إسلام ويب

تفسير سورة القصص (17)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله عز وجل هو المستحق للإفراد بالعبادة، فهو خالق كل شيء ومصرف أمور العباد، وقد امتن سبحانه على عباده بأن جعل الليل ليسكن العباد فيه، وجعل النهار للمعاش والضرب في الأرض، وجعلهما يتعاقبان، فلا الليل ليل سرمدي، ولا النهار نهار أبدي، بل ليل ونهار وفق تقدير وميزان، من الملك المنان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة القصص المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، قال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [القصص:71-75].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [القصص:71]، فالآمر بقوله: قل هو الله خالقنا وخالق العوالم كلها ومنزل الكتاب، والمأمور هو رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فالآية إذاً تقرر مبدأ التوحيد وإثبات النبوة والبعث الآخر، قُلْ [القصص:71]، أي: يا رسولنا! لهؤلاء المشركين الكافرين الملاحدة العلمانيين المنكرين لوجود الله والعابدين للشياطين والأصنام والأهواء، قل لهم: أَرَأَيْتُمْ [القصص:71]، أي: أخبروني، إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا [القصص:71]، أي: متصلاً لا ينقطع ظلامه، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ [القصص:71]؟ فليشيروا إلى صنم أو إلى حجر أو إلى إنسان أو إلى ملك أو إلى ولي، والله لا أحد من ذلك، إذاً: فلا إله إلا الله!

    قُلْ أَرَأَيْتُمْ [القصص:71]، أي: أخبروني، إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا [القصص:71]، أي: متصلاً لا ينقطع ظلامه، سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ [القصص:71]، من المعبود ممن تعبدون غير الله، يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ [القصص:71]، أي: بضوء، أَفَلا تَسْمَعُونَ [القصص:71]، ما لكم؟ لو كنتم تسمعون كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ما أصررتم على الشرك والباطل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة...)

    قال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ [القصص:72].

    ثم قال له أيضاً: قُلْ [القصص:72]، أي: يا رسولنا والمبلغ عنا! قل لهؤلاء المشركين الكافرين: أَرَأَيْتُمْ [القصص:72]، أي: أخبرونا؟ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا [القصص:72]، أي: متصلاً إلى يوم القيامة، مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ [القصص:72]، وتستريحون؟ فليشيروا إلى من؟ لا عيسى ولا أمه ولا العزير ولا آدم ولا نوحاً ولا إبراهيم ولا محمداً فضلاً عن الأصنام والأحجار، أَفَلا تُبْصِرُونَ [القصص:72].

    قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [القصص:72]، أي: متصلاً لا ينقطع، مَنْ إِلَهٌ [القصص:72]؟ أي: أخبرونا؟ أعلمونا؟ دلونا؟ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ [القصص:72]، وتستريحون من أتعاب النهار وعمل اليوم؟ أَفَلا تُبْصِرُونَ [القصص:72]، أي: لو كنتم تبصرون وتستخدمون أبصاركم لتجلت لكم هذه الحقيقة، ولعرفتم أن الله هو الذي يأتي بالظلام، وهو الذي يأتي بالضياء، وكل ذلك من أجلكم أن تسعدوا وتكملوا في هذه الحياة الدنيا، فهذا هو الله المعبود الحق الذي يجب أن يعبد وحده ولا يعبد معه سواه.

    إذاً: هذه آيات وحجج وبراهين قاطعة لا يستطيع أحد أن يردها أبداً على الله تعالى، إذ من يستطيع أن يقول: أنا أستطيع أن آتيكم بليل إذا جعل الله النهار كله ضياء؟! أو يقول: أنا آتيكم بالنهار إذا جعل الله الحياة كلها ظلاماً؟ من يقدر على هذا؟ إنه الله سبحانه وتعالى فقط.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ...)

