إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب (20)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعرض موسى عليه السلام لصنوف الأذى من بني إسرائيل، ولا غرو فهم قد جبلوا على السخرية والاستهزاء، ودرجوا على التكذيب والإعراض، وهنا يحذر الله عباده من تمثل منهجهم، وترسم طريقتهم مع نبيهم صلى الله عليه وسلم، وأمرهم بالتقوى والقول السديد، وحمل الأمانة بحقها حتى لا يكونوا ظلمة جاهلين، كالمنافقين والمشركين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا * إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:69-73].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذا النداء الإلهي موجه إلينا، والحمد لله أن كنا أهلاً لأن ينادينا الله، فيأمرنا أو ينهانا، أو يبشرنا أو يحذرنا وينذرنا. وهذه هي نعمة الإيمان التي هي بمثابة الحياة، فالمؤمن حي، والكافر ميت، والحي يسمع ويبصر، ويعطي ويأخذ، ويفعل ويترك، والميت لا يسمع ولا يبصر، ولا يعطي ولا يأخذ، ولا يفعل ولا يترك؛ لأنه ميت.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى [الأحزاب:69]. وموسى هذا رسول الله ونبي الله وكليم الله، وهو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم. وقد عرفتم أن موسى أصله موشى، والآن يسمونه موشي؛ لأنه وجد بين الماء والشجر لما ألقته أمه في اليم، فقد عثروا عليه في صندوق من خشب بين الشجر والماء، فقالوا: موشي. وما زال اليهود عليهم لعائن الله يسمونه موشي، وهو موسى.

    والآية الكريمة تنهانا عن أذية رسولنا صلى الله عليه وسلم، وتقدم في السياق قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب:57]. وأذية الرسول صلى الله عليه وسلم تتناول كل ما يتعلق به، فقد تؤذيه في دينه .. في علمه .. في بدنه .. في ماله .. في عرضه .. في أمته .. في شريعته. فكل ما يسمى أذى حرمه الله. ويا ويل الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم! ولو بالكلمة النابية أو بالنظرة القاسية. فقال تعالى هنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الأحزاب:69]! فلنقل: لبيك اللهم لبيك! لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى [الأحزاب:69]. فتؤذوا محمداً صلى الله عليه وسلم بأي أذى.

    أذية بني إسرائيل لموسى عليه السلام

    أذية موسى عليه السلام هي أنه كان بنو إسرائيل وما زالوا يجتمعون عند البحار والشواطئ، ويخلعون ثيابهم، ويستحمون وهم عراة، وهذا إلى الآن، بل الآن أعظم. ومع الأسف فعل هذا بعض جهال العرب وضلالهم والمسلمين الآن. وهذا خطأ فاحش، ولا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن ينظر إلى عورة إنسان، ولا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يكشف عن عورته لإنسان. ولكنهم سلبوا الإيمان واليقين فأصبحوا كالحيوانات، يستحمون في الماء ويتخبطون في البحر وهم عراة، فلما كانوا يفعلون ذلك موسى أبى أن يفعل ذلك، ولم يشاركهم في هذه التخبطات، فقالوا: لابد من سبب يمنعه أن يدخل معنا البحر ويستحم معنا، فقال لهم الشياطين منهم: لعل بموسى أدرة، أي: انتفاخ في أحدى خصيتيه وذوبان في الأخرى، فيستحي أن يرى كذلك، وبعضهم قال: ممكن به برص، وما يريد أن يظهر البرص، وتخبطوا. وهذا ينبغي أن نتحاشاه، سواء في رسولنا أو في أولياء الله، أو في أتباه صلى الله عليه وسلم، فكلمة السوء وقالة الباطل نتجنبها، فهي محرمة علينا.

    ثم كان من تدبير الله عز وجل أن جاء موسى يغتسل وحده، وخلع ثوبه ووضعه على حجر على شاطئ البحر واغتسل، فلما أخذ يغتسل وإذا بالحجر يهرب بالثوب، فخرج موسى يجري وراء الثوب ويقول: يا حجر! ثوبي .. يا حجر! ثوبي. وولى الحجر هارباً -والحديث أخرجه مسلم في صحيحه مع حكاية بني إسرائيل- حتى وصل به إلى مجموعة من بني إسرائيل، فشاهدوا سلامته، فقالوا: ما به أدر ولا برص، وأخذ موسى ثوبه فلبسه، وعاد إلى مكانه. فقال تعالى: لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا [الأحزاب:69] تبرئة كاملة. وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب:69]، أي: وكان له شرف عالٍ ومكانة ومنزلة عند الله، ومع هذا اتهموه بهذا الباطل، ورموه بهذه الفرية الباطلة، فأنجاه الله من ذلك، وفضحهم وأكذبهم؛ حتى ما يعودوا لمثل هذا القول.

