إسلام ويب

تفسير سورة لقمان (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن أوصى لقمان الحكيم ابنه باجتناب الشرك وما يقود إليه من العقائد الفاسدة، بدأ يوصيه بما يلزمه تجاه الخلق، وأول ما أوصاه ببر الوالدين ومصاحبتهما بالمعروف والإحسان، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ذلك، واجتناب الكبر وسائر الأخلاق الذميمة، وخلال ذلك أوصاه بإقام الصلاة وغيرها من الفرائض.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل...)

    الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وها نحن مع سورة لقمان الحكيم، فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوة هذه الآيات ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    بسم الله الرحمن الرحيم: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:16-19].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذا القصص يخبر بالله عز وجل لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا كاف للدلالة القطعية على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو لم يعاصر تلك الأمم ولا عاش معها، ولكنه الوحي الإلهي أنزله الله عز وجل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فهو رسول الله حقاً وصدقاً.

    قال تعالى: يَا بُنَيَّ [لقمان:16]، هذا لقمان الحكيم يقول لولده فاران: يا ولدي! إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [لقمان:16]، ومعنى هذا: احذر معصية الله عز وجل، واعمل على طاعته فإن الحسنات كالسيئات لا يخفى أمرها على الله، فلو كانت الحسنة أو السيئة في صخرة، وهذه الصخرة قيل: إنها في أسفل الأرض السابعة، أو كانت في السموات، أو كانت في الأرض فسيأت بها الله، ويجزي بها العامل خيراً كان أو شراً، فلِم ما تتقي الله يا ولدي؟! لِم لا تخافه؟ لِم لا تطلب رضاه؟!

    اعلم أنها إن تك مثقال -وزن- ذرة من طاعة الله أو معصيته في الأرض أو في السموات أو في هذه الصخرة تحت الأرض سيأتي بها الله عز وجل ويجزي بها، فلِم لا تخاف الله ولا ترهبه يا بني؟!

    إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16]، أي: يستخرج بلطفه تلك الدقائق النادرة التي هي أقل من المثقال ويحاسب عليها ويجزي بها، وهنا غرس تقوى الله تعالى في قلب ولده بقوله له: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ [لقمان:16]، أي: وزن ذرة، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ [لقمان:16]، التي هي تحت الأرض السفلى السابعة، أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله وهو على ذلك قدير؛ لأنه لطيف خبير، يستخرجها بلطفه وخبرته.

    فهيا بنا نخشى الله ونخافه، ونعمل بما يحب أن نعمله، ونترك ما يحب أن نتركه؛ طاعةً لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمن فهم هذه وعلمها وأيقن صار يستحي من الله أن يعصيه ويخرج عن طاعته، وأصبح يخاف من الله فلا يخرج عن طاعته أبداً، ومن جهل هذا ولم يعرفه فهو كسائر الحيوانات.

    وهذه نصيحة لقمان لولده، ولتكن نصيحة لكل مؤمن ومؤمنة.. لنفسه ولولده، وهذا سر نزول القرآن بها؛ لتبقى نوراً وهداية خالدة بين المؤمنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ...)

    ثم قال له: يَا بُنَيَّ [لقمان:17]، والنداء هذا يستجلب العواطف ويستميل السامع حتى يسمع ويفهم، وتكرار النداء له آثاره.

    يَا بُنَيَّ [لقمان:17] أولاً: أَقِمِ الصَّلاةَ [لقمان:17]، أي: أدها بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها، وبذلك تكون قد أقمتها، ولن يتم ذلك القيام إلا بالإتيان بشروطها كما هي وأركانها وواجباتها وسننها.

    ثانياً: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ [لقمان:17]، فهذه توجيهات لقمان لولده: أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ [لقمان:17]، والمراد بـ(المعروف): طاعة الله بالامتثال لأوامره التي أمر عباده أن يفعلوها أو يقولوها أو يعتقدوها، و(المنكر): ما أنكره الله وحرمه ونهى عنه وتوعد عليه بالعذاب.

