إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما اجتمع الأحزاب وأحاطوا بالمدينة كان ذلك اليوم عصيباً بالنسبة للنبي ومن معه من المسلمين، وفيه تمايز الناس فظهر صدق إيمان المؤمنين، وذلة وهوان المنافقين، ومسارعتهم في الفتنة، والكيد لدين الله بكل طريق ووسيلة، فحفظ الله المؤمنين بحسن ظنهم بربهم، ورد كيد الكافرين ومن أساء الظن بالله من المنافقين.

    1.   

    قراءة في تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ...) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا [الأحزاب:9-14].

    ملخص غزوة الأحزاب

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [الأحزاب:9]. هذه الآيات يذكر الله تعالى بها المؤمنين في كل زمان ومكان؛ إذ هي نعمة من أجل النعم وأعظمها؛ ليشكروا الله على ذلك بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وهذه الحادثة الجلل العظيمة تسمى بغزوة الأحزاب أو بغزوة الخندق. وخلاصتها: أنها كانت في السنة الرابعة أو أوائل الخامسة، لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود من المدينة، والتحقوا بخيبر وتيماء، فأخذ حيي بن أخطب اليهودي يجمع الناس ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب إلى نجد إلى غطفان وأسد، وذهب إلى مكة إلى أبي سفيان ، وجمع الناس، وأتى إلى بني قريظة ودخل بينهم وهيجهم، وبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك، فحفر الخندق وراء جبل سلع بإرشاد من سلمان الفارسي ، وكان سلمان رضي الله عنه من فارس، وكان يعرف هذه الخنادق، فقد كانت تحول بينهم وبين العدو، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: احفر خندقاً حول جبل سلع، والرجال يقفون تحت الجبل، والخندق أمامهم، فحفروا شهرين كاملين حتى تم. ثم جاءت الأحزاب من نجد وما حواليها، فجاءت غطفان وبنو أسد، ونزلوا شرق أحد، وجاء أبو سفيان مع اثني عشر ألفاً من مكة مع كنانة، ونزلوا غرب المدينة. وسوف تسمعون القصة مفصلة الآن في التفسير وتأملوها. وهذا كله ذكرى لنا؛ لنشكر الله تعالى على إنعامه وإفضاله علينا.

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ [الأحزاب:9] الآيات، هذه قصة غزوة الخندق أو الأحزاب ] فسمها الخندق أو سمها الأحزاب [ قصها تبارك وتعالى على المؤمنين في معرض التذكير بنعمه تعالى عليهم؛ ليشكروا بالانقياد والطاعة لله ورسوله، وقبول كل ما يشرع لهم لإكمالهم وإسعادهم في الحياتين، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الأحزاب:9]! أي: يا من آمنتم بالله رباً وإلهاً، وبمحمد نبياً ورسولاً، وبالإسلام ديناً وشرعاً! اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [الأحزاب:9]. المتمثلة في دفع أكبر خطر قد حاق بكم، وهو اجتماع جيوش عدة على غزوكم في عقر داركم، وهم جيوش قريش، وأسد وغطفان، وبنو قريظة من اليهود، ألبهم عليهم وحزب أحزابهم حيي بن أخطب النضري ] عليه لعائن الله [ يريد الانتقام من الرسول والمؤمنين؛ إذ أجلوهم عن المدينة، وأخرجوهم منها، فالتحقوا بيهود خيبر وتيماء، ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم أمر بحفر الخندق تحت سفح جبل سلع غربي المدينة، وذلك بإشارة سلمان الفارسي رضي الله عنه؛ إذ كانت له خبرة حربية، علمها من ديار قومه فارس. وتم حفر الخندق في خلال شهر ] لا شهرين [ من الزمن، وكان صلى الله عليه وسلم يعطي لكل عشرة أنفار أربعين ذراعاً، أي: عشرين متراً ] لكل واحد متران يحفرها [ وما إن فرغوا من حفره حتى نزلت جيوش المشركين، وكانوا قرابة اثني عشر ألفاً. ولما رأوا الرسول ] صلى الله عليه وسلم [ والمسلمين وراء الخندق تحت جبل سلع قالوا: هذه مكيدة لم تكن العرب تعرفها. فتناوشوا بالنبال ] والسهام [ ورمى عمرو بن عبد ود القرشي بفرسه في الخندق، فقتله علي رضي الله عنه. ودام الحصار ودامت المناوشة وكانت الأيام والليالي باردة، والمجاعة ضاربة أطنابها قرابة الشهر ] بل خمسة وعشرين يوماً.

