إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب (17)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للنبي صلى الله عليه وسلم عند ربه مقام رفيع فهو سبحانه يصلي عليه وتصلي عليه ملائكته، وقد أمر الله المؤمنين بالصلاة عليه كثيراً، وحذر من أذيته، وتوعد فاعل ذلك باللعنة في الدنيا والآخرة، فضلاً عما ينتظره من العذاب المهين يوم القيامة، كما حذر سبحانه من أذية أتباعه المؤمنين الصادقين وتوعد الذين يؤذونهم بالخزي والعذاب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا * إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:56-59].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب:56]. تقدم في السياق أن الله أمر المؤمنين بأن يتأدبوا مع نبيهم صلى الله عليه وسلم، ويجلوه ويعظموه، وهنا بين لهم أن الله عز وجل يعظم رسوله ويجله ويكبره، بحيث يصلي هو وملائكته عليه، وليس بعد هذا السمو والعلو والارتفاع والمنزلة العالية من منزلة. فالله جل جلاله وملائكته الذين لا يعرف عدهم ولا يحصيه إلا الله كلهم يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب:56]. وصلاة الله تعالى على النبي هي معفرته ورحمته وإعلاء منزلته، وصلاة الملائكة كذلك الاستغفار له والدعاء له، وأما صلاتنا نحن فهي الدعاء له صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب:56] محمد صلى الله عليه وسلم. وبناءً على هذا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]. فإذا كان الله جل جلاله وعظم سلطانه وإذا كان ملائكته الأطهار الذين يملئون الكون يصلون على النبي فأنتم يا عباد الله! أولى بهذا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]. ونصلي عليه بأن ندعو له قائلين: اللهم صل على محمد وسلم تسليماً. واللهم أي: يا الله. فندعو له بالمغفرة والرحمة، وعلو المنزلة وسمو الدرجة.

    حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فريضة بهذه الآية على كل مؤمن ومؤمنة. وقال أهل العلم: أقلها مرة، وأكثرها لا حد له، فقد يسقط الواجب عنك إذا صليت مرة مؤمناً بما أمر الله مطيعاً لله. فإذا قلت: اللهم صل على محمد وسلم تسليماً فقد أديت الواجب. ولكن فضل الصلاة فضل عظيم، وحسبنا أن يكون من يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مرة يصلي الله تعالى عليه بها عشراً، وصلاة الله المغفرة والرحمة.

    حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير من الصلاة

    الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير واجبة، وذهب الإمام الشافعي إلى أن من يتعمد تركها ولم يصل في صلاته فصلاته باطلة. وأما التشهد الأول فلا صلاة فيه على النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ ينتهي بقولنا: السلام عليك أيها النبي! ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وأما التشهد الثاني فبعد هذا لابد من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بالصيغة التي علمها رسول الله أصحابه، وهي الصيغة الإبراهيمية، وهي: ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد ). وهذه الصيغة أتم الصيغ وأكملها.

    فاعلموا أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير في الفريضة أو النافلة واجبة ومن السنن المؤكدة، حتى إن الإمام الشافعي -كما قلت لكم- يقول: من يتعمد تركها ولم يصل عليه فصلاته باطلة. فمن هنا لا يتركها مصلٍ ولا مصلية في التشهد الأخير سواء كانت الصلاة نافلة أو فريضة. والصيغة المباركة الطيبة العامة لها هي -كما سمعتم- الصلاة الإبراهيمية، وصيغها كثيرة، وأكملها هو: ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد ). ثم تقول: السلام عليكم، أو تدعو بعد ذلك بما شاء الله أن تدعو به.

    إذاً: هذه الصلاة واجبة وسنة مؤكدة، لا تترك في أي فريضة أو نافلة.

    وقد علمنا أنه إذا ذكر بين أيدينا باسمه العلم محمد أو أحمد أو الصفة كالرسول أو النبي ينبغي أن نقول: صلى الله عليه وسلم في كل حال.

