إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب (11)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان بالله يستلزم التسليم المطلق له، والقبول لكل ما يجيء به من أمر ونهي، وهذا ينطبق أيضاً على ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يرد أمر الله ورسوله، وقد بين الله هنا حادثة زواج زيد بن حارثة بزينب بنت جحش، وما صاحبها من أحكام صارت دستوراً لكل مسلم ومسلمة، بدأ بالتسليم المطلق لأمر الله ورسوله، وانتهاء ببيان حكم الزواج ممن تزوج بها أحد أدعياء الرجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا * وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا * مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا * مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب:36-40]..

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! في الجاهلية قبل الإسلام كان الرجل إذا تبنى ولداً وقال هذا ابني فإنه يصبح يعرف بابن فلان، وينزل منزلة الابن، وإذا أراد أن يتزوج هذا المدعى لا يتزوج مدعي زوجته؛ لأنه ابنه، وإذا مات يرثه، ويرثه مدعيه أيضاً. وهذه القضية الجاهلية أراد الله أن يبطلها وفعل وله الحمد والمنة.

    وأذكركم بأن زيد بن حارثة الكلبي رضي الله عنه وأرضاه اختطف من جهة الشمال أيام كان الغزو والسلب والنهب من العرب المشركين، وجيء به إلى مكة، فبيع فيها على أنه عبد، فاشتراه عم خديجة أو زوجها حكيم بن حزام ووهبه لـخديجة يخدمها، وشاء الله تتزوج خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتهبه هذا الغلام وهذا العبد، وهو زيد ، فصار يدعى ابن محمد صلى الله عليه وسلم، وتمضي الأيام ويجيء والده وإخوانه إلى مكة يبحثون عن ولدهم، فعثروا على ولدهم زيد بن حارثة مولى لمحمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا مستعدين أن يدفعوا قيمة مالية ويعطيهم ولدهم، ولكن الحبيب صلى الله عليه وسلم عدل في القضية وقال: ( أنا أخيره ). فهو مخير، فإن شاء يبقى معي، وإن شاء يذهب مع والده. فخيره تخييراً كاملاً، فقال: ( يا زيد! إن شئت تبقى مع محمد، وإن شئت تعود إلى والدك وأعمامك وإخوانك ). فأبى أن يختار إلا أن يكون لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقال: لا أختار على رسول الله أباً أو أماً. ففاز فوزاً عظيماً، وأصبح يعرف بزيد بن محمد صلى الله عليه وسلم، وتمضي الأيام ويقضي الرسول بمكة ثلاثة عشرة سنة، وهو نبي ورسول، ثم التحق بالمدينة مهاجراً. وأراد الله أن يبطل هذه العادة الباطلة السيئة، فحملها رسوله صلى الله عليه وسلم لينهض بها، فأوحي إليه بأن يخطب زينب بنت جحش لـزيد بن حارثة الكلبي، وكان الرسول الكريم لا أشد حياء منه، فقد كان أشد حياء من البكر في بيتها، فما استطاع أن يفصح في الخطبة، وأن يخطب زينب بنت عمته لمولاه زيد بن حارثة ، فلما سمعت الخطبة رضي الله عنها فهمت أنه يخطبها لنفسه، فأحبت أن تكون أم المؤمنين، ولها الحق في ذلك، وبعد يومين أو ثلاث تحدث الناس والنساء وقالوا: أنت مخطوبة لـزيد ، وليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فعظم الأمر عندها، وقالت حمية: أنا سيدة شريفة، ولن أتزوج مولى من موالي الناس، ولن يكون هذا أبداً، ووقف إلى جنبها أخوها عبد الله بن جحش ، وكان أول من غزى في الإسلام، وقال: لا، فهذا مولى من الموالي، وهذه شريفة وحرة، ولن تتزوجه. ففصل الله القضية، فأنزل الله تعالى هذه الآية: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]. فليس من شأن المؤمن ولا المؤمنة إذا حكم الله بشيء وقضى فيه بالمنع أو الإعطاء أو التحليل أو التحريم أن يبقى له الخيار في ذلك، فإن شاء قبل وإن شاء أبى، فهذا يتنافى مع الإيمان، ولن يكون صاحبه مؤمناً أبداً، ولا من أهل الإيمان، فقد قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [الأحزاب:36]. فما كان من زينب وعبد الله إلا أن ارتعدت فرائصهما وقالا: آمنا بالله، وسلمت نفسها لـزيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الموقف ينفعنا لو نقفه. فيا عباد الله! الربا حرام، والبنوك محرمة، فلا تحلونها وتستحلونها، وقد قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا [الأحزاب:36]. وقد قضى بتحريم الربا قضاء مبرماً نهائياً، فلا نستبيحه ونبني البنوك، ونشتغل فيها ونبيع ونشتري معها.

