إسلام ويب

تفسير سورة القصص (16)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سبحان الله العظيم! جل ثناؤه وتقدس اسمه، هو الذي يخلق الخلق بقدرته، ويختار لهم ما فيه صلاحهم بتدبيره وحكمته، ويعلم ما تخفيه صدورهم وما يعلنون، يصرف أمور العباد في الدنيا، ويهيئهم لأخراهم في يوم المعاد، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه يرجعون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة القصص المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، قال تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:68-70].

    تقرير مبدأ ليس من حق العبد أن يختار إلا ما اختاره الله له

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:68]، تذكرون بأن المشركين كانت لهم أنواع من الحيوانات يقدمونها ويختارونها لآلهتهم، ويستشفعون بها كذلك، وكل ذلك تقرباً إليها وتحبباً إليها، وذلك كالإبل أو الغنم وغيرها، وهذا أولاً، وثانياً: قال الوليد بن المغيرة: لماذا لا يختار الله لرسالته رجلاً من أهل مكة أو من الطائف؟ مثل الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود، أو عقبة بن أبي معيط، ومعنى هذا: أنهم يتخيرون لأنفسهم أنبياء، ومعلوم أن الخيرة ليست لهم، إذ الخيرة لله الخالق المدبر العليم الحكيم، فقال تعالى عنهم من سورة الزخرف: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31]، أي: مكة والطائف، فأبطل الله هذا الاختيار الباطل بإنزال قوله تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:68]، أما غيره فلا يختار، إذ الذي لا يخلق كيف يختار؟ فالذي يخلق ما يشاء هو الذي له الحق أن يختار، أما المخلوق المربوب المختار فكيف يختار؟ إن الخيار لله وحده، إذ هو الذي يختار من يشاء من عباده، فيختارهم لهدايته أو لنبوته ورسالته أو لفضله وإحسانه، أما هؤلاء المشركون فأي حق لهم في الاختيار؟ فهنا أبطل الله دعواهم وكمم ألسنتهم بتلك الدعوى، وقال: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [القصص:68]، يا محمد! من المخلوقات، فالذي يشاء خلقه خلقه من سائر المخلوقات؛ لأنه فعال لما يريد، ويعطي ما يريد، ويختار من يشاء لولايته ولنبوته ولرسالته ولفضله وإحسانه، أما غير الله تعالى فما كان لهم الخيرة.

    معنى قوله تعالى: (سبحان الله وتعالى عما يشركون)

    ثم قال تعالى: سُبْحَانَ اللَّهِ [القصص:68]، أي: تنزه الله وتعالى وتقدس أن يكون له شريك، أو يكون له مثيل أو نظير، وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [القصص:68]، به من هذه الأصنام والشهوات والأهواء، فنزه تعالى نفسه وقدسها عن الشريك والمثيل والنظير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون)

    ثم قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ [القصص:69]، هذا خبر إلهي، ووالله العظيم إن ربنا ليعلم ما في صدورنا من مستور أو مكنون، كما يعلم ما نقول وننطق به، وأما آلهتهم وأصنامهم التي يعبدونها فلا تعلم شيئاً، وَرَبُّكَ [القصص:69]، يا رسولنا! صلى الله عليه وسلم يعلم ما تكن صدور هؤلاء المشركين وما فيها، وما ينطقون به وما يعلنونه، وبالتالي فقد علم ما قالوه وادعوه فأبطل الله دعواهم فأنزل هذه الآية التي أبطلت ذلك الزعم الذي يزعمونه.

    وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ [القصص:69]، ويظهرون ولا يخفون، فهذا الذي يختار من يشاء من عباده يبعثهم أنبياء ورسلاً وأولياء وصالحين، فيغنيهم ويعزهم ويذلهم، أما هؤلاء فما كان لهم الخيرة في شيء، بل هو جهل مركب، أما العليم الحكيم الذي يعلم ما في الصدور وما تقول به الألسن وتنطق به فهو الذي له الحق أن يختار، لا هؤلاء الأصنام أو هؤلاء الزعماء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وإليه يرجعون)

    تقرير وحدانية الله تعالى

    ثم قال تعالى: وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [القصص:70]، أي: وهو الله الإله الحق الذي لا إله حق إلا هو، أي: لا يعبد في الأرض ولا في السماء عبادة حق إلا الله عز وجل؛ لأنه خالق كل شيء، أي: المعبودين والعابدين، ورب كل شيء، أي: المالكين والمملوكين، وبالتالي فكيف يعبد معه غيره؟ إن هذا التقرير الإلهي والله لحق، فلا إله إلا الله، ووالله لن يستطيع أحد أن ينقض هذا الحكم أبداً، فلو يجتمع علماء الفلسفة والمنطق وغيرهم ونقول لهم: اسمعوا! لا إله إلا الله، والله ما يقدرون على نقض هذه الجملة، إذ كيف ينقضونها؟ بوجود آلهة مع الله؟! تعالى الله! إن كل الخلق مخلوقون لله تعالى، وبالتالي كيف يوجد معه إله؟! وإن قالوا: لا إله! ونفوا وجوده فهذه أضحوكة تضحك عليهم الكائنات كلها! إذ من الذي خلق؟ ومن الذي رزق؟ ومن الذي أحيا؟ ومن الذي أمات؟ ومن الذي أعطى؟ ومن الذي منع؟ ومن الذي أضر؟ ومن الذي نفع؟

    مرة أخرى: عندما تقول: لا إله إلا الله، فهذه جملة كلامية، أي: خبر، فلا يوجد إله حق إلا الله، وقد قلت: لو يجتمع علماء الدنيا كلهم على أن ينقضوا هذه الجملة ويبطلوها ما استطاعوا إلا بأحد شيئين: إما بأنه لا إله بالمرة! أو بأنه يوجد آلهة مع الله! فإذا قالوا: لا إله والحياة مادة، فهم ينفون وجود الله تعالى، فنقول لهم: أما تخجلون؟ أما تستحون؟ أنتم مخلوقون ومربوبون فمن خلقكم؟ أنتم تنطقون وتتكلمون فمن وهبكم النطق حتى تتكلموا؟ ثم من خلق هذا الكون العلوي والسفلي من الذرة إلى المجرة؟ هل كل هذا يوجد بدون خالق؟! إن هذه سخرية واستهزاء، ولهذا ما كان البشر ينكرون وجود الله إلا في أيام الشيوعية فقط، وإلا فالكفار إذا سألتهم من خلقهم يقولون: الله، لكن ما كانت البشرية تنفي وجود الله قط إلا أيام أن وضع اليهود هذا المذهب الشيوعي وقالوا: لا إله والحياة مادة، أما المشركون الكافرون من أي جنس كانوا من عهد آدم إلى نبينا وإلى هذه الفترة كلهم يشهدون بأن الله موجود! قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، فهؤلاء الكفار والمشركون لئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن: الله، ولا يقولون اللات والعزى وهي صنم أمامهم، إذ ماذا تخلق هذه الأصنام؟!