    المواطن التي يستحب فيها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليلتها أعظم أجراً وأكثر حسنات، فلهذا المؤمنون والمؤمنات يخصون يوم الجمعة وليلتها بالكثير من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

    كما يستحب للخطيب إذا أراد أن يخطب أن يبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم بالصلاة والسلام على رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك الداعي الذي رفع يديه إلى الله يسأله ينبغي أن يبدأ بحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم يدعو بعد ذلك ما شاء الله أن يدعو، ويختم دعاءه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهنا لطيفة، وهي: أنه إذا قبل الله تعالى أول دعاءك وقبل آخر دعاءك فسيقبل الوسط. فتأملوا هذا. فحاشاه أن يقبل أول الدعاء ويقبل آخره ثم يرفض الوسط، ووالله ما كان. فلهذا يا من يرغب في الاستجابة لدعائه ابدأ بحمد الله والصلاة والسلام على رسوله، واختم دعاءك بالصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حتى يستجاب دعاءك ولا يرد.

    صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] هي: اللهم صل على محمد وسلم تسليماً، وإن زدت وآله وصحبه فحسن، ولكن الواجب يسقط بقول: اللهم صل على محمد وسلم تسليماً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة)

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:57] والعياذ بالله بالسب .. بالشتم .. بالكفر به .. بتكذيبه .. بوصفه بالأوصاف الرديئة .. أو يصفونه بأن له زوجة وأن له ولداً والذين يؤذون أولياءه ويؤذون أنبياءه ويؤذون عباده الصالحين كلهم أذوا الله. وَرَسُولَهُ [الأحزاب:57] محمد صلى الله عليه وسلم إما بالسب أو بالشتم، أو بالتعيير أو بالكره، أو بالبغض أو بالمعصية، أو بالخروج عن طاعته أو بأذية أمته، أو بأذية ملته ودينه فهؤلاء قال تعالى عنهم: لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب:57]. ولا أحد يقبل هذا أو يرضى به، وإذا لعنه الله في الدنيا فلن يفلح أبداً، ولن ينجح، ولن يفوز، وإذا لعنه في الآخرة فلن ينجو من عذاب الله، بل ويعد له ويهيئ له عذاباً مهيناً، يهان فيه في جهنم، والعياذ بالله تعالى؛ لأن ذمهم كان تعالياً وتكبراً، حتى آذوا الله وآذوا المؤمنين. والمتواضعون المستقيمون ما يؤذون الله ولا رسوله ولا المؤمنين، ولكن التكبر والعلو والطغيان يحملهم على ذلك، فلهذا يكون العذاب فيه إهانة لهم، وإذلال لهم وإضرار، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:57] أولاً لَعَنَهُمُ اللَّهُ [الأحزاب:57]. ومن لعنه الله وأبعده من رحمته لا أحد يرحمه، بل قد انتهى أمره، وشقي شقاءً أبدياً.

    والله لعنهم فِي الدُّنْيَا [الأحزاب:57]، وهم أحياء، وفي القبر وهم أموات، وفي الآخرة أيضاً ملعونين. والذي يسخط الله عليه ويغضب عليه ويلعنه والله ما يسعد، ووالله ما ينجو ولا يكمل، وما هو إلا الخسران الأبدي. وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب:57]. يهينهم به. لأنهم كانوا متكبرين في الدنيا، ولهذا آذوا الله ورسوله والمؤمنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات ... فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:58]. وهذا على الإطلاق، فأي مؤمن أو أي مؤمنة يؤذيها عبد فجزاؤه ما قاله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا [الأحزاب:58]. وأما إذا اكتسب العبد ذنباً أو جريمة أو إثماً فقد يقال له: فعلت كذا وكذا، وأما الاتهامات فقط ونسبة الظلم إليه أو الخبث أو الشر أو الفساد، أو احتقاره أو إهانته، أو أذيته في ماله أو في عرضه أو في بدنه فهذا جزاؤه فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب:58]. فقد تحملوا هذا. ويا ويلهم إن لم يتب الله عليهم! بأن يطلبوا التوبة ويتوبوا. والآية صريحة في حرمة أذية الله، وفي حرمة أذية رسول الله، وفي حرمة أذية المؤمنين والمؤمنات. فالأذى حرام وممنوع، ولا يكون حتى للحيوان، فضلاً عن أن يكون لله ورسوله والمؤمنين والمؤمنات.

