إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب (3)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أوجب الله عز وجل على عباده توحيده، ولذلك بعث النبيين والمرسلين، وأخذ منهم الميثاق على أن يعبدوه وحده، وأن يدعوا الناس إلى عبادته، ثم يوم القيامة يجمعهم سبحانه فيسأل النبيين عما بلغوه من رسالة، ويسأل من أرسل إليهم عن إجابتهم لهذه الدعوة، فمن أجاب وآمن نجا ودخل الجنات العلى، ومن أعرض وكفر أدخل نار الجحيم لا يموت فيها ولا يحيا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا * وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا [الأحزاب:6-8].

    معنى قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6]. وإي والله، فـ النَّبِيُّ [الأحزاب:6] الكريم العظيم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وإمام المرسلين أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6]. فيما يأمر به وينهى عنه، أي: فيما يأمرهم به وينهاهم عنه، وهو أحق بهم من أنفسهم. فالنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، أي: نقدمه على أنفسنا، ونعظمه ونجله، ونكبره ونطيعه، ونتبعه ونمشي إليه، ونطلب ما يجيء به ويدعو إليه. هذا أولاً.

    معنى قوله تعالى: (وأزواجه أمهاتهم)

    ثانياً: أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهاتنا، وأزواج الرسول كن تسع زوجات، واجتمعن في حجراته، إلا أن خديجة رضي الله عنها كانت في مكة، وتوفيت بمكة قبل الهجرة النبوية. فأزواج النبي أمهاتنا في إجلالهن وتعظيمهن، وإكبارهن واحترامهن، وطاعتهن وفي عدم الزواج بهن. فأزواج الرسول أمهات المؤمنين. وهن لم يلدن المؤمنين والمؤمنات، بل هن أمهاتنا في باب تعظيمهن واحترامهن، وإجلالهن وإكبارهن، وهن محرمات علينا كالأمهات، فلا يحل لرجل أن يتزوج امرأة النبي صلى الله عليه وسلم بعد طلاقها أو بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم.

    ففي الآية حرمة نساء الرسول، حيث سماهن الله أمهات المؤمنين. وهذه الأمومة ليس معناها: أنهن ولدننا، ولكن من باب التعظيم والاحترام، والإجلال والإكبار، فعظمهن كما تعظم أمك وتحترمها وتطيعها؛ لقوله تعالى: وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]، أي: أمهات المؤمنين.

    وأما الإرث فلا يورثن كما تورث الأم. فأزواج الرسول لا يورثن كما تورث الأمهات، ولذلك لم يقل عمر أو غيره: أنا أرث عائشة ؛ لأنها أمي.

    فهنا يقول تعالى: النَّبِيُّ [الأحزاب:6] صلى الله عليه وسلم أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6]. وأحق بما يأمر به وينهى عنه، ويطاع في ذلك. وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]. وكما علمتم أنهن تسع، وعلى رأسهن عائشة رضي الله عنها. وأمهات المؤمنين يعاملن مثل الأمهات في تعظيمهن واحترامهن وإجلالهن، وحرمة الزواج بهن وحرمة إرثهن إذا توفين. هذه هي الأفضلية.

    معنى قوله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ...)

    قال تعالى: وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ [الأحزاب:6]. وقد كانوا في الجاهلية يتعاقد الرجل مع الرجل على أن يرثه إذا مات، ويرثه الثاني إذا مات، ثم جاء الإسلام، وهاجر المؤمنون إلى المدينة، فأخذ الأنصار يؤوون المهاجرين، ويتعاقدون معهم على الإرث، ويجعلون المتعاقد معه كأخ له، فإذا مات يرثه صاحبه، فيرث الأنصاري المهاجر، والمهاجر يرث الأنصاري؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قدم المهاجرون آخى بين الأنصار والمهاجرين، فـعمر مع فلان، وعثمان مع فلان، وهكذا؛ ليؤووهم وينصروهم ويسدوا حاجتهم؛ لأنهم مهاجرون فقراء.