    وتأملوا قوله: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ [الأحزاب:36]. فهذا مطلق في القرن الأول والثاني وإلى يوم القيامة، فإذا قضى الله ورسوله أمراً بالحل أو بالتحريم .. بالمنع أو الإجازة فليس هناك خيرة أبداً، بل على المسلمين أن ينصاعوا، وأن ينقادوا، وأن يحلوا ما أحل الله، أو يحرموا ما حرم، وإلا فلا إيمان. وهذه الآية واضحة الدلالة على هذا.

    ثم قال تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [الأحزاب:36]. واضحاً مبينا لا شك فيه، ولن يهتد إلا إذا هداه الله.

    وانقادت زينب وعبد الله ، وسلمت نفسها وسلمها أخوها، وتزوج زيد زينب أم المؤمنين فيما بعد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك ...)

    قال تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:37]. هذا خطاب الله تعالى لرسوله وجهاً لوجه، يقول تعالى للمصطفى صلى الله عليه وسلم: اذكر وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ [الأحزاب:37]. وزيد بن حارثة هو الذي أنعم عليه، ووالله لقد أنعم عليه بنعم عظيمة، منها: أن اسمه يقرأ في كتاب الله إلى يوم القيامة، ولم يذكر صحابي فيه ولا أحد إلا زيد . وليس هناك إنعام أكثر من هذا الإنعام، وكذلك إنعام الله عليه بالإسلام، وإنعام الله عليه بأن زوجه زينب الشريفة؛ ليعلو شرفه، ثم لتحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبطل جاهلية الأولين.

    وقوله: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ [الأحزاب:37]، أي: بالإسلام، وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ [الأحزاب:37] بالتحرير، وأنت تقول له: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الأحزاب:37]، لأن زينب ما اطمأنت نفسها مع زيد وما رضيت، وقد استسلمت وانقادت وقبلت الزواج، ولكنها ليست سعيدة، بل كانت تعيش في ألم وشقاء، وهو يألم لها كذلك، ولا يريد أن تتألم، فكرب هو أيضاً وحزن فكان يأتي إلى رسول الله يشكو إليه قائلاً: يا رسول الله! ما استطاعت هذه المؤمنة أن تبقى معي، فيقول له الرسول: أمسك عليك زوجك واتق الله . فقد كان يخاف أن يطلقها زيد ، ويزوجه الله بها، ويقول اليهود والمنافقون: محمد يتزوج من امرأة دعييه، فكان الرسول في هم، فإذا جاء زيد يشكو يقول له: لا تشكو يا زيد ! بل اصبر واتق الله، واصبر على ما تجد من امرأتك، فذلك خير لك. فقال تعال: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ [الأحزاب:37] بعد يومين .. ثلاثة. وهكذا يعاتب الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا عتاب الحبيب لمحبه.

    فهو يقول له: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ [الأحزاب:37]، وهو زيد، وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ [الأحزاب:37] بالحرية، أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الأحزاب:37]، ولا تطلق زينب . وَاتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:37]. وتخشى يا رسولنا! في نفسك قول اليهود والمنافقين بأن محمداً أعجبه امرأة مولاه فتزوجها. وهذا كما تعرف الهابطين إلى اليوم يقولون. وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب:37]. فاخشى الله بدل ما تخشى المنافقين أو الكاذبين واليهود.

