إسلام ويب

تفسير سورة لقمان (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يهدي الله عز وجل إلى صراطه المستقيم أهل العقول السوية والقلوب الحية، ولذلك ينزل الآيات البينات، فيقبلها أولئك المهتدون، فيقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، وبالبعث يوم القيامة يؤمنون، فيفلحون وينجحون، ولرضوان ربهم يحوزون، ولجناته جنات الفردوس يدخلون، والمقام الكريم فيها يقيمون.

    1.   

    بيان إعجاز القرآن الكريم في السور المفتتحة بالحروف المقطعة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وها نحن مع فاتحة سورة لقمان الحكيم، فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوة هذه الآيات ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    بسم الله الرحمن الرحيم: الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [لقمان:1-5] اللهم اجعلنا منهم.

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: الم [لقمان:1]، سبق وأن عرفنا أن الله أعلم بمراده بهذه الحروف المقطعة، من: طس [النمل:1]، إلى: الم [لقمان:1]، إلى غيرهما من: كهيعص [مريم:1]، إلى: المص [الأعراف:1]، حم * عسق [الشورى:1-2]، إلى ما هو حرف واحد: ق [ق:1]، ن [القلم:1]، ص [ص:1]، وهذه الحروف المقطعة نقول: الله أعلم بمراده بها، فهو الذي أنزلها.

    وقال أهل العلم أقوال، ولكن لا تثبت ولا تصح ولا فائدة منها قط، وإنما أفادت هذه الحروف فائدتين -أعيد ذكرهما؛ تذكيراً للناسين وتعليماً لغير العالمين-:

    أولاً: لما أعرض المشركون في مكة عن سماع القرآن، واتخذوا قراراً بمنع سماع القرآن في مكة، فكان لا ينبغي لأحد أن يصغي ويسمع قرآن من يقرأ، سواء كان الرسول صلى الله عليه وسلم أو أبو بكر رضي الله عنه أو غيرهما، وفي هذا نزل قول الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]، أي: إذا رأيتم من يقرأ حول الكعبة لا تسمعوا له، وإذا أمكنكم أن تشوشوا عليه وتصيحوا فتأتوا بألفاظ تغير المعنى فافعلوا؛ من باب الاحتياط والأخذ بما يحتاط به، فكانت تنزل هذه الحروف: الم [البقرة:1]، ص [ص:1]، فما استطاع المشركون أن لا يصغوا ويسمعوا؛ لأنها غريبة، وهذا النغم وهذا الصوت ما كانوا يعرفونه، فما إن يقرأ القارئ: حم [غافر:1]، إلا ويجد المشرك نفسه يصغي ويسمع أذنه؛ لأن هذا النغم وهذا الصوت ما سمع في العرب أبداً، فأصبح من يسمع هذا يصغي، فإذا أصغى يسمع فينفذ نور القرآن إلى قلبه ويؤمن بالله ولقائه، فآمن من آمن، وهذه فائدة من فوائد هذه الحروف المقطعة.

    ثانياً: تحدي الله عز وجل للمشركين بالقرآن الكريم أن يأتوا بمثله.. تحداهم بسورة، تحداهم بعشر آيات، تحداهم بآية، قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]، وقال أيضاً: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [هود:13]، وقال أيضاً: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:23]، فهو يقول لهم: إن هذا الكتاب الذي أعجزكم وأفحمكم وقطع ألسنتكم مركب من هذه الحروف، وليس من شيء جديد وغريب عنكم، (ص ع س ق ل م) فهذه الحروف عندكم، وأنتم تتحدون فأتوا إذاً بمثله! فأفاد هذه الفائدة، وهذا ما يدل عليه قوله تعالى: الم [لقمان:1].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الكتاب الحكيم ...)

