إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أمة الإسلام أمة مرحومة، اختار الله لها أفضل كتبه، وأرسل إليها خير رسله محمداً صلى الله عليه وسلم، وجعله لهم قدوة ومعلماً، وهادياً إلى ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال والأخلاق، فكان أن تخرج من مدرسته رجال أفذاذ صدقوه فيما قال، ونصروه بالروح والمال، فقاتلوا أعداءه وأثخنوا فيهم، حتى رد الله كيدهم لم ينالوا خيراً وكفى المؤمنين القتال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [الأحزاب:20-25].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! تذكرون أن هناك غزوة عظيمة تسمى بغزوة الخندق وبغزوة الأحزاب. وهذه الآيات وما تقدمها وما يأتي هي في سياق بيان أحداث تلك الغزوة العظيمة. فهيا بني نصغي ونسمع ما جرى وما يجري فيها.

    قال تعالى: يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ [الأحزاب:20]. والذين يحسبون الأحزاب لم يذهبوا المنافقون وضعاف الإيمان. والمراد من الأحزاب غطفان وأسد من الشمال، ومكة وقريش وكنانة من الغرب. وهذه الأحزاب تجمعت للقضاء على الإسلام نهائياً.

    وسبب غزوة الأحزاب هو: أن حيي بن أخطب اليهودي لما هزم الله اليهود وأجلاهم عن المدينة -وهم بنو النضير- نزلوا بخيبر، فأخذ يجمع العرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء بالمشركين من الشرق، وجاء بهم من الجنوب والغرب. هؤلاء هم الأحزاب، جمع حزب.

    وقوله: يَحْسَبُونَ [الأحزاب:20]، أي: يظنون أن الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا [الأحزاب:20]. فلما عسكر الأحزاب من الغرب والشرق ظن المنافقون والأحزاب أنهم ما يذهبون حتى يدمرون الرسول وأهله. وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ [الأحزاب:20]. والأحزاب راحت، وبالفعل مشوا، ولكن إن فرضنا أن الأحزاب جاءت مرة ثانية فحالهم يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ [الأحزاب:20]، أي: يتمنون أن لو كانوا من سكان البادية، وليسوا من أهل المدينة والحصار فيها. وهؤلاء هم المنافقون وضعاف الإيمان، أي: يتمنون أنهم في البادية يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ [الأحزاب:20]، أي: وهم في البادية يسألون: ماذا حصل؟ هل انهزم محمد؟ .. انكسر أصحابه؟ انتصر؟ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ [الأحزاب:20] ومعكم والله مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:20]. وهذه حال أصحاب القلوب المظلمة والنفوس العفنة المنتنة التي ما أشرقت بنور الله وحبه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ...)

    قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ [الأحزاب:21]. ورسول الله هو محمد صلى الله عليه وسلم. فقال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].

    وقوله: أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، أي: قدوة صالحة تقتدوا به. وهذه عامة تشمل المؤمنين الصادقين والمنافقين وضعفة الإيمان، وتتناول كل المؤمنين إلى يوم الدين.

    وقوله: فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ [الأحزاب:21]، فقد وضعه الله لنا لنقتدي به في الواجبات والمستحبات، فلنأتسي ولنقتدي به. ولم يجعل الله لنا رجلاً قط نأتسي ونقتدي به إلا رسوله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: فلنصبر كما صبر، وقد أخرج من داره وبلده، ونزل المدينة، وفي أحد ماذا انكسرت رباعيته، وشج وجهه، ومات عمه، ومع هذا كله صبر. وقف وراء سلع قرابة الشهر، مدة خمسة وعشرين يوماً أو أكثر، وهو مرابط محبوس وراء الجبل، وحفر الخندق بيديه الشريفتين. ووالله لقد جاع حتى وضع الحجر على بطنه وربطه. إذاً: فلنقتدي برسولنا، فنصبر كما صبر، ونتحمل كما تحمل، ونثبت كما ثبت، وهو أسوتنا وقدوتنا.

