إسلام ويب

تفسير سورة القصص (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • رأى فرعون رؤيا أقضت مضجعه وأزعجته، فجمع مستشاريه فاجتمعوا على تحذيره من ولد لبني إسرائيل يكون ذهاب ملكه على يديه، وأشاروا عليه بذبح مواليد بني إسرائيل من الذكور، وهذا ما فعله الجبار العنيد، لكن يشاء الله أن يولد موسى عليه السلام في تلك الفترة، بل ويتربى ويدرج في بيت فرعون وأمام عينيه، وكل ذلك تدبير الحكيم العليم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة القصص المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، قال تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [القصص:7-11].

    بيان أن القصص القرآني يشهد بأن محمداً رسول من عند الله تعالى

    أسألكم: هل هذا القصص يأتي به محمد صلى الله عليه وسلم ويحصل عليه بدون وحي إلهي؟ والله ما يمكن، ثم إن هذه الأحداث التاريخية وقعت في زمان يتقدم محمداً صلى الله عليه وسلم بآلاف السنين، فلا هو ولا أمه ولا أبوه ولا جده كانوا معاصرين لها، بل ولا يعرفون عنها شيئاً، فكيف يخبر بها؟! إذاً والله إنه لرسول الله، وقد تلقى هذا العلم من الله تعالى، إذ أوحى الله إليه هذه المعارف الإلهية، فلهذا قل في صدق: محمد رسول الله، ويستحيل أن يكون غير رسول الله، وكذلك هل الذي أوحى بهذا القصص واصطفى محمداً يكون عدماً غير موجود؟! إن هذا خطأ فاحش وعمى والعياذ بالله، ووالله إن الله لموجود، إذ هو الذي أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأرسله ونبأه، فكيف لا يؤمنون بالله ورسوله؟! إنهم لا يعقلون ولا يفكرون.

    معنى موسى في لغة اليهود

    قوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى [القصص:7]، وموسى في لغة اليهود تعني: موشي، وقد سمعنا عن موشي ديان عليه لعائن الرحمن، وقيل: سمي موسى لأنه وجد بين الماء والشجر، والله عز وجل قد سماه بالاسم الذي سمي به، إذ ناداه به سبحانه وتعالى، وأما أمه فقلَّ من قال من أهل التفسير أنها فلانة، وورد في رواية أنه يقال لها: يارخت، وهي لغة في بني إسرائيل، ولا ينفعنا هذا العلم ولا يضرنا، أي: إن معرفة اسمها وجهله غير نافع لنا.

    بيان تدبير الله تعالى لأوليائه وصالحي عباده

    وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى [القصص:7]، من الذي أوحى إليها؟ الله جل جلاله وعظم سلطانه، أوحى إليها بماذا؟ وما الذي أوحاه إليها؟ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي [القصص:7]، وقد اختلف هل أرسل الله إليها ملكاً علمها كيف تفعل؟ أو أراها رؤيا منامية كيف تفعل؟ أو ألقى في روعها -أي: في قلبها-ففهمت عن ربها؟ هذا الأخير هو الصواب والحق؛ لأنه أُطلق عليه لفظ الوحي، يقال: أوحى إليه إيحاءً، إذا أعلمه خفياً أو بطريق خفية.

    إذاً: الذي أوحى إليها هو الله جل جلاله وعظم سلطانه، فبماذا أوحى إليها؟ بأن ترضع ولدها، وقد تقدم لنا وبينا للصالحين والصالحات أن فرعون وسوس له الكهان والسياسيون فقالوا له: إن هذا الشعب سيكون منهم من يكون سبباً في زوال عرشك وملكك، وذلك لأنهم أشراف ولهم ماض عظيم، فأخذ عليه لعائن الله يذبح الأولاد الذكور ويترك الإناث، فكان أيما امرأة من بني إسرائيل قبل أن تلد لابد وأن يحضر وفد من فرعون ينظرونها متى تضع؟ فإذا وضعت ذكراً دفنوه في الأرض، وإن وضعت أنثى تركوها، وقد ذكر أهل العلم أن هارون ولد في سنة العفو، وذلك لأن فرعون لما أخذ يذبح الأولاد سنتين وثلاث وأربع خاف رجال الدولة أن تنقطع وتنتهي اليد العاملة، فقرر أن يذبح سنة ويعفو سنة، وفي سنة الذبح ولد موسى عليه السلام.

