إسلام ويب

تفسير سورة النور (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الخوض في أعراض المؤمنين ذنب عظيم وإثم جسيم، من أجل ذلك فقد توعد الله سبحانه وتعالى الذين يرمون المحصنات الغافلات بالفاحشة باللعنة في الدنيا والآخرة، وأعد لهم عذاباً أليماً وذلك بإقامة حد القذف عليهم في الدنيا، ويوم القيامة يعذبهم في النار بعد أن تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يفعلونه من الخبث والفواحش وإشاعتها بين أوساط المؤمنين الطاهرين.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النور

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ * الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور:23-26].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أذكركم بالأحكام السابقة التي احتوت عليها هذه الآيات المباركة من سورة النور، وهي:

    حد الزنا

    أولاً: عرفنا حكم حد الزنا، فإذا زنى الفتى أو الفتاة وكانا محصنين ولم يكونا قد تزوجا قبل، ولا عرفا معنى الزواج والنكاح، بمعنى: أنهما بكرين، فالبكر إذا زنى فالحد هو جلده مائة جلدة، وتغريب سنة؛ لقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2]. وهم على الأقل أربعة رجال، فيقام الحد عليهم، وهناك من يشاهد ذلك.

    وقد سألني بالهاتف أحد السائلين وقال: أحد التلاميذ في الحلقة يقول: إذا كان الفتى قد لاعب امرأة وعانقها يقام عليه الحد كحد الزنا، وأنا ما قلت هذا، بل الزنا يثبت بشهادة أربعة شهود، أو باعتراف الزاني أو الزانية، فإذا اعترف وقال: زنيت، فلا نطالب بالشهادة، بل نقيم عليه الحد؛ حتى يطهر ويصفو، والفتاة كذلك، وأما إذا لم يلج الذكر في الفرج كالمرود في المكحلة كما يقولون فلا حد.

    تقبيح الزنا والتنفير منه

    ثانياً: الآية الكريمة تندد بالزنا وتقبحه وتنفر منه، وتقول: لا يزني إلا من كان زانياً، وقد قال تعالى: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [النور:3]. وفي هذا تنفير تام. فالزاني لا ينكح إلا زانية مثله أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان مثلها أو مشرك، والعياذ بالله. وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3].

    حد القذف

    ثالثاً: الذي يرمي مؤمناً أو مؤمنة ويقول: فلانة زنت، أو فلان يزني فعليه أن يحضر أربعة شهود على دعواه، فإن عجز يقام عليه الحد، وهو ثمانين جلدة، فيجلد ثمانين جلدة، وتسقط عدالته، ولا يصبح عدلاً وذا عدالة بيننا، حتى يتوب وتظهر توبته، وتشيع بين المواطنين.

    اللعان

    رابع الأحكام: إذا رمى الرجل امرأته بالزنا، أو أن الزوج قال لزوجته: زنت، أو قال: الولد الذي في بطنها ليس مني، فيكون الحكم هنا هو: الملاعنة واللعان، فيحضران أمام القاضي في المسجد وعند المحراب أيضاً، فيشهد الزوج ويقول: أشهد بالله لزنت امرأتي، أربع مرات، والخامسة يقول: لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين، ثم تأتي المتهمة فإن قالت: إي نعم زنيت، أو الولد ليس بولده، فقد كان مسافراً وحملت فيقام عليها الحد، بأن ترجم حتى الموت، وذلك يطهرها من جريمتها، وإن قالت: لا، كذب، فنقول لها: تعالي إذاً احلفي أنت، وقولي: أشهد بالله ما زنيت، أو أن الولد ليس إلا من والده، وتقول في الخامسة: غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ويفرق بينهما تفريقاً أبدياً، وأما الولد فيلحق بأمه.

    وإذا اعترفت وكانت حبلى فلا يقام عليها الحد حتى تضع الولد، وحتى يرضع منها وتقوم بإرضاعه.