    ثالثاً: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان:17]؛ لأن الذي يأمر بالمعروف وإن كان يحسن الأمر ويقول الكلمة الطيبة قد يأتي أحمق ويضربه أو يسبه ويشتمه، ولا بد من آداب الأمر بالمعروف كالابتسامة والكلمة الطيبة، والدليل الواضح، ولكن مع هذا قد يجد من هو غليظ الطبع يصفعه أو يسبه، فيجب أن يصبر ولا يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [لقمان:17]، وعزائم الأمور ليست من المستحبات وفضائل الأعمال فحسب، بل إن عزائم الأمور هي من الواجبات المفروضة كإقام الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الركيزة الأساسية في بناء المجتمعات

    أقام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود تغمده الله برحمته دولة إسلامية في أسسها وأركانها، وها نحن في تلك البركة نعيش، فعندما احتل الرياض وأراد أن يقيم الدولة قرأ سورة الحج، فوجد فيها آية من كتاب الله تعلمه كيف يضع أركان دولته، وهي قول الله عز وجل: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ [الحج:41]، أي: حكموا وسادوا، أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41]، فأقام هذه الدولة على، أولاً: إقام الصلاة، فكان لا يسمح لرجل أو امرأة ألا يصلي، فكان هناك حكم الإعدام، والهيئات ورجالاتها والأئمة في المساجد، صلاة الصبح يقرأ قائمة بأهل الحي: إبراهيم، عثمان، عيسى، فلان.. أين فلان؟ اذهبوا إليه، إن كان مريضاً زوروه، وإن كان صحيحاً ائتوا به ليجلد جلداً، وهكذا في كل قرى الجزيرة، فقد كانت كلها قرى وليست مدن.

    ثانياً: إيتاء الزكاة، فرض الله الزكاة فأدى هذه الفريضة عبد العزيز فكانوا يأخذون الزكاة من كل مواطن رغم أنفه، حتى ولو كان شاة من الغنم أو جدياً، ما قصر في هذا الواجب أبداً، تجبى الزكاة جباية كاملة، والذين عاصروه يشهدون بهذا.

    ثالثاً: أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فكون هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل قرية، وفي كل مدينة، جماعة من الصالحين مهمتكم: إذا رأيتم معروفاً ترك مروا تاركه بأن يفعله، وإذا رأيتم منكراً مرتكباً انهوا صاحبه عن فعله ومروه ليتركه.

    ومن ثم كانت دولة إسلامية سادها أمن وطهر وصفاء، فوالله! ما وجد في الأرض إلا في عهد القرون المهذبة الثلاثة الأولى، فقد تحقق الأمن حتى كنا نشاهد أصحاب الدكاكين كبائعي الذهب يسدلون على أبواب دكاكينهم خرقة، ووالله! إنا كنا نسكن في بيت بلا باب ولا مفتاح إلا بخرقة؛ لأن الله عز وجل وضع قواعد الدولة وأركانها: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:41]، ومن ثم تكونت لنا نيف وأربعون دولة من إندونيسيا إلى موريتانيا ولم تقم دولة على هذه الأركان أبداً، كأنهم لم يسمعوا بالقرآن ولم يعرفوا عنه شيئاً.

    استقل نيف وأربعون دولة.. في كل شهرين أو في كل ثلاثة يستقل إقليم، أو في كل عام أو في كل عامين يستقل إقليم وتظهر دولة إسلامية، ولم تقم دولة على هذه الأركان الأربعة، لا إجبار الناس على إقام الصلاة ولا على إيتاء الزكاة، ولا على الأمر بالمعروف ولا على النهي عن المنكر، فكان الخبث والبلاء والشر والفساد و.. و.. قل ما شئت، ومن سنة الله عز وجل أنه من أكل السم قتله!

