إسلام ويب

تفسير سورة القصص (13)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جرت سنة الله سبحانه وتعالى أنه لا يهلك القرى حتى يأتيها رسول من عنده، يبلغهم رسالته ويدعوهم إلى توحيده، فإن هم أعرضوا وظلموا استحقوا العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وإن هم صدقوا وأذعنوا شملتهم رحمة الله واكتنفهم فضله وإنعامه، فهو سبحانه الهادي، وليس لأحد من رسول ولا نبي أن يهدي إلا بإذنه جل شأنه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة القصص المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، قال تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص:56-59].

    تقرير مبدأ لا هادي إلا الله تعالى

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56]، من القائل؟ أليس الله تعالى؟ ومن المخاطب؟ أليس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فالله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56]، أي: لا تستطيع أن تهدي من تحب، ولكن الله هو الذي يهدي من يشاء.

    بيان العلة من نزول قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت)

    فإن قيل: لمَ أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم هذه الآية؟ من أجل تعزيته وحمله على الصبر، إذ حصل أن عمه أبا طالب كان يعطف عليه ويحميه ويدفع عنه الأذى حتى توفي، فلما حضرته الوفاة زاره النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، وجاء الزوار من المشركين يزورنه، ومعلوم أن عيادة المريض فطرة بشرية، ولما كان يعاني من سكرات الموت قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله يوم القيامة )، وأبو جهل أو رجال من المشركين يقولون له: أترغب عن دين آبائك يا أبا طالب؟! ومازالوا يكررون عليه ذاك حتى كان آخر كلامه: هو على ملة عبد المطلب، فمات على الشرك والعياذ بالله، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ( لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك )، وأنزل الله فيه قوله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:113]، ولذلك من مات على الشرك والكفر والعياذ بالله فإنه قطعاً من أصحاب الجحيم.

    والشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم حزن وتألم على عمه أبي طالب، فأنزل الله تعالى عليه هذه الآية تعزية له وحمله على الصبر، فقال تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56]، أي: ما أنت بقادر على هداية الخلق، إذ الله هو الذي يهدي من يشاء، فخف الألم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ صبره وأبعد عنه الحزن والألم بهذا الخطاب، إذ يخبر تعالى أنه أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56]، منا، فمن هم المهتدون؟ الذين علم الله قبل أن يخلقهم أنهم يقبلون الإسلام ويدخلون فيه، ويتخلون عن الشرك والكفر ويعبدون الله تعالى.

    والآية كما قلت لكم: تحملنا على الصبر، فلا نحزن ولا نكرب إذا مات أقرباؤنا على الكفر؛ لأن الهداية بيد الله تعالى، ونحن لا نملك شيئاً من ذلك، فهل عرفتم سبب نزول هذه الآية؟ كان أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخو أبيه يحمي رسول الله ويدفع عنه في مكة، إذ ما كان يقوى أحد على أن يؤذي الرسول وأبو طالب حي، لكن شاء الله أن يمرض أبو طالب مرَض الوفاة، فزاره النبي صلى الله عليه وسلم وقال له وهو في سكرات الموت: ( يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله يوم القيامة )، ولو قال: لا إله إلا الله ومات عليها دخل الجنة، إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من مات وآخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة )، فلهذا يجب على المسلمين في مستشفياتهم أن يوجدوا بعض العلماء والعارفين ليزوروا المرضى، فمن وجدوه في سكرات الموت يجلس أحدهم إلى جنبه ويقول: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، فإن قالها المريض سكت عنه، وإذا قالها المريض ثم تحدث أو شرب أو أكل فإنه يعيدها له رجاء أن يموت على لا إله إلا الله، وهذا واجب على المسلمين في مستشفياتهم، ومع الأسف فإن النصارى قد عملوا مثل هذا، إذ أوجدوا ممرضات لهذا العمل، والمسلمون للأسف ضائعون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا...)

    اعتذار المشركين عن اتباع الحق والهدى

    قال تعالى: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا [القصص:57]، وهذا تعليل سياسي واضح، وهذه الكلمة قالها كبير من كبراء المشركين ألا وهو الحارث بن عثمان بن عبد مناف القرشي، إذ إنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا محمد! إن نتبعك على دينك ونترك ديننا يتخطفنا العرب من كل جهة، ويدمروننا ويخربون بيوتنا! أي: إن نتبع الهدى الذي جئت به وندخل في الإسلام ونكسر الأصنام فإننا العرب من حولنا ينكبون علينا فيسلبونا أموالنا ونساءنا وأطفالنا كما هي عادة العرب في الجاهلية!