    وقد توارثوا بهذا فترة من الزمان، ثم نسخ الله ذلك بهذه الآية، فقال تعالى: وَأُوْلُو الأَرْحَامِ [الأحزاب:6]، وهم الأقارب، كالأب والأم، والأخ والأخت وما إلى ذلك، فـ أُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الأحزاب:6] الذي هو كتاب المقادير، وكتاب القضاء والقدر. فأبطل تعالى تلك الحال أو العادة التي اتخذت أولاً من إيواء الأنصار للمهاجرين، حتى توارثوا، وورث بعضهم بعضاً، فأبطل الله تعالى هذا الإرث، وأثبته للأقارب.. للأرحام، من الابن والأخ، والعم والأم، والأخت والجدة والجد. فقال تعالى: وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأحزاب:6] أولاً فِي كِتَابِ اللَّهِ [الأحزاب:6] الذي هو كتاب المقادير في اللوح المحفوظ، فهم أولى ببعضهم البعض مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ [الأحزاب:6]. فالمؤمن لا يرث مؤمناً بوصفه مؤمناً، ولا يقول: أنا أرثه؛ لأني مؤمن وهو مؤمن، والمهاجرون كما علمتم لا يرثهم الأنصار ولا المهاجرون يرثون الأنصار؛ إذ انتهت تلك العادة، اللهم إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا [الأحزاب:6]. فإذا أردت أن توصي لمهاجر بثلث مالك فلك ذلك، أو توصي بربع مالك فلك ذلك، أو تقول: يا فلان! أنت فقير، فأنا أوصي لك بربع مالي؛ لأن الله أجاز للمؤمن أن يوصي بثلث ماله فأقل، لا أكثر، فقال في الحديث: ( الثلث والثلث كثير ).

    فأوص بالربع .. الخمس .. السدس لأي أحد تريد أن توصي له، فيجوز ذلك إذا كان ليس من أقاربك أبداً؛ لقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا [الأحزاب:6]، أي: معروفاً بينكم، كالوصية بالسدس أو الخمس أو الربع أو الثلث لفلان، بأن تقول: إذا مت فله كذا وكذا، فهذا أجازه الله تعالى، فقال: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ [الأحزاب:6]، أي: في اللوح المحفوظ مَسْطُورًا [الأحزاب:6]، أي: مكتوباً.

    إذاً: في هذه الآية أولاً: النَّبِيُّ أَوْلَى [الأحزاب:6] بنا من أنفسنا في كل شيء. فقد فضله الله وأكرمه، وأعزه وجعله فوقنا، وهو كذلك.

    ثانياً: زوجات الرسول لا يحل لمؤمن أن يتزوج منهن واحدة؛ لأنهن أمهاتنا. ولكن مع التحفظ، فلا تورث زوجات الرسول، فلا يقول فلان: أنا أرثهن لأنهن أمهاتي، ففي الإرث لا، ولكن في التعظيم والاحترام، والإجلال والإكبار، وفي حرمة الزواج بهن.

    ثالثاً: وَأُوْلُو الأَرْحَامِ [الأحزاب:6] وهم الأب والابن والأخ وابن العم وبقية الأقارب أولى ببعضهم البعض في الميراث. وأما الأباعد كالمهاجرين والفقراء وما إلى ذلك فقد بطل التوارث بينهم، وقد كانوا يتعاقدون ويكتبون كتاباً إن مت ترثني، وإن مت أرثك. فأبطل الله هذا، وجعل أُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الأحزاب:6]. وهو القرآن الكريم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ [الأحزاب:6]. إذ كان المؤمنون يرث بعضهم البعض بالتعاقد، وكان المهاجر يرثون الأنصاري إذا واعده، أو الأنصاري يرث المهاجر في المدينة إذا مات، ولكن الله تعالى أبطل هذا، وقال: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا [الأحزاب:6]. وهو أن توصي لمهاجر أو أنصاري أو غريب أو أعرابي بدوي بثلث مالك، فلا بأس بهذا، وهذا إلى الآن. فأي مؤمن له أن يوصي بثلث ماله لمسجد .. لفقراء .. لرباط .. لكذا .. لأخ من إخوانه ليس قريباً من أرحامه، بل من إخوانه المؤمنين، فهذا جائز، فيوصي له بالثلث أو الربع، أو بما هو أقل من الثلث؛ لقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ [الأحزاب:6]، أي: في اللوح المحفوظ مَسْطُورًا [الأحزاب:6] مكتوباً. فنسخ الله ما كان عليه المؤمنون في المدينة من التوارث بالقرابة البعيدة أو بالهجرة أو ما إلى ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ...)

    قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ [الأحزاب:7]، أي: اذكر يا رسولنا! للمؤمنين في العالم والمؤمنات واذكر للبشرية كلها وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ [الأحزاب:7] على أن يعبدوا الله وحده، ويدعو عباده إلى عبادته وحده. فقد أخذ الله من كل نبي ومن كل رسول عهداً أن يعبد الله وحده، وأن يدعو إلى عبادة الله تعالى وحده، فهذا ميثاق أخذ، وعهد موثق باليمين. والميثاق: العقد الموثق المحكم باليمين. فقال: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ [الأحزاب:7] يا رسولنا! وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب:7]. وهؤلاء أولي العزم الخمسة، وهم نبينا صلى الله عليه وسلم محمد، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم.

    وقدم محمد صلى الله عليه وسلم وهو آخرهم وجوداً لأنه أفضلهم، وأكملهم وأشرفهم.

    وقوله: وَمِنْكَ [الأحزاب:7]، الكاف هنا ضمير عائدة على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يخالف أحد في هذا، بل الكل يؤمنون أن محمداً أفضل الأنبياء والرسل.

    وهنا لطيفة علمية أوردها غير واحد، ومنهم ابن جرير الطبري ، وهي: لما أخرج الله بني آدم من صلب آدم - أي: ظهر آدم- أول من خلقه محمد صلى الله عليه وسلم. فأول من بدأ الله خلقه في صلب آدم محمد صلى الله عليه وسلم، ولا حرج في هذا أبداً. وهذا الإخراج ذكره تعالى في قوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ [الأعراف:172]. فالله أخرج كل الذرية وكل أولاد آدم من صلب آدم، وأول من خلقه يجوز أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم بدليل هذه الآية، فقد قال: وَمِنْكَ [الأحزاب:7] أولاً وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب:7]. وهؤلاء هم أولو العزم. وهم في الأفضلية هكذا. وأولهم نوح في الزمان، ثم إبراهيم، ثم موسى في بني إسرائيل، ثم عيسى عليه السلام في بين إسرائيل. وقال: عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب:7] لأن عيسى لا أب له، وإنما كان بكلمة كن فكان. فقد نفخ جبريل في كم مريم ، فتكون عيسى، وولدته في ساعة واحدة. فما إن نفخ في كمها حتى حملته، وامتثلت للولادة، وأخذت مكاناً قصياً من قومها، وأنجبته وأولدته.

    وقوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:7]، أي: واذكر يا رسولنا! وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:7]. جمع نبي، والمراد بهم: الأنبياء والرسل.

    وقد علمنا أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وأن عدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً. وكل رسولٍ نبي، وليس كل نبي رسولاً. وهؤلاء هم أولو العزم، ورسولنا صلى الله عليه وسلم أفضلهم وأكملهم، ولهذا قدم ذكره عنهم، فقال: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب:7].

    وقوله تعالى: وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [الأحزاب:7]، أي: من كل نبي وكل رسول أن يعبد الله ويدعو إلى عبادته. وهذا الميثاق أخذه على كل نبي، وهو أن يعبد الله وحده، وأن يدعو البشرية إلى عبادة الله عز وجل وحده. هذا هو الميثاق الغليظ.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ليسأل الصادقين عن صدقهم ...)

    قال تعالى: إنه أخذ هذا الميثاق لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [الأحزاب:8]، أي: يوم القيامة، فيما بلغوا ودعوا إلى الله، وفي هذا يخزي الله ويذل الكافرين؛ إذ يسأل رسلهم: هل بلغتم دعوتنا؟ فيقولون: نعم. فيذل المشركون والكافرون ويهانون، كما قال تعالى: لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا [الأحزاب:8]، أي: موجعاً قاسي الإيلام. وهذا تدبير الله عز وجل.

