إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب (9)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أكرم الله عز وجل نساء النبي صلى الله عليه وسلم بصحبته، والاطلاع على تفاصيل حياته وسنته، فكان عليهن واجبات تفوق ما يلزم سائر نساء المسلمين، وبحكم مكانهن من رسول الله أمرهن الله بالقرار في بيوتهن وبعدم التبرج، كما أمرهن بتبليغ ما يحصل في بيوتهن من سنن المصطفى، وما ينزل عليه في بيوتهن من آيات الله، وأن يؤدين فرائض الله عز وجل حتى يذهب الله عنهن الرجس ويطهرهن تطهيراً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن يقنت منكن لله ورسوله نؤتها أجرها مرتين ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [الأحزاب:31-34].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ [الأحزاب:31] الآية، هذا قول ربنا عز وجل موجه لزوجات الرسول التسع اللائي عرفناهن بالأمس واحدة بعد واحدة، وأولئك النسوة الطاهرات الصالحات كما تقدم خيرهن الله بين الإيمان بالله ورسوله واختيار الدار الآخرة وبين الدنيا وما فيها من شهوات وزخارف، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ففزن فوزاً عظيماً.

    وسبق أن علمنا أن نساء الرسول الكريم اجتمعن في بيت عائشة ، وطلبن منها أن تطالب الرسول بأن يوسع عليهن الرزق كما هي حال الأنصار والمهاجرين، وأن عائشة عرضت ذلك على الرسول، وأن الرسول اكتأب لذلك وكرب، واعتزل نساءه شهراً كاملاً؛ لعجزه عن مطالبة نسائه، ثم أنزل الله آية التخيير، وهي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:28-29]. فلما استجبن لله والرسول واخترن الآخرة عن الدنيا قال تعالى لهن: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ [الأحزاب:31] أولاً وَتَعْمَلْ صَالِحًا [الأحزاب:31] ثانياً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ [الأحزاب:31].

    وقوله تعالى: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ [الأحزاب:31] يا معشر نساء الرسول التسع! لِلَّهِ وَرَسُولِهِ [الأحزاب:31]. والقنوت هو الطاعة مع خشوع وخضوع، و وَتَعْمَلْ صَالِحًا [الأحزاب:31]، أي: النوافل بعد الفرائض، نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ [الأحزاب:31]، أي: مضاعفاً؛ لأن منزلتها عالية، ومقامها سامٍ، وهي لم تعد كباقي النساء بعد أن اختارت الله والدار الآخرة، فإذاً: يضاعف لها الله تعالى الأجر مرتين، ولم يحصل هذا لغير نساء الرسول صلى الله عليه وسلم. فقد قال تعالى عنهن: نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا [الأحزاب:31]، أي: أحضرنا وهيأنا لها في الجنة رزقاً كريماً، ألا وهو نعيم الجنة وما فيها. وهذه بشرى عظيمة فاز بها أولئك الصالحات الطاهرات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن ...)

    قال تعالى لنساء النبي: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ [الأحزاب:32]! وهذا النداء يساوي الدنيا وما فيها، فالله يناديهن بهذا اللقب، فقال لهن: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب:32]. فأنتن أفضل النساء على الإطلاق على شرط أن تتقين الله عز وجل، فقال لهن: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب:32]. وهذه الحقيقة لا ننساها، وهي أن ولاية الله للعبد متوقفة بعد الإيمان على تقوى الرحمن.

    فيا عباد الله! اتقوا الله. وزوجات الرسول الساميات الشريفات المنعم عليهن بهذا الإنعام الإلهي يقول لهن: إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب:32]. أما إن لم تتقين الله بأن تتركن واجباته أو تغشين محرماته فلن تسعين إلى مقامٍ سامٍ، ولا حتى جنة ولا نعيم مقيم، بل إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب:32]. فهيا نتق الله عز وجل، وذلك: بأن نعرف أوامر الله التي أمرنا بها من اعتقاد أو قول أو فعل، وأن نعرف منهيات الله ومحرماته من الاعتقادات والأقوال والأعمال، وبعد ذلك نستعين الله عز وجل، ونؤد الواجبات، ونتجنب المحرمات، وإن مرضنا .. وإن سجنا .. وإن ربطنا .. وإن قتلنا، حتى نظفر بولاية الله عز وجل.

