إسلام ويب

تفسير سورة النور (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • على الرغم مما تسببت به حادثة الإفك من الألم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته والمؤمنين الصادقين، إلا أنها كانت سبباً في بيان بعض الأحكام التي كان يحتاج إليها المسلمون آنذاك، ومن ذلك بيان ما يلزم المؤمن تجاه الشائعات من الحذر والاستيقان وعدم الخوض فيها، ومنها بيان أن في أوساط المسلمين من يحب إشاعة الفاحشة فيهم من المنافقين وأعداء الدين، ومنها حث المسلمين على بذل المعروف للضعفاء منهم على الرغم من إساءتهم، وذلك ابتغاء وجه الله وطلباً لمرضاته، وهذا ما يظهر في موقف أبي بكر الصديق من مسطح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:19-22].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قال ربنا جل ذكره: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النور:19]. مازال السياق الكريم في بيان أولئك الذين ولغوا في الإفك ووقعوا فيه، وهم العصبة التي من بينهم وعلى رأسهم عبد الله بن أبي ابن سلول ، ثم مسطح بن أثاثة ، ثم حسان بن ثابت ، ثم حمنة بنت جحش .

    أما ابن أبي فهو من كبار المنافقين، ومصيره جهنم، يخلد فيها أبداً. ولكن الذين ولغوا في هذا الإفك وتورطوا - وهم من أربعة إلى عشرة- فهذا الخطاب والعتاب لهم.

    يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ [النور:19] وتظهر وتنتشر بين المؤمنين والمؤمنات.

    وهنا يا معشر المستمعين والمستمعات! يجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يعرف أنه لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يظهر الفاحشة في بلد إسلامي، أي: فاحشة الزنا، والعياذ بالله تعالى. وإلا فله هذا الوعيد الشديد، وهو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ [النور:19]، أي: يشتهون بنفوسهم، أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ [النور:19] وتظهر، وهي: فاحشة الزنا واللواط والعياذ بالله، فِي الَّذِينَ آمَنُوا [النور:19]. وأما في الكافرين فلهم شأنهم، فالكفار إلى جهنم، وليسوا في الطريق المستقيم إلى الجنة، فلهذا يزنون أو يفجرون، أو يفتحون أندية اللواط أو يفعلون ما يفعلون، فلهم شأنهم؛ لأنهم لا قيمة لهم، ولكن المؤمنين الربانين أولياء الله الذين من عباده الصالحين لا يجوز أن تظهر الفاحشة في بلادهم، ولا يسمحوا بها، ولا يتعاونوا عليها بعد أن جاء هذا الوعيد الشديد، واسمعه في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ [النور:19] مجرد حب فقط أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا [النور:19] فجزاؤهم لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النور:19]. وهو في الدنيا الجلد ثمانين جلدة. فهذا جزاء من يشيع الفاحشة، ويقول: فلان زنى، أو فلانة زنت، أو فلان كذا أو كذا إن لم يأت بأربعة شهود، وهيهات هيهات أن يأتي بهم! فإن لم يأت بهم فليكشف ظهره ليجلد ثمانين جلدة، ثم يغرب بعيداً من البلاد سنة كاملة؛ للقضاء على الفاحشة؛ حتى لا توجد ولا تظهر في بلاد المسلمين؛ لأنها من أقبح ما يكون من القبح والعياذ بالله.

    فقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ [النور:19] تظهر وتنتشر، وهي فاحشة الزنا واللواط فِي الَّذِينَ آمَنُوا [النور:19]، أي: في بلد المؤمنين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:19]. موجع فِي الدُّنْيَا [النور:19]. وهو كما علمتم الحد -حد القذف-، وهو ثمانون جلدة، وتغريب سنة. وَالآخِرَةِ [النور:19]. إن لم يتوبوا، وهو عذاب النار. وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19]. فلا تتعجبوا كيف يوعد الله ويهدد هؤلاء؛ لأنه يعلم ما لا تعلمون أنتم، فهو يعلم أن الفاحشة إذا ظهرت في قرية أو في مدينة أو في إقليم انتشرت، وإذا انتشرت هبطت النفوس وخبثت الأرواح، وأصبحوا كلهم أهلاً لجهنم، ولا يعبدون الله، ولا يتقربون إليه. فهو يعلم عواقب انتشار الفاحشة، وما يترتب عليها من الشر والفساد. فلهذا لا تعجبوا من هذا.

    وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ [النور:19] فيتكلمون بها ويتناقلونها ويتحدثون بها في مجالسهم، هؤلاء لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:19]. موجع فِي الدُّنْيَا [النور:19]. ألا وهو الحد ثمانين جلدة، ثم التغريب عاماً، ثم ترك شهادتهم، وهبوط قيمتهم. وفي الآخرة إن لم يتوبوا فمصيرهم جهنم والعياذ بالله، ولكن إن تابوا تاب الله عليهم.

    والذين عرفنا عنهم هذا من أصحاب رسول الله تابوا وتاب الله عليهم، وهم من أهل الجنة، إلا ابن أبي ؛ فإنه منافق كافر، لا يؤمن بالله ولا برسوله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم)

    قال تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ [النور:20]. فيا من أشاعوا الفاحشة وتحدثوا بها، ورموا بها أم المؤمنين عائشة الصديقة، وجروا بذلك الهم والغم إلى زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إلى أسرة آل البيت كلها، لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ [النور:20] لأهلككم لأنزل عذابه بكم، ولكن بفضل الله ورحمته تاب الله عليكم، وأنزل الحد، فأقيم عليكم، وتبتم فتاب الله عليكم. فهذا من رأفة الله ورحمته بعباده، ولو شاء ما تاب عليهم، ولو لم يتب عليهم لم يمكن لأحد أن يتوب عليهم، ولو لم ينزل الحد ولم يحدوا لبقي الإثم على ظهورهم وفي نفوسهم، لكن من رأفته ورحمته بهم أنه أولاً: ما أنزل العذاب والعقوبة بهم؛ نتيجة هذا الظلم والشر والفساد، ومن جهة أخرى قبل توبتهم وتاب عليهم. والله رءوف بعباده، رحيم بهم.

    ومن مظاهر رحمته: أنه أنزل هذا التشريع، وعلمهم كيف يتقون الشر والفساد، وكيف يمشون في طريق السعادة والكمال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ...)

    هنا ينادي منادي الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [النور:21]! فلنقل: لبيك اللهم لبيك! فإذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا ! فقل: لبيك اللهم لبيك!؛ لأنك إن كنت مؤمناً فأنت منادى. وأما غير المؤمن فليس هو منادى، فلا يقول: لبيك ولا يسمع.

    فيا من آمنتم بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً! .. يا من آمنتم وصدقكم بالله ورسوله! اسمعوا: لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [النور:21]. فيا أيها المؤمنون الصادقون في إيمانهم! احذروا أن تتبعوا خطوات الشيطان، ولا تمشوا وراءه أبداً؛ فإنه يصل بكم إلى الهلاك والدمار والخراب.

    وخطواته: ما يزينه ويحسنه في القلوب بالوسوسة الخاصة، فتلك هي خطواته. فلا تتبعوها، ولا تمشوا وراءها؛ خشية أن تصبحوا شياطين. بل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ [النور:21] من ذكر أو أنثى في الأولين أو الآخرين خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [النور:21]، وهي: ما يوسوسه ويزينه من الجرائم والموبقات، والآثام والفواحش، فإنه لا يلبث أن يصبح شيطاناً، يأمر بالفحشاء والمنكر. فالذين يأمرون بالفحشاء بيننا والمنكر والله إنهم شياطين، فالشيطان يوسوس لهم ويحسن، وهم يعملون وينفذون ويطبقون؛ لأنهم شياطين.

    ولذلك قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [النور:21]! فقولوا: لبيك اللهم لبيك! لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [النور:21]. واعلموا أن من يتبع خطوات الشيطان فإن الشيطان يأمره بالفحشاء والمنكر، فيصبح هو كذلك يأمر بالفحشاء والمنكر، فيصبح الآدمي شيطاناً، بل دعوته تؤثر أكثر من دعوة الشيطان؛ لأن الشيطان يدعو بالهواجس والخواطر والوسواس فقط، وذاك يدعو بالكلمة والريال والدرهم، ويشجع على الفاحشة، ويدعو إليها، ويصبح يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، عكس ما يجب على المؤمن، وهو أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ ولذلك قال تعالى: وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ [النور:21]، أي: الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر. ومن يتبع خطواته يصبح مثله شيطاناً، يأمر بالفحشاء والمنكر.