    والكل يعرف ما هو الأذى، فهو يكون بالكلمة القاسية .. بالضربة .. بسلب المال .. بالتقبيح .. بالتعيير .. بالسب .. بالشتم .. بنسبة الباطل إليه، فالذين قالوا: لله ولد كعيسى قد سبوا الله وذموه، وجعلوه كعباده، والعياذ بالله. والذين يجعلون الأصنام شفعاء لهم يشفعون لهم عند الله قد نسبوا إلى الله الباطل، والله بريء منهم، وما خلق الأصنام ليعبدوها معه، ولكنهم هم اتخذوا ذلك وسيلة بتزيين الشيطان لهم وتحسينه الشرك.

    والمهم يا معشر المستمعين والمستمعات! أن نحاسب أنفسنا، وأن نراقب وضعنا وحالنا؛ حتى لا نؤذي ربنا، ولا رسوله بأي أذى، وحتى لا نؤذي مؤمن ولا مؤمنة بأي أذى، لا في أموالهم ولا أعراضهم، ولا أبدانهم ولا دينهم؛ حتى ننجو من هذا العذاب المهين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ...)

    قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:59]، الآية. وقبل نزول هذه الآية بالذات كان نساء المؤمنين يخرجن بالليل لقضاء الحاجة، إذ لم يكن في البيوت مراحيض، وكن يخرجن في الليل كاشفات الوجوه، فكان المنافقون من اليهود ومن العرب -وهم موجودون بالبلاد- يغتنمون الفرصة، ويسخرون بالمؤمنة، إذ لما تكون المرأة كاشفة وجهها يظنون أنها أمة، وليست حرة؛ لأن الإماء لا يسترن وجوههن أبداً؛ لأنهن خدم، ولكن الحرائر ما يكشفن وجوههن. فأصبح المؤمنات يشتكين لأزواجهن بأنهن يلقين في الطريق كذا، ومن يقول كذا، أو من يسخر من كذا.. فرفعوا القضية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ [الأحزاب:59] أولاً، وهن أمهات المؤمنين، وَبَنَاتِكَ [الأحزاب:59] ثانياً، وهن: فاطمة الزهراء وأم كلثوم ورقية قبل وفاتهما، فقل لهن: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ [الأحزاب:59]. فتكون مستترة بثياب ساترة، والجلباب كالعباءة، فتضعه على رأسها وكتفيها تدنيها، وتغطي وجهها. فقل لهن: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ [الأحزاب:59]. وهذا بأمر الله تعالى. فبلغوهن، وليطعن الله وليفعلن ذلك، فيسترن وجوههن، فتتميز الحرة من الأمة. والمنافق والمريض القلب إذا رأياها مستورة ما يتكلما معها، ولكن إذا رأياها مكشوفة الوجه يظناها أمة، فيغازلانها ويداعبانها. فهذا العلاج، وهو قوله وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ [الأحزاب:59] أولاً وَبَنَاتِكَ [الأحزاب:59] ثانياً، حتى لا يقول الناس: ترك أزواجه متحررات يكشفن، ونحن يأمرنا بالستر. ولذلك ابدأ أولاً: بأزواجك، وثانياً: ببناتك الموجودات، وثالثاً: بالمؤمنات، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ [الأحزاب:59]، أي: يقربن عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ [الأحزاب:59] بذلك، ويعرفن أنهن حرائر طاهرات، لسن بعاهرات، فلا يتعرض لهن المنافقون واليهود. ومن ثم ما أصبحت المؤمنة لا تخرج لحاجتها إلا وهي ساترة وجهها إلا ما كان من إحدى عينيها فقط؛ لتبصر الطريق بها، ما عدا ذلك مستور مغطى. وهذا هو الحجاب في الإسلام. فلا تخرج المؤمنة إلا من ضرورة وحاجة تدعوا لخروجها، ولا تخرج كاشفة الوجه أبداً، بل مستورة الوجه، لا يرى منها إلا إحدى عينيها أو عينيها الاثنتين إذا وصل الحجاب إلى عينيها. وابن عباس يقول: عيناً واحدة.

