إسلام ويب

تفسير سورة النمل (13)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله عز وجل هو الخالق البارئ المصور، خلق الكون فأبدعه، وخلق الإنسان وعلمه، فكل صاحب فطرة سوية وقلب حي يدرك أنه الله الرب الرحيم، المتعالي في ملكوته على خلقه، أما من امتلأت قلوبهم بالظلمة وغطاها الران يتساءلون منكرين للبعث بعد الموت، وكأنهم ما رأوا عجيب صنع الله من حولهم، ولا أدركوا دقة صنعه في أنفسهم، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [النمل:65-69].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قال ربنا جل ذكره: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]. فالمشركون في مكة وعلى رأسهم طغاتهم وكبراؤهم كـأبي جهل وعقبة بن أبي معيط والأخنس بن شريق وغيرهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة، وعن البعث والحياة الثانية، إذ كانوا ينكرون ذلك ويكفرون به ويجحدونه، ولا يؤمن أحدهم بالحياة الثانية أبداً، لا هم ولا آباؤهم وأجدادهم أيضاً، فهم توارثوا هذا الكفر فتأصل فيهم، وأصبحوا يسخرون من كلمة البعث والدار الآخرة، وجاء من سورة الأعراف قول الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [الأعراف:187]. وورد قوله تعالى: يسألونك عن الساعة في عديد من الآيات. فقد اندهشوا وتعجبوا من كونهم بعدما يصبحوا عظاماً نخرة مرمية في التراب يحيون حياة جديدة، ويسألون ويحاسبون ويجزون، ولم يستطيعوا أن يستسيغوا هذه العقيدة. وكانت الشياطين هي التي تملي عليهم هذا الكفر، وهذا التكذيب. لأن العبد ذكراً كان أو أنثى إذا أيقن أنه سيحيا بعد موته ويبعث حياً ويسأل ويستنطق ويجزى بكسبه في الدنيا صاحب هذا المعتقد لا يستطيع أن يواصل الكفر والشرك والمعاصي، والذين يفجرون كالذين يفسقون .. كالذين يظلمون كلهم سبب كفرهم وظلمهم وجهلهم أنهم ما آمنوا بيوم القيامة وبالدار الآخرة، وما يتم فيها، وما يجري فيها من جزاء على العمل في هذه الدنيا.

    لا يعلم الغيب إلا الله

    قال تعالى لرسوله: قل يا رسولنا! للذين يسألونك عن الدار الآخرة وينكرون ويكذبون: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]. وحقاً وصدقاً والله لا يعلم ملائكة السماء ولا الجن ولا الإنس الغيب، بل علمه محصور عند الله عز وجل، فلا يعلمه إلا هو. فهم سألوا عن الساعة متى ومتى القيامة ومتى الجزاء؟ فقال الله: قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي [الأعراف:187].

    وقد روى مسلم رحمه الله عن أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله عنها أنها قالت: من زعم أن محمداً يعلم ما في غدٍ فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]. هذه عائشة زوج الحبيب صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين تقول في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: من زعم أن محمداً يعلم ما في غدٍ فقد افترى أعظم فرية على الله، والله يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65].