    ثم قال تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا [النور:21]، أي: ما طهر ولا طاب أحد. وإن كانت الآيات في تلك العصابة في تلك الجماعة ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فلولا فضل الله علينا ورحمته بنا فوالله ما زكا منا أحد؛ لقوة تأثير الشياطين، وما تحسنه من القبائح، وما تزينه من الفواحش في النفس، ونحن ضعفة عاجزون، ولكن الله من علينا فحفظنا ووقانا. ومعنى هذا: هيا نشكر الله ونحمده ونثني عليه خيراً، ولا نتكبر ولا نتبجح، ولا نقل: نحن لا نفعل المنكر .. نحن لا نفعل الشر، فنصاب بالكبر، والعياذ بالله. والله تعالى يقول هنا: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا [النور:21]. ومعنى زكا: طاب وطهر، وزكاة النفس: طهارتها، وفلان زكى نفسه: طيبها وطهرها، وفلان زكي: نقي طاهر، ليس له ذنب ولا إثم ولا عيب.

    ثم قال تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ [النور:21]. والذي يشاء الله تزكيته هو ذاك الذي قرع باب الله، وطلب الزكاة منه، وخر ساجداً بين يدي الله متضرعاً طالباً. ذاك هو الذي يعطيه الله الزكاة. وأما الذي يرفع رأسه أو يتكبر أو لا يبالي فلا يزكو أبداً. فلابد من أن تخنع وتخضع وتذل لله، وتسأله وتدعوه: يا رب! آت نفسي هداها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها .. أنت مولاها. وقل: رب! زكي نفسي. فإذا قرعت باب الله وألححت عليه والله ليزكينك.

    إذاً: فقوله: وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ [النور:21]، الذي يشاء الله تزكيته هو الذي طلب التزكية، ورغب فيها، وبحث عنها. هذا الذي يزكيه الله. وأما المعرض المتكبر المستنكف فلا يزكيه الله، بل هذا لا يشاء الله تزكيته؛ لأن مشيئة الله على عدل وحكمة، وليست هي مشيئة إنسان يتخبط.

    ثم قال تعالى: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور:21]. وهاتان صفتان عظيمتان من صفات الرب تعالى. فهو سميع لكل أقوال عباده، وعليم بكل حركاتهم وسكناتهم وتحركاتهم، فلذا لا يزكي إلا من هو أهل للتزكية، ويترك من هو أهل للترك؛ لأنه سميع عليم، فهو أولاً: سميع لأقوال عباده، فمن نطق بكلمة سمعها، بل ما ينطق بها إلا وقد كتبها الله عليه. وهو ثانياً: عليم بأحوالهم الظاهرة والباطنة، فمن هنا يزكي من يشاء، والذي لا يشاء تزكيته لا يزكيه.

    ومعنى هذا: هيا نقرع باب الله ونلازمه قائلين: يا رب! زك أنفسنا، وطيبها وطهرها، ونعمل بأدوات التزكية والتطهير، ولا نفرط فيها، وهي: ذكر الله عز وجل وطاعته، والبعد عما يزينه الشيطان ويحسنه للإنسان من أنواع القبح، والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ...)

    قال تعالى: وَلا يَأْتَلِ [النور:22]، أي: ولا يحلف، أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ [النور:22].

    وهذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق، إذ كان له ابن خالة، وهو مسطح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر الصديق، وكان مهاجراً فقيراً، فآواه أبو بكر، وأصبح ينفق عليه وعلى أهله، فلما تورط في الإثم في الإفك حلف أبو بكر أن لا يدخل بيته، ولا يأكل طعامه بعد اليوم -وله الحق في هذا- مادام يلغ في عرض ابنته، فحلف ألا يعطيه طعاماً ولا شراباً، ولا يقبله كما كان. ولكن الله أبى ذلك، وقال: وَلا يَأْتَلِ [النور:22]، أي: ولا يحلف؛ لأن أبا بكر قال: والله لا يدخلن بيتي بعد اليوم، ولا يأكل طعامي. وهو معذور في هذا.

    فقال تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ [النور:22]، أي: الغنى، أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النور:22] أن يؤتوهم ما هم في حاجة إليه من طعام أو شراب، أو كساء أو مال، وليس عليهم أن يحلفوا أبداً، بل وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ [النور:22] منكم يا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم! أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى [النور:22]، أي: يعطوا أصحاب القرابة من خال وابن خال وعم، وما إلى ذلك، وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النور:22] من مكة الذين ليس بأيديهم شيء، وهجرتهم في سبيل الله لا في سبيل دنيا ولا مال. وَلْيَعْفُوا [النور:22] عمن عزموا على أن لا يعطوهم، وَلْيَصْفَحُوا [النور:22]. فلا يلومونهم ولا يسبونهم ولا يشتمونهم.