    أسمعوا الآيات مرة أخرى، قال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6] والله. وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ [الأحزاب:6]. اللهم إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا [الأحزاب:6]. فذلك لكم، فلك أن توصي بالثلث لمن شئت من قريب أو بعيد. كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [الأحزاب:6]، أي: في كتاب المقادير اللوح المحفوظ. وَإِذْ أَخَذْنَا [الأحزاب:7]. وهذا كلام الله وحديثه نفسه، فهو يقول: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ [الأحزاب:7] يا محمد! وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا [الأحزاب:7-8]. والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    هيا مع شرح الآيات من التفسير.

    قال: [ معنى الآيات:

    لما أبطل الله تعالى عادة التبني ] كما تقدم بالأمس [ وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة الكلبي ، فكان يعرف بـزيد بن محمد صلى الله عليه وسلم، وأصبح بذلك يدعى بـزيد بن حارثة ] الكلبي [ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ] وليس ابن محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله أبطل التبني، وبدأ برسوله صلى الله عليه وسلم [ أعلم تعالى كافة المؤمنين ] بعد ذلك [ أن نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأن أزواجه أمهاتهم في الحرمة، فلا تحل امرأة النبي ] صلى الله عليه وسلم [ لأحد بعده. ومعنى أن النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6]، أي: فيما يأمرهم به، وينهاهم عنه، ويطلبه منهم، هو أحق به من أنفسهم ] ولهذا بدأ بنفسه، وأبعد زيداً الذي كان يقال له: زيد بن محمد وبذلك أعطى الله تعالى رسوله من الرفعة وعلو الشأن ما لم يُعطِ أحداً غيره؛ جزاء له على صبره، على ما أخذ منه من بنوة زيد رضي الله عنه، الذي كان يدعى بـزيد بن محمد، فأصبح يعرف بـزيد بن حارثة ] فقد كان زيداً يدعى بابن محمد، ثم لما أبطل الله التبني بدأ بمحمد صلى الله عليه وسلم، فأبعد زيداً عنه، فأصبح يعرف بـزيد بن حارثة الكلبي .

    [ وقوله تعالى: وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأحزاب:6]، يريد في الإرث ] أي: في الميراث [ فأبطل تعالى بهذه الآية التوارث بالإيمان والهجرة والحلف الذي كان في صدر الإسلام، وأصبح التوارث بالنسب والمصاهرة والولاء لا غير.

    وقوله [ تعالى: كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [الأحزاب:6]، التوارث بالأرحام، أي: بالقرابات مكتوب في اللوح المحفوظ.

    وقوله: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا [الأحزاب:6]، أي: إلا أن توصوا بوصية جائزة -وهي الثلث- لأحد من المؤمنين والمهاجرين ومن حالفتم، فلا بأس، فهي جائزة، ولا حرمة فيها ] إلى اليوم.

    [ وقوله: كَانَ ذَلِكَ [الأحزاب:6]، أي: المذكور من التوارث بالقرابات لا غير وجواز الوصية بالثلث لمن أبطل إرثهم بالإيمان والهجرة والمؤاخاة في اللوح المحفوظ، وهو كتاب المقادير مَسْطُورًا [الأحزاب:6]، أي: مكتوباً مسطراً، فلا يحل تبديله ولا تغييره.

    وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ [الأحزاب:7]، أي: اذكر يا رسولنا! لقومك أخذنا الميثاق -وهو العهد المؤكد باليمين- من النبيين عامة بأن يعبدوا الله وحده، ويدعوا أممهم إلى ذلك، ومن أولي العزم من الرسل خاصة، وهم أنت يا محمد! ونوح وإبراهيم، وموسى وعيسى ابن مريم.

