إسلام ويب

تفسير سورة الصافات (9)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما أعرض قوم إبراهيم عن دعوته أعلن لهم المبدأ، وأظهر المفاصلة بين منهج الحق ومنهج الباطل، فأكرمه الله عز وجل بأن اتخذه خليلاً، وجعل في ذريته النبوة، فرزقه إسماعيل وإسحاق، ومن بعد إسحاق يعقوب، وجعل من ذرية يعقوب الأسباط، فصار بحق أبا الأنبياء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات:99-113].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات:99]، القائل يرحمكم الله هو إبراهيم عليه السلام، وهذا الله تعالى يخبر عنه بما قال. وقد قال إبراهيم هذه القولة لما حكم عليه بالإعدام، ونجاه الله وخلصه من ظلم الظالمين، وعزم على الهجرة والخروج من ديار بابل.. من أرض العراق متجهاً إلى الشام، فقال هذه الجملة: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات:99]. وقد علمتم أن هذه الهجرة لم تسبقها هجرة قط، فأول هجرة هي هجرة إبراهيم من بابل بالعراق إلى أرض القدس والشام، فقال: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات:99]. واستجاب الله له وهداه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (رب هب لي من الصالحين)

    قال تعالى حاكياً أن إبراهيم دعا ربه قائلاً: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات:100]. فسأل ربه أن يرزقه ولداً صالحاً. وقد سأل هذا السؤال لما دخل أرض القدس وخرج منها إلى أرض مصر مع زوجته سارة عليها السلام، ثم إن ملك مصر وهب زوجة إبراهيم هاجر، فلما تجلت له حقائق نبوة إبراهيم وسلامة حاله ما كان منه إلا أن قال: سرحوا هذه الفتاة وأعطوها كذا وكذا، وأعطاها جارية تخدمها. فلما دخل إبراهيم عليه السلام أرض مصر ومعه زوجته سارة سمع بها المغرضون، فذهبوا إلى الملك وقالوا: توجد فتاة جديدة جميلة، وهي في خير ما يكون، فأنت أولى بها، فقال: ائتوني بها. فالخليل إبراهيم لما عرف أنهم سيأخذونها منه قال لها: يا سارة ! إذا سألك من أنا فقولي: أخي، وإنه لا يوجد على هذه الأرض من مؤمنين إلا أنا وأنت، فنحن إخوة في الإيمان والإسلام. فذهبوا بها إلى الملك، فوضعها إلى جنبه؛ ليداعبها ويضاحكها كما هي عادة الإنسان مع امرأته، وكان كلما وضع يده عليها تيبس يده، أي: تصاب بالشلل الفوري، ووقع له هذا ثلاث أو أربع مرات، فقال: أخرجوها عني، فهي لا تليق بي، وسنعوها، وهي كما يقول أهل الحجاز أي: أعطوها جوائز. ومن جملة ما أعطاها جارية تخدمها، وهي هاجر أم إسماعيل.

    فهنا دعا إبراهيم ربه فقال: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات:100]. فحملت هاجر بإسماعيل. وكان هذا استجابة لدعوته لله. فلما حملت ووضعته في ديار الشام أو في القدس أخذت سارة الغيرة النسائية؛ لأن هذه الخادمة تلد وهي الحرة ما تلد. وتجلى ذلك وظهر في وجهها وكلامها لإبراهيم، فما كان منه إلا أن عزم أن يبعد عنها هاجر وطفلها بإذن الله تعالى ووحيه. فأخذ هاجر وطفلها إسماعيل إلى أرض الكعبة .. إلى بيت الله .. إلى مكة المكرمة، ويومها كانت وادياً وجبالاً، وليس فيها أحد، وكان البيت عبارة عن كوم من تراب فقط، وكانت قد انهدمت من قرون. فأسكنها مع ولدها هناك بعد أن استجاب الله له في قوله: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات:100].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فبشرناه بغلام حليم)

    قال تعالى: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ [الصافات:101]. ألا وهو إسماعيل. وقولي: وهو إسماعيل فيه خلاف كبير. فهناك من سلم وفوض وقال: ما نجزم هل هو إسماعيل أو إسحاق. ومن غريب ما أخذناه عن شيخنا ابن جرير الطبري وهو عمدة التفسير: أنه رجّح أن يكون إسحاق وليس إسماعيل، ولا عجب، فهذا شأن الإنسان، فقد يضعف.

