هذا السياق: وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ [القصص:23]، أي: وحين ورد ماء مدين وهو بئر يسقي منها الناس مواشيهم، وَجَدَ عَلَيْهِ [القصص:23]، أي: على الماء، أُمَّةً مِنَ النَّاسِ [القصص:23]، أي: جماعة كبيرة يسقون أنعامهم ومواشيهم، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ [القصص:23]، وهما بنتا شعيب عليه السلام، تَذُودَانِ [القصص:23]، أي: تمنعان ماشيتهما من الاختلاط بمواشي الناس، فسألهما لا تطفلاً وإنما حالهما دعاه إلى سؤالهما؛ لأنه رأى الناس يسقون مواشيهم ويصدرون فوجاً بعد فوج والمرأتان قائمتان على ماشيتهما تذودانها عن الحوض حتى لا تختلط ولا تشرب، فسألهما لذلك قائلاً: مَا خَطْبُكُمَا [القصص:23]؟ أي: ما شأنكما؟ فأجابتاه قائلتين: لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ [القصص:23]، وذلك لضعفنا وعدم رغبتنا في الاختلاط بالرجال، وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص:23]، لا يقوى على سقي هذه الماشية بنفسه، فنحن نسقيها ولكن بعد أن يصدر الرعاء ويبقى في الحوض ماء نسقي به.

    فلما علم عذرهما سقى لهما ماشيتهما، ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ [القصص:24]، الذي كان جالساً تحته، وهو ظل شجرة، وهو شجر صحراوي معروف يقال له: السمر، ولما تولى إلى الظل سأل ربه الطعام لشدة جوعه، إذ خرج من مصر بلا زاد ولا دليل، ولولا حسن ظنه في ربه لما خرج هذا الخروج، فقال: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ [القصص:24]، أي: طعام، فَقِيرٌ [القصص:24]، أي: محتاج إليه شدة الاحتياج.

    وفي أقرب ساعة وصلت البنتان إلى والدهما فسألهما عن سبب عودتهما بسرعة فأخبرتاه، فقال لإحداهما: اذهبي إليه وقولي له: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25]، وهو معنى قوله تعالى: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا [القصص:25]، استجابة الله له، تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص:25]، واضعة كم درعها على وجهها حياء.

    وقد قال فيها عمر رضي الله عنه: إنها ليست سلفعاً من النساء خرّاجة ولاّجة، وبلغت الرسالة المختصرة وكأنها برقية ونصها ما أخبر الله تعالى به في قوله: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25]، لا كلمة أخرى، إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25]، وقد ورد أنها لما كانت تمشي أمامه تدله على الطريق هبت الريح فكشفت ساقيها فقال لها موسى: امشي ورائي ودليني على الطريق بحصى ترمينها نحو الطريق وهذا الذي دلها على أمانته لما وصفته لأبيها بأنه: لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل:39]، كما سيأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله ].

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية هذه الآيات: أولاً: وجوب حسن الظن بالله تعالى، وقوة الرجاء فيه عز وجل، والتوكل عليه ]، وقد تجلى هذا في أن يخرج موسى من مصر بيديه حتى بدون نعلين ولا طعام ولا شراب ولا مركب ولا شيء آخر، وبالتالي لولا رجاؤه في الله وتوكله عليه واعتماده على إحسانه ما يفعل هذا، ولذا فواجب المؤمن أن يكون متوكلاً على الله معتمداً عليه راجياً إحسانه وفضله في أية مهمة تصيبه أو حادثة تنزل به.

    قال: [ ثانياً: بيان فضل الحياء وشرف المؤمنات اللائي يتعففن عن الاختلاط بالرجال ]، والحياء أيها المؤمنون هو صفة ذاتية أو صفة روحية قلبية يستحي صاحبها أن يفتح عينيه في الشيء وينظر إليه، يستحي صاحبها أن يقول كلمة سوء، يستحي أن يظهر في مظهر سوء، وأخذنا هذا من هذه المؤمنة التي جاءت وهي تمشي على استحياء واضعة كمها على وجهها حتى لا يراها موسى وهي في الصحراء معه، فهيا نتعلم الحياء، وهيا نعلم نساءنا وأبناءنا، إذ إن أولادنا ينطقون بالبذيء من القول والسيئ من الكلام، وكأنهم صعاليك في المغابر والبساتين والعياذ بالله.

    قال: [ ثالثاً: بيان مروءة موسى في سقيه للمرأتين ]، والمروءة كمال إنساني قلَّ من يظفر به، وقد تجلت هذه المروءة في سقيه للمرأتين الحييتين، إذ تولى عليه السلام إزالة الحجر عن البئر، ثم ملأ الحِيَض بالماء، ثم سقى لهما صلى الله عليه وسلم.

    قال: [ رابعاً: فضل الدعاء وسؤال الله تعالى ما العبد في حاجة إليه ]، فلهذا لا نترك دعاء الله ولا سؤاله ولا التضرع إليه، وذلك في كل شئون حياتنا في الليل والنهار، إذ الدعاء مخ العبادة، والدعاء هو العبادة، فهذا موسى قد سمعناه وهو يدعو ويذكر احتياجه إلى ربه فيقول: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24]، وأكثر الغافلين لا يرفعون أيديهم إلى الله ولا يسألونه؛ لأنهم شباع ما هم في حاجة إلى الدعاء والعياذ بالله تعالى، والدعاء في السجود أقرب إلى الإجابة، أما في الركوع فعظموا فيه الرب، والذي يبكي بين يدي الله ويتضرع لن يحرمه الله الخير أبداً، ولن يبعده عن الكمال أبداً، لكن الشعور بالغنى عن الله هي المحنة العظيمة.

    قال: [ خامساً: ستر الوجه عن الأجانب ]، أي: تغطية الوجه عن الأجانب، [ سنة المؤمنات من عهد موسى ]، لا من عهد نزول القرآن في المدينة، وإنما من عهد موسى عليه السلام، بل من قبله، أي: من عهد آدم عليه السلام، [ وليس كما يقول المبطلون: هو عادة جاهلية ]، المبطلون والممزقون والهالكون والعلمانيون والشيوعيون الهابطون يقولون: إن ستر الوجه عادة جاهلية، ولذا لا يحل لمؤمنة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تكشف عن وجهها لأجنبي أبداً إلا في حال الضرورة القصوى، وذلك كالعلاج أو المرض أو الإنقاذ، أما أن تخرج في الشارع سافرة جسمها وكاشفة عن وجهها وتنظر هنا وهنا، فوالله ما يجوز هذا ولا يحل لها، إلا إذا عجَّزت وشاخت وأصبحت عجوزاً، وقد رأينا بمدينة الرسول قبل زمن عجائز في الثمانين بل في المائة والعشرين ما تكشف إحداهن عن وجهها أبداً، والآن تشاهد في الشوارع كشف النساء لوجوههن، بمعنى: أن كشف الوجه ليس بمحرم أبداً، وهذا من البلاء الذي أصبنا به، ثم قال: [ فبنتا شعيب نشأتا في دار النبوة والطهر والعفاف، وغطت إحداهما وجهها عن موسى حياءً وتقوى ].