    حادثة الإفك

    جاء في الآيات أيضاً حادثة الإفك المريرة، وهي: أن عبد الله بن أبي ابن سلول رئيس المنافقين لعنة الله عليه اتهم صفوان بن المعطل أنه فجر بأم المؤمنين عائشة، وعرفنا العوامل والأسباب في الآيات. وقد أكذبهم الله، وأكذب الذين رددوا هذه الفرية، وتناقلوها من بيت إلى بيت حتى بلغوا عشرة أنفار، ولكن أربعة منهم أقيم عليهم الحد؛ لأنهم تبجحوا ونطقوا، وهم: أولاً: حسان بن ثابت شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم، وثانياً: مسطح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر رضي الله عنه، وثالثاً: حمنة بنت جحش ، وبقي المنافق لم يقم عليه الحد، ولا ينفعه الحد؛ لأنه من أهل النار.

    ثم جاء بعد ذلك التنديد بهذه الحادثة: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا [النور:15-17]، هذه كانت في حادثة الإفك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ...)

    الآن مع قول ربنا جل جلاله وعظم سلطانه: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ [النور:23]. وليس المقصود يرمونهن بالحجارة أو بالعصي أو بالرصاص، بل يرمونهن بالكلمة الباطلة الكاذبة، أي: بكلمة الزنا والفجور واللواط والعياذ بالله تعالى، ولذلك قال تعالى في هذا الخبر: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:23]. ومن هنا ما يبقى مؤمن يقوى على أن يقول كلمة فاحشة، ويصف بها واحداً من الناس.

    وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ [النور:23]، المحصنات هن العفيفات الطاهرات. لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:23]. وعلى رأسهم ابن أبي رئيس المنافقين، إذ هو المقصود بهذا، ولهذا لم يقم عليه الحد، ولا تنفعه توبة، وهو لم يتب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيدهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ...)

    قال تعالى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ * الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور:24-26]. هذه الآيات هنا تحمل وجهين مشرقين نيرين، وهما:

    أولاً: قوله تعالى: الخبيثات أي: من الكلمات والخبيثات من الأقوال للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات، أي: الكلمات الخبيثة لهم، والطيبات من الكلمات للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من الكلام. هذا الوجه الأول، وعليه ابن جرير .

    والوجه الثاني: وهو أن هذه نزلت في براءة أم المؤمنين رضي الله عنها، فقال تعالى: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال. ورسول الله لم يكن خبيثاً حتى تكون زوجته خبيثة، وصفوان بن معطل لم يكن خبيثاً، و الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ [النور:26]. فهذه سنة الله، وهذا حكمه وقضاؤه. وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ [النور:26]. وهم صفوان بن معطل وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    ولأن معنا حضور أقول: هذه القضية قضية الإفك سببها: أنه خرج الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة من الغزوات إلى مكان يقال له مريسيع وهو مكان ماء، ولما قفلوا راجعين فقدت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سواراً أو عقداً لها، إذ ذهبت تتبرز فسقط منها، فلما فقدته رجعت تبحث عنه، فلما رجعت وجدته، ثم لما رجعت إلى المكان وجدت القافلة والمعسكر قد مشوا، فجلست تنتظر؛ لعلهم يبعثون من يأخذها، فبقيت تنتظر حتى جاء صفوان بن معطل وكان من الساقة، الذين يجعلهم الرئيس أو القائد أو الرسول آخر المعسكر يتتبعون من يمرض، ومن يسقط منه كذا وكذا، فلما رآها من بعيد عرفها، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فاسترجع، وقالت هي: حسبنا الله ونعم الوكيل، وسترت وجهها، فجاء وأناخ راحلته وحملها عليها، وقاد الراحلة، ولما وصل إلى المعسكر وقد نزل وخيم قال ابن أبي : والله ما نجت منه ولا نجا منها، لعنة الله عليه. فحلف بالله أنها ما نجت منه، وكان منافقاً يريد الفتنة بين المسلمين، ونقل الخبر جماعة، وليس من حقهم هذا، وأدبهم الله؛ لأنه ليس من حقهم أن يقولوا هذه الكلمة أبداً، بل كان من حقهم أن يقولوا: اسكت يا كاذب! ولكنهم تناقلوها وانتشرت، وأصاب الرسول هم وغم، وأصاب كذلك الصديق ، والأسرة كلها والمؤمنون، وعائشة فما درت ولا سمعت، فلما بلغها أغمي عليها.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    الآيات التي بين أيدينا تقول: إن الذين يرمون المحصنات العفيفات الطاهرات بفاحشة الزنا أو يرمون الرجال بفاحشة الزنا، فليس هناك فرق بين المحصنات والمحصنين، وكذلك بفاحشة اللواط، فهي أبشع من فاحشة الزنا. والغافلات: الطاهرات التي ما يخطر ببالها زنا ولا فاحشة، وهذا يوجد في المؤمنات إلى الآن، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، قال: ألا وقول الزور .. ألا وشهادة الزور، ثم قال: وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنات الغافلات ). فجعلها من كبائر الذنوب؛ لأنها غافلة ما يخطر ببالها شيء اسمه فاحشة أبداً، ولا تحدث نفسها بهذا أبداً. ولهذا قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ [النور:23] من الرجال والنساء الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النور:23]. فهذا اللعن ثابت في الدنيا، وكذلك إقامة الحد عليهم بأن يجلدوا ثمانين جلدة، وتسقط عدالتهم بين الناس، وفي الآخرة إن تابوا تاب الله عليهم، وإن أصروا واشتهروا بهذه الفاحشة وماتوا عليها فلهم عذاب دائم عظيم يوم القيامة.

