إسلام ويب

تفسير سورة القصص (18)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المال هو من نعيم الدنيا، وقد جعله الله عز وجل وسيلة لإعمار الأرض وحياة الإنسان، لكن هذا المال متى ما صار غاية لا وسيلة، ومتى ما أصبح في القلب لا في اليد، فإنه يحمل الإنسان على الجحود والطغيان، وخير مثال على ذلك قارون الذي كان من قوم موسى، حيث آتاه الله الكنوز والأموال، لكنه ما أدى حق الشكر، ولا نسب الفضل إلى صاحب الفضل، فكان مصيره أن خسف الله به وبداره الأرض.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة القصص المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، قال تعالى: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [القصص:76-78].

    المرء عرضة للفساد بواسطة المال والمنصب العالي إلا من رحم الله عز وجل

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذا القصص من قصه؟ أمي لا يقرأ ولا يكتب قضى أربعين سنة في مكة، وبالتالي فمن أين له أن يقص هذا القصص التاريخي العجيب لولا أنه رسول الله والوحي ينزل عليه؟! فلهذا والله إن محمداً لرسول الله، ولا ينكر رسالته إلا أعمى ضال جاهل، إذ كيف لا يكون رسول الله وهذا القرآن ينزل عليه؟ إذ من يحدث هذا الحديث؟ ومن يقص هذا القصص؟ وكيف يأتيه لولا أنه وحي الله تعالى؟ وهذه الآيات كغيرها تدل على أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن الدار الآخرة حق للجزاء فيها على الكسب في هذه الحياة الدنيا، فأين العلماء؟ وأين المناطقة؟ وأين الفلاسفة؟ وأين السياسيون؟ قد امتلأت بهم الأرض وهم عمي لا يبصرون، وصم بكم لا يعقلون، فهل بلغهم شيئاً عن هذا القرآن؟ إذ هو يتلى في إذاعة لندن وحتى في إذاعة إسرائيل! فلم لا يسألون: من أنزل هذا القرآن؟ وكيف نزل؟ وعلى من نزل؟ وماذا فيه؟ هيا ندرسه! هيا نبحث ما فيه لنعلم! ولكنهم أموات لا يشعرون، قولوا: آمنا بالله، نستغفر الله ونتوب إليه.

    إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى [القصص:76]، وقارون كان من الإسرائيليين، وهو ابن عم موسى وابن خالته، فَبَغَى عَلَيْهِمْ [القصص:76]، أي: ظلم بني إسرائيل، وذلك لطغيانه وعليائه وتكبره وكثرة أمواله وأتباعه.

    إخبار الله بما أعطى قارون من المال

    وَآتَيْنَاهُ [القصص:76]، أي: أعطيناه، مِنَ الْكُنُوزِ [القصص:76]، أي: من الذهب والفضة، مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [القصص:76]، أي: أن مفاتيح هذه الخزائن عندما تجمع، يعجز الخمسة من الرجال على حملها، وتذكرون أنه كان قديماً أن مفاتيح الخزائن التي فيها الذهب والفضة تكون كبيرة، إذ لو يجتمع خمسة أنفار إلى تسعة أنفار ما يحملونها، إلا إذا وزعوها على بعضهم البعض، لَتَنُوءُ [القصص:76]، أي: لتثقل على العصبة أولي القوة، أما جماعة ضعيفة مريضة مثلنا فلا، ومعنى هذا أن الله سبحانه وتعالى قد أعطاه مالاً لم يعطه غيره! وهذا تدبير الله عز وجل، فبدل أن يذكر ويشكر ينسى ويكفر، وبدل أن يعدل ويرحم يظلم ويطغى، وذلك لأن الشياطين تعبث بقلبه وتفسده.

    حرمة الفرح بالمال إذا كان الفرح فرح بطر وفخر واعتزاز وكبر وخيلاء

    واذكر لهم يا رسولنا! إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ [القصص:76]، وقومه هم موسى وهارون وبنو إسرائيل، لا تَفْرَحْ [القصص:76]، أي: بهذه المنزلة وهذا التسلط، لم؟ قال: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص:76]، وإذا ما أحبهم أبغضهم، وإذا أبغضهم أهلكهم وأذلهم وأخزاهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة...)

    قال تعالى: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص:77].

    معنى قوله تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة)

    وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ [القصص:77]، أي: اطلب بهذا المال وهذا السلطان وهذه القوة الدار الآخرة، فابن المساجد، وابن المراكز، وشُق الطرق، وتصدق على الفقراء والمساكين، وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ [القصص:77]، فلا تبقى في الدنيا فقط، وإنما اطلب مما آتاك الله من المال والسلطة الدار الآخرة، وذلك بأن تقدم لآخرتك، كأن تبني مسجداً أو تعبد طريقاً أو تبني بيتاً لليتامى وما إلى ذلك، وكل ذلك هو صرف للمال في سبيل الله.

