إسلام ويب

تفسير سورة النور (3)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المنافقين يحبون أن تشيع الفاحشة في عباد الله المؤمنين، وذلك بسبب خبث أنفسهم وسوء طريقهم، لذلك فإنهم منذ الزمن الأول وهم يحاولون نشر الفساد في أوساط المجتمع المسلم في المدينة، ولم يتوقفوا عند حد حتى وصلوا إلى بيت الرسول المطهر صلى الله عليه وسلم، فاتهموا زوجه العفيفة الطاهرة عائشة بالفاحشة، وقد ابتلى الله طائفة من المؤمنين بالخوض في هذه الحادثة وعصم الباقين منهم من الوقوع في ذلك، حتى أنزل الله آيات تتلى أظهر فيها براءة أم المؤمنين، وطهارة بيت سيد المرسلين، وفضح المنافقين وتوعدهم بالعذاب الأليم.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النور

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور:12-18].

    إن من نعمة الله علينا أننا سوف نقضي هذه الساعة أو أقل في مجتمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأننا والله فيه، وكأننا انتقلنا ألفاً وأربعمائة سنة إلى أن أصبحنا في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك المجتمع المبارك، وهذا فضل الله، وهذا كتاب الله القرآن العظيم.

    قبل الشروع في تفسير هذه الآيات أعيد إلى أذهانكم ما سبق أن علمتم، وهي: ثلاثة أحكام.

    حد الزنا

    الحكم الأول: وقد عرفناه، وهو حكم الزاني البكر غير الثيب والزانية، والزاني البكر هو ذاك الذي لم يسبق له أن تزوج شرعاً ووطأ امرأته، والأنثى كالرجل، فهي: الفتاة التي لم يسبق لها أن تزوجت، فإذا زنيا فالحكم ما بينه تعالى، وهو عندكم معلوم، وهو الجلد مائة جلدة أمام المؤمنين، ويكونون على الأقل أربعة أنفار، ثم يغرب الرجل دون الفتاة إلى بلد بعيد سنة كاملة؛ إذ قال تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2]. وهذا الحكم خالد، وهو لا يطبق في العالم الإسلامي؛ لأنهم أعرضوا عن القرآن، وحولوه على الموتى.

    التنفير من الزنا

    عرفنا التقبيح والتشنيع للزنا، إذ قال تعالى: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ والعياذ بالله، وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3]. ولهذا بلدنا الإسلامي طاهر من الخبث، فلا زنا فيه أبداً؛ لهذه الأحكام العظيمة.

    حكم القذف

    الحكم الثاني: أن من قذف مؤمناً أو مؤمنة، بأن قال: فلانة زنت، أو فلان زنى، فيجب عليه أن يأتي بأربعة شهود يشهدون على ما ادعاه، فإن عجز يجلد ثمانين جلدة، وتسحب عدالته بين الناس، ويصبح لا قيمة له في المجتمع، إلى أن يتوب وتقبل توبته وتصح.

    فالذي يقذف مؤمناً أو مؤمنة ويقول: فلان يتعاطى كذا، أو فلانة تفعل كذا فحده هو أن يجلد ثمانين جلدة أمام الناس، وبعد ذلك تسقط عدالته بين المسلمين إلى أن يتوب وتصح توبته؛ إذ قال تعالى في ذلك: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:4-5]. هذا حد القذف، وقد عرفناه.

    اللعان

    الحكم الثالث: إذا اتهم الرجل زوجته وقال: زنت .. رأيتها تزني .. رأيت معها كذا، أو قال للذي في بطنها: ليس مني .. ليس ولدي، فهذا يسمى باللعان، فيؤتى بهما إلى المسجد عند المحراب بعد العصر، ويتلاعنان، فيبدأ بالرجل يقول: أشهد بالله أنها زنت، أو أن هذا الولد ليس مني، أربع مرات ثم يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم يؤتى بها فإن هي اقتنعت وصدقته تقتل حداً، وترجم حتى تموت، وإن هي قالت: لا، وقد كذب علي فقط وادعى، فنقول لها: إذاً: ردي أيمانه، فتشهد بالله أربع شهادات أنها ما زنت، وأن هذا الذي يقوله باطل وكاذب، والخامسة تقول: غضب الله عليّ إن كان من الصادقين، ويفرق بينهما، فلا يجتمعان إلى يوم القيامة، ولا تحل له بعد، ولا يحل لها، وإن ندم أو بكى أو قال: أنا كذبت عليها فكل هذا ما ينفع.