    والحقيقة التي لا يمكن أن تنكر هي: أنه إسماعيل؛ بدليل ذبحه في منى كما سيأتي. وإسحاق ولد في الشام، والوادي الأمين ليس في الشام حتى يصح قولهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك)

    قال تعالى: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ [الصافات:102]، وهي تجاوز السنة السابعة إلى العاشرة .. إلى الثانية عشر، وأصبح يستطيع العمل، قَالَ يَا بُنَيَّ [الصافات:102]، أي: إبراهيم قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ [الصافات:102] رؤيا أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات:102]. وقد رأى والله ذلك. فقد رأى في منامه أنه يذبح إسماعيل. فَانظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات:102]؟ فاستشاره وقال له: أي أمر تراه يا غلام؟! قَالَ يَا أَبَتِ [الصافات:102]. فإبراهيم قال لإسماعيل: انظر ماذا ترى أنت؟ فأنا رأيت في منامي أني أذبحك، وأنت انظر ماذا ترى من الرشد في هذا الموضوع؟ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102]. وهذه كلمة إسماعيل، أي: افعل ما يأمرك الله به؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي، وتقوم مقام الوحي. فقال له إسماعيل: افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ [الصافات:102]، أي: ما يأمرك الله به. سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102]. وهذا هو الفداء، فقد قدم نفسه لله، وما قال: كيف يا أبت! تفعل هذا، ولا هرب، ولا اشتكاه، بل قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102]. وكان كذلك.

    وهذه الرؤيا رآها ليلة ثمان من شهر ذي الحجة، أي: في يوم التروية، وفي اليوم التاسع خرج به إلى منى، وهو يوم عرفة، وهو اليوم الذي عرف أن الرؤيا معناها حق، وأنه أمر بذبح إسماعيل. واليوم العاشر هو يوم الذبح ويوم النحر. فهذه ثلاثة أيام، يوم التروية يوم الثامن، وعرفة يوم التاسع، والنحر يوم العاشر يوم العيد.

    ويدل على هذا ويقرره: أن إبليس عليه لعائن الله وقف في الطريق عند جمرة العقبة، ولامه وعاتبه وقال له: كيف تذبح طفلك؟ فرماه بحجارة ومشى إلى الجمرة الوسطى، فوجد إبليس واقفاً هناك، فقال له: يا إبراهيم! يا خليل الرحمن! كيف تفعل هذا؟ ومن يأذن لك في هذا؟ فرماه بسبع حصيات، ومشى إلى الجمرة الصغرى وثم لعنه أيضاً وما لقاه، ثم تقدم إلى المكان حيث المسجد، وأراد ذبح إسماعيل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين)

    قال تعالى مبيناً كيف أراد إبراهيم أن يذبح ولده إسماعيل: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات:103]. والجبين هذه الجهة أو هذه الجهة بين الجبهتين. وهذا بعد أن قال له إسماعيل ما حكاه تعالى عنه بقوله: قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102].

    وقوله: فَلَمَّا أَسْلَمَا [الصافات:103]، أي: قلبيهما -أي: إبراهيم وإسماعيل- وأمريهما لله، وأطاعا الله وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات:103]، أي: صرعه عن جبينه على الأرض. هذا معنى قوله تعالى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات:103]. وكانت المدية في يده، وقبل أن يضعها على حلق إسماعيل ناداه مناد: اترك هذا وخذ هذا. وإذا بكبش أملح عظيم بيد جبريل، وهو يقول: اترك هذا وخذ هذا، كما قال تعالى: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:107]. ففدى الله تعالى إسماعيل بهذا الذبح العظيم، وهذا من منح الله وعطاياه، وإفضالاته على عبيده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين)

    قال تعالى: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ [الصافات:104]! أي: قلنا: يا إبراهيم! قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا [الصافات:105] التي رأيتها ونفذتها. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات:105]. فقد صدّق الرؤيا كاملة يوم العيد يوم العاشر، فقد جاء به وطرحه على الأرض ليذبحه؛ استجابة لأمر الله.