    وهنا لطيفة أخرى، وهي: أن بعض المنجمين أو السحرة أو الدجالين يدعون علم الغيب. وقد ذكر القرطبي في تفسيره: أن منجماً من هؤلاء ضبط على عهد الحجاج بن يوسف -وكان الحجاج مالكاً وحاكماً- فاستدعاه وهو مقيد، وأخذ الحجاج حصيات عدها في يده، سبعاً أو تسعاً أو ثمان، وسأل المنجم كم هي، فقال: سبع أو ثمان حصيات كما هي، فأعاد الحجاج حصيات ولم يعدها، وقال: كم هذه؟ فما عرف، وزاد مرة ثانية فجعل حصيات في كفه ولم يعدها، وسأله: كم هذه؟ فلم يعرف، ثم قال المنجم: لما علمت أنت أعلمنا بعلمك. انتهت القصة. والمعنى: أنه مادام غيباً فلا يعلمه إلا الله، ولا نعلمه نحن. فانتبهوا لهذه اللطيفة. فهذا المنجم اختبره الحجاج بن يوسف رحمه الله، فأخذ حصيات وعدها في يده، وقال: كم هذه يا منجم؟! فقال: سبع حصيات، وكانت سبعاً، فزاد عليها أو نقص منها وقال له: كم هذه؟ فقال: لا أدري، فزاد مرة ثانية وقال: كم هذه؟ فقال: لا أدري، فقال له: لم دريت هناك ولم تدر هنا؟ فقال: لأنك لما علمت أنت عددها علمنا من علمك، ولما لم تعلم فلا يعلم هذا إلا الله. وصدق الله عندما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]. ورضي الله عن عائشة رضي الله عنها عندما قالت: من زعم أن محمداً يعلم ما في غدٍ فقد أعظم الفرية. واستدلت بهذه الآية الكريمة.

    وهكذا فنحن لا ندري ما الذي يتم بعد دقيقة أبداً، ولا بعد ساعة، ولا بعد يوم، ولا بعد ليلة؛ إذ الغيب لله عز وجل. ولما تطاول المشركون وطالبوا الرسول بأن يريهم آيات تدل على الساعة وسألوه عنها قال الله تعالى له: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ [النمل:65]، أي: من الملائكة، وَمَنْ فِي الأَرْضِ [النمل:87]، أي: البشر، الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]. إلا الله وحده. فالغيب علم الله لا يعلمه إلا من علمه الله.

    معنى قوله تعالى: (وما يشعرون أيان يبعثون)

    قال تعالى: وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:65]، أي: وما يشعر هؤلاء المشركون الكافرون المكذبون بالدار الآخرة، بل وأيضاً المكذبون بالتوحيد والنبوة المحمدية. فهم مَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:65]، ولا في أي لحظة، ولا في أية ساعة يموتون ويبعثون.

    وقد علمنا الله ورسوله أن للساعة علامات تتقدمها، فإذا ظهرت تلك العلامات قرب وقتها، وأما قبل وجود علاماتها فلا نجزم بأنها تكون العام المقبل، أو غداً أو بعد غدٍ. وذكر عشر علامات كبرى، وعشرات العلامات الصغرى.

    وحسبكم من العلامات الصغرى: بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ كان آخر الأنبياء والمرسلين، والله يقول: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]. والذي أخبر بهذا الخبر الله، ووالله قد اقتربت الساعة وانشق القمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والرسول الكريم كان يقول غير ما مرة: ( بعثت أنا والساعة كهاتين، ويجمع بين أصبعيه الوسطى والسبابة ). والله يقول: فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا [محمد:18]، أي: فقد جاء أشراط الساعة، أي: علاماتها الدالة عليها. وها نحن نقترب منها يوماً بعد يوم، ولكن أولئك الذين في السماوات وفي الأرض ما يشعرون متى الساعة أبداً؛ إذ استأثر الله بعلمها، ولم يطلع عليها أحداً من خلقه، ولا ننسى حديث الصديقة أبداً عندما قالت: من زعم أن محمداً يعلم ما في غدٍ فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:65].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل ادارك علمهم في الآخرة ...)

    قال تعالى: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ [النمل:66]. وادارك وتدارك الجهال أي: يرث بعضهم عن بعض الأولين والآخرين، فقد وجدوا آباءهم ينكرون البعث فأنكروه، وآباؤهم وجدوا آباءهم ينكرون البعث فأنكروه، وهكذا أجدادهم وأجداد أجداهم. وهكذا تدارك علمهم في الآخرة بالجهل، فهم لا يؤمنون بالآخرة، ولا يعرفون ما يجري فيها، ولا ما يتم فيها، ولا عرفوا علة وسر وجودها، ولكننا نحن والحمد لله علمنا الله فعلمنا، فله الحمد والمنة.