    الشروط اللازمة لمن يريد الائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم

    قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]. لكن لا يستفيد من هذه الأسوة وينتفع بها وتتجلى له أنوارها ويأخذ بها هو من كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]. وهنا ثلاثة شروط:

    أولاً: أن يكون يرجو الله، ويرجو فضل الله وخير الله وإحسانه في الدنيا، ويرجو فضله وإحسانه في الدار الآخرة. والذي يرجو من الله الخير ما يعصيه وما ينساه وما يعرض عنه، وما ينهزم أمام أعدائه أبداً؛ لأنه يرجو من الله الخير.

    ثانياً: أن يكون يرجو اليوم الآخر. والذي يرجو اليوم الآخر وما يتم فيه من سعادة أو شقاء. ولكذلك هذا العبد يصبر ويأتسي.

    ثالثاً: أن يكون ممن يذكر الله كثيراً. والذي يذكر الله طول يومه وليلته ما ينسى ذكر الله.

    ومن كانت فيه هذه الصفات فهذا حقاً يقتدي برسول الله، فهو يصلي ركعتين بعد صلاة المغرب ويقرأ فيهما قُلْ هُوَ اللَّهُ [الإخلاص:1] وسورة الكافرون؛ ائتساء برسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك يقتدي به في تناول الطعام أو الشراب، ويقتدي به في كيفية الركب، وكيف يهبط من الركوع، وكيف ينام، وكيف يستيقظ. فدائماً رسول الله بين عينيه، وهو قدوته وأسوته، فإذا تكلم يتكلم ككلام رسول الله، ولا يتبجح ولا يرفع صوته، ولا غير ذلك.

    إذاً: معشر المستمعين! هذه ثلاثة أمور إذا أردنا أن نستفيد من هذه الأسوة، وهي:

    أولاً: ينبغي أن نكون ممن يرجون الله أن يرزقهم .. أن يعفو عنهم .. أن يرحمهم .. أن ينصرهم، ولا ييأسون.

    ثانياً: ينبغي أن نكون ممن يؤمنون باليوم الآخر وما فيه، وما يتم فيه من سعادة أو شقاء. ولا يزول عن بالهم هذا أبداً.

    ثالثاً: وأخيراً: وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].

    ذكر الله يعصم من الوقوع في المعاصي

    الذاكرون الله كثيراً والذاكرات لا يقعون في المهاوي والمهالك والمعاطب أبداً. وقد بينت غير ما مرة أنك لا تستطيع أن تقول: بسم الله، وتصفع مؤمناً ظلماً، فهذا مستحيل، ولا يمكن أبداً أن تقول: بسم الله وتؤذي، فلن تستطيع هذا، ولا يستطيع أحد أن يرتكب جريمة مهما كانت إذا ذكر الله، وعندنا الحادثة التي جاءت في الصحيح، وهي: إن أحد صلحاء بني إسرائيل كانت له ابنة عم، وكان يحبها، وروادها عن نفسها، وكانت تمتنع منه، وأبت أن تجيبه لأن يفعل الفاحشة بها، فلما جاءت سنة القحط والجدب وشاع الجوع جاعت، واضطرت فقالت له: تعال، فلما جلس بين ركبتيها قالت له: أما تخاف الله، تفتض خاتم بغير حقه؟ وما إن ذكرته بالله حتى ارتعدت فرائصه، وذرفت دموعه وشرد؛ بسبب ذكر الله.

    فيا أبنائي! ويا إخوة الإسلام! لا تنسوا ذكر الله، فإنه العصام الأوحد. والذي لا يفارق ذكر الله بقلبه ولسانه ما يقع في معصية أبداً، ولا يسخط ولا يغضب، ولا غير ذلك؛ لأنه مع الله، وقد تحققت له هداية الله، وفي الحديث: ( من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ).

    إذاً: قوله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ [الأحزاب:21] أيها المستمعون! وغيركم، فِي رَسُولِ اللَّهِ [الأحزاب:21]. وهو محمد صلى الله عليه وسلم، قدوة صالحة، لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]. وإن شاء الله لا نفارق هذه الثلاث. ومن ثم يصبح رسول الله أسوة لنا، نقتدي به في كل شيء، حتى في المشي، فنمشي كما يمشي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ...)