    وقوله: إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات:105]، أي: كما جزيناك وأبعدنا عنك هذا الألم وهذا الهم والغم بذبح ولدك نجزي المحسنين دائماً وأبداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم)

    قال تعالى: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ [الصافات:106]. وهذا صحيح، فليس هناك امتحان أكثر من هذا، ولا بلاء أعظم من هذا، وهي أن يأمرك الله أن تذبح طفلك. وهذا مع رقة قلب إبراهيم ورحمته، وهو ما سمي بالأب الرحيم إلا لرحمته. ومع هذا امتحنه الله بأعظم محنة، وهي أن يذبح ولده، ولو كان رضيعاً فقد يسهل هذا، لا أن يكون في السابعة أو العاشرة من عمره، وهو يعمل معه ويسعى معه.

    وينبغي لنا وعلينا أن نقتدي بإبراهيم، ونسلم أمرنا لله، فإذا أمرني بطلاق زوجتي أطلقها، وإذا أمرني بتزويج ولدي أزوجه، وإذا أمرني بفعل كذا أفعل، كما فعل إبراهيم عندما أُمر بذبح ولده. وقد قال تعالى: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:106-107].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم)

    قال تعالى: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الصافات:108-109]. فكل من جاء من بعد إبراهيم يسلم عليه، ويصلي عليه، ولا يلومه ولا يسبه ولا يستمه، لا يهود ولا نصارى، ولا مجوس ولا غيرهم. وهذا كما كان السلام على نوح فيما تقدم. وقال هنا: سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الصافات:109].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذلك نجزي المحسنين)

    قال تعالى: كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات:110]، أي: كهذا الجزاء الذي جازينا إبراهيم فأصبح ذكرى للعالمين، بحيث ما يذكر إبراهيم إلا يقال: عليه السلام، كما قال تعالى: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ [الصافات:108]، أي: من بعده من الأمم، سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الصافات:109]. ثم قال تعالى: كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات:110] اليوم أيضاً. فمن أصلح عقيدته وطهرها وجعل قلبه لله وسخر جوارحه لله وعمل العمل بإحسان وأحسن العبادة إلا والله يتولاه ويحفظه، ويكلؤه ولا يسلمه لأعدائه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنه من عبادنا المؤمنين)

    قال تعالى معللاً قوله: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الصافات:108-109]، فقال: إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [الصافات:111]. فهنيئاً لعباد الله المؤمنين. فقولوا: نحن مؤمنون. اللهم اجعلنا مؤمنين بصدق وحق يا رب العالمين! وارزقنا الإحسان يا حي يا قيوم! حتى نكون من المحسنين في عباداتنا لله رب العالمين. فنحسن الصدقة إذا تصدقنا، ونحسن القول إذا قلنا، ونحسن المشي إذا مشينا، ونحسن حتى الأكل إذا أكلنا. وليكن حالنا دائماً في إحسان؛ لأن الله هكذا يقول: نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات:110].

    وقوله: إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [الصافات:111]، أي: الكمّل في إيمانهم. فهو من عبادنا المؤمنين البالغين الغاية في الإيمان. اللهم اجعلنا منهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين)

    قال تعالى: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات:112]. وقد كان التبشير بعد إسماعيل. فلا نقول إذاً: إن الذبيح هو إسحاق. واليهود إلى اليوم يقولون: ليس هو إسماعيل، بل هو إسحاق فقط. وهم يقولون: إسحاق لأنه جدهم، وإسماعيل ليس جدهم.

    والغريب في ابن جرير رحمه الله أنه فضّل هذا على ذاك. وبعض أهل العلم قالوا: ما نستطيع هذا، ونفوض الأمر لله. ونحن والله مقتنعون اقتناعاً كاملاً أنه إسماعيل، وقد بشر الله إبراهيم بإسحاق بعد هذه الحادثة، فقد جاءت حادثة إهلاك قوم لوط، وجاء الوفد المكون من جبريل وميكائيل وإسرافيل إلى إبراهيم وهم في طريقهم إلى أرض قوم لوط لتدميرها، وبشروه هناك بإسحاق، وامرأته كانت عجوزاً، فقالت: أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ [هود:72]؟ وإن هذا بعلي، فكيف نلد؟! وذلك بعدما تجاوز إبراهيم الثمانين. وهذا فيه دلالة قطعية كاملة. فهي قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا [هود:72]؟! فكيف نلد؟! ومع هذا أكرمه الله لما ذل لله وخضع له، وسلّم له بذبح إسماعيل، فأعطاه الله كرامة أخرى، فوهبه إسحاق، الذي هو أبو الأنبياء من بعده. فقال هنا: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات:112]. وقد كان هذا بعد محنة إسماعيل وذبحه بسنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين)