    هذه الأحكام تقدمت في الدرسين السابقين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم ...)

    الآن مع حادثة جليلة عظيمة، يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور:11]. والعصبة هي الجماعة من الأربعة إلى العشرة، فإذا جاء عصبة متعاصبون متعاونون، لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور:11].

    سبب نزول قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ...)

    هذه الآيات نزلت في براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد، وكان إذا أراد الخروج يقرع بين نسائه، فمن خرجت قرعتها وسهمها تخرج معه، فخرجت بهذه عائشة إلى بني المصطلق أو المريسيع شمالاً أو غرباً من المدينة. وسيأتي هذا الكلام مفصلاً في الدرس في الكتاب.

    والشاهد عندنا: فلما مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجيشه وقاربوا المدينة كانت عائشة قد تخلفت تبحث عن عقد لها قد سقط منها، وكانت لما جلست تتبرز وتقضي حاجتها سقط منها، فرجعت تبحث عنه، فأمر القائد بالرحيل، فرحلوا وتركوها وهم لا يدرون؛ لأن رحلها خفيف، فظنوا أنها فيه، وكانت النساء في ذلك الوقت غير سمينات ولا كثيرات لحم، فوضعوا الرحل على البعير وساقوه، فبقيت هي وحدها، وكان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم دائماً يضع رجالاً في آخر الركب يتعاهدون من تخلف ومن سقط، ويسموهم السقاة، وكان الساقي هنا: صفوان بن معطل السلمي ، فلما قرب من عائشة عرفها؛ لأنه كان يعرفها قبل نزول الحجاب، وما إن عرفها حتى قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فأخذ يسترجع، فلفت خمارها على وجهها، وجاء فحملها على بعيره وقاده بها، فلما وصلوا إلى المعسكر قال كبير المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول لعنة الله عليه: والله ما نجا منه ولا نجت منه. وأخذ ينفخ هذا الباطل بين رجال المعسكر. ولهذا قال ربنا الآن: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11]. إذ دخل في القضية أفراد غافلون، امرأة وثلاثة رجال هم العصبة هذه، فالرجال: عبد الله بن أبي المنافق كبير المنافقين، وحسان بن ثابت شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسطح بن أثاثة مولى أبي بكر الصديق ، والمؤمنة هي حمنة أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش ، ولهذا أقيم الحد على هؤلاء الأربعة.

    وقوله تعالى: لا تَحْسَبُوهُ [النور:11] أيها المؤمنون! لما أصاب المدينة من كرب وهم وحزن وألم، وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما عائشة فلما بلغها الخبر أغمي عليها، وكان المنافقون موجودين ينفخون هذا الباطل، فقال تعالى: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور:11]. والشر هو ما كان الخير فيه قليل، والخير ما كان فيه الشر قليل، والخير الذي لا شر فيه الجنة، والشر الذي لا خير فيه النار.

    وهنا لطيفة نعيدها، وهي: كل خير في الدنيا فيه شر، ولا يكون خالصاً، وهذا الشر الذي يصيب بالألم فيه خير، كما يقول الله تعالى: بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور:11]. فالخير في الدنيا لابد وأن يكون فيه شيء من الشر، والشر لابد أن يكون فيه شيء من الخير، هذا في الدنيا، وأما الخير الذي لا شر فيه فهو الجنة دار السلام، وأما الشر الذي لا خير فيه النار فهو دار البوار، وقد دل على هذا قوله تعالى: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ [النور:11]، أي: من هؤلاء الذين أثاروا هذه الفتنة، مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ [النور:11]. وفي قراءة: (كُبْرَهُ). مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11]. وهذا هو عبد الله بن أبي ابن سلول ، وأما الثلاثة الآخرون وهم: مسطح بن أثاثة مولى أبي بكر الصديق وحسان بن ثابت شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم، وحمنة أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين فقد أقيم الحد عليهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً ...)