    معنى قوله تعالى: (ولا تنس نصيبك من الدنيا)

    وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77]، فلك أن تأكل الطعام الطيب، ولك أن تشرب الشراب اللذيذ، ولك أن تلبس اللباس الحسن، ولك أن تركب الجواد الحسن، ولك أن تسكن السكن المريح، لكن لا تبذر ولا تسرف ولا تتكبر ولا تنفق في المعاصي ولا تنفق في الجرائم والموبقات.

    معنى قوله تعالى: (وأحسن كما أحسن الله إليك)

    ثم قال تعالى: وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص:77]، فالله هو الذي أحسن إليك بالمال والقوة والسلطان فأحسن -مثلما أحسن إليك- إلى الفقراء والمساكين من إخوانك وأبناء عمك وأقربائك من بني إسرائيل من ضعفة وعجزة، وهذه الكلمات هي كلمات أولو العلم من بني إسرائيل وعلى رأسهم موسى عليه السلام.

    مرة أخرى: وَابْتَغِ [القصص:77]، أي: واطلب، فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ [القصص:77]، من مال ودولة وسلطان، الدَّارَ الآخِرَةَ [القصص:77]، فتصدق وأنفق في سبيل الله، ولا تخزن هذه الأموال وتجمعها وإخوانك فقراء محتاجون، وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77]، أي: لا بأس بأن تأكل الطيب، وأن تشرب اللذيذ، وأن تلبس الناعم، وأن تسكن المسكن المريح، لكن لا تنس الدار الآخرة فتصبح نفقاتك كلها للدنيا، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص:77]، إذ إنه سبحانه وتعالى قد أحسن إليه فأعطاه السمع والبصر والعقل والأموال، كما أنه أعطاه العبيد يستعملهم ويستخدمهم كيفما أراد، وهذا هو كلام العلماء العارفين الربانيين في كل زمان ومكان.

    معنى قوله تعالى: (ولا تبغ الفساد في الأرض)

    وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ [القصص:77]، أي: لا تطلب الفساد في الأرض، والفساد في الأرض يكون بترك ما أوجب الله على عباده من اعتقاد وقول وعمل، ويكون بفعل ما نهى الله وحرمه من الاعتقادات الباطلة والأقوال السيئة والأعمال الفاسدة، وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ [القصص:77]، وذلك بترك ما أوجب الله تعالى، وفعل ما نهى الله تعالى عنه، كالظلم والاعتداء على الآخرين وعدم قبول الحق وعدم العدل بين الناس، وهذه هي مظاهر الفساد في الأرض.

    إخبار الله بأنه لا يحب المفسدين

    إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص:77]، فهذا يؤمن بالله ويعرف الله تعالى، فلهذا ذكروه بالله تعالى، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص:77]، فكيف ترضى بأن تكون مبغوضاً لله فلا يحبك؟ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص:77]، هكذا قال العلماء واعظين وآمرين بالمعروف وناهين عن المنكر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال إنما أوتيته على علم عندي...)

    اغترار قارون بما أوتيه من مال وقوة

    فبمَ أجاب قارون فرعون الثاني؟ قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص:78]، أي: أن هذه الأموال وهذه الخزائن أعطيتها على علم من ربي بأني أهل لها، وهذا كذب على الله تعالى، ويصلح أن تقول: أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ [القصص:78]، أي: بصناعة واجتهاد والعمل ليلاً ونهاراً، وذلك في التجارات والمباني وغيرها حتى حصلت على هذا المال، وكله واسع وجائز.

    إذاً: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص:78]، أي: إنما أوتيت هذا المال العظيم بعلم من الله أني أهل له، ولهذا وهبني وأعطاني، أو حصلت عليه بالعمل والعلم، وذلك كالتجارة وغيرها.

    رد الله على من اغتر بماله وقوته

    فرد الله تعالى عليه بقوله: أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا [القصص:78]، للمال والأولاد؟ وذلك كعاد وثمود وغيرهم، إذ إنهم كانوا أقوى من قارون، بل وأكثر منه مالاً، لكن أهلكهم الله ودمرهم وقضى على نفوذهم نهائياً، بل وحول أرواحهم إلى جهنم وبئس المصير.