    ثم قال تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ [القصص:73]، أي: الدالة على علمه وحكمته، الدالة على ألوهيته وربوبيته، وَمِنْ رَحْمَتِهِ [القصص:73]، تعالى، جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا [القصص:73]، في الليل وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [القصص:73]، في النهار، فالليل للسكون والراحة، والنهار للعمل والحرث والزراعة والصناعة والتجارة، فهذه مظاهر رحمته سبحانه وتعالى، فلم يكفرون به؟ ولم ينكرون ألوهيته؟ ولم يكذبون رسله وينكرون وحيه وكتبه؟

    وَمِنْ رَحْمَتِهِ [القصص:73]، تعالى، جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [القصص:73]، أي: في الليل وتهدئوا، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [القصص:73] في النهار، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [القصص:73]، أي: ليعدّكم بذلك لشكر الله على إنعامه وإحسانه إليكم، فإن الصيام يكون بالنهار والقيام يكون بالليل.

    إذاً: جعل لكم الليل والنهار لتعبدوه فتشكروه بعبادته، فمن كفر بالله وكفر بعبادته وما شكره فهو من أعدائه، ويا ويله يوم يلقى ربه! وهذا كله تقرير لألوهية الله وأنه المعبود الحق، ولا يستحق العبادة معه غيره أبداً، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد صالح فضلاً عن الأصنام والأحجار والشهوات التي يعبدونها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون)

    قال تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص:74].

    وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ [القصص:74]، أي: واذكر يا رسولنا! لهم يوم أن يناديهم في عرصات القيامة في ساحة فصل القضاء، فيناديهم بواسطة ملك من ملائكته أو بنفسه فيقول لهم: أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص:74]؟ والبشرية كلها مجتمعة كاجتماعنا هذا حفاة عراة، واقفون في يوم طوله خمسون ألف سنة! فيناديهم: أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص:74]؟ فهل هناك من يقول: عبد القادر الجيلاني؟ سيدي فلان؟ عيسى بن مريم؟ والله ما يقوى أحد على أن يتكلم بكلمة واحدة، ثم لو قالوا: شركاؤنا فلان وفلان والله سيتبرءون منهم ولا يعترفون أبداً أنهم كانوا يعبدونهم، إذ من يقوى على أن يقول أمام الله: أنا كنت أُعبد؟! إن هذه الآيات تمسح الكفر والشرك من القلب مسحاً كاملاً، فلا يبقى في قلب العبد إلا لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص:74]، أنهم آلهة ينفعونكم ويشفعون لكم عند الله، وتتوسلون وتستغيثون بهم وتتقربون إليهم؟ اذكروهم، دلونا عليهم وقولوا: فلان وفلان، والله ما ينطقون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ونزعنا من كل أمة شهيداً فقلنا هاتوا برهانكم...)

    قال تعالى: وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [القصص:75].

    بيان أهوال القيامة بذكر بعض المواقف الصعبة فيها

    وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا [القصص:75]، أي: من كل أمة من الأمم نأخذ منها شهيداً يشهد عليها ألا وهو نبيها أو رسولها الذي أرسل إليها، والبشرية كلها واقفة في ساحة فصل القضاء، ثم يقول لهم: فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ [القصص:75]، على أنكم كنتم تعبدون غيرنا وتستحلون تلك العبادة وتستوجبونها، هاتوا برهانكم الذي يدل على ذلك، إذ قد جاءتكم رسلنا وأنذرتكم وحذرتكم وخوفتكم وبشرتكم، وأنتم مستكبرون ما تستجيبون، فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.

    معنى قوله تعالى: (فعلموا أن الحق لله)

    ثم قال تعالى: فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ [القصص:75]، كما علمناه نحن اليوم علموه يوم القيامة، فلا إله إلا الله محمد رسول الله، والدار الآخرة حق، والجزاء فيها حتم لا بد وأن يقع، وذلك إما بالنعيم المقيم أو بالعذاب الأليم، فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ [القصص:75]، أي: الحق الثابت الواجب من العبادة، إذ الله عز وجل هو أحق بالعبادة، فلم الله يستحق العبادة دون غيره؟ والجواب: لأنه خلق الكون كله من أجلنا، وخلقنا فيه، وخلق أرزاقنا، وكل ذلك لا من أجل أن نغني أو نزمر أو نرقص أو أن نعبد الشياطين أو أن نستغيث بالأولياء ونذبح لهم، لا، وإنما من أجل أن نعبده وحده، واقرءوا قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، لا لشيء آخر أبداً، فمن لوى رأسه ورفض أن يعبد الله هلك، ومن أقبل على الله وعبده سعد ونجا.