    ثم قال تعالى: فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ [القصص:7]، أي: أن يؤخذ منك ويذبح، فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [القصص:7]، أوحى الله إليها أن ترضع ولدها الرضاع الضروري، أي: اللبن الضروري الأول، فإذا أرضعته وتغذى تكون قد أعدت صندوقاً من خشب أو تابوت من خشب مطلي بالقار، وفعلاً أعدته العدة الكاملة، وما إن ولدت وأرضعت ولدها حتى جعلته في ذلك التابوت أو في ذلك الصندوق وألقته في نهر النيل.

    ثم قال: وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي [القصص:7]، أي: لا تخافي على ولدك ولا على نفسك، وَلا تَحْزَنِي [القصص:7]، عليه، لم؟ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7]، وهذه الآية قد اشتملت على أمرين ونهيين وبشارتين، فالأمران هما: أرضعيه وألقيه في اليم، والنهيان هما: لا تخافي ولا تحزني، والبشارتان هما: رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، ولهذا تفوق القرآن في البلاغة وفي أسلوبه حتى عجز العرب عن محاكاته.

    مرة أخرى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ [القصص:7]، أي: من فرعون وجيشه، فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [القصص:7]، أي: في البحر، وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي [القصص:7]، لماذا؟ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7]، أي: لفرعون رسولاً ولبني إسرائيل ولغيره من الأنبياء والمرسلين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً...)

    قال تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ [القصص:8].

    بيان العلة من التقاط آل فرعون لموسى

    فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص:8]، أي: لما ألقته أمه في اليم وتقلب في الماء دخل إلى حديقة لنساء فرعون، فوجدن التابوت يقلبه الماء ظهراً على بطن فأخذنه ففتحنه فإذا فيه موسى عليه السلام، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص:8]، أي: بناته أو نساؤه أو أهله، وذلك لما دخل إلى الحديقة التي هي تابعة للقصر، فلماذا التقطوه؟ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص:8]، وهذه اللام تسمى لام العاقبة، فهم لم يلتقطوه لأجل أن يكون لهم عدواً حزناً، ولكن كانت العاقبة كذلك، أي: كان لهم عدواً وحزناً، وفي هذا يقول الشاعر:

    وللمنايا تربي كل مرضعة ودورنا لخراب الدهر نبنيها

    فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ [القصص:8]، أي: ما التقطوه لأجل هذا، لكن العاقبة هي هذه، أي: ليكون لهم عدواً وحزناً، فيصب عليهم أطنان الحزن والآلام.

    إخبار الله عن فرعون وجنوده بأنهم كانوا خاطئين

    ثم قال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ [القصص:8]، إيه والله كانوا خاطئين وظالمين وفاجرين وكافرين ومشركين، فلهذا كانت العاقبة لهم الدمار والخراب، إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ [القصص:8]، أي: فاعلين الخطايا من الشرك والكفر والظلم والاعتداء والفسق والفجور، فلهذا سوف تنزل بهم نقمة الله عز وجل على يد موسى عليه السلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه...)

    ثم قال تعالى: وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [القصص:9]، سبق أن ذكرنا أن موسى عليه السلام عندما بدأ يحبو أخذ بلحية فرعون فأمسكها وتعلق بها، فتفرس فرعون أن هذا سيكون له شأن معه، وهذه ظاهرة تدل على ما قاله الكهنة والسياسيون، أي: أن هذا لن يكون لنا فيه خير، فأمر بقتله، فشفعت آسية بنت مزاحم امرأة فرعون وقالت: لمَ تقتلوه؟! عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا [القصص:9]، وطلبت من فرعون أن يمتحنه، فوضع له جمراً من نار في طبق، وفي طبق آخر وضع له جواهر، ثم قدمهما له، فإن تناول موسى الجواهر حباً ورغبة فهو إذاً عاقل وفاهم، وهو فعلاً يريد أن يقتل فرعون، وبالتالي فلفرعون أن يقتله، لكن سبحان الله! تناول موسى الجمرة وألقاها في فمه فأصبحت له لكنة في لسانه، وقد شكاها إلى الله لما أرسله، إذ قال: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه:27-28]، ومن ثم أبى أن يقتله فرعون وعفا عنه، وبالتالي فما هي العاقبة؟ وما الذي سيحدث لهم؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إن كادت لتبدي به...)