    وهذه لطيفة رويت عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: يا عبد الله! اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، وهذه قد أخذها من الآية الكريمة: وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77]، ثم أصبحت حكمة ينتفع بها العلماء والعقلاء والبصراء والمؤمنون الصادقون، وبالتالي فاعمل ولا تقل: ما نحرث ولا نغرس ولا نبني، وإنما صل الصبح ثم احمل مسحاتك أو منجلك أو آلاتك واشتغل إلى قبيل الظهر، وأنت مع ذلك تذكر الله وتسبحه، ثم بعد ذلك أدِّ صلاة الظهر وتغد واسترح، ثم خذ مسحاتك واشتغل في دنياك، أو افتح باب دكانك حتى تدق ساعة العصر، وعند ذلك أغلق الباب أو أوقف العمل وصل العصر، ثم عد للعمل إن أحببت، وهكذا، وهذا هو معنى قوله: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، فهل الذي يعمل للآخرة وكأنه سيموت غداً يترك فريضة من الفرائض؟ أو يفعل محرماً من المحرمات؟ أو يرتكب باطلاً؟ والله ما يفعل ولا يقدر؛ لأنه يتصور غداً بأنه سيموت.

    معنى قوله تعالى: (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون)

    وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [القصص:78]، نعوذ بالله أن نكون من المجرمين، فمن هم المجرمون؟ بيض أم سود؟ حمر أم صفر؟ عرب أم عجم؟ من هم المجرمون؟ نريد أن نعرفهم لعلنا منهم فنتطهر ونبرأ إلى الله من أنفسنا، ونتوب إلى الله ونرجع إليه، والمجرمون واحدهم مجرم، والمجرم بمعنى: المفسد، والمجرمون هم المفسدون الذين يفسدون أرواحهم، فأنفسهم كانت كهذا النور لما نفخت في أجسادهم، لكن هم يفسدونها بفعل المحرمات وترك الواجبات، وبالتالي فكل من يترك الفرائض أو بعضها، وكل من يغشى الكبائر أو بعضها والله لمجرم ومفسد وفاسد، والمجرم هو الذي أجرم على نفسه أولاً فأفسدها، وصب عليها أطنان الذنوب والآثام فاتسخت وتلوثت وتعفنت حتى أصبحت كأرواح الشياطين، وذلك بعدما كانت كأرواح الملائكة، وهو كذلك في نفس الوقت يجرم على غيره فيسب هذا ويشتم هذا ويزني بابنة هذا ويسلب مال هذا ويتكبر على هذا ويسخر ويستهزئ بهذا، فهذا كله إجرام والعياذ بالله تعالى.

    وهؤلاء المجرمون ماذا قال الله تعالى عنهم؟ إنهم لا يسألون عن ذنوبهم، فهم رأساً إلى جهنم والعياذ بالله، إذ ما هم أبداً أهل لأن يستنطقهم الله: لم فعلتم، لم تركتم؟ وإنما يدخلون إلى جهنم بلا سؤال ولا جواب، وذلك لأنهم مجرمون والعياذ بالله.

    معشر المستمعين والمستمعات! هيا بنا نعمل على ألا نكون إن شاء الله مجرمين، فنؤدي ما فرض الله علينا من هذه الواجبات في صدق وإيمان، ونتجنب ما حرم الله علينا من هذه المحرمات، وبذلك نصبح طاهرين مؤمنين أتقياء أولياء لله عز وجل، وهذا بعد تنقية القلب من الالتفات إلى غير الله تعالى، فلا نسأل غير الله تعالى، ولا نقول: يا رسول الله! ولا يا فاطمة! ولا ياحسين، ولا يا عبد القادر! ولا يا سيدي بدوي! ولا يا مولاي إدريس! بل ندعو الله فقط طول الحياة، إذ المخلوقات كلها مربوبة لله والله خالقها، بل والله ما تملك شيئاً إلا ما ملكها الله عز وجل، فنطهر قلوبنا من أن تنتكس وتنظر إلى غير الله تعالى تحقيقاً لمعنى لا إله إلا الله، إذ لا يوجد من يستحق أن نرهبه أو أن نخافه أو أن نخشاه أو أن نحبه أو أن نطيعه أو أن نذل له ونستكين بين يديه إلا الله فقط، وهذا معنى لا إله إلا الله، فنعبد الله بما شرع من أنواع العبادات، ولا نرائي بها الناس، ولا نلتفت بها إلى الدنيا، وإنما فقط من أجل أن يحبني ربي ويرضى عني فقط، فأصوم وأصلي وأحج وأجاهد وأرابط في سبيله فقط.