    وقوله تعالى: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [لقمان:2] أي: هذه الآيات المركبة من الحروف المقطعة هي آيات الكتاب أي: القرآن العظيم الحكيم، والحكيم بمعنى: المحكم الذي لا ينسخ كالكتب السابقة، والحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه، فصنوف الحكمة كلها في القرآن الكريم، وحسبنا أن يصفه منزله بلفظ (الحكيم) فهو والله! لحكيم، فاقرأه واسمع قراءته فلن تجد خللاً ولا نقصاً، فعجباً من ذلك التأليف والتركيب! تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [لقمان:2]، إذاً: لِم ما تؤمنون بهذا القرآن الكريم وهو هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ [لقمان:3]؟

    فقوله تعالى: هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ [لقمان:3] حال، وقرئ: (هدى ورحمةٌ)، أي: هو هدى ورحمةٌ للمحسنين، حقاً والله! إن القرآن لهدى، من قرأه وعلم ما فيه وعمل به اهتدى إلى الصراط المستقيم.. إلى سبيل نجاته.. إلى طريق سعادته، يكمل ويسعد في الدنيا قبل الآخرة.

    هدى ورحمة في نفس الوقت، فقراءته رحمة، تقرؤه على مريض فيشفيه الله عز وجل، يحمل الرحمة في كل آياته، وفي كل أحكامه وفي كل قصصه وأخباره، رحمة كاملة متجلية في هذا القرآن الكريم، فلِم لا يؤمن القوم به؟!

    تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ [لقمان:2-3]، أما المسيئين فلا هدى لا هم فيه ولا رحمة، فالكافر والمشرك والفاسق والمكذب والفاجر لن يجد في القرآن هدى؛ لأنه ما قرأه وما تأمله، وما تدبره فكيف سيجد فيه هدى؟! ولن يجد فيه رحمة وهو معرض عنه، فهو فاسق خارج عن نظامه بالكفر والشرك والفسق والفجور، كيف يكون له هدىً ورحمة؟!

    فالقرآن يكون هدىً ورحمة للمحسنين؛ الذين آمنوا بالله ولقائه، وآمنوا بالله ورسوله، وآمنوا بالله وكتابه، وعبدوا الله وأحسنوا العبادة وأدوها الأداء الكامل على الوجه المطلوب، وهم الذين يحسنون عبادة الله عز وجل، فالذين يعبدون الله تعالى ويحسنون العبادة ويؤدونها كما علمها الرسول صلى الله عليه وسلم بلا زيادة ولا نقصان في أوقاتها المحددة مع الخشوع لله فيها، قطعاً سوف تحول قلوبهم إلى نور، فلذلك يكون القرآن هدىً ورحمة لهم؛ لأنهم محسنون.

    أما المسيئون بالظلم والفسق والفجور فلا يجدون في القرآن هدىً ولا رحمة، وليس لهم فيه هدى ولا رحمة، وإنما هذا الهدى وهذه الرحمة خاصة بالمحسنين الذين آمنوا وأحسنوا عبادة الله.

    ودائماً أكرر: الذي يحسن الصلاة تزكو نفسه وتطيب وتطهر، والذي يسيئها ولا يحسنها لا يحس في نفسه شيء، يبقى على خبثه وفساده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة...)

    ثم قال تعالى: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [لقمان:4]، فالهدى والرحمة التي يحملها القرآن للمحسنين في إيمانهم وصالح أعمالهم، وفي عبادتهم وطاعتهم، ثم ذكر فريقاً منهم: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [لقمان:4]، فلم يقل: (الذين يصلون) وإنما قال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [لقمان:4]، وإقام الصلاة معناه: أن تؤدى الصلاة كما علمها جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما تشاهدونها في أئمتكم في المسجد، يتم ركوعها وسجودها، يحافظ على آدابها وسننها، يحافظ على أوقاتها، يؤديها على الوجه الكامل، فذاك هو المقيم لها.

    أما الذي لا يطمئن لا في ركوع ولا في سجود، والذي لا يحسن قراءة الفاتحة ولا يقرأ سورة، والذي يؤديها وهو على غير وضوء فكيف سيستفيدون منها؟ فلن تزكي نفوسهم ولن تطهرها، فلا بد من إقام الصلاة.