    وتفصيل الأحداث للقصة فيما ذكره تعالى فيما يلي ] فاسمعوا [ فقوله تعالى: إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ [الأحزاب:9]، هي جنود المشركين من قريش، ومن بني أسد وغطفان. فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا [الأحزاب:9]، لما جاءتكم جنود المشركين وحاصروكم في سفح سلع أرسلنا عليهم ريحاً، وهي ريح الصبا المباركة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور ). وهي الريح الغربية. وفعلت بهم الصبا الأفاعيل، حيث لم تبق لهم ناراً إلا أطفأتها، ولا قدراً على الأثافي إلا أراقته، ولا خيمة ولا فسطاطاً إلا أسقطته وأزالته، حتى اضطروا إلى الرحيل ] فرحلوا.

    [ وقوله: وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا [الأحزاب:9]، وهم الملائكة. فأصابتهم ] أي: الملائكة [ بالفزع والرعب، الأمر الذي أفقدهم كل رشدهم وصوابهم، ورجعوا يجرون أذيال الخيبة والحمد لله.

    وقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [الأحزاب:9]، أي: بكل أعمالكم من حفر الخندق، والمشادات والمناورات، وما قاله وعمله المنافقون لم يغب عليه تعالى منه شيء، وسيجزيكم به المحسن بالإحسان، والمسيء بالإساءة.

    وقوله تعالى: إِذْ جَاءُوكُمْ [الأحزاب:10]، أي: المشركون مِنْ فَوْقِكُمْ [الأحزاب:10]، أي: من الشرق، وهم غطفان بقيادة عيينة بن حصن وأسد، وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الأحزاب:10]، وهم قريش وكنانة، أي: من الجنوب الغربي ] هكذا [ وهذا تحديد لساحة المعركة.

    وقوله ] تعالى: [ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ [الأحزاب:10]، أي: مالت عن كل شيء، فلم تبق تنظر ] أي: الأبصار [ إلا إلى القوات الغازية من شدة الخوف. وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ [الأحزاب:10]، أي: ارتفعت بارتفاع الرئتين، فبلغت منتهى الحلقوم ] من شدة الخوف.

    [ وقوله ] تعالى: [ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [الأحزاب:10]، المختلفة من نصر وهزيمة وسلامة وعطب. وهذا تصوير للحال أبدع تصوير. وهو كما ذكر تعالى حرفياً.

    وقوله تعالى: هُنَالِكَ [الأحزاب:11]، أي: في ذلك المكان والزمان الذي حدق العدو بكم ] وأحاط [ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ [الأحزاب:11]، أي: اختبرهم ربهم؛ ليرى الثابت على إيمانه، الذي لا تزعزعه الشدائد والفتن من السريع الانهزام والتحول؛ لضعف عقيدته، وقلة عزمه وصبره.

    وقوله تعالى: وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب:11]، أي: أزعجوا وحركوا حراكا شديداً؛ لعوامل قوة العدو وكثرة جنوده، وضعف المؤمنين وقلة عددهم، وعامل المجاعة والحصار والبرد الشديد، وما أظهره المنافقون من تخاذل، وما كشفت عنه الحال من نقض بني قريظة عهدهم، وانضمامهم إلى الأحزاب.

    وقوله تعالى: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [الأحزاب:12]، أي: النفاق؛ لضعف إيمانهم: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ [الأحزاب:12] أي: من النصر إِلَّا غُرُورًا [الأحزاب:12]، أي باطلاً. وذلك أنهم لما كانوا يحفرون في الخندق استعصت عليهم صخرة، فأبت أن تنكسر، فدعي لها الرسول صلى لله عليه وسلم، فضربها بالمعول ضربة تصدعت لها، وبرق منها بريق أضاء الساحة كلها، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون ] قائلين: الله أكبر [ ثم ضربها ثانية ] أي: ضربة ثانية [ فصدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المؤمنون تكبير الفتح، وكبر المسلمون، وضرب ثالثة فكسرها، وبرقت لها برقة كسابقتيها، وكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكبر المسلمون. ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد سلمان الفارسي ، فرقى من الخندق ] أي: خرج منه [ فقال سلمان : بأبي أنت وأمي ] أي: أفديك [ يا رسول الله! لقد رأيت شيئاً ما رأيته قط، فالتفت رسول الله إلى القوم، فقال: هل رأيتم ما رأى سلمان ؟ قالوا: نعم يا رسول الله! فأعلمهم أنه على ضوء ذلك البريق رأى قصور مدائن كسرى كأنياب الكلاب، وإن جبريل أخبرني أن أمتي ظاهرة عليها ] أي: منتصرة [ كما رأيت في الضربة الثانية القصور الحمراء من أرض الروم، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ورأيت في الثالثة ] أي: في الضربة الثالثة [ قصور صنعاء، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا أبشروا أبشروا، فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله موعود صدق.

    فلما طال الحصار واشتدت الأزمة واستبد الخوف بالرجال قال المنافقون وضعفاء الإيمان: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [الأحزاب:12]، إذ قال معتب بن قشير : يعدنا محمد بفتح فارس والروم وأحدنا لا يقدر أن يتبرز؛ فرقاً وخوفاً ما هذا ] الوعد [ إلا وعد غرور.