    وجوب حمد الله وشكره على كل حال

    (( وَهُوَ اللَّهُ ))[القصص:70]، و(الله) اسمه الأعظم الذي (( لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى ))[القصص:70]، أي: في الدنيا على أنه خلق وأوجد وأنعم، وأعطى وأعز ورفع، وبالتالي فكيف لا يُحمد وهو الذي وهب لي سمعي وبصري ومنطقي؟ فكيف لا يحمد وهو الذي أوجد لي ماء أشربه وطعاماً آكله؟ (( وَالآخِرَةِ ))[القصص:70]، فأهل الجنة يحمدونه، واسمعوا إلى الله وهو يقرر ذلك: (( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ))[الزمر:73-75]. معاشر المستمعين والمستمعات! يجب ألا ننسى حمد الله عز وجل إذا أكلنا وإذا شربنا وإذا لبسنا وإذا ركبنا وإذا نزلنا وإذا قمنا وإذا مشينا، وذلك كما هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لله وحده الحمد في الدنيا وفي الآخرة، وهذا هو معنى قوله تعالى: (( لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ ))[القصص:70]، أي: في الدنيا ويوم القيامة، أما يوم القيامة فإن أهل الجنة يحمدونه، بينما أهل النار ليسوا في نعيم حتى يحمدوه، وإنما هم في عذاب وشقاء والعياذ بالله، وأما في الدنيا فيجب على كل من أكل وفرغ من أكله أو شرب وفرغ من شربه أن يقول: الحمد لله، أو لبس الثوب أو ركب السيارة أو الطيارة أو نزل أو قام من فراشه أن يقول: الحمد لله، وكذلك إذا أراد أن ينام فيقول: الحمد الله، إذ حقاً الحمد لله على كل حال، وهذا هو شأن المؤمنين والمؤمنات، أي: يحمدون الله الليل والنهار، والله يحب الحمد، حتى إنه حمد نفسه بنفسه، فما يحبه الله يجب أن نحبه.

    معنى قوله تعالى: (وله الحكم وإليه ترجعون)

    وقوله تعالى: وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:70]، ولله وحده الحكم فيحل ما يشاء ويحرم ما يشاء، ومن حكم بغير حكم الله فقد هلك وتمزق وخسر، إذ الحكم لله وحده لا للقاضي ولا للسلطان ولا لفلان ولا لعلان، فإذا حكم الله بإباحة هذا الشيء فهو مباح، أو حكم بحرمانه فهو محرم، أو حكم بإعطاء هذا فخذه، أو حكم بمنعه فلا تطلبه، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:70]، أحببتم أم كرهتم، فكلنا سوف نرجع إلى الله تعالى، وذلك بعد أن تنتهي هذه الدورة لهذه الحياة، إذ إنه تعالى يبعثنا من جديد فنقف بين يديه، ويستنطقنا ويستجوبنا: لم فعلتم هذا؟ ولماذا لم تفعلوا هذا؟

    لطيفة

    معاشر المستمعين! ذكر القرطبي لطيفة علمية فيها بشرى لنا، فقال في تفسيره: ذكر البزار حديثاً مرفوعاً بسند صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين )، أي: إن الله عز وجل يختار ما يشاء، فاختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين، قال: ( واختار لي من أصحابي أربعة )، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، قال: ( فجعلهم أصحابي، وفي أصحابي كلهم خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون )، أي: القرن الذي هو فيه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه؛ لقوله عليه السلام: ( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ).

    مرة أخرى: جاء عن جابر بن عبد الله أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله اختار أصحابي على العالمين )، أي: فضلهم على العالمين، ( سوى النبيين والمرسلين )، إذا هم دونهم، ( واختار لي من أصحابي أربعة )، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ( فجعلهم أصحابي، وفي أصحابي كلهم خير )، أي: في أصحاب الرسول كلهم خير، ( واختار أمتي على سائر الأمم )، وهي كذلك، ( واختار لي من أمتي أربعة قرون )، لكن بعد القرن الرابع هبطت هذه الأمة، وأصبحت ليست أهلاً لولاية الله عز وجل إلا من شاء الله.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية هذه الآيات: أولاً: تقرير مبدأ ليس من حق العبد أن يختار إلا ما اختاره الله له ]، أي: تقرير مبدأ وهو أنه ليس من حق الإنسان أن يختار، ولكن الاختيار لله تعالى، فالذي اختاره الله لك هو الذي تقبله وتفعله وترضاه، والذي ما اختاره الله ورفضه يجب أن ترفضه ولا تأخذه، قال تعالى: مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ [القصص:68]، فنحن ما اختاره الله لنا قبلناه ورضينا به، وما أحله فهو الحلال، وما حرمه فهو الحرام، وما أمر به فهو الواجب، وما نهى عنه فهو المكروه والمحرم.