    ودائماً أكرر فأقول: لو تسألون علماء وتقولون: ما السر في إيجاد هذه الحياة؟ لم أوجد الله هذه الحياة؟ لكان الجواب: من أجل أن يُعبد الله فيها! وذلك بذكره وشكره، وكذلك الحياة الآخرة لم أوجدها؟ ما الحكمة فيها؟ ما السر من وجودها؟ فالجواب: والله إنه الجزاء على العمل في هذه الدنيا، خيراً كان أو شراً، كفراً كان أو إيماناً، صلاحاً كان أو فساداً، وهذا هو سر إيجاد الدار الآخرة، فلماذا المناطقة أو الفلاسفة لا يعرفون هذا؟ ما يسألون: لم خلق الله هذا الكون وهذه الحياة؟ لأنهم لو سألوا لقيل لهم: من أجل أن تعبدوا الله، لكن هم لا يريدون أن يصلوا ولا أن يصوموا ولا أن يتركوا حراماً، وبالتالي فينكرون ويتبجحون ويضحكون؛ لأنهم هلكى معدودون من أصحاب الجحيم والعياذ بالله تعالى.

    وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا [القصص:75]، يشهد عليها وهو رسولها، فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ [القصص:75]، فعجزوا عن أن يثبتوا أنه يعبد غير الله بحق، فَعَلِمُوا [القصص:75]، أن العبادة الحقة، لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ [القصص:75]، أي: وتاه، مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [القصص:75]، ويكذبون من الدعاوى الباطلة والأقوال الفارغة.

    فيا أهل لا إله إلا الله! إن هذا كتاب الله عز وجل يجعلنا لا نلتفت أبداً إلى مخلوق من المخلوقات، فلا نرى إلا الله تعالى، إذ هو الذي نذل له ونخضع، وهو الذي نركع له ونسجد، وهو الذي نذبح له ونتقرب، وهو الذي نذكره ونتملق بذكره، أما غير الله فلا حق له في ذلك أبداً؛ لأنه ما خلقني ولا رزقني ولا خلق لي الأرض ولا السماء ولا الشمس ولا القمر ولا الليل ولا النهار، وبالتالي فكيف أعبده؟ وكيف أتقرب إليه؟ وكيف أتملق بذكره أو بغير ذلك؟ ومن ثم تتحقق هذه الدعوة: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأيضاً لا بد من الشهادة بأن محمداً رسول الله من أجل أن نعبد الله بما يبين لنا رسوله، إذ لولا رسول الله ما عرفنا كيف نعبد الله؟ وبالتالي فلا بد من الإيمان بالرسول من أجل أن نعبد الله بما يحب أن نعبده به من الاعتقادات والأقوال والأفعال، وهذا يعرفه الرسول المبلغ عن الله تعالى، فإن الله يرسل الرسول لمهمة وهي أن يعلم الناس كيف يعبدون ربهم ليكملوا ويسعدوا في الحياتين معاً؟

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ هداية الآيات: أولاً: في الآيات إشارة علمية إلى أن السماع يكون مع السكون وقلة الضجيج، وأن الإبصار يكون مع الضوء، ولا يتم مع الظلام بحال من الأحوال ]، دلت الآيات على لطيفة علمية -والقرآن كله لطائف لمن فتح الله عليه- وهي أن السماع لا يكون إلا عند السكون وعدم الصياح وعدم الضجيج، وأما الرؤيا والنظر والبصر فيكون في الضياء والضوء، وهذا من آياته سبحانه وتعالى، وسبحان الله! ماذا يحمل هذا القرآن من العجب؟!