    وقوله تعالى: وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ [الأحزاب:13]، أي: من المنافقين، وهو أويس بن قيظي أحد رؤساء المنافقين: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ [الأحزاب:13]، أي: المدينة ] فقد كانت تسمى يثرب [ قبل أن يبطل الرسول ] صلى الله عليه وسلم [ هذا الاسم لها، ويسميها بالمدينة ] النبوية [ لا مُقَامَ لَكُمْ [الأحزاب:13]، أي: في سفح سلع عند الخندق. فَارْجِعُوا [الأحزاب:13] إلى منازلكم داخل المدينة، بحجة أنه لا فائدة في البقاء هنا دون قتال ] فكانت هذه حجته السياسية [ وما قال ذلك إلا فراراً من القتال، وهروباً من المواجهة ] وهذا شأن المنافقين.

    [ وقوله تعالى: وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ [الأحزاب:13] ] صلى الله عليه وسلم [ أي: يطلبون الإذن لهم بالعودة إلى منازلهم بالمدينة بدعوى أن بيوتهم عورة، أي: مكشوفة أمام العدو، وهم لا يأمنون عليها، وأكذبهم الله تعالى في قولهم، فقال: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا [الأحزاب:13]، أي: ما يريدون بهذا الاعتذار إلا الفرار من وجه العدو.

    وقال تعالى فيهم ومن أصدق من الله قيلاً: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ [الأحزاب:14] ] أي: [ المدينة مِنْ أَقْطَارِهَا [الأحزاب:14]، أي: من جميع نواحيها من شرق وغرب، وشمال وجنوب ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ [الأحزاب:14]، أي: طلب منهم العدو الغازي الذي دخل عليهم المدينة الردة ] أي: طلب منهم الردة [ أي: العودة إلى الشرك، لَآتَوْهَا [الأحزاب:14]. أعطوها فوراً. وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا [الأحزاب:14]، حتى يرتدوا عن الإسلام، ويصبحوا كما كانوا مشركين، والعياذ بالله من النفاق والمنافقين ]

    والخلاصة من هذه الحادثة العظيمة: أنه يجب أن نشكر الله على هذه النعم، إذ لو مات رسوله وانهزم المسلمون لما بلغنا الإسلام، ولما أسلمنا. ولكن الحمد لله، فما زال الله ينصر أولياءه إلى آخر ساعة من الدنيا، ومتى وجد أولياء الله وطلبوا النصر نصرهم الله.

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات:

    [ من هداية الآيات:

    أولاً: مشروعية التذكير بالنعم؛ ليشكرها المذكرون بها، فتزداد طاعتهم لله ورسوله ] فمن فائدة الآية وهدايتها مشروعية التذكير بالنعم. فذكر إخوانك بالنعم التي كانت لهم؛ من أجل أن يذكروا ويشكروا.

    [ ثانياً: عرض غزوة الأحزاب أو الخندق عرضاً صادقاً، لا أمثل منه في عرض الأحداث للعبرة ] فقد عرض تعالى عرضاً عجيباً لغزوة الخندق، وكأننا حاضرون معهم في هذه الآيات.

    [ ثالثاً: بيان أن غزوة الخندق كانت من أشد الغزوات، وأكثرها ألماً وتعباً على المسلمين ] وقد كانت غزوة الخندق بعد غزوة أحد، وكانت من أعظم الغزوات وآلمها، وأشدها عذاباً، فقد اجتمع فيها الجوع والبرد والحصار.

    [ رابعاً: بيان ] أن [ حسن الظن بالله ممدوح ] ومطلوب ومرغب فيه [ وأن سوء الظن به تعالى كفر ونفاق ] والعياذ بالله، وصاحبه ملعون.

    [ خامساً: بيان مواقف المنافقين الداعية إلى الهزيمة؛ ليكون ذلك درساً للمؤمنين ] إلى اليوم، فالمنافقون دائماً يثبطون، ولا يريدون أن ينتصر المسلمون. وإلى الآن هذا شأن المنافقين ضعاف الإيمان، الذين إما ما آمنوا أو إيمانهم ضعيف. فقد كادوا يثبطون رسول الله والمؤمنين.

    [ سادساً ] وأخيراً: [ تقرير النبوة المحمدية بإخبار الغيب التي أخبر بها رسول الله، فكانت كما أخبر من فتح فارس والروم واليمن ] فقد ظهرت آية النبوة وهم في حفر الخندق من ضرب الحجر -أي: الصخرة- فقد لاح منها نور، فانكشف له فارس بكاملها، وفي الضربة الثانية كشفت له بلاد الروم وشاهدها، واليمن كذلك. وتم هذا كما أخبر، وانتصر المسلمون على فارس والروم وعلى اليمن. فكانت هذه آية من أعظم الآيات، أي: علامة من أعظم العلامات الدالة على أن محمداً رسول الله ونبيه.