    فنساء الرسول اشترط لهن التقوى، فقال تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ [الأحزاب:32]، أي: أنتن أشرف وأفضل وأعظم بشرط أن تتقين الله عز وجل بفعل أوامره وترك نواهيه. وبناءً على ذلك فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب:32]. وهذه تعاليم الله لأزواج الرسول، وهي لكل مؤمنة في هذه الحياة، فلا يحل لمؤمنة أن تخضع في القول وتلين فيه وترققه مع الأجنبي. والكثير منهن اليوم عندما يدق عليها الجرس تقول: مين؟ وهذا هو اللين في القول. وقد سمعنا هذا بآذاننا من الغافلات الجاهلات من النساء، وتميلها وترققها وتلينها؛ لتفتن الذي تكلم معها، قد يكون مريضاً بالشهوة، فيفتن والعياذ بالله، وقد يكون منافقاً، وقد يكون ضعيف الإيمان. ولابد من وجود هذه الحالات.

    وقوله تعالى: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ [الأحزاب:32]، هو لينه وترقيقه، فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32]. وليس هذا مرض القلب المعروف في المستشفيات، بل هذا مرض الشهوة ومرض النفاق، ومرض الكبر ومرض حب الدنيا والشهوات. هذا هو المرض في ذلك الحال. وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب:32]. فإذا دق الباب فتقول من؟ فإذا قال: خالد وسأل: أين زوجك؟ .. أين ابنك؟ .. أين فلان؟ فتقول: في المنزل .. في البيت .. في المسجد .. في السوق، ولا تزيد كلمة أخرى، وإذا قال: هذا بيت فلان؟ فتقول: نعم، فقط، ولا تقل: نعم بيت فلان، وتزيد عبارة أخرى. وليس إذا سئلت: أين فلان؟ تقول: أظنه في المسجد، عفواً قد يكون الآن خرج من المسجد، والغالب أنه يكون في كذا وكذا. فوالله لا يجوز أن تتكلم معه. بل كما قال تعالى: وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب:32]. فإذا سئلت: أين هو؟ فتقول: في السوق ويكفي، ولا تزيد أظنه في السوق، أو قد يكون في كذا وكذا، أو أحسبه يجلس في كذا. والقول المعروف هو الذي يتم الغرض، ويكون بالجار والمجرور، وليس جملة كاملة، ولا بالعطف عليها، ولا بالنعوت.

    إذاً: قوله تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ [الأحزاب:32] بشرط إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب:32]. ويا نساء المؤمنات! اللائي يسمعن الدرس في المسجد النبوي لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب:32]. فلستن كالعواهر والفاجرات والكافرات والضالات إن اتقيتن الله عز وجل بفعل ما أوجب فعله، وترك ما أوجب تركه. وإذا سأل إحداكن سائل في الهاتف أو في الباب فتقول قولة واحدة معروفة، ولا تلين العبارة، ولا ترقق اللفظة، ولا تختار كلمات عالية ولا سامية، ولا تعطف عليها ولا تزيد عليها، بل كلمة واحدة فقط، فإذا قال لها: من أنت؟ فتقول: فلانة، وإذا قال لها: أين فلان؟ فتقول: في المكان الفلاني. وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب:32].

    ما أحوج نساء اليوم إلى هذا، فإذا كان نساء الرسول أمهات المؤمنين المحرمات على كل مؤمن ومؤمنة يؤمرن بهذا الأمر، ويلتزمن بهذا الالتزام فباقي النساء من باب أولى.

    وهنا ملحوظة أيضاً في هذا الباب، وهي: أنه شكا أناس من الذين يحملون في جيوبهم هواتف ويتكلمون بها في المسجد، وقالوا: أقلقونا أزعجونا، ولا ينبغي هذا، فإذا دخلت المسجد فأغلق هذا الجهاز، أو لا تدخله المسجد، وبعضهم سمعوا بعضهم يتكلم وهو يصلي، فصلاته باطلة، وبعضهم رأوهم وهم يطوفون ويتكلمون، وهذا لا يجوز. ويجب أن نشكر الله على النعمة لا نكفر بها، وإذا أنعم الله علينا بهذه النعمة فنستعملها في أوقاتها التي ننتفع بها ولا نتضرر بها، وأما أن نضر بها غيرنا فهذا لا يجوز أبداً.