    وهنا هداية هذه الآية لنا معلومة، وهي: ألا نؤذي رسولنا صلى الله عليه وسلم ولا أمته، ولا أي فرد من أفراد أمته، لا بقالة السوء ولا بالطعن، ولا بالسب ولا بالشتم، فضلاً عن الضرب وأخذ المال وانتهاك العرض. هذا الذي نودينا من أجله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً)

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الأحزاب:70]! وهذا نداء ثانٍ. وقد نادانا ربنا تسعة وثمانين نداءً بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الأحزاب:70]! ونادانا هنا ليأمرنا بقوله: اتَّقُوا اللَّهَ [الأحزاب:70] أولاً، وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [الأحزاب:70] ثانياً. ولن نتق الله يا عباد الله! بالجيوش الجرارة ولا بالحصون العالية، ولا بالصواريخ والذرة، وإنما نتقي الله أي: نتقي غضبه وعذابه وسخطه -وقد سمعتم ما حدث في إخوانكم بتركيا- بطاعته وطاعة رسوله فقط، فلا يتقى عذاب الله وسخطه إلا بطاعته وطاعة رسوله فقط؛ لأن من أطاع الله وأطاع رسوله زكت نفسك وطابت وطهرت، فأحبها الله وفضلها، وأكرمها وأعلى شأنها بزكاتها وطهرها وصفائها، ومن عصى الله ورسوله خبثت نفسه وأنتنت، وتعفنت وأصبحت كأرواح الشياطين، وأبغضها الله وأذلها، ولعنها وأخزاها. ولذلك قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [الأحزاب:70]. فنتقيه بأن نعرف محابه فنفعلها، ونعرف مكارهه فنتركها. ونعرف ذلك بقراءة الكتاب وهدي الرسول، وبسؤال أهل العلم. وأما أن نعيش طول السنة ونحن بعيدون لا أن نجلس في حلقة كهذه، ولا نتناول كتاباً بين أيدينا، ولا نسأل عالماً عما يحب ربنا فلن نعرف محاب الله ومكارهه والله. والذي ما يعرف محاب الله ومكارهه لا يمكن أن يتقيه؛ لأن الاتقاء يكون بفعل المحبوب له وترك المكروه له، والذي ما يعرف محبوباً ولا مكروهاً والله ما يتقي. ومن هنا عدنا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ). والله يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]. فكل من لا يعلم محاب الله يجب أن يسأل؛ حتى يعلم، وكل من لا يعلم مكاره الله ومساخطه يجب أن يسأل؛ حتى يفقه، ولهذا أعطينا ألسنتنا وعقولنا.

    وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [الأحزاب:70]، أمرنا بتقواه، وأمرنا بالقول السديد الصائب، والصدق والحق الأديب؛ حتى ما نلهج بالباطل، ولا نتكلم بالكذب، ولا نقول ما يسيء ويفسد، بل نقول القول الصائب السليم. هذا نظام حياتنا. وهكذا أمرنا الله، فقد أمرنا بأن نتقيه بطاعته وطاعة رسوله، وأن نتأدب بالآداب العالية، فلا كذب ولا خيانة، ولكن صدق وقول صادق نافع، كما قال تعالى: وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [الأحزاب:70].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ...)

    الجزاء على تقوى الله وقول القول السديد هو ما قاله تعالى: يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [الأحزاب:71] أولاً، أي: أعمالكم الدنيوية وأعمالكم الأخروية التي هي العبادات، فيصلحها فتثمر وتنتج الزكاة والطهر في القلب والروح، وأعمال دنياكم حتى لا تخسر ولا تضيع، بل تستفيدون منها. هذا معنى: يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [الأحزاب:71]. ووالله ما اتقى عبد الله وقال القول السديد وعاش عليه إلا أصلح الله عمله والله العظيم. وهذا وعد الله، فقد قال: يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [الأحزاب:71] أولاً، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الأحزاب:71] ثانياً. فمن زلت قدمه وقارف ذنباً يغفر له، ولا يبقى أثره؛ وذلك بتقواه لله وبقوله السديد في حياته، فأعماله تصلح وينتفع بها، وتزكو بها روحه إن كانت عبادات، وتكمل بها حياته إن كانت أموال ومادة.

    وقوله: وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الأحزاب:71]، هذه عطية أخرى، وهبة أخرى. فمن زلت قدمه واقترف إثماً في عمره فهذا الإثم يمحى، فقد وعده الله بمحيه، فقال تعالى: وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الأحزاب:71].