    قال تعالى وقوله الحق: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ [الأحزاب:22] وشاهد المؤمنون الأحزاب. والمقصود المؤمنون الصادقون في إيمانهم، وعلى رأسهم أبو بكر والخلفاء، فلما رآهم المؤمنون قد تحزبوا، وأحاطوا بالمدينة شرقاً وغرباً قالوا: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [الأحزاب:22]. وليس إلا الشهادة والجنة، وما خافوا ولا اضطربوا، ولا بكوا ولا هربوا، ولا قالوا: بيوتنا عورة كما قال المنافقون، بل قالوا: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:22]. وما خافوا ولا ارتعدوا ولا بكوا، بل ازدادوا إيماناً وقوة، وقالوا: هذا وعد الله لنا. فلنقاتل ولنمت في سبيل الله وندخل الجنة، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:22]، أي: مشاهدتهم للأحزاب ورؤيتهم لها ما زادتهم إلا إيماناً وتسليماً لله عز وجل، والمنافقون ارتعدوا وخافوا، وهربوا وبكوا وصاحوا. وهكذا حيث يوجد مؤمنون صادقون لا يصابون بالهلع والفزع والضجيج أبداً؛ لأنهم مع الله، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ [الأحزاب:22]، أي: ذلك الذي شاهدوه إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:22].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ...)

    قال تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ [الأحزاب:23]، أي: رجال عظام، صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب:23]. فقد عاهدوا الله أن يقاتلوا حتى الموت، وأن يقاتلوا أعداء الله حتى يستشهدوا، و صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ [الأحزاب:23]، واستشهد وهو في الجنة، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ [الأحزاب:23]، أي: ينتظر متى تدق الساعة، وإذا لم يقتل في بدر فقد يقتل في أحد، وقد يقتل في الفتح، أو يقتل في الشام والعراق.

    وقوله: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ [الأحزاب:23]، بمعنى: توفي، ووفى وعده وانتهى ودخل الجنة، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ [الأحزاب:23] متى تدق ساعة استشهاده ويستشهد. فهؤلاء رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ [الأحزاب:23]. فقد بايعوا رسول الله على أن يقاتلوا معه حتى الموت فوفوا، فمنهم من استشهد بعد، ومنهم ما زال ويستشهد أيضاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ليجزي الله الصادقين بصدقهم ...)

    قال تعالى: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ [الأحزاب:24] في اعتقاداتهم وأقوالهم وأعمالهم، والذين لا يعرفون الكذب ولا الخيانة، ولا الباطل ولا الغش، ولا غير ذلك، وإنما هم في صدق كامل في كل حياتهم. فهؤلاء الصادقون يجزيهم الله بصدقهم، فيجزيهم بالجنة في الآخرة، وفي الدنيا بالنصر والانتصار والهزيمة لأعدائهم الكفار. وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [الأحزاب:24]. فتدور المعركة وتنتهي ويستشهد من يستشهد لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [الأحزاب:24]. فإن تاب عليهم آمنوا وأسلموا، ودخلوا في الإسلام دخولاً حقيقاً ونجوا. وهذا فتح لباب الرجاء لهم. وبالفعل كم من منافق تاب الله عليه، ومات الرسول وما بقي في المدينة منافق. فهذا تدبير الله وفضله، لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ [الأحزاب:24] وما زال غَفُورًا [الأحزاب:24] لعباده التائبين رَحِيمًا [الأحزاب:24]. هذه صفاته الدائمة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم ...)