    والآن الحمد لله توجد هذه الثياب الرقيقة الحريرية، فتسبلها على وجهها، وتشاهد الطريق، ولا يرى وجهها، فلهذا لا حاجة إلى الانتقاب؛ لما فيه من الكلفة والمشقة، بل هناك قطعة بريالين أو ثلاثة من قماش أسود رقيق، فتسبله على وجهها، وتمشي في الشارع تقضي حاجتها وتعود، وأما أن تكشف وجهها وتخرج في الشوارع ويشاهدها الفحول والرجال فهذا والله لا يجوز. ولا قيمة أبداً لمن أفتى بالجواز، ولا عبرة له مع نصوص الآية الكريمة، اللهم إلا العجائز اللائي لم يحضن ولا يلدن، بأن تجاوزن الخمسين أو الستين، فقد سمح الله لهن بكشف وجوههن فقط، واقرءوا قول الله تعالى: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ [النور:60]. جمع قاعد، أي: قعدت عن الحيض والولد والنفاس. وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا [النور:60]، أي: ما تأمل أن تتزوج غداً؛ لأنها شاخت، فهؤلاء فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ [النور:60]، أي: إثم أو حرج أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ [النور:60] التي كانت على رءوسهن، غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ [النور:60] أيضاً. وليس أن تنزع اللباس من على رأسها، وتضع على وجهها الكحل والعطورات وما إلى ذلك، بل غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ [النور:60] مطلق زينة. وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ [النور:60]، أي: وأن تبقى على ستارها أفضل لها وخير، ولو بلغت المائة والعشرين. هذا تدبير الله عز وجل. وقد عاش المؤمنون قروناً على هذا، ثم ظهرت هذه الفتنة في هذه المائة سنة، وقلد المؤمنون الكافرين، وأصبح النساء المؤمنات كاشفات الوجوه في بلادهن، وتقول: تركت الحجاب فقط! وأقول: ما هو الحجاب إذا كشفت وجهها؟ وماذا سترت إذا تركته؟ وأنا دائماً أضرب مثلاً وأقول: انظروا إلي الآن وأنا متحجب، فوالله لا يرى مني غير وجهي.

    وإذا كانت المرأة ما تحجب وجهها، ولا تغطي جسمها دائماً وأبداً فلم يبق شيء تستره. وإذا رأيت المرأة من ظهرها ومن يدها مستورة فلن تقول فيها شيئاً، ولن تعرف عنها شيئاً، ولكن إذا كشفت وجهها ونطقت وتكلمت وتكلمت معها فقد وصل البلاء. والعياذ بالله تعالى.

    إذاً: قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:59] إلى يوم الدين: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ [الأحزاب:59]. فيعرفن أنهن طاهرات حرائر، مؤمنات مستورات، فلا يؤذيهن المنافقون واليهود الذين كانوا بالمدينة. وَكَانَ اللَّهُ [الأحزاب:59] وما زال غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:59]. فليتبن إلى الله عز وجل. فمن الآن تستر المؤمنة وجهها، ولا تكشف وجهها وهي في طريقها إلى حاجتها بإدنائها جلبابها على وجهها.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    الآن أسمعكم شرح الآيات من الكتاب.