    قال تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص:10].

    بيان عاطفة الأمومة

    وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا [القصص:10]، أي: من كل شيء، إذ لا هم لها إلا أن قلبها مع ولدها فقط، فلا تفكر في طعام ولا في شراب ولا في بناء ولا في هدم، وإنما فقط همها وشغلها هو موسى كيف حاله؟ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ [القصص:10]، وتقول: هذا ولدي، أنا الذي رميته في البحر.

    بيان عناية الله بأوليائه حيث ربط على قلب أم موسى فصبرت

    ثم قال تعالى: لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا [القصص:10]، فالله ثبتها وربط على قلبها فصبرت وصمدت وما قالت: هذا ولدي، بل ولا طلبته، وإن كانت قد أرسلت أخته تبحث عنه فتمشي وتترقب وتترصد لعلها ترى شيئاً، لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص:10]، وفعلاً كانت من المؤمنين عليها السلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب...)

    قال تعالى: وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [القصص:11].

    وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ [القصص:11]، وأخته كان يقال لها: مريم بنت عمران، واسمها شبيه بأم عيسى عليه السلام، إذ إن أم عيسى يقال لها: مريم بنت عمران ، وعمران هو والد موسى عليه السلام، إذاً فهذه أخته، قُصِّيهِ [القصص:11]، أي: تتبعي آثاره ولا تخبري أحداً بذلك، فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ [القصص:11]، وكانت تنظره من بعد ولا تقبل عليه حتى يقال: إن هذه المرأة تعرفه، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [القصص:11]، أنها أخته، وقد عرفت أنه في بيت فرعون، وأخبرت أمه بذلك فسرت وقرت عينها، وباقي القصة ستأتي في الدرس الآتي إن شاء الله تعالى.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    إليكم شرح الآيات من الكتاب.

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات: هذه بداية قصة موسى عليه السلام مع فرعون وهو طفل رضيع إلى نهاية هلاك فرعون في ظرف طويل بلغ عشرات السنين ]، الآن قد تركنا موسى في حجر فرعون، وسيبقى معه أكثر من أربعين سنة، قال: [ بدأ تعالى بقوله في هذا القصص: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى [القصص:7] ]، ويقال لها: يارخت. قال: [ أي: أعلمناها من طريق الإلقاء في القلب، أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ [القصص:7]، آل فرعون الذين يقتلون مواليد بني إسرائيل الذكور في هذه السنة بالذات، فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [القصص:7]، أي: بعد أن تجعليه في تابوت، أي: صندوق خشب مطلي بالقار ]، والقار مادة معروفة.

    قال: [ وَلا تَخَافِي [القصص:7]، عليه الهلاك، وَلا تَحْزَنِي [القصص:7]، على فراقك له، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ [القصص:7]، لترضعيه ]، فسبحان الله! كلما جاءت وزيرة أو أميرة أو غنية أو امرأة جميلة فقدمت له ثديها لا يلتقمه أبداً، بل ويبكي من العطش؛ لأن الله هو الذي منع، فقالت لهم أخته: أنا أدلكم على امرأة ترضعه، فأهل الحاشية قالوا: نعم، فرده الله إلى أمه، وصدق الله إذ يقول: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ [القصص:7].

    قال: [ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص:8]، أي: فعلت ما أمرها الله تعالى به بأن جعلته في تابوت وألقته في اليم، أي: النيل، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص:8]، حيث وجدوه لقطة فأخذوه ]، هم وجدوه في الماء وبالتالي فهو لقطة، وهم ما سرقوه ولا أخذوه بالقوة، قال: [ حيث وجدوه لقطة فأخذوه وأعطوه لـآسية بنت مزاحم عليها السلام امرأة فرعون.