    لو كان أحد الرجالات يعلن عن إيجاد هذه القواعد الأربع: أيها الشعب الكريم! نقيم دولة على أسس أقامها الله عز وجل وأمر بها.. من الغد إقام الصلاة فلن يبقى من يترك الصلاة، لا عسكري في الجندية ولا مواطن في المدينة، ومن تأخر عن الصلاة يكون الجزاء.. غداً نكون هيئة الأمر بالمعروف بدلاً من كتل البوليس والشرطة، فقط رجال يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.. نؤدي الزكاة ونوقف هذه الضرائب الشيطانية ونحولها إلى زكاة ربانية، فهذه الدول تفرض الضرائب ولا تطالب بالزكاة.

    ومن عجيب ما نقوله وسمعتموه ونكرر القول: أنه كان أيام استعمار فرنسا لشمال أفريقيا تأتي لنا الورقة -ورقة الضريبة- بعنوان: الزكاة؛ حتى لا نحزن ولا نكرب من أن الضريبة ضرورية، والله العظيم!

    وفي تلك الأيام ما رأينا رجلاً يضع على رأسه برنيطة قط، سواء في الجيش الفرنسي أو في البوليس الفرنسي ولا يسمح له بذلك، وأنت مسلم لماذا تضع برنيطة على رأسك؟ والآن أولادكم في الشوارع بالبرانيط.

    فوالله العظيم! إن البوليس المسلم في الجزائر وتونس والمغرب لا يسمح له أن يضع برنيطة على رأسه، وإنما يضع على رأسه طربوشاً أحمر؛ لأنه مسلم وليس بنصراني، والآن توزع هذه البرانيط مجاناً عند الفجار أهل النار، وكم صرخنا وكم بلغوهم وهم مصرون -والعياذ بالله- على هذه الفتنة، ويوزعون البرانيط على الأطفال، فالبنت الصغيرة على رأسها برنيطة يا للعجب!

    أحبٌ هذا في اليهود والنصارى، أم بغض لرسول الله والمؤمنين؟! فماذا نقول وكيف نقول؟

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من تشبه بقوم فهو منهم )، والله! لو يجتمع أهل الأرض على أن ينقضوا هذه القاعدة المحمدية ما نقضوها ولن يستطيعوا، فهم أرادوا أن يربوا أولادنا على حب اليهود والنصارى، ما اكتفوا بما يشاهدونه في التلفاز وشاشات الدش وما إلى ذلك، ولكن ربوهم عملياً ولبسوهم البرانيط، فقد كنا نبكي على الصغار، والآن والله! يسوق السيارة والبرنيطة على رأسه. نسأل الله أن يتوفانا قبل الفتنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً ...)

    ثم قال لقمان لولده أيضاً وهو يعظه ويربيه ويعلمه: وَلا تُصَعِّرْ [لقمان:18]، (ولا تصاعر)، قراءتان، خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان:18]، هذه وصية هذا الرجل الكريم وهذا العبد الصالح لولده، لتكون وصية لأولاد المسلمين إلى يوم الدين.

    معنى قوله تعالى: (ولا تصعر خدك للناس ...)

    وَلا تُصَعِّرْ [لقمان:18] أي: لا تتكلم مع الناس بالكبرياء والتعنت، بل ألن جانبك واخفض صوتك وتكلم مع إخوانك، أما يميل برأسه كبرياء، فهذا الوصف مذموم وصاحبه ملعون، وليس من أهل الإيمان والتقوى، أي: لا تخاطب الناس وأنت رافع رأسك متكبراً عليهم.

    وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ [لقمان:18]، أي: واجه الناس بلين وتكلم معهم.

    وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا [لقمان:18]، أي: بالاختيال والفخر وأنت تضرب الأرض برجليك، بل امش مشية صالحين.