    وقوله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:71]، أعاد الأمر بالتقوى بالطاعة لله ورسوله. واسمع هذه البشرى، فقد قال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:71] منكم، سواء كان أبيض أو أسود .. غنياً أو فقيراً .. عربياً أو عجمياً .. في الأولين أو الآخرين، فـ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:71] بفعل الأوامر وترك النواهي فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:71]. ألا وهو النجاة من النار، ودخول الجنة دار الأبرار، والخلد الأبدي فيها في النعيم المقيم.

    إذاً: قوله: وَمَنْ [الأحزاب:71]، أي: سواء أبيض أو أسود .. غنياً أو فقيراً .. عربياً أو عجمياً .. ذكراً أو أنثى يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:71]، وهو قطعاً محمداً صلى الله عليه وسلم فَقَدْ فَازَ [الأحزاب:71]. وأنتم تعرفون الفوز في لعب الكرة، وما تنسوه. ومعنى فاز هنا: ارتفع فنجا من النار ودخل الجنة، فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:71]. اللهم اجعلنا من أهل هذا الفوز العظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ...)

    قال تعالى قوله الحق: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72]. وهذا الخبر العظيم لا أحد يخبر به سوى الله، فهو الذي قال: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ [الأحزاب:72]. والأمانة هي: ما ائتمنت عليه، فإن كان عقيدة تعتقدها، وإن كان قولاً تقوله، وإن كان فعلاً تفعله. فالأمانة هي: ما ائتمنت على الحفاظ عليها وعدم تضييعها. ويدخل في ذلك سمعك، فلا تخن ربك فيه، فتسمع الباطل، وكذلك بصرك، فلا تنظر به إلى ما حرم الله، فتخون الله، وكذلك لسانك، فلا تنطق به بما يغضب الله، فتكون خنت أمانة الله، وكذلك يدك، فلا تتناول بها ولا تعطي إلا ما أذن الله، وإلا خنت أمانتك، وكذلك رجلك، فلا تمشي بها إلى ما حرم الله، وهكذا. وكل التكاليف حتى الغسل من الجنابة من الأمانة. وهكذا يقول ابن مسعود .

    وهذه الأمانات أولاً: خلق الله للجبال والسماوات والأرض عقول ونطق، واستنطقها فنطقت، فعرض الأمانة على السماوات، وقال لها: أتأخذي هذه الأمانة، فإذا أديتها سعدتي ونجحتي وفزتي، وإذا أضعتها خسرتي، فقالت: لا يا ربنا! ما استطيع. وإن قلت: كيف استنطق الله السماوات والأرض والجبال؟ فأقول: كيف استنطقني أنا حتى تسأل عن الجبال كيف تستنطق؟

    فعرضها عرضاً على السماوات والأرض والجبال، وقال: هل تقبلون هذا، وتثابون عليها بالنعيم المقيم؟ فقالوا: ما نستطيع.

    ثم عرضها على آدم بعد ذلك مباشرة، فقال: يا آدم! أعرض عليك الأمانة، فإن أنت قمت بها سعدت، وإن أنت أضعتها خسرت، فقال: رب! لا بأس، فأنا أقبلها. فما هو إلا كما بين صلاة الظهر والعصر بعد أن قال كلمته حتى خرج من الجنة. فهذا إذاً طبعنا نحن بني آدم. ففيما بين الظهر والعصر أكل من الشجرة، وما أدى الأمانة كاملة. قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا [الأحزاب:72] ويتحملنها، وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا [الأحزاب:72]، أي: خفن منها؛ لأن تبعتها عظيمة. وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ [الأحزاب:72]، وهو آدم، وأنا وأمي وأنتم. فمن ضيعها أضاعه الله، وخسره دنياه وأخراه، ومن حملها وثبت عليها وأداها كما هي فهنيئاً له، فقد فاز.

    ويدخل من باب أولى في الأمانة ما يأتمنك أخوك عليه، كأن يضع في جيبك دينار أو درهماً، أو يقول لك كلمة ويقول لك: لا تقلها ولا تحدث بها، فهذه كلمة سر بيني وبينك، أو يضع عندك ماله، أو يضع عندك بنته، أو يضع عند بستانه أو حديقته، أو غير ذلك، ويقول: أنت أمين ويأتمنك، فإياك أن تخون!

    ولهذا ( لا إيمان لمن لا أمانة له ). فيا عباد الله! ويا إماء الله! هيا نكن مؤتمنين، وإنا إن شاء الله لمؤتمنون، فلا نفرط أبداً، ولا نضيع أمانة الله، حتى قطع الأظافر يوم الجمعة.

