إسلام ويب

تفسير سورة القصص (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما بلغ موسى عليه السلام أشده وتكاملت قوته ابتلاه الله عز وجل بحادثة كانت سبباً في خروجه من مصر، وانتقاله إلى مدين، وذلك أن الأقباط كانوا يستقوون على بني إسرائيل بمصر، فرأى موسى يوماً رجلان يقتتلان أحدهما قبطي والآخر إسرائيلي، فاستغاث الإسرائيلي بموسى فصرع موسى القبطي، لكن خبره شاع بين الناس بسبب ذلك الإسرائيلي؛ مما اضطره إلى الخروج فراراً من بطش فرعون وقومه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة القصص المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، قال تعالى: قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ * وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:17-21].

    اعتراف موسى بالخطأ وطلب المغفرة من الله تعالى

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! ما زال السياق في قصة موسى عليه السلام مع فرعون، فقول ربنا تعالى: قَالَ رَبِّ [القصص:16]، أي: يا رب! وقد عرفتم لم حذفت ياء النداء؟ وذلك من أجل أن الله معك يسمع كلامك، وليس بعيداً عنك حتى تناديه بـ(يا رب)، ولو قلت: يا رب! فحسن كذلك.

    بِمَا أَنْعَمْتَ [القصص:17]، أي: بسبب إنعامك علي، فبماذا أنعم الله عليه؟ تقدم أن موسى قتل قبطياً خطأ، إذ لكمه لكمة فمات ودفنه في الرمل، ومن ثم اعترف موسى بخطئه واستغفر الله تعالى وطلب من ربه أن يغفر له فغفر له، فقال لربه: بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ [القصص:17]، أي: بمغفرتك لي وعدم معاقبتي على هذا الفعل الشنيع.

    معنى قوله تعالى: (فلن أكون ظهيراً للمجرمين)

    ثم قال تعالى: فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ [القصص:17]، بعد اليوم، والمجرمون سواء كانوا بيضاً أم سوداً، طوالاً أم قصاراً، عرباً أم عجماً، إذ المجرم هو الذي يجرم على نفسه فيصب عليها أطنان الذنوب والآثام فيفسدها، وبالتالي فمرتكبو كبائر الذنوب مجرمون، سواء بالزنا أو باللواط أو بالقتل أو بالربا أو بالخيانة أو بترك الصلاة أو بترك بعض الواجبات، وهؤلاء هم المجرمون الذين أجرموا على أنفسهم، وكذلك يجرمون على غيرهم فيفسدون أموالهم وأعراضهم وأبدانهم والعياذ بالله.

    فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ [القصص:17]، قالت العلماء: لو استثنى هنا لكان خيراً له، أي: لو قال: فلن أكون إن شاء الله بعد اليوم ظهيراً للمجرمين لكان خيراً له، لكنه ما استثنى فوقع فيها، ولذلك هذا الذي يحسن بنا دائماً أن نتمسك به، فإذا قلنا: غداً نكون في هذا المسجد، فنقول: إن شاء الله تعالى، أو بعد غدا إن شاء الله تعالى، وهذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد عاتبه ربه جل وعلا في قضية أصحاب الكهف لما سألته قريش وما قال: إن شاء الله، فعاتبه الله بقوله: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24]، أي: إلا أن تقول: إن شاء الله، وهكذا ما زال المؤمنون والمؤمنات لا يفارقون هذا المنهج الرباني أبداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأصبح في المدينة خائفاً يترقب...)

    قال تعالى: فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [القصص:18].

