إسلام ويب

تفسير سورة القصص (10)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قصة موسى عليه السلام مع فرعون وقومه من جانب، ومع بني إسرائيل من جانب آخر؛ هي من القصص العظيمة التي قصها الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأطلعه على تفاصيلها في غير ما موضع من كتابه العزيز، وهذا من أعظم الأدلة على نبوته صلى الله عليه وسلم وصدق رسالته، وقد امتن الله عز وجل على قومه ببعثه فيهم لينجو من ظلمات الشرك، ويحصلوا سعادة الدنيا والآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة القصص المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، قال تعالى: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص:44-47].

    تقرير النبوة المحمدية بأقوى الأدلة العقلية

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ [القصص:44]، هذا خطاب الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، إذ يحدثه ربه ويكلمه بما تسمعون، وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ [القصص:44]، أي: من الطور، وغرب موسى من الجهة اليمنى، بمعنى: هل كنت هناك لما نادى الله موسى وناجاه؟ الجواب: لا، إذاً كيف عرفت هذا؟ إذاً أنت رسول الله، وهذا أكبر دليل على نبوته صلى الله عليه وسلم، إذ ما كان حاضراً في جبل الطور مع موسى وهو يناجي ربه ويأمره ويدربه على العصا واليد ويرسله رسولاً إلى فرعون، فهل كان محمد صلى الله عليه وسلم موجوداً؟ ما وجد لا هو ولا أبوه ولا جده، بل إن بينهما قروناً عديدة، فكيف إذاً يحدث بهذا الحديث؟ إذاً هو والله لرسول الله، ومستحيل أن يكون غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ كيف يعلم هذه الأخبار؟ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ [القصص:44]، والأمر الذي قضاه الله إليه هو أنه أرسله إلى فرعون بعد ما دربه على كيفية مواجه فرعون وملأه.

    معنى قوله تعالى: (وما كنت من الشاهدين)

    ثم قال تعالى: وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ [القصص:44]، أي: من الحاضرين يوم أن كان الله يأمر موسى وينبهه ويعلمه، فكيف علمت هذا؟ إذاً أنت رسول الله، فالآية تقرر أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكن رسول الله ما كان ليعلم هذا ولا ليعرفه، ومعلوم أن بينهما قروناً عديدة وطويلة، فما كان موجوداً ولا حياً يوم ذاك، إذاً فكيف يتكلم بهذا الكلام؟ إذاً هذا وحي الله إليه، ومن أوحى الله إليه لن يكون إلا رسولاً، وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ [القصص:44]، أي: الحاضرين، فكيف تخبر بهذا بالتفصيل؟ الجواب: لأنك رسول يوحى إليك، وليسمع هذا أهل مكة والمشركون من العرب، وذلك ليؤمنوا بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولكنا أنشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر...)

    قال تعالى: وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [القصص:45].

    بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم جاءت في أوانها واشتداد الحاجة إليها

    وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ [القصص:45]، أي: أنشأنا قروناً وأجيالاً وأمماً بعد موسى قد طال عليهم الأمد، فبعثناك لهم نبياً ورسولاً، وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا [القصص:45]، أي: أوجدنا وخلقنا، قُرُونًا [القصص:45]، أي: من البشر، فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ [القصص:45]، أي: مرت آلاف السنين فما كان منهم أحد، فلذلك أنبأناك وبعثناك وأرسلناك، والحكمة واضحة في ذلك، وهي أنه لما مات العلماء واندرس العلم بعد موت موسى وهارون، وفسدت الأرض وظهر الشرك والكفر، فسنة الله تعالى تقتضي أن يبعث محمداً صلى الله عليه وسلم.

    معنى قوله تعالى: (وما كنت ثاوياً في أهل مدين)

    ثم قال تعالى: وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا [القصص:45]، أي: هل كنت يا محمد من أهل مدين؟ والله ما هو من أهلها، وهل كان معاصراً لشعيب؟ وهل كان حاضراً مع موسى العشر السنوات يرعى الغنم ويتعلم العلم من شعيب؟ الجواب: لا، إذاً فكيف عرفت هذا وحدثت به؟ فلهذا يقول للعرب في مكة: آمنوا بأن محمداً رسول الله، إذ مستحيل بأن يكون غير رسول الله، إذ كيف يحدث بهذا ويتعلم هذا؟ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [القصص:45]، فأرسلناك لأننا نرسل الرسل إلى عبادنا لتعليمهم ولتأديبهم ولتربيتهم، فإن استجابوا نجوا، وإن رفضوا هلكوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك...)

    قال تعالى: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص:46].