    فهيا نستعن بالله ونسلك هذا المسلك الرشيد بأن نجتمع بعد صلاة المغرب في مساجدنا كل ليلة من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، وذلك بنسائنا وأطفالنا كل ليلة طول العام، وبذلك نعرف كل ما يحب الله ونقوى على فعله، ونعرف كل ما يكرهه الله ونقوى على تركه، وبذلك نجد أنفسنا أولياء لله ربانيين، وعند ذلك ينته الظلم والخبث والشر والفساد والاعتداء وكل الفتن تنمحي وتزول، وهذا الطريق قد سلكه رسول الله والمؤمنون في القرون الذهبية الثلاثة، فهل ممكن تبلغون هذا؟ ولا تقولوا: لعل الحكومة ما تسمح، والله إنها تسمح، بل في بريطانيا وفي فرنسا وفي إيطاليا وفي أسبانيا يجتمع المسلمون في بيوت الله ويتعلمون، وبالتالي فكيف ببلاد المسلمين؟! فقط يجب أن يجلس لنا عالم رباني بصير ذو علم وعقل ومعرفة، ويوجهنا فنطيعه، فإذا قال: قوموا قمنا، وإذا قال: اقعدوا قعدنا، وهذا هو شأن المؤمنين، أما إثارة الفتن وتكفير هذا وسب هذا فهذا كله لا خير فيه أبداً.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية هذه الآيات: أولاً: المال والمنصب العالي عرضة لإفساد المرء إلا من رحم الله عز وجل وقليل ما هم ]، أي: المال الكثير والمنصب العالي عرضة للوقوع في الفتنة والله العظيم، فلهذا إذا أعطانا الله مالاً نلجأ إليه حتى ننفقه في رضاه، وحتى لا يطغينا ولا يجبرنا، وكذلك إذا أعطينا منصباً أو مكانة عالية فنستخدمها في مرضاة الله عز وجل، وهذا قد دلت عليه الآية الكريمة، وسيأتي أننا سنعرف ماذا فعل المال بـقارون؟ دمره، حيث قال تعالى: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ [القصص:81].

    قال: [ ثانياً: حرمة الفرح بالمال والإمارة إذا كان الفرح فرح بطر وفخر واعتزاز وكبر وخيلاء ]، أي: حرمة الفرح بالمال والدولة والسلطان، وذلك إذا كان الفرح ينسيك الله وذكره والدار الآخرة وما يُعد لها من طاعات وعبادات، عند ذلك لا خير في الفرح بالمال والولد والدولة والسلطان إذا كنت منقطعاً عن ربك لا تذكره ولا تشكره ولا تتذلل بين يديه.

    قال: [ ثالثاً: من فضل الله على الأمة أن يوجد فيها عالمون ينصحون ويرشدون ويوجهون ]، من فضل الله تعالى على أية أمة أن يوجد فيها علماء ربانيين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويعلمون الناس الكتاب والحكمة، والآية قد دلت على هذا، إذ قال علماء بني إسرائيل لـقارون: لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص:76-77]، فأهلك الله قارون فخسف به وبداره الأرض وهم يشاهدون.

    قال: [ رابعاً: من الحزم للمرء أن يطلب من المال والجاه والمنصب أعلى الدرجات في الجنة ]، أي: من الحكمة يا حكماء! يا علماء! يا بصراء! أن من آتاه الله مالاً أو علماً أن يطلب به الدرجة العالية عند الله عز وجل بين أولياء الله يوم القيامة، وذلك بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يطلب به زيادة في المال ولا في المنصب.

    قال: [ خامساً: حلّية الأكل من الطيب والشرب من الطيب واللبس والركوب والسكن من غير إسراف ولا خيلاء ولا كبر ]، حلّية الأكل الطيب والشراب الطيب واللباس الطيب والمسكن الطيب على شرط ألا يكون من حرام ولا من مال مغصوب، وأما الجواز فلكل ما لذ وطاب في غير إسراف ولا تبختر ولا تكبر؛ لأن قارون سيأتي أنه خرج عليهم وثوبه ذراع في الأرض تكبراً، فأنت كل الطيب الذي أحله الله، واشرب الطيب والبس طيباً، لكن بدون إسراف ولا بذخ ولا تكبر ولا تجبر، وإنما في تواضع وطمأنينة.

    قال: [ سادساً: العافية والمال وعز السلطان يصاب صاحبها بالاغترار إلا من رحم الله ]، أي: أن العافية والمال والسلطان قد يبتلى بهما المرء فيهلك إذا لم يحفظه الله ويقيه، ولهذا الصالحون لا يطلبون كثرة المال أبداً، ولا يرغبون في المنزلة العالية في الحكومة أبداً، بل يتحاشون كل ذلك خشية أن يهلكوا.