    مرة ثانية: الصلاة هي الأوقات الخمس: الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، أداؤها يجب أن يكون على الهيئة التي أداها عليها جبريل أولاً في مكة عند الكعبة، حيث علَّم الرسول صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، ثم علَّمها الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه، فهذه الصلاة إذا لم تؤدها على الوجه المطلوب تكون ما أقمتها، فتسقط ولا تنفع، فلن تقيمها إلا إذا أديتها على الوجه المطلوب:

    أولاً: شروطها: الطهارة، استقبال القبلة، ستر العورة، فلا بد من هذه الشروط.

    ثانياً: تؤديها في الوقت المحدد لها في الظهر أو العصر أو المغرب والعشاء، فإذا كبرت وأحرمت تكون معتدلاً قائماً خاشعاً، ثم تقرأ ما شئت أن تقرأ، ثم تركع وتطمئن في الركوع، وترفع وتعتدل الاعتدال المطلوب، ثم تسجد السجود المطلوب، وهكذا وأنت مع الله وأنت خاشع، لا تسرح بعيداً عن الصلاة وأنت فيها، لا تخرج عنها بعيداً وأنت فيها، بل اجتهد أن لا تفارق مقامك بين يدي ربك، وقد أثنى الله تعالى على الخاشعين بصلاتهم: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:2].

    ثانياً: وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [لقمان:4] أي: إذا أصبحوا أهلاً لأدائها، وملكوا مالاً ناطقاً أو صامتاً يؤتون الزكاة ويخرجونها في أوقاتها وبالكميات المحددة لها، ويشمل لفظ (الزكاة) أيضاً كل الأعمال المزكية للنفس.

    ثالثاً: وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [لقمان:4]، (الإيقان) أكثر من الإيمان، (آمن) شيء (وأيقن) شيء، إلا أن الإيمان أولاً واليقين ثانياً.

    موقنون تمام الإيقان على أن الآخرة لا بد منها، وأن السر في وجودها هو الجزاء فيها على الكسب والعمل في الدنيا، فهم موقنون بالجزاء يوم القيامة، جزاء المؤمنين المقيمين للصلاة المؤتون الزكاة المحسنون الجنة دار النعيم المقيم، وجزاء المشركين والكافرين والفاسقين والفاجرين النار دار البوار والخزي -والعياذ بالله-.

    الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ [لقمان:4]، أي: بالدار الآخرة، هُمْ يُوقِنُونَ [لقمان:4]، موقنون يقيناً كاملاً أن الدار الآخرة لا بد منها، وأن الجزاء يتم فيها، فالمؤمنون يسعدون والكفار يشقون -والعياذ بالله تعالى-.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون)

    قال تعالى: أُوْلَئِكَ [لقمان:5] أي: السامون الأعلون أصحاب هذه الصفات التي هي: الإحسان، إقام الصلاة، إيتاء الزكاة، اليقين بالدار الآخرة وما فيها، عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ [لقمان:5]، والله العظيم! على هدى من خالقهم عز وجل، في طريقهم إليه، ما إن تقبض روح أحدهم إلا وهي عند الله في الملكوت الأعلى.

    أُوْلَئِكَ [لقمان:5] الأشراف النبهاء الفضلاء عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ [لقمان:5]، متمكنين من السير إلى الله عز وجل.

    معنى قوله تعالى: (وأولئك هم المفلحون)

    وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [لقمان:5] أي: الفائزون الناجون من النار، الخالدون في الجنة دار الأبرار.

    أذكركم بحكم الله تعالى علينا في قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، هذا حكم الله أقسم عليه بإقسامات ما أقسم بها على غير هذا الحكم في القرآن الكريم، وإليكم الأيمان الإلهية:

    قال تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1] هذه يمين، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [الشمس:2]، وهذه يمين أيضاً، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا [الشمس:3] وهذه يمين كذلك، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس:4] يمين، وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس:5]، يمين، وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا [الشمس:6] يمين، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس:7] يمين، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:8]، وهذه الإقسامات كلها على قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]، أي: من زكى نفسه، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:10]، سواء كان أبيض أو أسود، عربياً أو أعجمياً، في الأولين أو في الآخرين، فهذا حكم الله حلف عليه، فوالله لن يفلح إلا من زكى نفسه أحببنا أم كرهنا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    وفسر لنا الفلاح: بأنه الفوز، وفسر لنا الفوز بأنه النجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار، إذ قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185] ليس الآن، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185]، والشاهد في الفوز هو الفلاح، والفلاح هو النجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [من هداية هذه الآيات:

    أولاً: بيان إعجاز القرآن حيث ألف من مثل: الم [لقمان:1]، و: ص [ص:1]، و: طس [النمل:1]، ولم يستطع خصومه تحديه].