    قال تعالى: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ [الصافات:113]. فالأنبياء من بعد إبراهيم كلهم أولاد إسحاق، موسى وعيسى وسليمان، وكل الأنبياء، كما قال تعالى: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ [الصافات:113]. وولده الذي ولد يعقوب. وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ [الصافات:113]، أي: مؤمن صادق، وَظَالِمٌ [الصافات:113]، أي: مشرك كافر كاليهود والنصارى. وهذه سنة الله عز وجل.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات:

    [ من هداية ] هذه [ الآيات:

    أولاً: فضل الهجرة في سبيل الله، وأن أول هجرة كانت في الأرض هي هجرة إبراهيم من العراق إلى الشام ] فمن هداية هذه الآيات التي تدارسناها: أن الهجرة من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله، وأن الله عز وجل يسرها لإبراهيم وسارة زوجته ولوط ابن أخيه، وكانت أول هجرة في العالم. وبالأمس قلت لكم: أي مؤمن يجد نفسه في مدينة .. في قرية .. في جبل .. في منزل .. في بيت ما يستطيع أن يعبد الله فيه فيجب عليه أن يهاجر، ويذهب إلى مكان آخر يعبد الله فيه. فافهموا هذا. فأي مؤمن وجد نفسه في دار .. في عمارة .. في مدينة .. في قرية لا يمكنه فيها أن يعبد الله تعالى فيها؛ للضغوط والمعارضة وغير ذلك إلا ويجب عليه أن يهجر ذلك المكان ويتركه، وينزل في مكان آخر، ولو في رءوس الجبال؛ من أجل أن يعبد الله؛ لأن علة وجوده وسر حياته أن يعبد الله، ووالله ما خلقه الله ولا رزقه ولا خلق هذا الكون إلا ليعبده. فإذا تعطلت العبادة لم يبق شيء، وهذا الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون هاجروا من مكة بعد أن منعوهم من الصلاة، وضحكوا منهم، وسخروا منهم، وحاولوا قتلهم، فشرع الله لهم الهجرة، وفرضها عليهم، فهاجروا، وتركوا مكة وخرجوا إلى المدينة وإلى غيرها، فقد خرجوا من مكة وذهبوا إلى الأحباش؛ لأنهم وجدوا هناك من يسمح لهم بالعبادة.

    فلا يحل لك يا عبد الله! أن تبقى في مكان لا تستطيع أن تعبد الله فيه، إلا إذا كنت عاجزاً، أو كنت امرأة، فالمرأة والضعيف والعاجز مغلوبون، فهم غير مسئولين، حتى يقويهم الله عز وجل.

    [ ثانياً: بيان أن الذبيح هو إسماعيل، وليس هو إسحاق، كما يقول البعض، وكما يدعي اليهود ] فمن هذه الآيات التي تدارسناها: أنها والله تقرر أن الذبيح هو إسماعيل، وليس بإسحاق كما يقول اليهود أو يقول بعض العلماء. وقد سمعتم تلاوتها، وكيفية الأحداث فيها حدث بعد حدث. فإسحاق لم يكن في مكة ولا منى ولا عند الجمرات.

    قال الشيخ في النهر: [ ضعف القرطبي رواية الرجل الذي نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: ( يا ابن الذبيحين )! فضحك صلى الله عليه وسلم. فلا أرى وجها صحيحاً لتضعيفها؛ إذ صح أن الذبيح الأول هو إسماعيل، والثاني عبد الله الوالد؛ إذ كل منهما ذبح، والله فداه. ولله الحمد والمنة ] فهذا الحديث القرطبي يضعفه، ووالله ما هو بضعيف، ووالله إنه لحق. فهو ابن الذبيحين، فـعبد الله والد الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد حكم والده عليه بالذبح، عندما نذره نذراً لله ليذبحه، وذلك لما سأل الله أن يعينه على بناء البيت بعد ما هدمته السيول، فنذر لله إذا تم أن يذبح له ولده عبد الله ، ونجاه الله عز وجل. هذا الذبيح الثاني، والأول هو إسماعيل، وإسماعيل هو جد محمد صلى الله عليه وسلم.