    بيان أن الخوف الطبيعي لا يلام عليه العبد

    فَأَصْبَحَ [القصص:18]، أي: فأصبح موسى عليه السلام، فِي الْمَدِينَةِ [القصص:18]، واسمها: مُنْفُ، وهي عاصمة فرعون، خَائِفًا [القصص:18]، من القتل الذي حدث بالأمس، يَتَرَقَّبُ [القصص:18]، ما الذي سيحدث له؟ إذ قد يطلعون على ما فعل فيبلغون عنه، فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ [القصص:18]، اليوم، أي: ذاك الإسرائيلي الأحمق المجنون الذي استنصره يوم أمس يستغيث به اليوم، وأظنه كان كافراً أو فاسقاً، إذ ليس كل الإسرائيليين مؤمنين؛ لأنهم في بلد الاستعمار يدينون بدين ملوكهم وسلاطينهم، يَسْتَصْرِخُهُ [القصص:18]، أنقذني! أنقذني! وذلك لأن قبطياً قوياً أخذ بتلابيبه.

    معنى قوله تعالى: (إنك لغوي مبين)

    ثم قال له موسى: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [القصص:18]، أي ذو غواية وشر وفساد، فبالأمس سببت لنا محنة واليوم تريد أخرى أيضاً، إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [القصص:18]، الغواية، أي: فاسد القلب كله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما...)

    قال تعالى: فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ [القصص:19].

    سوء صحبة الأحمق الغوي

    فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ [القصص:19]، أي: فلما أراد موسى أن يبطش، بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا [القصص:19]، أي: القبطي، قَالَ [القصص:19]، أي: الإسرائيلي، يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ [القصص:19]، وهنا أعلن الإسرائيلي عن قتل إنسان قبطي يوم أمس، فمباشرة انعقد مؤتمر في قصر فرعون لمناقشة هذه القضية، ولهذا تقول الحكماء: إياك ومصاحبة الحمقى والضلال والهابطين الفاسدين، وذلك حتى لا تتورط معهم، فهذا موسى تورط بسبب هذا الإسرائيلي، فلا تصاحب إلا ذوي العقول والألباب والفهوم والصلاح والصالحين والأتقياء والموفين بالعهود، أما أن تصاحب السفلة فستقع في محنتهم والله العظيم، وإن كان المطلوب منا ألا يكون فينا هابط ولا ساقط ولا سافل، إذ كلنا علماء ربانيون عابدون صالحون، لكن للأسف الواقع خلاف ذلك.

    فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا [القصص:19]، وهو القبطي، قَالَ [القصص:19]، أي: الإسرائيلي، يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ [القصص:19]، وهذا العتاب يعاتب به موسى عليه السلام، ولو كان له عقل أو فهم أو إدراك ما كشف سر موسى، وكل ما في الأمر أن القبطي على الفور نقل الخبر إلى قصر فرعون، وانعقد مؤتمر للبحث في هذه القضية.

    بيان من هم المصلحون

    ثم قال تعالى: وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ [القصص:19]، فمن هم المصلحون؟ المصلح هو الذي يصلح ولا يفسد، وضد المصلحين المفسدون، فمن هم المفسدون عباد الله؟! الذين يعملون بغير طاعة الله ورسوله، والمصلحون الذين يعملون بطاعة الله ورسوله، فأصلحوا أنفسهم وأصلحوا من يليهم، بل وعملهم كله صالح، والصالح له منزلة عالية، وهو من أدى حقوق الله كاملة بدون نقص ولا بخس، وأدى حقوق الناس كذلك، ثم إن موكب الصالحين لا المصلحين عظيم، واقرءوا قول الله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء:69]، قولوا: اللهم اجعلنا من الصالحين الذي يؤدون حقوق الله كاملة فلا يبخسونها ولا ينقصونها، ويؤدون حقوق العباد كذلك بلا بخس ولا نقص ولا زيادة.

    وقول الإسرائيلي: وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ [القصص:19]، بين الناس، وهذا في نظره، أي: ما أصلحت بيني وبينه، إلا أنه ظن وتوهم أنه يريد أن يبطش به هو.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى...)

    قال تعالى: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص:20].