    ثم قال تعالى: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا [الأحزاب:37]، أي: حاجة، ودخل بها وبنى بها، زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب:37]. فلما دخل بها زيد وتزوجها كذا يوم أو شهر وطلقها وما استطاع البقاء معها وتمت العدة وانتهت حتى عقد الله لرسوله في الملكوت الأعلى بين الملائكة، وكانت تفاخر نساء الرسول وتقول: أنا من تولى الله عقد نكاحها، وأنتِ تول عقد نكاحك أبوك وهذه أخوها، وأنا تولى عقد نكاحي الله، وجبريل يشهد. وقد قال تعالى: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب:37] يا رسولنا! لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا [الأحزاب:37]. هذه العلة. فقد أعان الله زيداً أن طلقها وعقد بها على رسوله ليعلم الناس أجمعين أن امرأة المدعى المتبنى ليست بمحرمة أبداً، وليست كامرأة ابنه من الصلب. فأبطل الله تلك البدعة المنكرة بهذه الأحكام العظام، فقال تعالى في الآية الكريمة: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب:37] يا رسولنا! والسبب لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ [الأحزاب:37]، أي: ضيق فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا [الأحزاب:37]. فأي رجل تحته رجل مدعٍ له متزوج وطلق زوجته أو مات عنها فله أن يتزوجها؛ لأنها ليس بابن له، وليس هو كابنه من صلبه.

    وكانت هذه المشكلة صعبة، وتحملها رسول الله وزيد وزينب وعبد الله ، فقد تحملوا أثقالها وأتعابها وآلامها. وانظروا كيف يبتلي الله أولياءه؛ ليرفع مقامهم، ويعلي مكانهم. فـزينب تعبت في هذا وتألمت، وأخوها عبد الله كذلك، ورسول الله تألم أكثر من ذلك، وكذلك زيد رضي الله عنه.

    وهكذا يقول تعالى: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ [الأحزاب:37] في المستقبل في أزواج أدعيائهم إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا [الأحزاب:37]، أي: تزوجهن وجامعهن. وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [الأحزاب:37]، أي: وكان أمر الله الذي قدره وكتبه في اللوح المحفوظ لابد وأن يقع واقعاً وكان كما كتب وقدر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له ...)

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ...)

    قال تعالى: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا [الأحزاب:39]. فالرسول على منهج الأولين وعلى مسلك السالكين من الأنبياء والمرسلين، فاصبر يا رسول الله!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ...)

    قال تعالى خاتماً لهذه القضية: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ [الأحزاب:40]. فمن قال: محمد أبو فلان فقد كفر؛ لأنه كذب الله عز وجل في قوله: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ [الأحزاب:40]. وأما من أولادكم فنعم، فقد كان أبو الطيب وعبد الله والقاسم ، وهؤلاء الثلاثة الأولاد من خديجة ، وقد ماتوا وهم صبيان في مكة، ومارية القبطية المصرية ولدت له إبراهيم ، ثم مات في السنة الثانية أو الأولى، ولم يبق له ولد، ولو كان له ولد لكان يخلفه في النبوة كما خلف إسحاق إبراهيم وإسماعيل، وسليمان داود، ولكن ختمت النبوة، فلهذا لم يجعل له ولداً يخلفه فيها، وقد قال تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب:40]. فقد علم تعالى أنه لو ترك له ولد يكبر ويعيش ويصبح رجلاً لتولى النبوة بعده كما تولاها سليمان بعد داود، وإسماعيل بعد إبراهيم، ويوسف بعد إسحاق.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن إليكم هداية هذه الآيات وتأملوها:

    [ من هداية ] هذه [ الآيات:

    أولاً: بيان أن المؤمن الحق لا خيرة عنده في أمر قضى فيه الله ورسوله في الجواز أو المنع ] وهذه هي الحقيقة يا معشر المستمعين والمستمعات! فإذا قضى الله تعالى عليك بأمر فيجب أن تسلم لله أمره، وتقضي ما أمرك به، أو تنتهي عما نهاك عنه. ولا حق لمؤمن أن يختار أبداً، بل الأمر لله، فهو الحاكم، وهو العليم. فإذا حكم بحلية شيء فهو حلال، ولا يحل لك أن تقول فيه: حرام، وإذا حرم شيئاً فلا يحل أن تقول: إنه حلال، وإن فعلته فقد خرجت عن دائرة الإيمان، ولست بمؤمن أبداً أبداً، وقد قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ [الأحزاب:36]. وذكر حتى النساء فيه، فقال: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا [الأحزاب:36]، أي: إذا حكما بشيء لم يكن لهم الخيرة في ذلك أبداً، بل يجب أن ينقادوا ويخضعوا ويستسلموا. هذه هداية الآية الأولى.