    قال تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا [الأحزاب:25]. وهؤلاء قريش وكنانة التي جاءت معهم، وكانوا ثلاثة عشر ألفاً، وأسد وغطفان جاءوا من نجد، ولكن ردهم الله خائبين بغيظهم وسخطهم ومكرهم. وقد علمنا كيف حدث ذلك. والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( يا مغيث المستصرخين! يا مستجيب الداعين! فرج كربنا وهمنا وغمنا، ودعا الله عز وجل، وإذا بجبريل يأتيه ويقول: أبشر! سمعك ربك، وأهلك أعداءك، والآن نرسل عليهم ريحاً ). فأرسل الله عليهم ريحاً عاصفاً، ليست شرقية ولا غربية، بل مدمرة، وتسمى بالدبور. فكانت والله تقلب القدور المنصوبة على الأثاث وتقلبها، والفرش تطيرها، والخيام تقتلعها، سواء في قريش أو في أسد، فما كان منهم إلا أن قالوا: الرحيل.. الرحيل! فرحلوا عن آخرهم. وهذه ريح واحدة، والملائكة معها، وهذا كما في قوله تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا [فصلت:16]. وهنا يقول تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ [الأحزاب:25]. وقد كفاهم بأنهم ما قاتلوا، وأن الرماية التي حول الخندق لم فيها إلا واحد أو اثنان أو ثلاثة. وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [الأحزاب:25]. قادراً لا يمتنع منه شيء أبداً.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    معشر المستمعين! إليكم شرح الآيات من الكتاب؛ لتزدادوا علماً وبصيرة.

    قال: [ معنى الآيات:

    ما زال السياق ] أي: سياق الحديث [ في سرد أحداث غزوة الأحزاب. فقوله تعالى: يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا [الأحزاب:20]، أي: يحسب أولئك المنافقون الجبناء الذين قالوا: إن بيوتنا عورة، وقالوا لإخوانهم: هلم إلينا، أي: اتركوا محمداً في الواجهة وحده، إنهم لجبنهم ظنوا أن الأحزاب لم يعودوا إلى بلادهم، مع أنهم قد رحلوا. وهذا منتهى الجبن والخوف.

    وقوله تعالى: وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ [الأحزاب:20]، أي: مرة أخرى على فرض وتقدير، يَوَدُّوا [الأحزاب:20] يومئذٍ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ [الأحزاب:20]، أي: خارج المدينة مع الأعراب في البادية ] وذلك [ لشدة خوفهم من الأحزاب الغزاة.

    وقوله تعالى: يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ [الأحزاب:20]، أي: أخباركم، هل ظفر بكم الأحزاب أو لا؟ ] وهل انتصر عليكم الأحزاب أو لا؟ [ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ [الأحزاب:20]، أي: بينكم ولم يكونوا في البادية مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:20]. وذلك لجبنهم وعدم إيمانهم بفائدة القتال لكفرهم بلقاء الله وما عنده من ثواب وعقاب. هذا ما تضمنته الآية الأولى (20).

    وقوله تعالى في الآية الثانية (21): لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]، أي: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ [الأحزاب:21] أيها المسلمون! أي: من مؤمنين صادقين ومنافقين كاذبين في رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، أي: قدوة صالحة، فاقتدوا به في جهاده وصبره وثباته، فقد جاع حتى شد بطنه بعصابة، وقاتل حتى شج وجهه، وكسرت رباعيته، ومات عمه، وحفر الخندق بيديه، وثبت في سفح سلع أمام العدو قرابة شهر، فأتسوا به في الصبر والجهاد والثبات إن كنتم ترجون الله، أي: تنظرون ما عنده من خير في مستقبل أيامكم في الدنيا والآخرة، وترجون اليوم الآخر، أي: ترتقبونه وما فيه من سعادة وشقاء، ونعيم مقيم أو جحيم وعذاب أليم، وتذكرون الله تعالى كثيراً في كل حالاتكم وأوقاتكم، فاقتدوا بنبيكم؛ فإن الاقتداء به واجب، لا يسقط إلا عن عجز. والله المستعان.

    وقوله تعالى في الآية الثالثة في هذا السياق (22): وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ [الأحزاب:22]، أي: لما رأى المؤمنون الصادقون جيوش الأحزاب وقد أحاطب بهم قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [الأحزاب:22]. بخلاف ما قاله المنافقون حيث قالوا: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [الأحزاب:12].