    وصف الله جل وعلا لمؤمن آل فرعون

    وَجَاءَ رَجُلٌ [القصص:20]، وليس ذكراً، وقد سمعنا أن الهلالي تغمده الله برحمته ورضي عنه سأله طالب من طلابه فقال: رأيت رجلاً أو جاء رجل، فقال: اسكت، أين الرجال؟! قل: جاء ذكر أو رأيت ذكراً، إذ ما بقي عندنا في المغرب رجال، وإنما ذكور فقط.

    وَجَاءَ رَجُلٌ [القصص:20]، أي: وجاء رجل عظيم ذو شأن وذو كمال، أما مجرد ذكر فقط والأنثى تغلبه فلا، إذ الرجولة فحولة وصاحبها يمتاز بالبطولة والشهامة والإصلاح والكمال، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ [القصص:20]، وكان قصر الملك خارج العاصمة لا في داخلها، وهذا الذي جاء يقال له: حزقيل، وقيل: شمعون، وقيل: شمعان، والاختلاف هو في الاسم والحقيقة أنه مؤمن آل فرعون، وهو الذي قال الله فيه: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [غافر:28].

    وقبل ذلك: لما علم فرعون بالأمر انعقد المؤتمر من الملأ والحكام والمسئولين والأغنياء في الدولة، وتداولوا القضية وأصدروا حكم الإعدام على موسى، وذلك لأنه قد تبين لهم أنه عليه السلام قد قتل، لكنه قتل خطأ فلا يعدم صاحبه، لكن هؤلاء ليسوا على دين ولا على ملة، وإنما هم كفار ومشركون وهابطون، ولذا هم قالوا: قتل أحدنا فلنقتله.

    وجوب بذل النصيحة

    وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى [القصص:20]، أي: مسرع في مشيته ليبلِّغ موسى الأمانة التي تحملها، قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ [القصص:20]، والائتمار والتآمر معروف، وهو التجمع على الشيء ودراسته والقول فيه، والملأ هم فرعون ورجاله الذين يملئون العين بأبهاتهم إذا نظرت إليهم، يَأْتَمِرُونَ بِكَ [القصص:20]، لماذا؟ لِيَقْتُلُوكَ [القصص:20]، إذاً فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص:20].

    وهنا نذكر لطيفتين: الأولى: المفروض في المواطنين أنه إذا زلت قدم أحدهم ففعل جريمة أو عمل فعلاً سيئاً أن يبلغ به المسئولين.

    الثانية: إذا كان هذا الذي ارتكب جريمة ليست جريمة حق وإنما خطأ أو سوء فهم فقط فينبغي أيضاً لمن علم أن ينصح له بالخروج من البلاد حتى لا يُلجأ إلى القتل أو السجن وهو ليس بظالم، وإنما متهم فقط، ومثله مثل موسى عليه السلام، إذ إنه ما تعمد القتل، وإنما أراد أن يخلص المتضاربين من بعضهم البعض، وسبحان الله! لكم القبطي فمات، وهو قد حضر أجله، فكان قتلاً خطأ، فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص:20].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين)

    قال تعالى: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:21].

    حال موسى عند خروجه من مصر

    فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا [القصص:21]، أي: استجاب موسى لمؤمن آل فرعون فخرج من المدينة خائفاً، يَتَرَقَّبُ [القصص:21]، لعل أحدهم يصل إليه فيمسك به.

    اللجوء إلى الله عند الشدائد

    ثم لجأ إلى ربه تعالى فقال: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:21]، وقد استجاب الله له، والقوم الظالمون هم فرعون وملئه ورجاله، إذ إنهم مشركون كافرون ظالمون فاسقون هابطون، فسأل ربه أن ينجيه منهم، وفعلاً أنجاه الله منهم، إذ إنه خرج من المدينة إلى مدين، وفي طريقة حدثت أحداث ستأتي في الآيات التالية إن شاء الله تعالى.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    والآن أسمعكم شرح الآيات من الكتاب.