    [ ثانياً: بيان أن من يعص الله ورسوله ] بترك واجبات أو فعل محرمات في الاعتقادات أو الأقوال أو الأعمال أو الصفات [ يخرج عن طريق الهداية إلى طريق الضلالة ] لقوله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ [الأحزاب:36] عن الهدى، وخرج عن طريق السعادة والكمال، وأصبح ماشياً في طريق الضلال والشقاء والخسران.

    [ ثالثاً: جواز عتاب الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ] فلله أن يعتب على رسوله، والعتاب كاللوم، لأن الرسول كما علمتم تألم من زواجه بامرأة زيد ؛ خوفاً من المنافقين واليهود أن يقولوا: تزوج امرأة دعيه، وأنها أعجبته وفتنته بجمالها، ويغنون كما تعرفون. والله عز وجل عاتبه على ذلك.

    [ رابعاً: بيان شدة حياء الرسول صلى الله عليه وسلم ] وهذه والله ما نطيقها، ووالله لا يوجد من يطيق ما عاناه رسول الله من صباه إلى أن توفاه الله، فقد كانت حياته كلها آلام وأتعاب، وشدة وكروب وأحزان، وموت أولاده وموت زوجاته، ومن طرده من مكة وإخراجه منها، ومحاولة قتله وحصره في الغار، وما فعلوا به من غير ذلك. ولا أحد يطيق هذا. وحتى التي يريد الله أن يبطلها من الجاهلية جعل الرسول هو الذي يتحمل مسئوليتها. فقولوا: صلى الله عليه وسلم.

    [ خامساً: بيان إكرام الله لـزيد بأن جعل اسمه يقرأ على ألسنة المؤمنين إلى يوم الدين ] فمن هداية الآيات: إكرام الله لـزيد بن حارثة الكلبي ، فقد أكرمه بالإسلام والإنعام عليه وبالحرية، ثم زوجه من شريفة، وهي زينب بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دون اسمه في القرآن يقرأ إلى يوم القيامة، وهذه الآيات يقرأها كل من قرأ سورة الأحزاب، وهي قوله تعالى: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا [الأحزاب:37]، ولم يذكر علياً ولا عثمان ، ولا خالداً ولا أحد، ولم يذكر إلا زيداً ؛ لأنه تحمل المسئولية، وتعب تحتها.

    [ سادساً: بيان إفضال الله على زينب لما سلمت أمرها لله، وتركت ما اختارته لما اختاره الله ورسوله، فجعلها زوجة لرسول الله، وتولى عقد نكاحها في السماء، فكانت تفاخر نساءها بذلك ] وهذه قاعدة، وهي: ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه خيراً منه والله العظيم، وما ترك مؤمن صادق الإيمان شيئاً لوجه الله إلا عوضه الله خيراً منه. فلما استسلمت هي وانقادت وتزوجت مولى من الموالي، وتألمت وتحرقت هي وأخوها عوضها الله أن زوجها رسول الله، وأصبحت أم المؤمنين، وتولى الله عقد نكاحها في الملكوت الأعلى، ولم يجعل ذلك إلى أخيها ولا إلى عمها. وليس هناك شرف أعظم من هذا الشرف. وهذا نتيجة أنها صبرت وتحملت.

    قال الشيخ في النهر: [ روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لو كان رسول الله كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ [الأحزاب:37]. وكذا قالت في آية: عَبَسَ وَتَوَلَّى [عبس:1] ] هكذا تقول أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله عنها وأرضاها، حبيبتنا وأمنا وأم والمؤمنين، فهي تقول: لو كان الرسول يستطيع أن يكتم أو يخفي شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب:37]. وكذلك آية عبس: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى [عبس:1-4]. وهذا عتاب الله له. فلو كان يقوى على أن يكتم شيئاً من الوحي لكتم هذه وهذه، ولكنه ما يستطيع. وهذا من فقه الصديقة.