    الرد على شبهة خشية الأمة من أن يصيبها الفقر أو ينالها شر الأعداء بسبب تطبيق الشريعة الإسلامية

    وهنا لطيفة لطف الله بنا بها وإياكم: الآن لما أخذ المسلمون يستقلون عن الغرب: بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ما حكموا الشريعة الإسلامية خوفاً، إذ قالوا: كيف نحكمها ونحن محتاجون إليهم، وكل شيء من عندهم؟! ما نستطيع أن نحكم شريعة الله تعالى، وهذا كما قال الحارث بن عثمان، والتاريخ يعيد نفسه، إذ إن الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القرشي زعيم من زعماء مكة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته أو في المسجد الحرام وقال له: يا محمد! نعتذر إليك عن عدم قبولنا للدين الذي جئت به، لم؟ نخاف أن يتخطفنا العرب من كل جهة فنفقد حياتنا، فلهذا لا نستطيع أن نقبل هذا الدين الذي جئت به! وقد قلت: مثلها ونظيرها: لما أخذ المسلمون يستقلون من إندونيسيا إلى موريتانيا ولا يطبقون الشرعية الإسلامية لما يحكمون! وعذرهم أنهم يقولون: نخاف أن يتكالب علينا الغرب أو يمنعوننا من كذا وكذا، ولهذا نطبق ما عندهم! وهذا هو الواقع، والتاريخ يعيد نفسه.

    رد الله عن المشركين المعتذرين بعدم قبول الحق والهدى

    فما كان جواب الله على هذا الكلام؟ قال تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص:57]؟ فما لهم لا يعرفون هذا؟ ألم نوطئ لهم مكة المكرمة وحرم الله تعالى؟ ثم إن هذا الحرم لا يقع فيه ظلم ولا اعتداء، بل ولا يصاد فيه الصيد فضلاً عن الإنسان، ولا يعتدى فيه على أحد، حتى أن الرجل قد يقتل أباه فيمر به في الحرم فلا ينظر إليه، ثم من جعل هذا الأمن وهذا الرزق؟ أليس هو الله؟ إذاً كيف إذا آمنتم نمنعكم من هذا الذي تقولون؟! أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص:57]، من الأطعمة والألبسة وأنواع كل ما يأتي من الشرق والغرب إلى مكة طيلة ما هم موجودون فيها، فمن فعل هذا؟ أليس هو الله تعالى؟ إذاً فكيف يخافون إذا أسلموا أن يفقدون ما هم عليه؟

    معنى قوله تعالى: (ولكن أكثرهم لا يعلمون)

    ثم قال تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [القصص:57]، أي: لو علموا ما قالوا هذا الكلام، لو علموا أن من أسلم وأقبل على الله أقبل الله عليه وأمنه ونصره وأعزه ما قالوا هذا، لكن للأسف ما فهموا، والآن والله لو أن المسلمين أقبلوا على الله وطبقوا شريعته ودخلوا في دينه رجالاً ونساء لأعزهم عزاً ما عرفوه، ولأعلاهم ورفع شأنهم، وأذل الكافرين لهم كما فعل مع رسول الله والمؤمنين، إذ في خلال خمس وعشرين سنة والإسلام في مكة وإذا هو قد وصل الهند والأندلس، فمن نصرهم؟ أليس هو الله تعالى؟ بسبب ماذا؟ بتطبيق شرع الله تعالى، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [القصص:57]، فعلة الجهل هي هذه، إذ لو عرفوا لما قالوا هذه الكلمة ولدخلوا في الإسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها...)

    من رحمة الله وعدله ألا يهلك أمة من الأمم إلا إذا بطرت معيشتها

    وقوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ [القصص:58]، هذا خبر عظيم، وَكَمْ [القصص:58]، أي: كثير من القرى، والقرى هي المدن، إذ القرى في القرآن بمعنى المدن، وأم القرى هي مكة شرفها الله تعالى، وَكَمْ أَهْلَكْنَا [القصص:58]، أي: كثير من أهل القرى أهلكناهم، بسبب ماذا؟ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا [القصص:58]، أي: أسرفوا وفجروا وظلموا وكفروا فأهلكهم، وذلك كعاد وثمود والمؤتفكات، فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ [القصص:58]، أي: فتلك مساكنهم خالية لم تسكن من بعدهم أبداً إلا قليلاً، وذلك كالزوار فيمرون بها وينزلون بها ساعات.

    وَكَمْ [القصص:58]، أي: كثير من القرى، مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا [القصص:58]، ومعنى بطر المعيشة: الإسراف والبذخ والظلم والخبث والشر والفساد والإعراض عن الله وذكره ودينه والتكذيب لرسوله، فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ [القصص:58]، في الشمال والجنوب والغرب لم تسكن من بعدهم، وذلك بسبب كفرهم وظلمهم وفسقهم وفجورهم، وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ [القصص:58]، من ورثهم؟ الله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً ...)