    معنى قوله تعالى: (إن الله لا يحب كل مختال فخور)

    وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان:18]، فمن هنا: نبرأ إلى الله أن نكون مختالين فخورين؛ لأن الله لا يحب المختال الفخور.

    المختال: الذي يمشي متكبراً.

    والفخور: الذي يقول: أنا وأنا.. وعملت وعندي كذا وكذا.. يتبجح بما عنده ويفخر.

    المختال: الذي يختال في مشيته كأنه سلطان ويفخر ويقول: عندنا وفعلنا ولبسنا وعندنا.. وعندنا.. وهذان مبغوضان لله، والله! إن الله ليبغضه، ومن منا يرضى أن يبغضه الله؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واقصد في مشيك واغضض من صوتك ...)

    قال تعالى: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ [لقمان:19]، القصد في المشي ضد الإسراف، لا تسرع وتهرول، ولا تتماوت، تدعي اللين والعطف فتتماوت، ولكن توسط واقتصد، لا تسرع وتهرول على الأرض، ولا تتماوت وتمشي كالمريض بل اقتصد.

    والقصد: هو الاعتدال بين البخل والإسراف.

    وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ [لقمان:19]، أي: اخفض من صوتك، ولا تتكلم بصوت مرتفع، فحين تأمر أو تنهى تكلم بالتي هي أحسن، وبالكلمة الطيبة والصوت والمنخفض، وليس بالجهر فتزعج الناس أو تخيفهم.

    وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:19]، الشهيق والزفير، أوله زفير وآخره شهيق.

    ومع هذا ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم تواضعاً منه، وإلا الحمار إذا نهق رأى الشيطان، وهذا صوت الشيطان، وقيل: نهيق الحمار دعاء على الظالمين في الأرض. وصوت الحمار مزعج، فليكن صوتك منخفضاً طيباً ليناً لا كصوت الحمير والعياذ بالله تعالى.

    إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:19]، والحمير واحدها حمار، وهو موصوف بالبلادة، أهل النحو يقولون: زيد كالحمار. وإعرابها:

    زيد: مبتدأ.

    كالحمار: الكاف حرف جر. والحمار: مجرور وهذا خبر متعلق بمحذوف.

    إذاً: معاشر الأبناء! هذه الوصية تساوي الدنيا وما فيها، لِم ما نحفظها ونعمل بها؟ إليكموها: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [لقمان:16]، وبعد ذلك الجزاء والحساب، يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:17-19].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية هذه الآيات:

    أولاً: وجوب مراقبة الله تعالى وعدم الاستخفاف بالحسنة والسيئة مهما قلت وصغرت].

    من هداية هذه الآيات: (وجوب مراقبة الله تعالى)، فراقب ربك في كل سيئة تريد أن تفعلها أو حسنة تريد أن تفعلها.. راقب مولاك عند فعلك الحسنات والسيئات، فإن الله لا يخفى عليه شيء، فافعل الخير وتجنب الشر، افعل الحسنات وتجنب السيئات، وراقب ربك طول حياتك.

    [ثانياً: وجوب إقام الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على ما يلحق الآمر والناهي من أذى].

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر -كما علمتم- فرضهما الله، وسمعتم ما قال لقمان : أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [لقمان:17].

    [ثالثاً وأخيراً: حرمة التكبر والاختيال في المشي، ووجوب القصد في المشي والصوت، فلا يسرع ولا يرفع صوته إلا على قدر الحاجة].

    هذه الآداب الراقية السامية.. تمشي مشية الصالحين لا تتماوت ولا تتعنتر بمشيتك، وإذا نطقت أيضاً يكون صوتك على قدر الحاجة، لا ترفع صوتك وتعليه أمام الناس، ولا حتى أمام زوجتك وأولادك، بل يكون الصوت على قدر الحاجة، كالماء تشرب على قدر الحاجة، وتجنب صفات المبطلين والضائعين والهالكين من أهل الكبر والعناد والعياذ بالله تعالى.