    ثم قال تعالى: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22]؟ فقال أبو بكر : أحب أن تغفر لي، وقال: يا مسطح ! تعال إلى ما كنت فيه. وكفر عن يمينه.

    فلهذا من حلف على خير لا يفعله عليه أن يكفر عن يمينه، ويفعل الخير. فمن حلف أن لا يصوم .. أن لا يتصدق .. أن لا يمشي إلى المسجد .. أن لا يجلس في المجلس الفلاني وهو من مجالس الخير فعليه أن يكفر عن يمينه، ويأتي الذي هو خير، ولا يبقى مصراً على يمينه؛ لهذه الآية الكريمة التي نزلت في أبي بكر الصديق .

    وأبو بكر هذا هو صاحب رسول الله، وثانيه في الغار، وخليفته بعد وفاته. وأبو بكر هذا نزل فيه قول الله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر:33]. وهو أبو بكر . فالذي جاء بالصدق رسول الله، والذي صدقه هو أبو بكر الصديق .

    واليوم يوجد بين المسلمين من يكرهه، والعياذ بالله.

    والذي أقوله تعليماً للمؤمنين والمؤمنات: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل فيهم قرآن نتلوه إلى اليوم، وهو: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18]. وقد كانوا ألفاً وأربعمائة رجل، وما خرج عنهم واحد من الصحابة المعروفين قط. فقد أخبر تعالى أنه رضي عنهم.

    ومعنى لقد رضي الله عنهم: أنه رضي، ولم يسخط.

    ولا يجوز عقلاً وشرعاً أن يرضى الله عن زيد ثم يغضب عليه، وإلا لأصبح مثل البشر لا يدري ماذا يفعل. فمستحيل أن يرضى الله عن أحد ثم يسخط عليه، بل يحفظه حتى لا يقع في ذنب يسخط الله عليه. فلهذا وجب الترضي عن أصحاب رسول الله. فإياكم وإياكم أن تسبوا واحداً منهم! ومن سب صحابياً فيجب أن يؤدب شرعاً.

    وأما من يكفر مؤمناً وليس صحابياً فهو كافر، فمن يكفرني أنا فوالله هو الكافر، وليس في ذلك خلاف. ولكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعلن تعالى عن رضاه عنهم، فلا يسبون أو يشتمون إذاً.

    ثم قال تعالى هنا: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22]؟ فلنقل: بلى يا ربنا!

    فأعاد أبو بكر إليه مسطح إلى ما كان عليه من الأكل والشرب، والمبيت في البيت. وَاللَّهُ غَفُورٌ [النور:22] لعباده التائبين. رَحِيمٌ [النور:22] بالمؤمنين. هذه صفاته اللازمة الدائمة.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات ] الآن نسمعكم شرح الآيات من الكتاب، فتأملوا.

    [ مازال السياق في عتاب المؤمنين الذين خاضوا في الإفك. فقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ [النور:19]، أي: تنتشر وتشتهر ] وهذا كما قلت عاماً إلى اليوم وبعد اليوم، فأيما مؤمن يحب أن تظهر الفاحشة في مدينة .. في قرية والعياذ بالله تعالى يتعرض لهذا العذاب.

    وقوله: [ فِي الَّذِينَ آمَنُوا [النور:19]، أي: في المؤمنين ] أي: من كان موصوفاً بهذا في الأولين والآخرين [ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا [النور:19] ] وذلك [ بإقامة حد القذف عليهم، وإسقاط عدالتهم، وفي الآخرة إن لم يتوبوا بإدخالهم نار جهنم، وكفى بهذا الوعد رادعاً ] وقد يقول القائل: الآن الحدود ما تقام في بلادنا، فأقول: ولو لم تقم، فلا نتهم مؤمناً بفاحشة، ولا نشيعها ولا نذيعها، ولو لم تقم الحدود، ولا نقول: مادامت الحدود معطلة عندنا فلا بأس أن نقول الباطل.