    ففي هذا تقرير على أن المراد بالذبيح إسماعيل، وليس بإسحاق كما يقول اليهود.

    [ ثالثاً: وجوب بر الوالدين وطاعتهما في المعروف ] فهذه الآية تدل دلالة قطعية على أن على المرء أن يبر بوالديه أمه وأبيه، وأن يطيعهما في المعروف، وإسماعيل أطاع والده، ليس في أنه قال: لا تأكل فما أكل، ولا في أنه قال: امش فمشى، بل أطاعه لما قال: سأذبحك؟ فقال: اذبح. هذا بر الوالدين وطاعتهما والإحسان إليهما.

    فاقتد يا عبد الله! بإسماعيل، وقل: رب! أنا عبدك، أطيعك وأطيع والدي الذي أمرتني بطاعته.

    [ رابعاً: فضل إبراهيم وعلو مقامه وكرامته عند ربه ] فإبراهيم هو أبو الأنبياء، ولن يصل إلى مستواه أحد، فقد رفعه الله وأعزه وأكرمه، ويكفي في ذلك قوله تعالى: سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [الصافات:109-111]. فكل هذا في إبراهيم. فمكان إبراهيم ودرجته عالية فوق ما نتصور.

    [ خامساً ] وأخيراً: [ فضل الإحسان وجزاء المحسنين ] فيجب علينا أن نكون من المحسنين، أي: من غير المسيئين. والمحسن محسن والمسيء مسيء. والإحسان كما علمتم يكون بأداء العبادات على الوجه المطلوب، وإتقانها وتجويدها، وأن يأتي بها كما هي. فعلى المرء أن يحسن ولا يسيء إلى أب ولا إلى أخ ولا إلى عم، ولا حتى إلى عدو ولا كافر، بل نعفو ونصفح؛ لقوله تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40].

    والإحسان عام يتناول العبادات بأن تؤدى كما بينها الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتناول كل معروف، وكل خير، وكل فضل في هذه الدنيا. فشعار المؤمن الإحسان لا الإساءة. ومن أساء إليك فاعف عنه واصفح؛ لتكون من المحسنين.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    الآن هيا بنا نصغي ونستمع إلى هذه الآيات مرة ثانية، ونتأمل ما فهمناه منها:

    قال تعالى: وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ [الصافات:99-101]. وقد تجلى لكم حلم إسماعيل. ولو كان غضوباً لسخط ورمى والده بالحجارة وهرب، ولكن الحلم جعله يقول ما ذكره تعالى في قوله: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102]. فهذه سنة عامة. فعلى المؤمن إذا أراد أن يقول: نفعل كذا وكذا فلا بد وأن يقول: إن شاء الله؛ لقوله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24]. فإذا سئلت: متى تمشي إن شاء الله؟ فقل: غداً إن شاء الله. ودائماً اذكر كلمة إن شاء الله. وكما قال تعالى هنا: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102]. وإذا لم يشأ الله فلن تفعل، ولن يقع ذاك الذي تريد. فلا بد من قول هذا الكلام.

    ثم قال تعالى: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات:103-105]. وبالفعل صدقها وجاء بإسماعيل، ووضعه على الأرض؛ ليذبحه. إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ [الصافات:106]، أي: هذا هو البلاء والابتلاء الواضح البين.

    ونحن ابتلانا الله بإخراج الزكاة، وابتلانا الله ببر الوالدين، وابتلانا الله بعدم الظلم. فكل هذه العبادات ابتلاء واضح؛ ليمتحننا هل نحن من أوليائه ومن صالحي عباده، فيكرمنا ويدخلنا الجنة، أم نكون العكس، وندخل النار.

    ثم قال تعالى: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات:107-112]. فإسحاق بعد إسماعيل، وليس قبله. فلما امتحنه وابتلاه وكبر سنه بشره بغلام، وحسبنا قول سارة : أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [هود:72-73]. وهذا قول الملائكة. فنحن جازمون بأن الذبيح والله هو إسماعيل.

    ثم قال تعالى: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات:113]. وهذا هو الواقع. وأولاد إسحاق يعقوب. وأولاده كلهم فيهم المؤمن وفيهم الظالم، وفيهم البار والفاجر إلى اليوم.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.