    سبب تحمل الإنسان للأمانة

    قال تعالى: وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ [الأحزاب:72]. والسبب إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72]. فمن طبعه الظلم والجهل، ومن غرائزه والظلم والجهل والكفر، وأيضاً الهون والدون، وطبائع كثيرة، كما قال تعالى: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [المعارج:19-21]. وهذه العيوب معاشر المستمعين! أنزل الله تعالى فيها آيات من سورة المعارج. ومن استعمل تلك العقاقير أو الأدوية الثمانية المذكورة في السورة نجا من الهلع والكفر، والجهل والظلم أبداً. فقد قال تعالى: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [المعارج:19-21]. وكان الإنسان ظلوماً كفوراً، وهكذا. وهنا قال: ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72].

    علاج العيوب المغروزة في الإنسان

    هذه العيوب الطبيعية المغروزة في الإنسان تعالج، وقد وضع الله تعالى علاجها، وإليكم العلاج: قال تعالى: إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المعارج:22-34]. هذه ثمانية. ووالله ما من رجل أو امرأة من المؤمنين يقوم بهذه الأشياء الثمانية إلا محي منه كلياً هذه الأمراض، فلا ظلم ولا كفر، ولا فسق لا غير ذلك؛ ليصبح عبد الله الصالح، ويشفى شفاء كاملاً. والذي لا يعملها فهو الذي وصفه تعالى بقوله: وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا [الأحزاب:72]، أي: كثير الظلم، جَهُولًا [الأحزاب:72]، أي: كثير الجهل، والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ليعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ...)

    قال تعالى: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:73]. فقد فعل الله هذا وعرض الأمانة على الكل من أجل أن يعذب اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ [الأحزاب:73]. فيدخلون جهنم، ويخلدون فيها؛ لأنهم يخونون الأمانة. وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:73]. فإن فعلوا ذنباً من الذنوب تابوا منه فغفره لهم، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:73]. هذا كلام الله عز وجل.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات:

    [ من هداية ] هذه [ الآيات ] المباركة:

    [ أولاً: وجوب تقوى الله عز وجل بفعل الأوامر واجتناب المناهي ] كما علمنا. وهذه هي التقوى. ولابد لها من العلم والمعرفة أولاً.

    [ ثانياً: صلاح الأعمال لتثمر للعاملين الزكاة للنفس وطيب الحياة متوقف على التزام الصدق في القول والعمل، وهو القول السديد المنافي للكذب والانحراف في القول والعمل ] فالأقوال والأعمال الصالحة هي آلة لتزكية النفس وتطهيرها وتطييبها. فنفسك أيها الإنسان! ما تطيب ولا تطهر إلا بالأعمال الصالحة، فبها تزكو وتطيب وتطهر.

    [ ثالثاً: طاعة الله ورسوله ] صلى الله عليه وسلم هي [ سبيل الفوز والفلاح في الدارين ] وسبيل النجاة في الدنيا والآخرة. فمن أراد أن ينجو من عذاب الدنيا وبلائها وشقائها فليطع الله والرسول، ومن أراد سعادة الدار الآخرة والنجاة من النار فعليه بطاعة الله والرسول؛ لأن هذه الطاعة عبارة عن قوانين منظمة، من استقام عليها وفعلها نجا وكمل، ومن فرط فيها هلك وهبط. هذا الأصل.

    [ رابعاً: وجوب رعاية الأمانة وأدائها ] وحفظها [ ولا يخلو أحد من أمانة ] وقد قلت لكم: الغسل من الجنابة أمانة؛ إذ قد لا يغتسل الشخص ويقول: أغتسل، ولا احد يعرف الحقيقة، ولذلك هي أمانة في عنقك. وأعضاؤنا وجوارحنا كلها أمانات، وأموالنا وعقولنا كلها أمانة، فيجب أن نستعملها فيما يجدي وينفع، لا فيما يضر ويخسر.

    [ خامساً ] وأخيراً: [ وصف الإنسان بالظلم والجهل وبالكفر والمهانة والضعف في آيات أخرى يستلزم طلب علاج لهذه الصفات، وعلاجها جاء مبيناً في سورة المعارج في قوله: إِلَّا الْمُصَلِّينَ [المعارج:22]، إلى قوله: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المعارج:34] ] فقد جاء وصف الإنسان بالظلم والجهل، والكفر والهون في آيات. وهذه الأمراض وهذه الأسقام علاجها في ثمان آيات من سورة المعارج، وقد سمعتموها آية بعد آية. فالذي يطبق تلك الآيات والله ينجو من هذه العلل وهذه الأمراض، ولن يبقى سقيماً ولا مريضاً، ولا جاهلاً ولا كافراً ولا فاسقاً، ومن أعرض عن بضعها ووقع في محرمات فهو كالمريض، يصح يوماً ويهلك آخر.