    وسر هذه الحياة وهذا الوجود وسر إيجاد الله هذه العوالم كلها هو من أجل أن يعبد فيها، ومن أجل أن يذكر ويشكر والله العظيم، واقرءوا لذلك قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]. لا لشيء آخر. فقد خلق الله السماوات والأرض، والشمس والقمر وهذه الكائنات كلها من أجل أن يعبد فيها، وسوف يفني هذه الحياة وينهيها، وعما قريب، ونحن نقترب من إنهائها، ثم بعد ذلك تكون حياة أخرى خالدة أبدية، وهي ليست حياة عمل يتلقون بعدها الجزاء، بل هي حياة جزاء. فلهذا سر الحياة الآخرة: الجزاء.

    فيا أيها الشغالون! ويا أيها العمال! أنكم لن تتقاضوا أجوركم غداً ولا بعد غدٍ، وإنما يوم القيامة، ولو صمت ثمانين سنة وصليت ألف سنة وجاهدت ورابطت طول حياتك فليس الجزاء اليوم، وإنما هذه دار العمل، فواصل عملك، والجزاء يكون في الدار الآخرة.

    وقد علمنا من لطائف العلم: أن أحدنا إذا كان مؤمناً صادقاً وعبداً صالحاً ونفسه طاهرة زكية فإنه عندما يأتيه ملك الموت وهو على سرير الموت وعلى فراش الموت تتجلى له الحقيقة وتظهر له كما هي، فيرى أنه من أولياء الله، ومن صالح عباده، ويبشر من الملائكة بالجنة دار السلام، وأن روحه يعرج بها إلى الملكوت الأعلى، ويسجل اسمها في كتاب عليين، وتعود للمحنة والامتحان في القبر، ثم تعود إلى الجنة، تسرح فيها كما تسرح الطيور، وتبقى هكذا في نعيمها إلى أن تنتهي هذه الدورة الحياتية، فإذا انتهت هذه الحياة أعاد الله خلق الأجسام بكلمة: كونوا، فيكونون، ثم ينفخ إسرافيل نفخة فلاا تبقى روح إلا وتدخل في جسدها، ويبعثون قياماً هكذا إلى الحساب الدقيق، ثم إلى الجزاء، إما إلى فوق وإما إلى أسفل .. إما إلى عليين وإما إلى سجين. هذه هي الحقيقة.

    والكافرون المشركون المكذبون بالبعث والدار الآخرة لا خير فيهم أبداً، ولا يرجى منهم خير، ولا يؤمل فيهم خير أبداً، وإذا انعقد القلب على الكفر وعدم الإيمان بالله ولقائه فصاحبه ممسوخ، لا خير فيه أبداً. وقد قال تعالى عن هؤلاء المشركين: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل:66]، أي: عميان، ولذا يتبجحون ويطالبون الرسول بقولهم: هات الساعة .. هات القيامة، ويتحدونه. وأمر الساعة إلى الله عز وجل بالدقيقة واللحظة، وليس إلى شهوات الناس وطلباتهم، بل لابد وأن يتم عمر الدنيا بالدقيقة واللحظة، ولو تجتمع البشرية كلها وتطلب ربها في ساعة واحدة أن يقيم الساعة لما استجاب لها؛ لأن النظام الذي وضعه لا يقتضي هذا، والحياة كلها نظام دقيق أدق ما يكون. ولهذا يخبر تعالى ويقول: بَلِ ادَّارَكَ [النمل:66] أو تدارك عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا [النمل:66]. بل في أكبر شك. بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل:66] ما يبصرون. ولو أرادوا أن يبصروا لتساءلوا عن سبب خلق الله هذه السماوات، وسبب خلق الله هذه الكائنات في الأرض، وعن السر في ذلك، وعن سبب بعث الله هذا الرسول، وعن سبب إنزال الله هذه الكتب، وعن غير ذلك. وسيجابون بأن هذه الدار دار عمل، إما خيراً وإما شر، والدار الآخرة دار الجزاء، وأنه لابد منها، فهي حتمية ضرورية، ولابد منها، فحينئذ يؤمنون ويوقنون، ويستقيمون وينهجون مناهج الحق والخير في هذه الحياة، وأما مع إعراضهم عن الإيمان بالله ولقائه فهم شر الخليقة. وليس هذا في أهل مكة ومشركيها، بل هذا ينطبق على هذه البلايين من اليابان والصين إلى أمريكا وغيرها، فهذا العالم كله المؤمنون بالدار الآخرة فيه يعدون على رءوس الأصابع في البلاد.