    إهلاك الله للقرى بعد إقامة الحجة عليهم

    ثم قال تعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم: وَمَا كَانَ رَبُّكَ [القصص:59]، يا رسول الله! مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا [القصص:59]، أي: ما يهلك القرى حتى يبعث في القرية العظيمة -التي فيها السلطة والدولة- رسولاً يعلمهم كتاب الله وهدي الرسول، فإن استجابوا نجوا، وإن رفضوا أهلكهم الله كما فعل بعاد وثمود والمؤتفكات.

    وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى [القصص:59]، بظلم منه، إذ حاشا الله أن يظلم، ثم لمَ يظلم وهو الغني عن كل ما سواه وبيده كل شيء؟! وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى [القصص:59]، يعني: وهم مؤمنون موحدون مستقيمون يعيشون على طاعة الله؟! والله ما كان ولن يكون أبداً، وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا [القصص:59]، أي: في العاصمة، ومهمة الرسول هي: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا [القصص:59]، حتى يؤمنوا حق الإيمان، ويعبد الله حق العبادة، فيكملون ويسعدون ويفوزون.

    معنى قوله تعالى: (وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون)

    ثم قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص:59]، وهذه هي سنتنا في عبادنا، أي: فما كان من شأننا أن نهلك المدن والعواصم والحواضر ألا إذا كانوا ظالمين، فيوم أن يشركوا ويكفروا ويفسقوا ويفجروا ويتركوا شرع الله ويتبرءوا منه، عند ذلك يهلكهم الله تعالى، أما أمة مستقيمة تعبد الله وتوحده وتعيش على المعروف، فوالله ما يهلكها الله ولا يسلط عليها وباء ولا بلاء ولا عذاباً في الدنيا ولا في الآخرة، لكن إذا بطرت معيشتها، ولم تحمد الله ولم تشكره، وأقبلت على الشهوات والأهواء، وساقها الشيطان إلى كل باطل، واستوجبت العذاب، عند ذلك يعذبها الله ويهلكها كما أهلك عاداً وثمود والمؤتفكات.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    مرة أخرى اسمعوا إلى هذه الآيات، يقول تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56]، نزلت هذه الآية تعزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحمله على الصبر، وذلك عندما تألم لموت عمه أبي طالب على الكفر، إذ إنه زاره وهو على فراش الموت فقال له: ( يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله ) والمشركون حوله يقولون له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ أترغب عن دين آبائك وأجدادك؟ فما كان منه إلا أن قال: هو على ملة عبد المطلب، ومات على الشرك والعياذ بالله، فحزن عليه الرسول حزناً شديداً، إذ إنه كان يحميه ويدافع عنه، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وعزة الله! لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك )، ثم نهاه الله تعالى عن ذلك، ونزل قول الله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى [التوبة:113]، كالعم والأب والأخ والأخت.

    وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا [القصص:57]، من القائل؟ زعيمهم الحارث بن عثمان بن عبد مناف القرشي، فلماذا قال هذه الكلمة؟ ليعتذر للرسول من عدم دخوله في الإسلام، وذلك لأنه يخشى أن يتسلط عليهم العرب فيأخذوا نساءهم وأطفالهم! وهذا كحالنا اليوم، إذ إن المسلمين اليوم أعرضوا عن الدخول في الإسلام خشية ألا يجدوا من يعينهم أو يساعدهم على ذلك، وهم في حاجة إلى الغرب! ولذلك رد الله عليهم بقوله: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا [القصص:57]؟ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [القصص:57]، فوالله لو علم المسئولون في العالم الإسلامي أنهم إذا طبقوا الشرع عزوا وسادوا وكملوا وانتصروا والله لطبقوه، لكن للأسف ما يعلمون.

    وَكَمْ [القصص:58]، أي: كثير، أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ [القصص:58]، أي: عاصمة، بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا [القصص:58]، ما شكرت الله تعالى، فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ [القصص:58]، خالية خربة، لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ [القصص:58]، لهم.

    وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى [القصص:59]، يا رسول الله! حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا [القصص:59]، أي: في عاصمتها، رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص:59]، فهذا كلام الله عجب، وهذا هو القرآن الذي نقرأه على الموتى ولا نقرأه على الأحياء! فهل تذكرون هذه الزلة أم لا؟ إن هذه مكرة يهودية مجوسية مسيحية، فبدل أن نقرأ القرآن على الأحياء ليحيوا ويكملوا ويسعدوا نقرأه على الموتى! ولذا فيجب على المسلمين أن يجتمعوا في بيوت ربهم، وذلك في قراهم وفي مدنهم كل ليلة كاجتماعنا هذا، وذلك من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء؛ لأننا ربانيون مسلمون، ونريد الكمال والسعادة والدار الآخرة، ومن ثم في كل ليلة يقرءون كتاب الله وهدي رسول الله، وبالتالي والله لا يبقى بينهم جاهل أبداً، وإذا لم يبق بينهم جاهل فهل يبقى فاسق أو فاجر؟ والله ما يبقى، وإذا طابوا وطهروا هل يذلهم الله؟ لا والله، وإنما ينصرهم ويكملهم ويسعدهم في الدنيا والآخرة، لكن الأسف ما عملوا.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية هذه الآيات: أولاً: تقرير مبدأ لا هادي إلا الله ]، أي: عليك أن تدعو إلى الله فقط، أما أن تهدي فلاناً فلن تستطيع، وإنما قل لأخيك: اتق الله، اعبد الله، فإن فعل نجا، وإن ترك فما أنت بمسئول عنه، إذ ما تقدر على أن توجد الهداية في قلب أي عبد، فهذا الرسول ما استطاع أن يهدي عمه ومات على الكفر والشرك والعياذ بالله.