    [ وقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19]، أي: ما يترتب على حب إشاعة الفاحشة بين المؤمنين من الآثار السيئة ] والعياذ بالله [ فلذا توعد من يحبها بالعذاب الأليم في الدارين ] في الدنيا والآخرة [ وأوجب رد الأمور إليه تعالى، وعدم الاعتراض على ما يشرع؛ وذلك لعلمه المحيط بكل شيء، وجهلنا لكل شيء، إلا ما علمناه فأزال به جهلنا.

    وقوله ] تعالى: [ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [النور:20]، لهلكتم بجهلكم وسوء عملكم، ولكن لما أحاطكم الله به من فضل لم تستوجبوه ] أي: العذاب [ إلا برأفته بكم ورحمته لكم عفا عنكم، ولم يعاقبكم ] وله الحمد والمنة.

    وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [النور:21] ] واسمعوا أيها المؤمنون! ويا أيتها المؤمنات! فإياي وإياكم أن تتبعوا خطوات الشيطان! [ أي: يا من صدقتم الله ورسوله! لا تتبعوا خطوات الشيطان؛ فإنه عدوكم ] فالشيطان عدونا والله، ويكفي لمعرفة ذلك أنه يريد أن نكون كلنا من أهل النار، وعمله الليل والنهار وذريته وهم بالملايين أن لا يدخل إنسان الجنة؛ إذ أنه لا يريد أن يدخل هو وذريته النار، والإنسان يدخل الجنة، ولذلك فالله يقول لنا: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر:6]، أي: اجعلوه عدواً لكم، تبتعدون عنه وتكرهونه وتلعنونه [ فكيف تمشون وراءه، وتتبعونه فيما يزين لكم من قبيح المعاصي وسيئ الأقوال والأعمال، فإن من يتبع خطوات الشيطان لا يلبث أن يصبح شيطاناً، يأمر بالفحشاء والمنكر ] وشياطين البشر معروفون، فالذي يفتح دار بغاء فهذا شيطان؛ لأنه فتح دار زنا وساعد عليها، فهو شيطان، والذي يفتح دار ربا شيطان، والذي يفتح عملاً للمنكر شيطان، وهكذا؛ لأنه يأمر بالفحشاء والمنكر [ ففاصلوا هذا العدو ] وابتعدوا عنه [ واتركوا الجري وراءه؛ فإنه لا يأمر بخير قط ] فالشيطان والله ما يأمر بخير قط [ فاحذروا وسواسه، وقاوموا نزغاته ] ليس بالعصا، وإنما [ بالاستعاذة بالله السميع العليم؛ فإنه لا ينجيكم منه إلا هو سبحانه وتعالى ] فإذا خطر في بالك خاطر سوء فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأيما وسوسة جاءت تخطر في قلبك فالتفت إلى يسارك والعنه بقولك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، حتى ولو كنت في الصلاة.

    [ وقوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا [النور:21] ] أي: طاب وطهر [ وهذه منة أخرى ] وعطية إلهية [ وهي: أنه لولا فضل الله على المؤمنين ورحمته بحفظهم ودفع الشيطان عنهم ما كان ليطهر منهم أحد ] أبداً والله العظيم. بل لكانوا كلهم يخبثون ويتلوثون [ وذلك لضعفهم واستعدادهم الفطري ] الخلقي [ للاستجابة لعدوهم. فعلى الذين شعروا بكمالهم؛ لأنهم نجوا مما وقع فيه عصبة الإفك من الإثم أن يستغفروا لإخوانهم، وأن يقللوا من لومهم وعتابهم ] فقد تورط جماعة من أصحاب الرسول، فعلينا نحن الذين حفظنا الله ووقانا وما تورطنا أن لا نتكبر، بل علينا أن لا نلوم إخواننا، ولا نعتب عليهم، بل نستغفر لهم، وندعو الله لهم؛ لأن الله تاب عليهم، وأقيمت الحدود عليهم.

    قال: [ فإنه لولا فضله عليهم ورحمته بهم لوقعوا فيما وقع فيه إخوانهم ] إذاً: [ فليحمدوا الله الذين نجاهم، وليتطامنوا تواضعاً لله وشكراً له ] فعلى كل مؤمن منا ومؤمنة نجاه الله من الفاحشة ومن الشر والفساد أن لا يتكبر ويترفع، ويرى نفسه أفضل من عباد الله، بل يتواضع، ويدعو لإخوانه بالمغفرة والرحمة والهداية. وهذا هو تأديب الله لنا.