    وهذا البلاء وهذا الشر وهذا الشغب والمحن التي تتوالى سببها الكفر، ولو آمنوا بالله حق الإيمان لأحبوه وعرفوه وأطاعوه لاستقاموا ونجحوا وفازوا، ولو آمنوا بالدار الآخرة والجزاء لاستقاموا على الحق، ولما كذبوا ولا خانوا، ولا سرقوا ولا فجروا، ولا غير ذلك. ولكن كفرهم وظلمة قلوبهم ونفوسهم وعماهم هو الذي يحملهم على هذا. فلا ترجو من كافر لا يؤمن بالله ولقائه خيراً، ولا تثق فيما يقول، أو تعول عليه فيما يقول، فهذا والله لا يصح أبداً.

    ومع الأسف حتى المسلمون عقيدتهم مهلهلة ضعيفة، فهم يؤمنون بيوم القيامة، ولكن لا يفكرون عن سبب يوم القيامة، ولا من أجل ماذا تأتي؟ وأقول: إنها من أجل الحساب والجزاء. فهيا نحاسب أنفسنا، بألا نقول إلا ما يرضي ربنا، ولا نفعل إلا أذن فيه مولانا، بل نجوع ونعرى ونعطش ونمرض ولا نخرج عن دائرة طلب رضا الله.

    ولكن أصابنا الجهل، فقد صرفونا عن كتاب الله وعن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو كان المسلمون في كل ليلة من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء يجتمعون اجتماعنا هذا في مساجدهم في قراهم ومدنهم طول العام فلن يبقى بينهم جاهل والله، وإذا انتفى الجهل لم يوجد لص ولا زانٍ، ولا حشاش ولا مجرم والله؛ إذ كل ظلم وشر وفساد نتيجة الجهل بالله وبمحابه ومساخطه. وقد عرف هذا العدو فصرفنا عن العلم وطلب العلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا أئذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرجون)

    قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ [النمل:67] أحياء بين الناس؟ هذه كلماتهم، وكانوا يرددونها سخرية واستهزاء، وتكذيباً وإنكاراً، فقد كانوا يقولون: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ [الواقعة:47-53]. وكذلك ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ [الصافات:67-68].

    وآيات البعث والجزاء ثلث ما في القرآن؛ لأن العقيدة كما قلت لكم أركانها ستة، وأعظم هذه الأركان أولاً: الإيمان بالله رباً وإلهاً، لا رب غيره، ولا إله سواه.

    ثانياً: الإيمان بالرسول النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم.

    ثالثاً: الإيمان بالدار الآخرة وما يجري فيها من جزاء، وما يتم فيها من قضاء. وإذا فقد العبد هذه الثلاثة هبط، ويصبح شراً من القردة والخنازير، وقد قال تعالى واسمعوا كلام الله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة:6]، أي: الخليقة. والخليقة فيها الكلاب والخنازير والقردة، وجميع المخلوقات. وشر المخلوقات المشركون والكافرون المكذبون بلقاء الله والجزاء في الدار الآخرة.