    وقوله تعالى: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص:8]، أي: هذا باعتبار ما يئول إليه الأمر، فهم ما التقطوه لذلك أبداً، لكن شاء الله ذلك فكان لهم، عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص:8]، فعاداهم وأحزنهم ]، وهذه اللام في الآية تسمى لام العاقبة.

    قال: [ وقوله تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ [القصص:8]، أي: آثمين ]، وخاطئين غير مخطئين، فالمخطئ أراد الشيء وما أصاب، بينما الخاطئ فعل الخطايا من الكفر والفسق والفجور، [ كَانُوا خَاطِئِينَ [القصص:8]، أي: آثمين بالكفر والظلم، ولذا يكون موسى لهم عدواً وحزناً ]؛ لأنهم ظلمة وكفرة.

    قال: [ وقوله تعالى: وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ [القصص:9]، قالت هذا حين همَّ فرعون بقتله لما نتف موسى لحيته وهو رضيع ]، وهنا لطيفة قد كررناها كثيراً يا أبناء الإسلام! وهي: أن فرعون كان بلحية! فلمَ تحلقون وجوهكم؟ ما كان العالم يحلق لحيته حتى نفخ اليهود هذه النفخة ليؤنثوا الرجال ويخنثوهم والعياذ بالله، لكن والحمد لله قد نفع الله السامعين وأعفو لحاهم، لكن قبل ثلاثين أو خمسة وثلاثين سنة تستدعي عشرين أو ثلاثين لضيافتهم، فلا تجد إلا واحداً أو اثنين بلحاهم، والباقي حالقون والله العظيم، والآن تستدعي خمسين تجدهم كلهم بلحاهم.

    كذلك قبل خمس وعشرين أو ثلاثين سنة إذا دعوتم أناساً للضيافة تضعون علباً لإطفاء السجائر، وكان هذا من العرف أو النظام المعروف، إذ الغالب من الحاضرين أنهم يدخنون، والآن أين ذلك؟ انتهى والحمد لله، أيضاً قبل خمس وعشرين أو ثلاثين سنة كنت إذا مرت بك مائة سيارة ما فيها إلا واحدة أو اثنتين ما فيها أغان والباقي كلها أغان، بل حتى بائع الفصفص في الشارع في يده راديو يغني! والآن الحمد الله بيوت كاملة والله ما فيها أغان، كذلك قبل خمس وعشرين أو ثلاثين سنة كان الناس يصعدون إلى السطوح في الصيف، إذ لم يكن هناك كهرباء، والأغاني إلى عنان السماء ليلة الجمعة أو ليلة الراحة كما يزعمون، ومع كل هذا فقد نفع الله بهذه الدعوة المباركة، ولم يتم تغيير ذلك كله بالسوط ولا بالمال، وإنما بالدعوة إلى الله تعالى، والتي متى ما وجد من يدعو إلى الله استجاب الناس لدعوته.

    قال: [ وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ [القصص:9]، أي: يفرحنا، قالت هذا حين همَّ فرعون بقتله لما نتف موسى لحيته وهو رضيع، تعلق به فأخذ شعرات من لحيته فتشاءم فرعون ]، والتشاؤم موجود إلى الآن، فالمسلمون يتفاءلون والكافرون يتشاءمون، [ وأمر بقتله فاعتذرت آسية له فقالت هو قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ [القصص:9]، فقال فرعون: قرة عين لك أما أنا فلا ]، وهو والله لكذلك، وكأننا نعيش معهم.

    قال: [ وقولها: عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا [القصص:9]، في حياتنا بالخدمة ونحوها، أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا [القصص:9]، وذلك بالتبني، وهذا الذي حصل، فكان موسى إلى الثلاثين من عمره يعرف بابن فرعون ]، أي: موسى بن فرعون، لا موسى بن عمران، إذ ما كانوا يعرفون الحقيقة.