    معنى الآيات

    قال الشارح: [ معنى الآيات: لقد تقدم في الآية قبل هذه أن موسى عليه السلام قد قتل قبطياً بطريق الخطأ، وأنه اعترف لربه تعالى بخطئه واستغفره، وأن الله تعالى غفر له وأعلمه بذلك بما شاء من وسائط ]، لماذا قلنا: بما شاء من وسائط؟ لأنه ما نبئ بعد، لكن أوقع في نفسه أو جاءه ملك، أي: بوسيطة من الوسائط أعلمه أنه قد غفر له، قال: [ ولما علم موسى بمغفرة الله تعالى له عاهده -أي: عاهد ربه- ألا يكون ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ [القصص:17]، في المستقبل، ومن ذلك أن يعتزل فرعون وملأه لأنهم ظالمون مجرمون، فقال: رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ [القصص:17]، أي: بمغفرتك لي خطئي، وذلك بالنظر إلى إنعامك علي بالمغفرة أعاهدك ألا أكون ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ [القصص:17]، هذا ما دلت عليه الآية الكريمة -أي: الأولى- في هذا السياق وهي قوله تعالى: قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ [القصص:17].

    وقوله تعالى: فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص:18]، أي: فأصبح موسى في مدينة (منف) عاصمة المملكة الفرعونية، خَائِفًا [القصص:18]، مما قد يترتب على قتله للقبطي، و يَتَرَقَّبُ [القصص:18]، الأحداث ماذا تسفر عنه؟ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ [القصص:18]، وهو الإسرائيلي الذي طلب نصرته أمس، يَسْتَصْرِخُهُ [القصص:18]، أي: يستغيثه بأعلى صوته، فنظر إليه موسى وأقبل عليه ليخلصه قائلاً: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [القصص:18] أي: لذو غواية بينة -والغواية الفساد في الخلق والدين- لأنك أمس قاتلت واليوم تقاتل أيضاً.

    فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ [القصص:19]، أي: موسى، بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا [القصص:19]، وهو القبطي، قال الإسرائيلي: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ [القصص:19]، أي: تضرب وتقتل كما تشاء ولا تخاف عقوبة ذلك، وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ [القصص:19]، الذين يصلحون بين المتخاصمين، قال الإسرائيلي هذا لأنه جبان خاف من هجمة موسى ظاناً أنه يريده هو لما قدم له من القول: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [القصص:18]، فلما سمع القبطي ما قال مقاتله الإسرائيلي نقلها إلى القصر، وكان من عماله ممن يعملون في القصر، فاجتمع رجال القصر برئاسة فرعون يتداولون القضية وينظرون إلى ظروفها ونتائجها وما يترتب عليها، وكان من جملة رجال المؤتمر مؤمن آل فرعون حزقيل أو شمعون، وكان مؤمناً يكتم إيمانه، فأتى موسى سراً ليخبره بما يتم حياله، وينصح له بالخروج من البلاد، وهو ما جاء في قوله تعالى في الآية (20) من هذا السياق.

    وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ [القصص:20]، أي: من أبعدها، فإن قصر الملك كان في طرف المدينة، وهي مدينة فرعون (مُنْفُ)، يَسْعَى [القصص:20]، فمشى بسرعة وجدٍّ، وانتهى إلى موسى فقال: يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص:20].

    قال تعالى: فَخَرَجَ مِنْهَا [القصص:21]، أي: من بلاد فرعون، خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص:21]، خائفاً من القتل، يترقب الطلب وماذا سيحدث له من نجاة أو خلافه؟ ودعا ربه عز وجل قائلاً: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:21]، أي: من فرعون وملئه أولاً، ومن كل ظالم ثانياً، ونجاه الله تعالى].