    واسمع كيف يسخرون ويستهزئون، فهم يقولون: أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا [النمل:67] أيضاً أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ [النمل:67] من الأرض؟ وما دروا أن الذي أوجدهم أولاً قادر على أن يميتهم، وقد أماتهم، والقادر على أن يميتهم قادر على أن يحييهم والله العظيم. ولا يرفض هذا العقل أبداً. فأنت كنت معدوماً، والذي أوجدك سيوجدك مرة ثانية، والذي أوجدك في اليابان يوجدك في الصين، والذي أوجدك الآن يوجدك غداً، ثم الذي يعدمك ويفقدك حياتك الآن وأنت تضحك أو تبكي رغم أنفك لا يعجز أن يعيدك مرة ثانية، ولكنهم لا يعقلون ولا يفهمون ولا يتدبرون. ولذلك يقولون ما حكاه الله عنهم هنا: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا [النمل:67]، يعنون أجدادهم وآباؤهم، أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ [النمل:67]. أي: من قبورنا أحياء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين)

    قال تعالى حاكياً عن المشركين أنهم قالوا: لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ [النمل:68].

    وهذه فيها لطيفة ذكرتها، وهي: أن المشركين في مكة آباءهم كانوا مثلهم ينكرون البعث، وأجدادهم كانوا كذلك، وقد كان فيهم بعض المؤمنين يذكرونهم بالدار الآخرة، وكانوا أيضاً يسمعون هذا من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ولكن كانوا ينكرون ويكذبون. ولم يكن اليهود والنصارى يكذبون بالبعث، والآن مسخوا فأصبحوا لا يؤمنون بالله ولا بالدار الآخرة، والذي فعل بهم هذا ومسخهم هم اليهود، فقد وضعوا لهم ذلك القانون، وهو: لا إله والحياة مادة.

    وقولهم: لا إله، أي: لا رب ولا إله، بل كل ما في الأمر العلم فقط. فمسحوا قلوب النصارى ويا للأسف! وقد كان النصارى يبكون ويخشعون ويذلون لله، ويتصدقون ويفعلون الخيرات، وهم على ما هم من باطلهم، ولكن كانت قلوبهم مؤمنة بالله ولقائه، فمسحوها مسحاً.

    والشيوعية قد خلفها الآن العلمانية، وهي هي، فإذا قلت لشخص: صل، قال لك العلمانيون: اسكت، ودع الصلاة وهذه العبادة، ولا تهتم إلا بالعلم؛ ليتحقق لك الطعام والشراب، والعز والكمال. هذه هي العلمانية. وأصحابها يقولون هذا حتى لا يذكرون الله ولا يخشعون له، ولا يخافونه أو يتعرفون إليه، وحتى لا يذكرون الجزاء والدارة الآخرة، ولا يكفون عن الشر والخبث، والفساد والباطل.

    قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [النمل:67-68]، أي: هذه الحكايات مسطرة في أوراق، وصاحبكم يزعم أنه يقول كذا وكذا، وكذلك يقولها اليهود وغيرهم، وما هي إلا حكايات مسطرة ومكتوبة يتناقلونها، ويدعون أن هناك حياة أخرى، وجزاء على الكسب في الدنيا. هذه كلماتهم في مكة، وقد نزل القرآن بها.

    والآن يقول الكفار والمشركون أبشع من هذا القول، وسلهم فقط وقل لهم: آمنوا بالله ولقائه، وستجدهم يقولون أكثر من هذا؛ إذ الذي يلعب بقلوبهم واحد، وهو إبليس. فهم يقولون: لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا [النمل:68]، أي: ما هذا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [النمل:68].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين)

    قال الله جل جلاله لرسوله وهو يعاني ويقاسي من هذا الصلف وهذا القول الباطل: قل لهم سِيرُوا فِي الأَرْضِ [النمل:69]. فسيروا إلى اليمن، وانزلوا بمنازل عاد، وشاهدوا أين عاد، وفكروا من دمرها، ومن أهلكها، وستعرفون أنه الله، وهو قادر على أن يحيي إذاً. واذهبوا إلى الشمال، وانزلوا بمدائن صالح، وانظروا أين مدائن صالح، وأين تلك الأمة، وفكروا من أهلكها ومن دمرها، وستعرفون أنه الله. واتجهوا غرباً إلى مدين إلى المؤتفكات .. إلى فرعون، وانظروا من دمر تلك الأمم، وستعرفون أنه الله. فلا تنكروا إذاً أن يحيي الناس بعد موتهم.