    البعثة المحمدية رحمة إلهية رحم الله بها العالمين

    وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا [القصص:46]، أيضاً، وجانب الطور له ثلاث مواقف مع موسى عليه السلام: فالمرة الأولى: عندما ناداه ربه في جبل الطور، والمرة الثانية: لما استدعاه ربه وواعده باللقاء وهو الميقات المعروف، قال تعالى: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الأعراف:142]، فهل كنت هناك لما ناجينا موسى وكلمناه وطلب منا أن ينظر إلينا؟ كيف عرفت هذا؟ كيف حدثت به؟ والمرة الثالثة: عندما عبد بنو إسرائيل العجل وطلب موسى منهم التوبة والرجوع إلى الله تعالى، فأخذ منهم سبعين رجلاً فمشى بهم إلى جبل الطور ليستغفروا الله ويعلنوا عن توبتهم، فهل كنت يا محمد معهم؟ الجواب: لا، إذاً فكيف تحدث بها وتقصها؟ بل لن يستطيع واحد من أهل الكتاب أن يرد هذا أو يقول: إن هذا لم يقع.

    إذاً: فمحمد رسول من عند الله سبحانه وتعالى، وبالتالي لو آمنت البشرية بأنه رسول الله لكملت وسعدت، ولكن إلى الآن ما آمنت، ولو يقرأ عليهم هذا القرآن هل يستطيع أحد أن يقول: لن يكون محمد رسول الله؟ ما يستطيع، إذاً فكيف يحدث بهذه الأخبار والأنباء في هذه الأحداث المتطاولة في الزمان وهو ما شهدها ولا حضرها؟

    الغرض والهدف من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم

    ثم قال تعالى: لِتُنذِرَ [القصص:46]، ماذا؟ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص:46]، وهذا يشمل كل العرب، إذ كلهم في حاجة إلى من يذكرهم ويعلمهم، إذ رسالته صلى الله عليه وسلم للبشرية كلها.

    مرة أخرى: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ [القصص:46]، أي: تسمع هذا الكلام وتُنادى به، وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [القصص:46]، نبأناك وأرسلناك وعلمناك وأنزلنا عليك هذا القرآن الذي يحمل هذا العلم وهذا النور، وكل هذا رحمة من الله عز وجل، وإلا كنت لا تدري هذا ولا تعرفه، وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [القصص:46]، أي: إن إرسالنا لك هو رحمة من الله عز وجل، وذلك لأجل لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [القصص:46]، وهم العرب المشركون ومن وراءهم من الأمم، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص:46]، فيتعظون ويفهمون ويؤمنون ويسلمون لله رب العالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم...)

    قطع الحجة على الخلق بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم

    قال تعالى: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص:47]، أي: لما أرسلناك، وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ [القصص:47]، أي: وباء وبلاء وألم وأمراض وغير ذلك، بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [القصص:47]، من الظلم والكفر والشرك، فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا [القصص:47]، أي: ما كنا لنرسل، ولكن أرسلناك لهذه المهمة، نعم لو أراد الله أن يهلك هذه البشرية بظلمها وشرها وفسادها ما أرسل إليها رسولاً، وبالتالي ستقول: لو أرسل إلينا رسولاً لكنا آمنا واتبعنا، فقطعاً لهذا العذر وإنهاءً له أرسلناك يا محمد!

    وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [القصص:47]، أي: من الذنوب والمعاصي والشرك والكفر بل وكل الذنوب، فَيَقُولُوا رَبَّنَا [القصص:47]، أي: يا ربنا! لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص:47]، فقطعاً لهذا العذر أرسلناك ونبأناك حتى لا تبقى لهم حجة ولا عذر، ثم هل يوم القيامة تستطيع أمة من هذه الأمم في العالم الآن أن تقول: آه، ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً؟ لن تستطيع ذلك، إذ إنه قد أرسل الرسول، وهذا كتاب الله النازل عليه، وهذه أمته تعرف ذلك، فلمَ لا يسألون ويدخلون في الإسلام؟ فقطع الله حجة أي أمة أو جيل أو جماعة بهذه الرسالة النبوية.

    وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [القصص:47]، أي: بما قدمت أيديهم من الكفر والشرك والذنوب والمعاصي، فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص:47]، وبالتالي فقد أرسلناك لقطع هذه الحجة وإنهاء لهذا العذر الذي يعتذرون به، ومن هنا ثبت قطعاً أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فيجب الإيمان به كما يجب حبه أكثر من حب النفس، واتباعه والمشي وراءه وتقليده في كل ما جاء به، وبذلك يصدق عليك أنك مؤمن بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: هذه الآيات تقوي الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، وثمرة وقوة الإيمان به تعني متابعته وطاعته وحبه والمشي وراءه، وهذا هو السر في هذه الآيات.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    والآن إليكم شرح الآيات من الكتاب.