    قال تعالى: لَوْلا [النور:12]، أي: هلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور:12]. وهذا الذي يجب أن نقوله نحن الآن أيضاً، فإذا قيل: فلان يفعل كذا فلا تصدق أبداً، بل إذا سمعته فظن بأخيك المؤمن الخير.

    وعندنا هنا أبو أيوب الأنصاري لما سمع الخبر دخل على امرأته وقال: أي فلانة! سمعت ما قيل، هل تفعلين أنت هذا؟ قالت: والله ما أفعل، قال: إذاً: كيف أم المؤمنين تفعل هذا؟ فإذا كنت أنت ما تفعلين الزنا فكيف تفعله أم المؤمنين رضي الله عنها.

    فقال تعالى: هلا إذا سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا [النور:12]. لأنهم كالجسم الواحد، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض، وسواء كان أحدهم بعيداً أو قريباً .. أبيض أو أسود فهو أخوك في الإيمان والإسلام، فيجب أن تظن فيه الخير، ولا تظن فيه الشر.

    ثم قال تعالى: وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور:12]، أي: كذب، والكذب هو: الإفك المقلوب، أي: بدلاً من أن تقول: طيب تقول: خبيث، وبدلاً من أن تقول: صالح تقول: حلو. وهذا هو الكذب المقلوب، فهو يسمى بالإفك، من أفك يأفك، إذا كذب وقلب الموضوع، كالشجاع يقول فيه: جبان، فهو قلب للكلمة، وهذا هو الإفك.

    فلو قالوا: هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور:12] لم يرج ولم يمش بين النساء والرجال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ...)

    قال تعالى: لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:13]، أي: فليأتوا بهم، وما لم يأتوا بأربعة شهداء يشهدون أن عائشة زنت وأن صفوان فعل كذا وكذا فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور:13]. فكذبهم الله عز وجل. ثم تجلت آيات النبوة واضحة والبيت الكريم، وطهرت أم المؤمنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم ...)

    قال تعالى: لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:14]. هذا لأصحاب رسول الله الذين شاركوا في هذه الكذبة وروجوها وتحدثوا بها في بيوتهم، فقال تعالى: لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الأنفال:68].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ...)

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ...)

    قال تعالى: وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16]. ويا ليتكم قلتم هكذا!

    ثم قال تعالى: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [النور:17]. فلا نعد إلى مثل هذه الحادثة، ولا نتهم مؤمناً ولا مؤمنة بالزنا والفاحشة، ولا نروج هذا الباطل في ديارنا ولا بين أنفسنا إلى يوم القيامة.

    ثم قال تعالى: وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ [النور:18] كما بينها هنا. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور:18]. سبحانه لا إله إلا هو! فهو عليم بخلقه، حكيم في تدبيره وقضائه وحكمه. فقولوا: آمنا بالله.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    الآن تسمعون الحادثة كما هي.

    قال: [ معنى الآيات:

    بعد أن ذكر تعالى حكم القذف العام والخاص ] والقذف الخاص هو: قذف الرجل امرأته، والعام: قذف أي إنسان.

    فبعد أن ذكر تعالى حكم القذف العام والخاص [ ذكر حادثة الإفك التي هلك فيها خلق لا يحصون عدداً، إذ طائفة الشيعة الروافض ما زالوا إلى الآن يهلكون فيها جيلاً بعد جيل، إذ وَرَّثَ فيهم رؤساء الفتنة الذين اقتطعوا من الإسلام وأمته جزءاً كبيراً سموه شيعة آل البيت؛ تضليلاً وتغريراً، فأخرجوهم ] والعياذ بالله [ من الإسلام باسم الإسلام، وأوردوهم النار باسم الخوف من النار، فكذبوا الله ورسوله، وسبوا زوج رسول الله ] صلى الله عليه وسلم [ واتهموها بالفاحشة، وأهانوا أباها، ولوثوا شرف زوجها صلى الله عليه وسلم بنسبة زوجه إلى الفاحشة ] والعياذ بالله.