    ولذلك قال تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [النمل:69] المكذبين لله ورسوله، والمكذبين بالبعث والدار الآخرة، فقد كانت حالتهم دمار وخراب. والمجرم هو: الذي يجرم على نفسه، فتصبح بعدما كهذا النور مشرقة تصبح مسودة عفنة منتنة، بما يصب عليها من أطنان الذنوب والآثام. فالمجرم من أجرم على نفسه، فسودها وقبحها وأنتنها، حتى أصبحت كأرواح الشياطين، ثم يجرم على غيره أيضاً، فيدعوهم إلى الشرك والباطل، والضلال والفساد والشر، وكذلك يجرم في حق غيره، فيأكل أموالهم، ويزني بنسائهم. فكل هذا إجرام، والعياذ بالله.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات:

    [ من هداية الآيات:

    أولاً ] من هداية هذه الآيات الطيبة التي تدارسناها: [ حصر علم الغيب في الرب تبارك وتعالى، فمن ادعى أنه يعلم ما في غد فقد كذب ] فلا يعلم الغيب إلا الله، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ولا من في السماوات، ولا من في الأرض، بل الكل لا يعلمون عن الساعة متى تقوم. والغيب كما علمتم هو: ما غاب عن عينيك أو كان بين يديك وراء الجدار، فهذا لا يعلمه إلا الله، أو من علمه الله به.

    قال المؤلف: [ أخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قولها: من زعم أن محمداً يعلم ما في غدٍ ] أي: بعد اليوم [ فقد أعظم على الله الفرية ] أي: الكذبة، يعني: عظمها [ والله تعالى يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65] ] ومع هذا يوجد الدجالون والمنجون والسحرة الذين يأتيهم الجهال في بيوتهم، ويطلبون منهم أن يعرفوهم بالغيب، مثل: ماذا يحدث له، وماذا يحصل إن فعل كذا. وهذا يقع إلى الآن من الضالين والهالكين؛ لأنهم ما قرءوا هذه الآية ولا عرفوها.

    قال: [ وذكر القرطبي ما خلاصته: أن منجماً أتي به إلى الحجاج فاعتقله، ثم أخذ حصيات فعدها، فقال للمنجم: كم من حصيات في يدي؟ فأخبره بعددها، ثم أخذ أخرى ولم يعدها، وسأل المنجم عنها فلم يعرف عددها، وكرر هذا ثلاث مرات، فلم يعرف المنجم، فسأله: كيف عرفت في الأولى ولم تعرف في غيرها؟ قال: لأنك لما عددتها خرجت من الغيب فعلمتها، أما الغيب فلا يعلمه إلا الله ] فلما عددتها أنت وقلت: سبع سمع الجن هذا، فلم تصبح غيباً.

    [ ثانياً: تساوي علم أهل السماء والأرض في الجهل بوقت قيام الساعة ] فنحن والملائكة على حد سواء، فكما لا نعلم نحن متى القيامة فكذلك الملائكة في السماوات السبع والله ما يعرفون؛ إذ استأثر الله تعالى بهذا العلم، فلا يعلمه إلا هو، كما قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [الأعراف:187]. وهذا تدبير الله. فهي تأتي فجأة، فإذا طلعت الشمس من مغربها بدأت أحوال العالم تتغير.

    [ ثالثاً: المكذبون بيوم القيامة سيوقنون به في الآخرة، ولكن لا ينفعهم ذلك ] فعندما يحييهم الله يقولون: الحمد لله، أو أحيانا الله، ولكن هذا ما ينفعهم.

    [ رابعاً: إهلاك الله للأمم المكذبة بالبعث ] كعاد وثمود وفرعون ومدين وما إلى ذلك [ بعد خلقهم ورزقهم دليل على قدرته تعالى على بعثهم لحسابهم وجزائهم ] بعد حسابهم.