    إعجاز القرآن للإنس والجن؛ لأنه مؤلف من هذه الحروف المقطعة: طس [النمل:1]، ص [ص:1]، ق [ق:1]، ومع هذا تحداهم بالإتيان بسورة فقط والله ما استطاعوا، وقال: وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:24]، فالعجب في إعجاز القرآن فلن يستطيع أحد أن يأتي بسورة ويقول: هذه مثل سور القرآن، والآن مضى عليه ألف وأربعمائة سنة وتسعة عشر وما استطاعت لا جماعة ولا فرد أن يقول: أنا آتيكم بمثل هذا القرآن.

    [ثانياً: بيان معنى الحكيم وفضل الحكمة]، فنحن نقول: الحكيم منا هو الذي يضع الشيء في موضعه، والقرآن سبق لذلك، وضع الشيء في موضعه، مواعيد الصالحين ووعود الكافرين، في أحكامه وقضائه، وكله وضع في موضعه.

    ومعنى (حكيم): أي: محكم لا يداخله شيء ولا يدخل فيه شيء، و(محكم) أيضاً لا ينسخ كما نسخت الكتب قبله كالتوراة والإنجيل فهو حكيم.

    [ثالثاً: بيان أن القرآن بيان للهدى المنجي المسعد ورحمة لمن آمن به وعمل بما فيه]، حقاً القرآن هدى، والهدى نور يوضح الطريق ويبين السبيل للسالكين، والقرآن والله! لنور وهداية.

    [رابعاً: فضل الصلاة والزكاة واليقين]، فالصلاة والزكاة واليقين بيان فضلها في قوله تعالى: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [لقمان:4].

    [خامساً -وأخيراً-: بيان مبنى الدين: وهو الإيمان والإسلام والإحسان]، بيان حقيقة الدين الإسلامي وهي الإيمان أولاً، والإسلام ثانياً، والإحسان ثالثاً.

    أولاً: تؤمن فتقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم تقيم الصلاة، ثم تحسن إقامة الصلاة وتؤديها على الوجه المطلوب، والدين الإسلامي إيمان وإسلام وإحسان، الإحسان لأداء تلك العبادات يجب أن تحسنها سواء كانت صياماً أو صلاة أو رباطاً أو جهاداً؛ لأنها إذا اختل نظامها ولم تؤد لن تثمر لك ولن تحصل على شيء.

    سبحان الله! الدين الإسلامي مبناه:

    أولاً: الإيمان الحق اليقيني.

    ثانياً: الإسلام لله القلب والوجه والجوارح بأن تعبد الله عز وجل.

    ثالثاً: بأن تحسن تلك العبادة ولا تزيد فيها ولا تنقص منها ولا تقدم ولا تؤخر، هذه هي أركان الدين الإسلامي: إيمان، إسلام، إحسان، إيمان بالقلب، إسلام بالجوارح، إحسان في أداء العبادة وعملها، وهو إتقانها وجودتها حتى كأنك ترى الله أو الله يراك، وقد سأل جبريل عليه السلام الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، فقال: ( الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه )، فهل الذي يعتقد أنه يرى الله وهو يصلي سيعبث في صلاته؟! وهل سيسرق ويكذب أو يقول الباطل وهو يصلي؟! مستحيل. فإن لم تكن تراه وعجزت فأنت مؤمن بأنه يراك، والذي يعتقد أن الله يراه في عمله، هل سيغش في عمله أو يزيد أو ينقص؟! والله! ما يستطيع، ولن يغش ويزيد وينقص في عمله إلا الذي يعتقد أن الله لا يراه..