    قال: [ الهداية المنفية: هي إنارة قلب العبد وتوفيق العبد للإيمان وعمل الصالحات، وترك الشرك والمعاصي ]، أي: أن هذه الهداية هي إنارة القلب ليستقيم العبد على الإيمان والعمل الصالح، وترك الشرك والظلم والفسق والفجور.

    قال: [ والهداية المثبتة يقول الله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52]، تلك هداية الدعوة والوعظ والإرشاد ]، أي: إنما عليك هداية الدعوة والوعظ والإرشاد فقط، أما إيجاد الإيمان والهداية في القلوب فهذا لا يملكه أحد إلا الله تعالى، قال تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56].

    قال: [ ثانياً: مظاهر قدرة الله وعلمه ورحمته وحكمته فيما ألقاه في قلوب العرب المشركين الجاهلين من تعظيم الحرم وأهله ليهيئ بذلك لسكان حرمه أمناً وعيشاً، كما قال تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:3-4] ]، معاشر المستمعين! لقد سبق أن قلت لكم: مكة أم القرى من الذي حماها طيلة ما وجدت؟ حماها الله عز وجل، والعرب من عهد إسماعيل لا يستطيع أحد أن يؤذي أحداً في مكة أو يسلب منه ماله، وقد قلت لكم: يمر الرجل بقاتل أخيه ما يستطيع أن ينظر إليه، والصيد فيها لا يصاد، والحيوان يمشي في الحرم فلا يؤذى، فمن أمن هذه الديار، أليس الله؟ إذاً هو قادر على أن يؤمن أي بلد، فإذا أقبلنا على الله وأطعناه وعبدناه والله ليحصل ما يحصل في مكة، إذ لا تجد في القرية من يظلم أخاه أو ينظر إليه نظرة سوء فضلاً على أن يفجر بابنته أو يأكل ماله، وهذه هي سنة الله عز وجل، وآية من آيات الله عز وجل، والمشركون والكفار كانوا إذا دخلوا مكة لا ظلم ولا اعتداء أبداً، وهم مع ذلك يعبدون الأصنام، فكيف إذاً نرغب عن دينه ونقول: نخاف إذا دخلنا في الإسلام أن نضيع كما ضاع من قبلنا؟!

    قال: [ ثالثاً: من رحمة الله وعدله ألا يهلك أمة من الأمم إلا إذا توفر لهلاكها شرطان: أولاً: أن يبعث فيهم رسولاً يتلو عليهم آيات الله تحمل الهدى والنور، ثانياً: أن يظلم أهلها بالتكذيب للرسول والكفر بما جاء به والإصرار على الكفر والعاصي ]، وهذه سنة الله في خلقه، إذ ما يهلك أمة من الأمم حتى يبعث فيها رسولاً يعلمهم ويحذرهم، فإن أصروا على الكفر أخرج رسوله وأهلكهم الله، وذلك كما فعل بعاد وثمود والمؤتفكات وغيرهم.

    قال: [ رابعاً: التاريخ يعيد نفسه كما يقولون، فما اعتذر به المشركون عن قبول الإسلام بحجة تألب العرب عليهم وتعطيل تجارتهم يعتذر به اليوم كثير من المسئولين ]، فالذي اعتذر به الحارث بن عثمان -كما سمعتم- اعتذر به مسئولون في العالم الإسلامي، فإذا استقلت البلاد ما يطبقون شرع الله أبداً، وإنما يطبقون الشرع الذي كان عليه النصارى، ويقولون: ما نستطيع أن نقف ضد الكفر! كيف نسود؟ كيف نحكم؟ فيعتذرون كما اعتذر هذا المشرك الحارث بن عثمان.

    قال: [ فعطلوا الحدود وجاروا الغرب في فصل الدين عن الدولة، وأباحوا كبائر الإثم كالربا وشرب الخمور وترك الصلاة، حتى لا يقال عنهم: إنهم رجعيون متزمتون، فيمنعونهم المعونات ويحاصرونهم اقتصادياً ].