    معنى الآيات

    قال الشارح: [ معنى الآيات: بعد انتهاء قصص موسى مع فرعون، وإنزال التوراة بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص:43]، وكان القصص كله شاهداً على نبوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، خاطب الله تعالى رسوله فقال: وَمَا كُنتَ [القصص:44]، أي: حاضراً، بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ [القصص:44]، أي: بالجبل الغربي من موسى، إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ [القصص:44]، بإرساله رسولاً إلى فرعون وملئه، وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ [القصص:44] أي: الحاضرين، إذاً: فكيف علمت هذا وتحدثت به لولا أنك رسول حق؟!

    وقوله تعالى: وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا [القصص:45]، أي: أمماً بعد موسى، فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ [القصص:45]، أي: طالت بهم الحياة وامتدت فنسوا العهود، واندرست العلوم الشرعية، وانقطع الوحي، فجئنا بك رسولاً، وأوحينا إليك خبر موسى وغيره.

    وقوله تعالى: وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا [القصص:45] أي: مقيماً، فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا [القصص:45]، فكيف عرفت حديثهم وعرفت إقامة موسى بينهم عشر سنوات؟ لولا أنك رسول حق يوحى إليك نبأ الأولين، وهو معنى قوله تعالى: وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [القصص:45]، فأرسلناك رسولاً، وأوحينا إليك أخبار الغابرين الماضين.

    وقوله: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ [القصص:46]، أي: جبل الطور، إِذْ نَادَيْنَا [القصص:46] موسى، وأمرناه بما أمرناه به، وأخبرناه بما أخبرنا به، فكيف عرفت ذلك وأخبرت به لولا أنك رسول حق يوحى إليك؟

    وقوله تعالى: وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [القصص:46]، أي: أرسلناك رحمة من ربك للعالمين أبيضهم وأسودهم، لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [القصص:46]، وهم أهل مكة والعرب أجمعون، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص:46]، أي: كي يتعظوا فيؤمنوا ويهتدوا فينجوا ويسعدوا.

    وقوله تعالى: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ [القصص:47]، أي: عقوبة، بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [القصص:47]، أي: من الشرك والمعاصي، فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا [القصص:47]، أي: هلا أرسلت إلينا رسولاً، فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص:47]، أي: لولا قولهم هذا لعاجلناهم بالعذاب، ولما أرسلناك إليهم رسولاً، إذاً فما لهم لا يؤمنون ولا يشكرون؟! ].

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية هذه الآيات: أولاً: تقرير النبوة المحمدية بأقوى الأدلة العقلية ]، ووالله ما يستطيع ذو عقل أن ينقض هذا، بل أيما يهودي أو نصراني أو عربي أو مجوسي أو أي كان لا يمكنه أن يقرأ هذه الآيات ويقف عليها فيشك في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو أن ينكر ذلك، اللهم إلا إذا كان يعاند ويكابر لغرض دنيء وسافل، إذ هي حجج كالشمس، فهل كان عليه السلام حاضراً منذ أربعة آلاف سنة في مدين؟ وهل كان مع موسى في جبل الطور؟ إذاً فكيف يخبر بهذا الخبر؟ مستحيل إلا أنه وحيٌ أوحاه الله إليه، إذاً فمحمد رسول الله، وويل لمن لا يؤمنون برسالته ولا يعملون بها.

    قال: [ ثانياً: بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم جاءت في أوانها واشتداد الحاجة إليها ]، أي: بعثة النبي صلى الله عليه وسلم جاءت في وقتها اللازم لها، لم؟ لأن الديانات قد فسدت كلها، سواء كانت مجوسية أو يهودية أو نصرانية، بل وهبطت البشرية كلها في الشرك والكفر والفساد، وبالتالي كانت رسالته ضرورية ملحة، ودل على هذا قوله تعالى: فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ [القصص:45].

    قال: [ ثالثاً: البعثة المحمدية كانت عبارة عن رحمة إلهية رحم الله بها العالمين ]، أي: البعثة المحمدية أو إرسال الله رسوله محمداً والله لرحمة إلهية للبشرية جمعاء، فمن آمن واستقام رحمه الله وأكرمه وأسعده في الدنيا والآخرة، ومن استنكف وتكبر ورفض والعياذ بالله فهو أشقى الخلق وفي جهنم يخلد.

    قال: [ رابعاً: جواب (لولا) في قوله: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ [القصص:47]، محذوف وقد ذكرناه وهو: لعاجلناهم بالعقوبة ولما أرسلناك إليهم رسولاً ]، أي: لعاجلناهم بالعقوبة، ولكن رحمة الله عز وجل أمهلتهم حتى بعث فيهم رسوله صلى الله عليه وسلم.