    وقوله: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32]، أي: مرض الشهوة، والعياذ بالله. وَقُلْنَ [الأحزاب:32] إذا تكلمتن قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب:32] محدوداً، ليس فيه رقة ولا لين، ولا عطف ولا تكرار ولا تأكيد أبداً. وكما قلت لكم ما تقول: مين؟ وتميلها، بل إذا قال: أين فلان؟ فتقول: في البيت .. في المنزل .. في السوق .. في المكان الفلاني، وإذا قال: كيف حاله؟ فتقول: بخير، ولا تزيد على هذه الكلمة، وإذا قال: أين يوجد؟ فلا تقول: إن شاء الله يوجد في كذا، بل تقول: يوجد في كذا، كما قال تعالى: وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب:32]. ولا يزدن عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ...)

    قال تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33] لا تخرجن منها إلا من ضرورة تستدعي الخروج، فالمستقر الحقيقي للمرأة المسلمة بيتها، وهو منزلها أو قصرها أو دارها، فهو نعيمها، فلا تخرج منه إلا من ضرورة.

    وقوله: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33]، من القرار الذي هو الاستقرار في البيت وعدم الخروج، وإن فرضنا أن دعت الحاجة المرأة أن تخرج واستدعت الحاجة الخروج فلا تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، ولا تلبس أحسن ثيابها، ولا تتغنج ولا تتمايل في مشيتها، ولا تتكلم وهي في الشارع مع الناس، ولا تكشف محاسنها، بل تلف نفسها في لفافة سوداء، وتخرج لحاجتها وتعود. وأما أن تتبرج تبرج الجاهلية الأولى والعياذ بالله فيا ويلها.

    وتبرج الجاهلية الأولى كان قبل الإسلام، وقبل أن ينزل القرآن والحجاب، فقد كانت المرأة تمشي عارية في الشوارع. وسبحان الله!

    وهنا لطيفة في قوله: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33]، فمعنى هذا: أنه سيأتي تبرج الآخرة. والآن ظهر التبرج في أوروبا، فالمرأة تمشي عارية، والعياذ بالله!

    وهكذا يربي تعالى نساء رسوله وكل المؤمنات إلى يوم القيامة، فهو يقول لهن: وقرن يا نساء المؤمنين! والزمن البيوت، ولا تخرجن من البيوت إلا من ضرورة ومن حاجة تستوجب الخروج، وإذا خرجت المرأة فلا تتبرج ولا تتكشف، ولا تخرج باللباس الجميل وأنواع الحلي وما إلى ذلك، ولا تكشف عن الوجه، ولا تتكلم وتتحدث في الشارع كما تفعل الجاهليات.

    وقوله: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33]، معناه: ستأتي جاهلية ثانية. وقد جاءت أبشع من الأولى. واختلف في هذه الأولى، فقيل: ما بين إدريس ونوح، وقيل: ما بين نوح وآدم، وقيل: ما بين نوح وموسى، وقيل غير ذلك. وهذا كله اجتهادات فقط، والمقصود: أنه ما كان قبل الإسلام. وهذا التبرج كانت تخرج فيه المرأة كاشفة عن وجهها .. عن جسمها شبه عارية.

    ثم قال تعالى: وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ [الأحزاب:33]. فيا نساء المؤمنين! أقمن الصلاة، وأدينها أداءً سليماً صحيحاً، أولاً: بالطهارة اللازمة، وثانياً: في وقتها المعين لها، وثالثاً: بأداء أركانها وواجباتها، وسننها وآدابها كاملة، وأخيراً: بالخشوع فيها، وسيلان الدموع. هذا إقام الصلاة.

    ثم قال تعالى: وَآتِينَ الزَّكَاةَ [الأحزاب:33]. فمن وجبت عليها الزكاة تعطيها وتخرجها لمن يستحقها؛ لأنها مؤمنة.

    ثم قال تعالى: وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:33] في كل أمر، وفي كل نهي، في الواجبات والمستحبات، وفي الفرائض والنوافل، وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:33] صلى الله عليه وسلم. وكل مؤمنة ككل مؤمن يجب أن يطيع الله ورسوله، ويطيع الله ورسوله في أوامره بالفعل، ونواهيه بالترك فقط.

    وقد بينا أنه لابد من معرفة الأوامر والنواهي، هذا لن يتم لك إلا بالعلم، وحضور حلق الذكر وسؤال العلماء، وقد قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]. والذي لا يعرف أوامر الله ما يؤديها كلها؛ لأنه ما يعرفها، والذي ما يعرف مناهي الله لا يجتنبها كلها، فلابد من العلم.

    وطلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وهو لا يحتاج إلى القلم والكتاب والقرطاس أبداً، بل يحتاج إلى السؤال فقط، كما قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]. وما من إنسان يسأل عالم عن مسألة تحل أو لا تحل إلا ويفتيه، فإن قال: لا تحل فهي لا تحل أبداً، وإن قال: تحل فتحل له.

    معنى قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ...)

    قال تعالى: إِنَّمَا [الأحزاب:33] بهذه التكاليف والأوامر يُرِيدُ اللَّهُ [الأحزاب:33] بهذا الذي أمركن به لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب:33]، أي: ليذهب عنكم الدنس والوسخ، والرجس والإثم، وهكذا تصبحن طاهرات في أعلى المقامات وأسمى المنازل. فإنما يريد الله بهذه التكاليف وهذه الأوامر لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ [الأحزاب:33]. والرجس: النجس والوسخ، والدنس والإثم، وكل باطل. وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33] كاملاً، لا نظير له. ووالله ما أصبحت امرأة تساوي نساء الرسول قط إلى يوم القيامة، والآية الكريمة صحيحة الدلالة وواضحة المعنى في نساء الرسول.

    والروافض قالوا: هذا خاص بـعلي وفاطمة والحسين . وهذا خطأ فاحش. فالآية في خطاب نساء الرسول، ولما كان بينهم علي والحسن والحسين جاء بالعبارة الدالة على الذكور والإناث، فقال: أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب:33].

    والرسول صلى الله عليه وسلم لما جاءه أهل نجران يجادلونه قال: ( تعالوا نتباهل، وجمع فاطمة والحسن والحسين وعلي في لفافة وجاء بهم، وقال: هؤلاء نسائي وأولادي، هاتوا ما عندكم، ثم العنوا وقولوا: اللهم العن الكاذب منا ). فخافوا وهربوا. هذه هي المباهلة. وأما الآية فالصحيح أنها تشمل آل البيت أجمعين، وعلى رأسهم أزواجه وعلي وفاطمة والحسن والحسين .

    وفي قوله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ [الأحزاب:33]، فقولوا: اللهم اذهب عنا الرجس يا رب العالمين! فلا نتورط في إثم من الآثام، ولا ذنب من الذنوب يا حي يا قيوم! .. يا رب العالمين!

    وفي قوله: وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33]، قولوا: اللهم طهرنا من الذنوب تطهيراً عظيماً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ...)

    قال تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34]. فيا نساء النبي! اذكرن ولا تنسين ما يتلى في بيوتكن من آيات الله من القرآن العظيم، ومن الحكمة وهي السنة النبوية. ونحن يجب أن تكون بيوتنا كهذه البيوت، فلا يخلو بيت المؤمن من قال الله وقال رسوله أبداً وطول العام، ولا تخلو بيوتنا من الكتاب والسنة. وهناك الآن إذاعة القرآن، فافتحها طول النهار وطول الليل، فكلها قال الله ورسوله؛ حتى تتلى في بيوتنا. فلنذكر هذا ولا ننساه.

    وقوله: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ [الأحزاب:34]، أي القرآن، وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34] أي: السنة النبوية.

    وأقول: إذاعة القرآن آية من آيات الله، وجزى الله المحسنين الذين دعوا إليها حتى كانت، وجزى الله الذين يقومون عليها ويحفظونها. فيجب على كل مؤمن أن يفتحها طول النهار في بيته ولا يغلقها؛ ليسمع كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألا تكون عندنا إذاعة أخرى، ولا شاشة تلفاز ولا فيديو، ولا غير ذلك. فإذاعة القرآن قد سخرها الله، تتلو كتاب الله وسنة رسوله طول النهار، فلا تهجرها يا عبد الله! فقد قال تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:34]. فلنسمع ما يقرأ علينا من القرآن والسنة في بيوتنا.

    ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [الأحزاب:34]. فاللهم يا لطيف! يا خبير! الطف بنا وبالمؤمنين والمؤمنات، اللهم أصلح شأننا، اللهم زك نفوسنا، اللهم طهر قلوبنا، اللهم أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    الآن مع هداية الآيات.

    قال: [ هداية هذه الآيات ] التي درسناها وتدارسناها:

    [ أولاً: لا شرف ] يكون للعبد [ إلا بالتقوى، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] ] فلا سعادة ولا كمال ولا طهر ولا صفاء ولا ولاية لله عز وجل إلا بالتقوى. والتقوى ليست أكل البقلاوة، ولا الرز واللحم، وليست الأغاني والمزامير، بل التقوى يرحمكم الله أن تخاف الله وترتعد فرائصك منه، فلا تعصيه فيما أوجب من قول أو عمل، ولا فيما نهى وحرم أن تقول أو تعمل. فتلك هي التقوى، ولا شرف بدونها أبداً. وأزواج الرسول شريفات وأسمى المخلوقات، ومع هذا اشترط عليهن أن يتقين الله عز وجل.