    وقوله: وَمَا زَادَهُمْ [الأحزاب:22] أي: رؤيتهم للأحزاب على كثرتهم إِلَّا إِيمَانًا [الأحزاب:22] بصادق وعد الله، وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:22] لقضائه وحكمه. وهذا ثناء عطر على المؤمنين الصادقين من ربهم عز وجل.

    وقوله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب:23]، هذا ثناء آخر على بعض المؤمنين الذين لما تخلفوا عن بدر فتأسفوا، ولما حصل انهزام لهم في أحد عاهدوا الله لئن أشهدهم الله قتالاً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقاتلن حتى الاستشهاد، فأخبر تعالى عنهم بقوله: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ [الأحزاب:23]، أي: وفى بنذره، فقاتل حتى استشهد، ومنهم من ينتظر القتل في سبيل الله.

    وقوله تعالى: وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب:23]، أدنى تبديل في موقفهم، فثبتوا على عهدهم، بخلاف المعوقين من المنافقين، فإنهم بدلوا وغيروا ما عاهدوا الله عليه.

    وقوله تعالى: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ [الأحزاب:24]، أي: أجرى تعالى تلك الأحداث ] أي: أحداث الأحزاب القتال وما إلى ذلك [ فكانت كما قدرها في كتاب المقادير؛ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ [الأحزاب:24]. فيكرمهم وينعمهم في جواره. وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:24] بناره إن شاء ذلك، فيميتهم قبل توبتهم، أو يتوب عليهم، فيؤمنوا ويوحدوا ويدخلوا الجنة مع المؤمنين الصادقين، وهو معنى قوله: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ [الأحزاب:24] ذلك لهم قضاء وقدراً، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [الأحزاب:24]، فيتوبوا، فلا يعذبوا.

    وقوله ] تعالى: [ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:24]، إخبار منه تعالى عن نفسه بأنه كان ذا ستر على ذنوب التائبين من عباده، رحيماً بهم، فلا يعاقبهم بعد توبتهم.

    وقوله تعالى في آخر هذا السياق (25): وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأحزاب:25]، وهم قريش وكنانة وأسد وغطفان، ردهم بِغَيْظِهِمْ [الأحزاب:25]، أي: بكربهم وغمهم، حيث لم يظفروا بالرسول والمؤمنين، ولم يحققوا شيئاً مما أملوا تحقيقه. وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ [الأحزاب:25]، حيث سلط على الأحزاب الريح والملائكة، فانهزموا وفروا عائدين إلى ديارهم لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا [الأحزاب:25]. وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا [الأحزاب:25] على إيجاد ما يريد إيجاده، عَزِيزًا [الأحزاب:25]، أي: غالباً على أمره، لا يمتنع منه شيء أراده ] أبداً.

    معاشر المستمعين والمستمعات! عشتم مع الأحزاب هذه الليلة.

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير أن الكفر والنفاق صاحبهما لا يفارقه الجبن والخور، والشح والبخل ] والله العظيم. ولا الهزيمة أبداً؛ لأنه لا إيمان له، ولا ذكر لله له.

    [ ثانياً: وجوب الائتساء ] أي: الاقتداء [ برسول الله ] صلى الله عليه وسلم، فقد قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ [الأحزاب:21] [ في كل ما يطيقه العبد المسلم ويقدر عليه ] فيجب أن نقتدي به في كل ما نستطيع، فإن عجزنا فالله غفور.

    [ ثالثاً: ثناء الله تعالى على المؤمنين الصادقين ] اللهم اجعلنا منهم [ لمواقفهم المشرفة، ووفائهم بعهودهم.

    رابعاً: ذم الانهزاميين الناكثين لعهودهم، الجبناء من المنافقين وضعاف الإيمان.

    [ خامساً: بيان الحكمة في غزوة الأحزاب ] وهي: [ ليجزي الصادقين، إلخ ] أي: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [الأحزاب:24] ].