    قال: [ ثانياً: البرهنة القوية على وجوب توحيد الله، إذ لا رب يدبر الكون سواه ]، في الآيات تقرير مبدأ لا إله إلا الله، أي: لا يستحق أن يُعبد في الأرض ولا في السماء إلا الله تعالى، ومعنى هذا أننا لا نعبد إلا الله تعالى، وأحذر الغافلين والجاهلين والمغرورين الذين يدعون الأولياء ويستغيثون بهم ويذبحون لهم الذبائح وينذرون لهم النذور ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله! ويتوسلون بهم إلى الله تعالى! فوالله إنهم في ذلك لمشركون، إذ ما وحدوا الله عز وجل ولا عبدوه، وإنما نسوا معنى: لا إله إلا الله، إذ كيف تقول: لا إله إلا الله وأنت تعبد ثلاثة أو أربعة؟! أو كيف تقول: لا معبود إلا الله ولا تعبده؟! فلهذا من قال: لا إله إلا الله وجب عليه أن يعبد الله، وألا يعبد معه غيره، وألا يعترف بعبادة غير الله أبداً، لا لنبي ولا لملك من الملائكة.

    قال: [ ثالثاً: كون النهار والليل ظرفان للسكون وطلب العيش هما من رحمه الله تعالى أمر يقتضي شكر الله تعالى بحمده، والاعتراف بنعمته وطاعته بصرف النعمة فيما يرضيه لا ويسخطه ] فالذي أوجد لنا هذا الضوء لنستضيء به ما نقول: جزاه الله خيراً؟ والذي يقدم لك كأساً من الماء فقط ما تقول له: جزاك الله خيراً؟! والذي أوجد لك الضياء والظلام لحياتك كاملة ما تقول له: الحمد لله؟! فلهذا يجب أن نحمد الله الليل والنهار، فإن أكلنا أو شربنا أو ركبنا أو نزلنا فدائماً: الحمد لله، إذ الذي يعطيك مصباحاً في بيتك فقط تشكره وتثني عليه، فكيف بالله الذي يعطيك الحياة كلها من أجلك، فالليل والنهار والأمطار وكل شيء من أجلك يا ابن آدم، ثم لا تقول: الحمد لله ولا تشكره، ولا تسأل عما يحب فتحبه، ولا عما يكرهه لتكون حقاً وليه؟!

    قال: [ رابعاً: بيان أهوال القيامة بذكر بعض المواقف الصعبة فيها ]، إذ إن يوم القيامة له أهوال عظيمة، فنذكر يوم أن نقف فيقول لنا: أين ما كنتم تعبدون؟ أين آلهتكم التي تعبدونها؟ ويوم أن يجيء بالرسول فيقول: يا محمد! ماذا عبدت أمتك؟ ماذا فعلت؟ فيشهد علينا، ومن أعظم أهوالها أن نقف حفاة عراة غرلاً كما وجدنا لمدة خمسين ألف سنة في يوم واحد، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات ما هو إلا نصف نهار أو أقل إلا وهم في الجنة، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا [المعارج:4-5].

    معشر المستمعين! إننا مقبلون على الموت وما بعده، والموت نوم فقط، فإذا متنا استيقظنا، وعند ذلك نشاهد عوالم لا قدرة لنا على فهمها، فمن خلقنا؟ ومن جمعنا؟ أنا أعجب لما أشاهد الخليقة أو البشرية كلها في الشرق والغرب ما تجد اثنين لا يميز بينهما، آمنا بالله! وويل للكافرين! امش في الشارع وشاهد إخوانك المؤمنين فما تجد اثنين إلا وتفرق بينهما، فسبحان الله الخلاق العليم! هذا هو الله، وبالتالي فيجب علينا إذا ذكرناه أن ترتعد فرائصنا، وأن نذرف الدموع خوفاً من ربنا، ولكن قلوبنا قاسية، والشياطين تصرفنا عن ربنا والعياذ بالله.

    قال: [ خامساً: إذا كان يوم القيامة بطل كل كذب وقول، ولم يبق إلى قول الحق والصدق ]، أي: إذا كان يوم القيامة لا يبقى كذب ولا تضليل ولا زور ولا تملق، إذ ليس هناك إلا كلمة الحق فقط، وبالتالي فمن يقوى على أن يكذب أمام الله تعالى؟!