    والتبني كان معروفاً في الجاهلية ثم أبطله الإسلام، فهذا زيد بن حارثة مولى الرسول صلى الله عليه وسلم تبناه رسول الله وهو صغير، إذ وهبته له خديجة وكانت غنية وزوجها فقير، ولما جاء المدينة كان لا يعرف إلا بـزيد بن محمد ، ولما أراد الله أن يبطل التبني تزوج زيداً وطلق، فتزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب زوجة زيد ، قال تعالى: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ [الأحزاب:37]، فانتهى التبني في الإسلام إلى اليوم.

    والذين يأخذون أولاد زنا من المشافي لا يحل لواحدهم أن يقول: هذا ولدي أو ابني، وإنما له أن يربيه في بيته ويقول: هذا أخي، وإن شاء أن يكتب له أو يورثه بعض المال فلا بأس، لكن لا يقول: هذا ولدي أو ابني وهو والعياذ بالله كاذب.

    قال: [ وقوله تعالى: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [القصص:9]، أي: بما سيكون من أمره، وأن هلاك فرعون وجنوده سيكون على يده.

    وقوله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا [القصص:10]، أي: من أي شيء إلا من موسى، وذلك بعد أن ألقته في اليم.

    وقوله تعالى: إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ [القصص:10]، أي: لتصرخ بأنه ولدها وتظهر ذلك من شدة الحزن، لكن الله تعالى ربط على قلبها فصبرت لتكون بذلك من المؤمنين بوعد الله تعالى لها بأن يرده إليها ويجعله من المرسلين ]، كما أخبرها.

    قال: [ وقوله تعالى: وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ [القصص:11]، أي: تتبعي أثره وذلك عندما ألقته في اليم.

    وقوله: فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ [القصص:11]، أي: رأته من بعد، فكانت تمشي على شاطئ النهر وتلاحقه النظر من بعد حتى رأته انتهى إلى فرع الماء الذي دخل إلى قصر فرعون، فعلمت أنه قد دخل القصر.

    وقوله تعالى: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [القصص:11]، أي: لا يشعرون أنها أخته لما كانت تلاحقه النظر وتتعرف إليه من بعد ].

    هداية الآيات

    والآن مع هداية الآيات، قال الشارح: [ بيان تدبير الله تعالى لأوليائه وصالحي عباده ]، فأيما مؤمن صالح وولي لله إلا والله عز وجل يدبر له وينجيه في أي زمان ومكان، قال: [ وقد تجلى ذلك في الوحي إلى أم موسى بإرضاعه وإلقائه في البحر، والتقاط آل فرعون له ليتربى في بيت الملك عزيزاً مكرماً ]، فهيا نحقق ولاية الله يا أبنائي! باسم الله! بم تتحقق ولاية الله تعالى؟ بالإيمان وقد ظفرتم به، وبالتقوى فلنتق الله تعالى، فنحل ما أحل ونحرم ما حرم، ونفعل ما أوجب ونترك ما حرم، وبذلك تتم ولاية الله للعبد، ومن كان ولياً لله والله لا خوف عليه ولا حزن لا في الدنيا ولا في الآخرة.

    قال: [ ثانياً: بيان سوء الخطيئة وآثارها السيئة وعواقبها المدمرة، وتجلى ذلك فيما حل بفرعون وهامان وجنودهما.

    ثالثاً: فضيلة الرجاء تجلت في قول آسية : قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ [القصص:9]، فقال فرعون: أما لي فلا، فكان موسى قرة عين لـآسية ولم يكن لفرعون ]، وفعلاً حرم فرعون من ذلك، ورجاء آسية أكمله الله وأتمه لها.

    قال: [ رابعاً: بيان عاطفة الأمومة حيث أصبح فؤاد أم موسى فارغاً إلا من موسى ]، وإلى الآن فأيما امرأة تفقد ولدها كيف يكون حالها؟ حالها صعبة جداً حتى تعثر على ابنها ولو ميتاً.

    قال: [ خامساً: بيان عناية الله بأوليائه حيث ربط على قلب أم موسى فصبرت ولم تبده لهم وتقول: هو ولدي؛ ليمضي وعد الله تعالى كما أخبرها، والحمد له رب العالمين ].