    وقال في النهر أيضاً: [ إن قيل: كيف يأمر زيداً بعدم طلاق زينب وهو يعلم أنه سيطلقها ويزوجه الله تعالى بها؟ الجواب: لا حرج في هذا. ألا ترى أن الله يأمر العبد بالإيمان والإسلام وهو يعلم أنه لا يؤمن، لأن الأمر لإقامة الحجة، ومعرفة العاقبة ] وهذا حقيقة، فالرسول يعرف أن الله قد يزوجه بها ويقول لـزيد : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:37]. وغير ذلك. والدليل على أنه يعرف: أن الله يأمر عباده وهو يعلم أنهم لا يستجيبون. وكذلك هو يأمره، وهو يعرف أنه ما يستجيب، وأنه لابد أن يطلقها، لكن من الخير أن يقول له: اصبر واحتسب، وابق مع زوجتك.

    وقال في النهر أيضاً: [ وروي أن زينب كانت تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأدل عليك بثلاث ] أي: أتفضل وأتكبر وأرتفع بثلاث [ ما من نسائك امرأة تدل بهن: أولاً: أن جدي وجدك واحد ] وهذه تدل بها على كل نساء العالم، وهي أنها والرسول جدهما واحد؛ لأن أمها أميمة بنت عبد المطلب ، وهو ابن عبد الله بن عبد المطلب . فهذا فضل حاصل لها، وهو أن جدها وجده واحد. ولا أحد يبلغ هذا الكمال.

    والثانية: [ وأن الله أنكحك إياي من السماء ] أي: وأن الله زوجك إياي من السماء، وليس من الأرض.

    وثالثاً: [ وأن السفير في ذلك جبريل ] عليه السلام.

    [ سابعاً: تقرير حديث ( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه ).

    ثامناً: إبطال أحكام التَّبني التي كانت في الجاهلية.

    تاسعاً: تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكونه خاتم الأنبياء، فلا نبي بعده ].

    معاشر المستمعين والمستمعات! وصلتني هذه البطاقة، فاسمعوها: بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله محمد رسول الله، فتاة تبلغ من العمر ستة عشر عاماً مريضة، جاءت الأطباء وعجزوا عن علاجها، وفي ليلة القدر بكت الفتاة بشدة ونامت. وأقول: من أين لها أنها عرفت أن تلك ليلة القدر التي نامت فيها. فاعرفوا أن أول كذبة مفضوحة هي هذه. فلا أحد يعرف ليلة القدر حتى يقول: فزت بها. بل إنها تلتمس وتطلب، ولا يعرفها إلا من عرفه الله.

    قالت: وفي منامها جاءتها السيدة زينب رضي الله عنها -التي كنا نتكلم عنها- وأعطتها شربة ماء، ولما استيقظت من نومها شفيت تماماً بإذن الله، ووجدت قطعت قماش مكتوب عليها: أن ننشر هذه الرسالة ونوزعها على اثني عشر فرداً. وهذا والله كذب. ثم قالت: وصلت هذه الرسالة إلى عميد بحري فوزعها فحصل على ترقية خلال اثنا عشر يوماً، أي: ما إن وزعها حتى حصل إلى ترقية، ووصلت إلى تاجر فأهملها، فخسر كل ثروته خلال اثنا عشر يوماً، ووصلت إلى عامل فوزعها فحصل على ترقية، وحلت جميع مشكلاته خلال اثنا عشر يوماً. أرجو منك يا أخي المسلم! أن تقوم بنشرها وتوزيعها على اثنا عشر فرداً، والرجاء عدم الإهمال.

    وهذه والله لو كنا مستقيمين ما وزعت، ولكان من توجد في يده يؤخذ إلى السجن ويؤدب؛ حتى لا توزع في بلاد الإسلام .. في بلاد القرآن .. في دار الوحي هذه الأباطيل والمنكرات، ولا يوزعها رجال بين المصلين في الصفوف الأولى. فليس هناك مرض أعظم من هذا. ونحن نبرأ الله من صنيعهم، ونعوذ بالله منهم.

    والحمد لله رب العالمين.