    وهنا كما قلت لكم: أول من يدخل في هذه الآية: ابن أبي عليه لعائن الله، فهو قد رمى عائشة . لعنة الله عليه.

    ثم قال تعالى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ [النور:24]. وهذا عام، فإذا وقف بين يدي الله وسأله الله: هل زنيت؟ لم يستطع أن ينطق، بل ينطق لسانه بدون إرادته، فتشهد عليهم ألسنتهم، وَأَيْدِيهِمْ [النور:24] ماذا فعلت، وَأَرْجُلُهُمْ [النور:24] إلى أين مشت. فجوارحهم تنطق وتفضحهم أمام الله عز وجل، كما قال تعالى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ [النور:24] بما كانوا يعملونه من الشر والفساد والخبث، وخاصة الزنا واللواط والعياذ بالله تعالى، وحمل الغيبة والنميمة ونشرها بين المجتمعين.

    فلهذا مجتمعنا الإسلامي لا تسمع فيه كلمة زنا أبداً؛ لأن هذه الكلمة من أخبث الكلام؛ لما تجره من بلاء وفساد، وحسبنا أن من قال: فلان زنى، أو فلانة زنت إما أن يأتي بأربعة شهود، ومستحيل أن يأتي بهم، أو يكشف ظهره ليجلد ثمانين جلدة، وتسقط عدالته بيننا، ولا نلتفت إليه؛ لأنه أصبح خسيساً هابطاً. وهذا حتى ما يجرؤ مؤمن ولا مؤمنة أن يقول الفاحشة وينطق بها.

    ثم قال تعالى: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ [النور:25] الثابت عليهم، ويجزيهم به. فقوله: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ [النور:25]، أي: الجزاء الكامل الثابت. وَيَعْلَمُونَ [النور:25] عندها أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور:25]. هذا يوم القيامة، فيعلمون أنه الحق الذي لا إله غيره البين الواضح، وأنه الحق أيضاً الموجود الثابت، لم يسبقه وجود ولا عدم، بل هو الذي أوجد الوجود والعدم.

    ثم قال تعالى هنا: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ [النور:26]. وقد قلت لكم في هذه الآية وجهان مشرقان:

    الوجه الأول: الخبيثات من الكلمات -وهي: الرمي بالفاحشة- للخبيثين من الرجال، والخبيثات من الكلمات للخبيثات من النساء، وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور:26]. وهذا الوجه قاله أهل التفسير.

    الوجه الثاني: الخبيث من الرجال للخبيثات من النساء، والخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، أي: الزاني والزانية، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال.

    ومن هنا أسقط الله تلك التهمة، ومحاها محواً أبدياً؛ إذ لا يعقل أن يقال: محمد خبيث لأن امرأته خبيثة، والعياذ بالله، وقد كفر من قال هذا.