    [ وقوله ] تعالى: [ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور:21]، أي: فمن شاء الله تزكيته زكاه. وعليه فليلجأ إليه، وليطلب التزكية منه ] أي: فليجأ المؤمن إلى الله، ويطلب التزكية منه [ وهو تعالى يزكي من كان أهلاً للتزكية، ومن لا فلا؛ لأنه السميع لأقوال عباده، والعليم بأعمالهم ونياتهم وأحوالهم، وهي حال تقضي التضرع إليه ] أي: إلى الله [ والتذلل ] إليه، وطلب الهداية منه في كل صلاة نصليها، وفي كل قنوت نقنته.

    [ وقوله ] تعالى: [ وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا [النور:22] ] وهذا قد يقع الآن، فقد يوجد مؤمن يحسن إلى مؤمن، ثم إذا رآه أذنب ذنباً يقطع عليه الإحسان، فعليه أن يذكر هذه الآية كـأبي بكر الصديق، ولا يقطع عنه إحسانه. فإن [ هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق لما منع مسطح بن أثاثة ، وهو ابن خالته، وكان رجلاً فقيراً من المهاجرين، ووقع في الإفك، فغضب عليه أبو بكر، وحلف أن يمنعه ما كان يرفده به من طعام وشراب، فأنزل الله تعالى هذه الآية: وَلا يَأْتَلِ [النور:22]، أي: ولا يحلف أصحاب الفضل والإحسان والسعة في الرزق والمعاش أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى [النور:22]، أي: أن يعطوا أصحاب القرابة وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النور:22] كـمسطح. وَلْيَعْفُوا [النور:22]، أي: وعليهم أن يعفوا عما صدر من أولئك الأقرباء من الفقراء والمهاجرين. وَلْيَصْفَحُوا [النور:22]، أي: يعرضوا عما قالوه، فلا يذكروه لهم، ولا يذكروهم به؛ فإنه يحزنهم ويسوءهم ] ويؤلمهم [ ولاسيما وقد تابوا، وأقيم الحد عليهم ] فلم يبق معنى للومهم ولا لعتابهم.

    [ وقوله تعالى: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22]؟ فقال أبو بكر : بلى، والله أحب أن يغفر الله لي، فعندها صفح وعفا، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه، فقال: ( كفر عن يمينك، ورد الذي كنت تعطيه لـمسطح

    ) ] ففعل [ وتقرر بذلك أن من حلف يميناً على شيء فرأى غيره خيراً منه كفر عن يمينه، وأتى الذي هو خير ] كما علمتم.

    [ وقوله تعالى: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:22]، فهذا إخبار منه تعالى أنه ذو المغفرة والرحمة، وهما من صفاته الثابتة له. وفي هذا الخبر تطميع للعباد لأن يرجوا مغفرة الله ورحمته؛ وذلك بالتوبة الصادقة، والطلب الحثيث المتواصل؛ لأن الله تعالى لا يغفر لمن لا يستغفره، ولا يرحمن من لا يرجو ويطلب رحمته ].

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات.

    [ من هداية هذه الآيات:

    أولاً: لقبح فاحشة الزنا وضع الله تعالى لمقاومتها أموراً منها ]: أولاً: [ وضع حد شرعي لها ] وهذا خلاصة للسورة كاملة، وخلاصة لما جاء في سورة النور من أحكام، فتأملوها واقرءوها بهدوء، وقد شرحنا بعضها والبعض مازال في الآيات، فاسمع: من أجل قبح فاحشة الزنا والعياذ بالله تعالى وضع الله لها أموراً أكثر من عشرة، الآن تمر عليكم. ومعنى هذا: أنه لا فاحشة أقبح ولا أسوأ ولا أتعس من الزنا واللواط والعياذ بالله تعالى، وانظر ماذا فعل الله لتجنبها:

    أولاً: وضع حد شرعي للزنا، فإذا زنى الرجل وزنت المرأة وهما غير ثيبين فلابد وأن يجلدا مائة جلدة لكل واحد منهما. وهذا الحد منعاً للفاحشة.

    ثانياً: [ ومنع تزويج الزاني من عفيفة، أو عفيفة من زانٍ إلا بعد التوبة ] فإذا عرفنا أن الرجل زانٍ فلا نزوجه أبداً ببناتنا ولا نسائنا، وإذا عرفنا أن المرأة زانية فلا نزوجها من رجالنا أبداً إلا بعد التوبة؛ وكل هذا منعاً لهذه الفاحشة المنكرة.