    وقوله: وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [الأحزاب:7]، أعيد اللفظ تكراراً لتقريره، وليرتب عليه قوله: لِيَسْأَلَ [الأحزاب:8] تعالى يوم القيامة الصَّادِقِينَ [الأحزاب:8]. وهم الأنبياء عَنْ صِدْقِهِمْ [الأحزاب:8] في تبليغ رسالتهم؛ تقريعاً لأممهم الذين كفروا وكذبوا. فأثاب المؤمنين، وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا [الأحزاب:8]، أي: موجعاً، وهو عذاب النار ] والعياذ بالله تعالى.

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات:

    [ من هداية ] هذه [ الآيات:

    أولاً: وجوب تقديم ما يريده الرسول من المؤمن على ما يريده المؤمن لنفسه ] فالرسول أفضل منا، وأولى منا، وأحق منا بكل شيء، فهو أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6]. وهذه حقيقة. فإذا الرسول طلب شيئاً فهو أولى وأحق به؛ إذ قال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6].

    [ ثانياً: حرمة ] نكاح [ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهن أمهات المؤمنين، وهو صلى الله عليه وسلم كالأب لهم ] وهذه قاعدة تمت، فلم يبق أزواج الرسول، ولا من يتزوج بهن. ولكن الآية دلت على حرمة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن المؤمنين كأمهاتهم، ولا يوجد من يتزوج أمه. فامرأة الرسول التي مات عنها كأمك، لا تحل لك أبداً. وكذلك هي في الاحترام والتبجيل والتعظيم كأمك أيضاً، إلا في الإرث، فأمك ترثها، وهذه لا ترثها.

    [ ثالثاً: بطلان التوارث بالمؤاخاة والهجرة والتحالف الذي كان في صدر الإسلام ] فقد كانوا في صدر الإسلام يتوارثون بالتحالف وبالهجرة وبالنصرة، وغير هذا، فنسخ الله تعالى هذا، وأبقى التوارث بين الأرحام، الآباء والأبناء والأمهات والإخوان.

    [ رابعاً: جواز الوصية ] إلى يوم القيامة [ لغير الوارث بالثلث فأقل ] فأي مؤمن له أن يوصي إلى من شاء، قريباً كان أو بعيداً، عالماً أو جاهلاً. فله أن يوصي لمن شاء بربع ماله إذا مات أو بثلثه، أو بخمسه أو سدسه، على شرك ألا يكون من الورثة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا وصية لوارث ). فالورثة لهم حقهم، ولكن الذي لا حق له في التركة توصي له، كابن عمك .. كخالك .. كابن أختك مثلاً. ولا حق للورثة أن يعترضوا أبداً، فصاحب المال إذا أوصى لأحد الإخوان بثلث ماله فلا حق للورثة أن يقولوا: لم؟ ولكن لو أوصى لوارث من الورثة فنعم يقولون: نحن أحق بذلك.

    [ خامساً: وجوب توحيد الله تعالى في عبادته ] التي هي الدعاء والذكر، والاستغاثة والتوسل، وكل أنواع الطاعات والعبادات، فيجب أن يعبد الله وحده فيها [ ودعوة الناس إلى ذلك ] فعلى كل مؤمن ومؤمنة أن يدعو من لا يعبد الله وحده إلى عبادة الله وحده. فهذا واجب كل مؤمن ومؤمنة.

    [ سادساً ] وأخيراً: [ تقرير التوحيد بأخذ الميثاق به على كافة الأنبياء والمرسلين ] فقد أخذ الله الميثاق من الأنبياء والرسل، فكيف بغيرهم من الخلق؟ والميثاق الذي أخذه الله من الرسل هو أن يعبدوا الله وحده، وأن يدعوا الله، وأن يدعوا عباد الله إلى أن يعبدوا الله وحده. وكل مؤمن مسئول عن هذا، فإذا كان أخوك يقول: يا سيدي عبد القادر ! فلا تسكت، ولا يحل لك أن تسكت، وإذا كان جارك يقول: يا رسول الله! فقل له: لا تسأل غير الله، ولا تستغيث بغير الله، وهكذا. فكل المؤمنين مسئولون.