    ولهذا نبهنا إخواننا الذين ينتسبون إلى الشيعة بأن هذه الفتنة الدائرة بينهم يجب أن يمحوها محواً من صدورهم ومن كتبهم، فالله قد برأ أم المؤمنين بهذه الآية، ومن أجلها نزلت هذه الآيات، فالذي يقول: عائشة زنت أو زانية والله ما بقي له إسلام، ولو صام وصلى ألف عام فقد كفر، وقد قدمنا هذا الحكم.

    من سب صحابياً فقد قال مالك : يقام عليه الحد، ومن سب عائشة كفر؛ لأن الله برأها بثلاثين آية من كتابه، واسمعوا آخر ما فيها: أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور:26]، أي: الجنة.

    وهنا ميزة لـعائشة رضي الله عنها، فلما اتهم يوسف عليه السلام بالزنا شهد له ببطلان هذه الدعوى طفل رضيع في حضن أمه، كما قال تعالى: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا [يوسف:26]. فيوسف الصديق اتهمته امرأة العزيز بأنه أراد أن يزني بها وكان هناك غلام في المهد، فنطق الغلام وقال: كذبت ما زنى يوسف، وليس هو الذي طلبها. وعيسى عليه السلام لما اتهمت أمه مريم بالزنا، وقالوا: زنت وفجرت، وإلا فمن أين هذا الولد؟ أنطق الله عيسى وهو رضيع، وبرأ أمه، وأما عائشة أم المؤمنين فقد برأها الله، وهذا أعظم من شهادة الطفل في المهد، وأعظم من شهادة عيسى النبي، فالله تولى براءتها.

    ولهذا يذكر من فضائلها: أن الله برأها في كتابه من هذه التهمة.

    وثانياً: أنها بنت خليفة رسول الله وصديقه.

    ثالثاً: أن الرسول ما تزوج بكراً إلا هي، فقد تزوج تسع نساء، وما تزوج واحدة بكراً إلا عائشة .

    رابعاً: من هذه الفضائل: أنه جاء جبريل بصورتها في راحته لمحمد ليتزوج عائشة ، وما كان هذا ليقع لأحد.

    خامساً: ومنها: أن النبي إذا جاءه الوحي كان يبتعد عنه نساؤه، وعائشة كان يأتي الوحي وهو في فراشها، وينزل عليه وهو في فراشها، وملتحف بلحافها.

    سادساً: من فضائلها عليها السلام: أن الرسول توفي ورأسه على صدرها.

    سابعاً: من فضائلها: أنه دفن في بيتها، وقبر في بيتها.

    هذه سبع فضائل. ثم يستسيغ شخص يدعي الإسلام ويصلي ويصوم أن يقف هذا الموقف اتباعاً للمغالطين والدجالين، وأن يقول: عائشة ارتكبت الفاحشة، ويلعنها، والعياذ بالله. فقد خدعوهم وغرروا بهم وضللوهم، وهذا كتاب الله بين أيدينا. فهو يقول في هذه الآية الكريمة: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ [النور:26]. فيكون على قولهم هذا عائشة خبيثة والرسول خبيث، والعياذ بالله.

    ثم قال تعالى: وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ [النور:26]. فـعائشة الطيبة لمحمد الطيب. أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ [النور:26]، أي: أولئك المفترون الكذابون، أو المشيعون للفاحشة. لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ [النور:26]. وهذا الصك الإلهي لـعائشة ، فقد قالت: أنا في الجنة، مبشرة بالجنة.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    إليكم شرح هذه الآيات من الكتاب:

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النور:23]، هذه الآية وإن تناولت ابتداءً عبد الله بن أبي فإنها عامة في كل من يقذف مؤمنة محصنة، أي: عفيفة غافلة، لسلامة صدرها من الفواحش لا تخطر ببالها. لُعِنُوا [النور:23]، أي: أبعدوا من الرحمة الإلهية فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:23]. في الدنيا بإقامة الحد عليهم، وفي الآخرة بعذاب النار، وذلك يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النور:24] من سوء الأفعال.

    وقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ [النور:25]، أي: يتم ذلك يوم يوفيهم الله دينهم الحق، أي: جزاءهم الواجب عليهم، ويعلمون حينئذٍ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور:25]، أي: الإله الحق، الواجب الإيمان به والطاعة له، والعبودية الكاملة له لا لغيره ] من سائر المخلوقات.

    وقوله تعالى: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ [النور:26]، أي: الخبيثات من النساء والكلمات للخبيثين من الرجال كـابن أبي . وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ [النور:26]، أي: والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء والكلمات.

    وقوله: وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ [النور:26]، أي: والطيبات من النساء والكلمات للطيبين من الرجال كالنبي صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها.

    وقوله: وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور:26]، أي: والطيبون من الرجال للطيبات من النساء والكلمات، تأكيد للخبر السابق ] فقط، فقد أعيدت للتأكيد.

    [ وقوله تعالى: أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ [النور:26]، أولئك إشارة إلى صفوان بن المعطل وعائشة رضي الله عنها. ومبرءون أي: من قالة السوء التي قالها ابن أبي ، ومن أذاعها معه.

    وقوله: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور:26]، هذه بشرى لهم بالجنة مقابل ما نالهم من ألم الإفك الذي جاءت به العصبة المتقدم ذكرها، إذ أخبر تعالى أن لهم مغفرة لذنوبهم التي لا يخلو منها مؤمن، وهو الستر عنها ومحوها، ورزقاً كريماً في الجنة ] دار السلام [ وبهذه تمت براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، والحمد لله أولاً وآخراً ].

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: عظم ذنب قذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وقد عده رسول الله صلى الله عليه وسلم في السبع الموبقات، والعياذ بالله تعالى ] فقذف المحصنات -أي: سبهن بالزنا أو الفاحشة- من أعظم الكبائر، وقد عده الرسول من كبائر الذنوب، فلا تقل هذه كلمة لا معنى لها، بل من قال للمؤمن: يا زانٍ! أو زنيت، أو أنت تفعل كذا، أو قال هذا لمؤمنة فقد ارتكب كبيرة من الكبائر، التي حصرها الرسول في سبع، وقال: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ -وقال في آخرها- قذف المحصنات الغافلات المؤمنات ).

    [ ثانياً: تقرير الحساب ] يوم القيامة [ وما يتم فيه من استنطاق واستجواب ] وشهود الأعضاء، فتشهد الرجل إذا مشت، واليد إذا أعطت أو أخذت، والعين إذا أبصرت، واللسان إذا نطق، ورغم أنفه تنطق جوارحه، كما قال تعالى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ [يس:65].

    [ ثالثاً: تقرير التوحيد بأنه لا إله إلا الله ] ففي هذه الآيات تقرير كذلك بأن الله هو الحق، أي: الإله الحق، لا إله غيره ولا رب سواه.

    [ رابعاً: استحقاق الخبث أهله، فالخبيث هو الذي يناسبه القول الخبيث والفعل الخبيث ] كما قدمنا. فالخبيث هو الذي ينطق بالخبث، والخبيثة من النساء هي التي تنطق بالخبث، كما قدمنا في تفسير الآيات، فالزاني لا يزني إلا بزانية مثله، والزانية لا تزني إلا بزانٍ مثلها أو مشرك، والعياذ بالله.

    [ خامساً: استحقاق الطيب أهله، فالطيب هو الذي يناسبه القول الطيب والفعل الطيب ] وعكسه الخبيث، وهو الذي يناسبه القول الخبيث والفعل الخبيث.

    [ سادساً: براءة أم المؤمنين وصفوان مما رماهما به أهل الإفك ] ومما أشاع ابن أبي من تلك التهمة الباطلة الفاجرة الكاذبة. فقد نزلت هذه الآيات في براءتهما، فقد برأهما الله عز وجل على رأس ثلاثين آية، إذ الآيات نزلت في هذه الحادثة بالذات.

    [ ثامناً ] وأخيراً: [ بشارة أم المؤمنين وصفوان بالجنة بعد مغفرة ذنوبهما ] فقد بشرا بالجنة في كتاب الله.

    وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.