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ مع هداية الآيات: أولاً: شكر النعم، فموسى لما غفر الله له شكره بأن تعهد له ألا يقف إلى جنب مجرم أبداً ]، يا معشر المستمعين والمستمعات! هل عرفتم هذه الحقيقة؟ دلت الآية على شكر النعم، فموسى شكر نعمة الله عليه، وبالتالي على كل مؤمن ينعم الله عليه بنعمة من أكل أو شرب أو لباس أو ركوب أو عافية أو أمن إلا ويجب عليه أن يقول: الحمد لله والشكر لله، ولهذا فإن نظام حياتنا أن نحمد الله بعد الأكل والشرب والركوب والنزول وعند النوم والقيام منه، فلا نفارق: الحمد لله أبداً، لكن الغافلون لا يعرفون هذا ولا يسمعون به، بل لا يقولون هذا إلا عند الشرب أو الأكل فقط، أما ما عدا ذلك فلا يعرفونه، وكذلك الدابة أو السيارة إذا أردت أن تركبها فيجب أن تقول: باسم الله والحمد لله، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف:13-14]، الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، سبحانك ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

    قال: [ ثانياً: سوء صحبة الأحمق الغوي ]، وقد بينت لكم ذلك، ومعنى الغوي: الظالم الفاسد لا القوي القادر، ولذلك فإن هذه الصحبة لهذا الصنف تجر على صاحبها الفساد والدمار، قال: [سوء صحبة الأحمق الغوي، فإن الإسرائيلي لغوايته وحمقه هو الذي سبب متاعب موسى ].

    قال الشيخ في النهر عند قوله: بأنه تعهد ألا يقف إلى جنب مجرم أبداً، قال: وقال عطاء: [ فلا يحل لأحد أن يعين ظالماً ولا يكتب له ]، وذلك إذا كان كاتباً عنده، [ ولا يصحبه ]، أي: يمشي معه، [ فإنه إن فعل شيئاًمن ذلك فقد صار معيناً للظالمين، وفي الحديث: ( ينادي مناد يوم القيامة: أين الظلمة وأشباه الظلمة؟ )، فمن هم أشباه الظلمة؟ [ ( وأعوان الظلمة ) ]، فمن هم أعوان الظلمة؟ [ ( حتى من لاق لهم دواة ) ]، أي: وضع له فيها حبراً، [ ( أو برى لهم قلماً ) ]، أي: نزهه، [ ( فيجمعون في تابوت من حديد فيرمى به في جهنم والعياذ بالله ) ]، فنبرأ إلى الله من الظلم وأهله.

    قال: [ ثالثاً: لزوم إبلاغ الدولة عن أهل الفساد والشر في البلاد لحمايتها ]، وقد استفدنا هذا من الآية، ولذا فينبغي للمواطنين إذا شاهدوا فساداً أو شراً أو خبثاً أن يبلغوا المسئولين عن ذلك مع التعاون معهم، أما بلَّغوا فرعون حادث القتل الذي حصل من موسى؟

    قال: [ رابعاً: وجوب النصح وبذل النصيحة، فمؤمن آل فرعون يعلم سلامة موسى من العيب ومن الجريمة، فتعين عليه أن ينصح موسى بمغادرة البلاد لينجو إن شاء الله، وليس هذا من باب خيانة البلاد والدولة؛ لأن موسى من أهل الكمال، وما حدث منه كان من باب الخطأ، فرفده ومد إليه اليد إنقاذاً من موت متعين ]، وقد نصح له أن يخرج فخرج.

    قال: [ خامساً: الخوف الطبيعي لا يلام عليه، فموسى عليه السلام قد خاف خوفاً أدى به إلى الالتجاء إلى ربه بالدعاء فدعاه واستجاب له ولله الحمد والمنة]، ولا يقول قائل: كيف وهو رسول الله ونبي الله ويخاف؟ والجواب: إن هذا الخوف فطري وطبيعي في النفس لا يلام عليه صاحبه، إذ إنه قد يخاف الإنسان أو النبي أن يضربه فلان أو يعترضه فلان، وليس في هذا عيب، بل ولا يتنافى مع النبوة والرسالة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان على بابه حرس يحرسونه من أي اعتداء.