    ثالثاً: [ ومنها شهود عدد من المسلمين إقامة ] هذا [ الحد ] ففي هذا الحد لابد من أربعة شهود يشهدون على أن فلاناً زنى، وهذا يتعذر، وقد لا يوجد، فلا أحد يمكنه أن يحصل على أربعة شهود؛ وذلك من أجل تغطية وتعمية هذه الفاحشة؛ حتى لا تظهر بين الناس.

    وكذلك إقامة عدد من المسلمين شهود كذلك، فعندما يقام الحد على من قذف فيجب أن يحضر أناس شهود يشهدون هذا الحد؛ حتى يشيع ذلك بين المسلمين، ويخافون هذه الفاحشة.

    رابعاً: [ ومنها: حد القذف، ومنها: اللعان بين الزوجين ] فمن قذف مؤمناً وقال: يا زانٍ! أو يا زانية! فإما أن يأتي بأربعة شهود، وإما أن يجلد ثمانين جلدة، ويغرب عاماً؛ حتى لا يذكر إنسان فاحشة في البلاد.

    ويكون بين الزوجين اللعان، فإذا اتهم رجل زوجته بأنها زنت، أو أن الولد ليس ولده فيلاعنها وتلاعنه، ويفرق بينهما أبداً إلى يوم القيامة.

    خامساً: [ ومنها: حرمة ظن السوء بالمؤمنين ] فهذا محرم؛ لأن هذا قطع لفاحشة الزنا، والعياذ بالله تعالى.

    سادساً: [ ومنها: حرمة حب ظهور الفاحشة وإشاعتها في المؤمنين ] كما تقدم، فحب ظهور الفاحشة من أقبح الذنوب وأكبرها، فلا يحل لمؤمن أن يحب ظهور الفاحشة في بلد إسلامي.

    سابعاً: [ ومنها: وجوب الاستئذان عند دخول البيوت المسكونة ] وهذا سيأتي في الآيات فيما بعد، وهو: وجوب الاستئذان عند دخول بيت المؤمن؛ لقوله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور:27]. حتى لا تشاهد فجأة امرأة فتقع في المعصية. فهذا كله من باب تشنيع فاحشة الزنا وتقبيحها.

    ثامناً: [ ومنها: وجوب غض البصر، وحرمة النظر إلى الأجنبية ] لقوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30]. وكل هذا من أجل أن لا تقع الفاحشة.

    تاسعاً: [ ومنها: احتجاب المؤمنة عن الرجال الأجانب ] فالحجاب مضروب ومفروض على المؤمنات من أجل أن لا تكون هذه الفاحشة القبيحة، وهي الزنا والعياذ بالله تعالى.

    عاشراً: [ ومنها: حرمة حركة ما كضرب الأرض بالأرجل؛ لإظهار الزينة ] فقد حرم الله على المؤمنة ذات الخلاخل في رجليها أو في يديها أن تضرب الأرض؛ حتى تلفت النظر عندما تكون مارة في الشارع. وهذا من أجل منع هذه الفاحشة، والعياذ بالله.

    الحادي عشر: [ ومنها: وجوب تزويج العزاب، والمساعدة على ذلك، حتى في العبيد بشروطها ] فعلى المؤمنين أن يتعاونوا على تزويج عزابهم، حتى العبيد؛ إن كان لهم عبيد يزوجونهم، ويتعاونون على ذلك؛ من أجل أن لا تقع الفاحشة. وما أقبح هذه الفاحشة! وقد قال تعالى: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ [النور:32].

    الثاني عشر: [ ومنها ] أي: من هذه الموانع لوقوع الفاحشة: [ وجوب استئذان الأطفال إذا بلغوا الحلم ] فإذا بلغ الغلام الثالثة عشرة .. الخامسة عشرة فيجب أن يستأذن، ولا يدخل البيت إلا بإذن؛ لقوله تعالى: وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا [النور:59]. وهذا من أجل أن لا تقع هذه الفاحشة في ديار المسلمين، أي: فاحشة الزنا واللواط، والعياذ بالله تعالى.

    [ وهذه وغيرها كلها أسباب واقية من أخطر فاحشة ] وأقبحها [ وهي الزنا ].

    وصلى الله على نبينا محمد، وآله وسلم.