    [ ثانياً: بيان فضل نساء النبي وشرفهن ] وقد علمنا أنه توفي على تسع منهن، وخديجة ماتت في مكة قبل هجرته، وبعض نسائه متن كذلك في حياته.

    [ ثالثاً: حرمة ترقيق المرأة صوتها وتليين عباراتها إذا تكلمت مع الأجنبي ] فاسمعن يا نساء المؤمنات! واسمعوا أيها الفحول! لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ترفع صوتها أو تكرر عبارتها، أو تلين اللفظ وترقق الكلمة، فهذا حرام، ولا يحل أبداً. وقد بينت لكم أنه إذا قرع الباب لا تقول: مين؟ فإذا سئلت: أين إبراهيم؟ فتقول: في المسجد، جار ومجرور، كلمة واحدة، ولا تعطف عليها، ولا تزيد أخرى، ولا تقول: أظنه في كذا، أو أحسبه كذا، أو عفواً كذا. فإذا فعلت هذا فإنها تريد أن ترقق قلبه وتفتنه بشهوتها.

    [ رابعاً: وجوب بقاء النساء في منازلهن، ولا يخرجن إلا من حاجة لا بد منها ] وقد كان معنا مسعود رحمة الله عليه جالسنا في هذه الحلقة سنين، وقد سكن عند باب المجيدي أربعين سنة، وقال: ما خرجت امرأتي مرة واحدة مدة أربعين سنة. وقد قال تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33]. فالمرأة لا تخرج إلا من ضرورة لابد منها، وتخرج متلففة في زيها الأسود، ولا تكشف عن وجهها ولا عن يديها، ولا تتغنج ولا تتكسر، ولا تلبس هذا الكعب الطويل، وتتمايل بين الناس، فكل هذا حرام، ولا يجوز أبداً، بل هذا تبرج الجاهلية الأولى، وقد قال تعالى: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33]. ولا الحالية أيضاً.

    [ خامساً: حرمة التبرج، وهى أن تتزين المرأة وتخرج بادية المحاسن، متبخترة في مشيتها ] فالتبرج حرام على المؤمنات.

    [ سادساً: على المسلم أن يذكر ما شرفه الله به من الإيمان والإسلام؛ ليترفع عن الدنايا والرذائل ] فعلينا معاشر المستمعين والمستمعات! ألا ننسى فضل الله علينا بالإسلام والإيمان، فقد جعلنا الله مؤمنين مسلمين صالحين؛ لنذكر الله ونشكره على هذه النعمة، ولا ننساها. وإن أحدنا يزن ما على الأرض كاملاً من الكفار. فهذا الإنعام الإلهي والإفضال الإلهي يجب أن لا ننساه، وأن نحمد الله عليه ونشكره، وأن نواظب على طاعة الله ورسوله حتى نلقاهما.

    [ سابعاً: بيان أن الحكمة هي السنة النبوية الصحيحة ] فالقرآن هو كتاب الله وكلام الله، وأحاديث الرسول وفعله وقوله وتقرير سنته تسمى الحكمة، كما قال تعالى: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]. فالحكمة هي السنة النبوية؛ لأنها لا تخطئ أبداً الإحكام.

    [ ثامناً ] وأخيراً: [ الإشارة إلى وجود جاهلية ثانية، وقد ظهرت منذ نصف قرن، وهى تبرج النساء بالكشف عن الرأس والصدور والسيقان، وحتى الأفخاذ ] وقد ذكرت لكم غير ما مرة: أنه من قبل سبعين سنة كان يأتي الحاكم الفرنسي يزور القرية وتأتي معه امرأته ونحن أطفال، ووالله على وجهها خمار أسود كامرأتي الليلة. ثم ما إن انتشرت الشيوعية بيد الماسونية والعياذ بالله تعالى حتى مسخ النساء، وتركن الحجاب في أوروبا أبداً، والآن هبطن، ولم يتركن الحجاب فقط، بل من الركبتين إلى الأرض لا يوجد ستار أبداً، بل كشف كامل. وهذا كله من صنيع اليهود؛ ليمسخوا البشرية مسخاً.