    قال: [ معنى الآيات:

    لما ذكر تعالى في الآيات السابقة ما يجب على المؤمنين من تعظيم نبيهم واحترامه حياً وميتاً ] وسواء كان صلى الله عليه وسلم حياً أو كان ميتاً فيجب تعظيمه واحترامه [ أعلن في هذه الآية (56) عن شرف نبيه الذي لا يدانيه شرف، وعن رفعته التي لا تدانيها رفعة، فأخبر أنه هو سبحانه وتعالى يصلي عليه، وأن ملائكته كذلك يصلون عليه، وأمر المؤمنين كافة أن يصلوا عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ] اللهم صل عليه وسلم تسليماً [ فكان واجباً على كل مؤمن ومؤمنة أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ولو مرة في العمر، يقول: اللهم صل على محمد وسلم تسليماً. وقد بينت السنة أنواعاً من صيغ الصلاة والسلام على الرسول، أعظمها أجراً الصلاة الإبراهيمية، وهي واجبة في التشهد الأخير من كل صلاة فريضة أو نافلة. وتستحب استحباباً مؤكداً عند ذكره صلى الله عليه وسلم، وفي مواطن أخرى. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (56).

    أما الآية الثانية (57) فقد أخبر تعالى عباده أن الذين يؤذون الله بالكذب عليه أو انتقاصه بوصفه بالعجز أو نسبة الولد إليه أو الشريك وما إلى ذلك من تصوير الحيوان ] وهذه لطيفة، وهي: أن تصوير الحيوان مضاهة لله عز وجل، وأذية لله، ويا ويل للمصورين! لأن هذه من خصائص الله [ إذ الخلق اختص به الله، فلا خالق إلا هو ] كما قال تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54] [ فلا خالق إلا هو، فلا تجوز محاكاته في الخلق ] فمن أراد أن يصور كما يصور الله فقد أراد أن ينازع الله في حقه. فاذكروا هذا.

    قال: [ ويؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم بسب أو شتم أو انتقاص أو تعرض له أو لآل بيته أو أمته أو سنته أو دينه هؤلاء لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [الأحزاب:57]، أي: طردهم من رحمته، وَأَعَدَّ لَهُمْ [الأحزاب:57]، أي: هيأ وأحضر لهم عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب:57] لهم يذوقونه بعد موتهم ويوم يبعثهم يوم القيامة. هذا ما دلت عليه الآية الثالثة (58).

    أما الآية الرابعة (59) فإنه لما كان المؤمنات يخرجن بالليل لقضاء الحاجة البشرية؛ إذ لم يكن لهم مراحيض في البيوت، وكان بعض سفهاء المنافقين يتعرضون لهن بالغمز والكلمة السفيهة، وهم يقصدون على عادتهم الإماء لا الحرائر، فتأذى بذلك المؤمنات، وشكون إلى أزواجهن ما يلقين من تعرض بعض المنافقين لهن، فأنزل الله تعالى هذه الآية: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ [الأحزاب:59]. والجلباب هو: الملاءة أو العباءة تكون فوق الدرع السابغ الطويل، أي: مرهن بأن يدنين من طرف الملاءة على الوجه حتى لا يبقى إلا عين واحدة، ترى بها الطريق، وبذلك يعرفن أنه حرائر عفيفات، فلا يؤذيهن بالتعرض لهن أولئك المنافقون والسفهاء، عليهم لعائن الله.

    وقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:59]، أي: أخبر عباده أنه تعالى كان وما زال غفوراً لمن تاب من عباده، رحيماً به فلا يعذبه بعد موته ].

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات.

    [ من هداية ] هذه [ الآيات ] المباركة:

    أولاً: بيان شرف الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ووجوب الصلاة والسلام عليه بالتشهد الأخير في الصلاة ] وفي هذا بيان شرف رسول الله وعلو مكانته وسمو درجته، فيجب علينا أن نجله ونكبره ونعظمه، ونصلي ونسلم عليه.

    قال الشيخ في النهر: [ ومن مواطن الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم: عند بدأ الدعاء وختمه، وافتتاح الخطبة بعد حمد الله والثناء عليه، ويوم الجمعة وليلتها. وورد في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث، منها: حديث مسلم : ( من صلى علي مرة صلى الله بها عشراً ). وروى النسائي : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم يوماً والبشر يرى في وجهه -فرحاً وسروراً- فتعجبوا [ فقالوا: إنا لنرى البشر في وجهك، فقال: ( أتاني الملك ) ] وهو جبريل [ ( فقال: يا محمد! إن ربك يقول: أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشراً ) ] والحمد لله.