    قال: [ ثانياً: تعين طلب الاختيار في الأمر كله من الله تعالى بقول العبد: اللهم خر لي واختر لي ]، وهذه لطيفة علمية ينبغي ألا ننساها، وهي: طلب الخيرة من الله عز وجل، والرسول الكريم كان يقول: ( اللهم خر لي واختر لي )، كما أنه قد علم أصحابه أن من أراد منهم أن يفعل شيئاً كأن يتزوج أو يطلق أو يسافر أو يبني أو يهدم منزلاً أو أي شيء مباح، وهو لا يعرف الخير في أي عمل، أن يصلي ركعتين يقرأ في الأولى بالحمد لله والكافرون، وفي الثانية بالحمد لله والصمد، وذلك في وقت تجوز فيه النافلة لا في وقت الكراهة مثل: بعد العصر أو بعد الصبح، ثم يسأل الله عز وجل بعد أن يصلي ركعتين أن يختار له، وقد ثبت هذا في الحديث الذي صح في الكتب، وهو وموجود في هذا الكتاب، قال عليه السلام: ( اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي، في عاجل أمري أوآجله فاقدره لي ويسره لي وأعني عليه، وبارك لي فيه، وإن كنت تعلم أنه لا خير لي فيه لا في ديني ولا في دنياي، لا في عاجل أمري ولا آجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به )، ثم يذكر حاجته كأن يقول: أنا أريد أن أتزوج من فلانة، أو أريد أن أسافر إلى بلد كذا، أو أريد أن أبني منزلاً، أو أريد أن أفتح دكاناً.

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لـأنس: ( استخر سبع مرات )، يحض أصحابه على أن يطلبوا الخير سبع مرات، بل من استطاع أن يطلبه شهراً كاملاً فليفعل، وقد طلبناه أكثر من شهرين في مسألة من المسائل! فهل عرفتم لمن تكون الخيرة؟ إنها لله عز وجل، وبالتالي فنطلبها من الله عز وجل، فالرسول الكريم كان يقول: ( اللهم خر لي واختر لي فإنك تعلم ولا أعلم )، فنحن لا نعلم ما يحدث غداً وما يجيء به الغد، والله عز وجل يعلم، فلهذا نصلي ركعتين ثم نطلب منه أن يختار لنا الخير في الذي عزمنا على فعله أو تركه.

    قال: [ ثالثاً: تأكيد سنة الاستخارة ]، أي: تنفيذ سنة الاستخارة، وهذه السنة معروفة بين المسلمين ولا يجهلها إلا الجهال، قال: [ وهي إذا هم العبد بالأمر يصلي ركعتين في وقت لا تكره فيه صلاة النافلة، ثم يدعو بدعاء الاستخارة كما ورد في الصحيح وهو: ( اللهم إني أستخيرك بعلمك وقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي وفي عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي وفي عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به )، ويسمي حاجته التي هم بها ]، أي: ويسمي حاجته التي أراد أن يفعلها، قال: [ من سفر أو زواج أو بناء أو تجارة أو غرس.

    رابعاً: تقرير التوحيد وإبطال التنديد ]، فلا إله إلا الله محمد رسول الله، والدار الآخرة حق.

    قال: خامساً: وجوب حمد الله وشكره على كل حال، وذلك لتجدد النعمة في كل آن ]، أي: وجوب شكر الله على كل نعمة أنعم بها علينا، بل في كل حال، إذ ما في ساعة إلا ونحن في نعمة من الله تعالى، لذا ما نترك كلمة: الحمد لله أبداً، فإذا سألنا أحد: كيف حالكم؟ الحمد لله، فدائماً الحمد لله على ألسنتنا، ولهذا وصفنا للأمم السابقة كما في التوراة والإنجيل بأننا أمة الحمد.