    [ ثانياً: بيان ما يتعرض له من يؤذي الله ورسوله ] والمؤمنين [ من غضب وعذاب ] ونحن نبرأ إلى الله من أذاهم، ونبرأ إلى الله ممن يؤذيهم.

    [ ثالثاً: بيان مقدار ما يتحمله من يؤذي المؤمنين والمؤمنات بالقول، فينسب إليهم ما لم يقولوا أو لم يفعلوا، أو يؤذيهم بالفعل بضرب جسم أو أخذ مال أو انتهاك عرض ] والعياذ بالله.

    قال الشيخ في النهر: [ روى البخاري في صحيحه قال: قال الله تعالى: ( كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك ). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة : ( يقول الله تبارك وتعالى: يؤذيني ابن آدم، يقول: يا خيبة الدهر ) ] وهذا فيه رد على من يقول: إن الله لا يؤذى، أو كيف يؤذى؟ فهو قد قال: يؤذيني عبدي، فينسب إلي الباطل. فالله عز وجل يؤذى بنسبة الباطل إليه، وبوصفه بصفات هو منزه عنها، ومبرأ عنها، وبأنه يفعل كذا ولم يفعل. هذه الأذية لله.

    قال: [ ( فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أقلب ليلة ونهاره، فإن شئت قبضتهما ) ].

    [ رابعاً: وجوب تغطية المؤمنة وجهها إذا خرجت ] من بيتها لقضاء [ لحاجتها ] في الدكان أو في أي مكان [ إلا ما كان من عين واحدة ترى بها الطريق ] فيجب أن تغطي وجهها، وكشف الوجه للمؤمنات حرام لهذه الآية. وقد تورط الغافلون، وقالوا: لا بأس به، وهم والله لغالطون مخطئون، فإذا انكشف الوجه لم يبق والله، بل ينتهي الحجاب، وإذا كانت تخرج إلى الشارع وهي كاشفة عن وجهها، أو لما ندخل البيت ضيوفنا أو نزور أحداً تتقدم معنا وتجلس معنا وتأكل وتشرب؛ لأنها مكشوفة الوجه لم يبق حجاب؛ إذ الحجاب هو ستار يفصل بين المرأة الأجنبية والرجل الأجنبي. هذا هو الحجاب [ واليوم بوجود الأقمشة الرقيقة لا حاجة إلى إبداء العين؛ إذ تسبل قماشاً على وجهها، فيستر وجهها، وترى معه الطريق واضحاً. والحمد لله ] وهذه لطيفة كما قلت لكم، فقد كان النساء ينتقبن، ولهذا المحرمة ما تنتقب، بل تكشف عن وجهها؛ لأن الانتقاب كان والثياب غليظة من صوف وغيرها، فلا تستطيع أن تسبلها على وجها وترى الطريق. وأما الآن فما هناك حاجة إلى الانتقاب؛ إذا هناك مؤمنات توزع هذه الخرق مجاناً في المسجد، أو تشتريها المرأة بريال أو بريالين، فاسبليها عن وجهك وامشِ في الشارع ولا حرج، وإن كنت زائرة وقد كنت في بلاد كاشفة لوجهك، ثم جئت مدينة الرسول بلاد الإسلام والدولة الإسلامية فيجب أن تستري وجهك كالنساء المؤمنات.

    فيا أيتها النساء المؤمنات! اللائي يسمعن الدرس: الزائرة التي كانت في بلادها تكشف عن وجهها يجب إذا جاءت المدينة أن تستر وجهها، وبريالين تشتري قماشاً أسود وتضعه على وجهها، ولا تبقى مكشوفة الوجه بين الرجال، فهذا لا يجوز، ومن فعلت هذا فهي آثمة، والذين ينظرون إليها آثمون أيضاً، والعياذ بالله.