    [ وخلاصة الحادثة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن فرض الحجاب على النساء المؤمنات خرج إلى غزوة تدعى غزوة بني المصطلق أو المريسيع، ولما كان عائداً منها وقارب المدينة النبوية نزل ليلاً ] للاستراحة [ وارتحل. ولما كان الرجال يرحلون النساء على الهوادج وجدوا هودج عائشة رضي الله عنها، فظنوها فيه، فوضعوه على البعير، وساقوه ضمن الجيش؛ ظانين أن عائشة فيه، وما هي فيه؛ لأنها ذكرت عقداً لها قد سقط منها في مكان تبرزت فيه، فعادت تلتمس عقدها، فوجدت الجيش قد رحل، فجلست في مكانها؛ لعلهم إذا افتقدوها رجعوا إليها، وما زالت جالسة تنظر حتى جاء صفوان بن معطل السلمي رضي الله عنه، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد عينه في الساقة ] كما علمتم [ وهم جماعة يمشون وراء الجيش بعيداً عنه؛ حتى إذا تأخر شخص أو تُرك متاع أو ضاع شيء يأخذونه، ويصلون به إلى المعسكر، فنظر ] أي: صفوان [ فرآها من بعيد، فأخذ يسترجع، أي: يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ آسفاً لتخلف عائشة عن الركب، قالت رضي الله عنها: فتجلببت بثيابي، وغطيت وجهي، وجاء فأناخ راحلته، فركبتها وقادها بي حتى انتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعسكر، وما إن رآني ابن أبي لعنة الله عليه حتى قال: والله ما نجت منه ولا نجا منه، وروج للفتنة فاستجاب له ثلاثة أنفار، فرددوا ما قال، وهم: حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش .

    وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ [النور:11] هو ابن أبي المنافق ] رئيس المنافقين [ وتورط آخرون ] أيضاً [ ولكن هؤلاء الأربعة هم الذين أشاعوا، وراجت الفتنة في المدينة، واضطربت لها نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونفوس أصحابه وآل بيته، فأنزل الله تعالى هذه الآيات في براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وبراءة صفوان رضي الله عنه. ومن خلال شرح الآيات تتضح جوانب القصة.

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور:11]، أي: إن الذين جاءوا بهذا الكذب المقلوب، إذ المفروض أن يكون الطهر والعفاف لكل من أم المؤمنين وصفوان بدل الرمي بالفاحشة القبيحة، فقلبوا القضية، فلذا كان كذبهم إفكاً ] مقلوباً [ وقوله: عُصْبَةٌ [النور:11] أي: جماعة، لا يقل عادة عدده على عشرة أنفار، إلا أن الذين روجوا الفتنة وتورطوا فيها حقيقة وأقيم عليهم الحد أربعة: ابن أبي ، وهو الذي تولى كبره منهم، وتوعده الله بالعذاب العظيم؛ لأنه منافق كافر، مات على كفره ونفاقه ] والعياذ بالله [ ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب رضي الله عنها، وحسان بن ثابت رضي الله عنه.

    وقوله تعالى: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ [النور:11]، لما نالكم من هم وغم وكرب من جرائه. بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور:11]، لما كان له من العاقبة الحسنة، وما نالكم من الأجر العظيم من أجل عظم المصاب، وشدة الفتنة.

    وقوله تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ [النور:11]، على قدر ما قال وروج، وسيجزى به إن لم يتب الله تعالى عليه ويعفو عنه ] وأما إذا تاب الله عليه وعفا عنه فلا عذاب.

    [ وقوله: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11]، وهو عبد الله بن أبي ابن سلول رئيس المنافقين، عليه لعنة الله.

    وقوله تعالى: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور:12]، هذا شروع في عتاب القوم وتأديبهم، وتعليم المسلمين وتربيتهم. فقال عز وجل: لَوْلا [النور:12]، أي: هلا، وهي للحض والحث على فعل الشيء، إذ سمعتم قول الإفك ظننتم بأنفسكم خيراً، إذ المؤمنون والمؤمنات كنفس واحدة، وقلتم: لن يكون هذا، وإنما هو إفك مبين، أي: ظاهر، لا يقبل ولا يقر عليه. هكذا كان الواجب عليكم، ولكنكم ما فعلتم.

    وقوله تعالى: لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور:13]، أي: كان المفروض فيكم أيها المؤمنون! أنكم تقولون هذا لمن جاء بالإفك، فإنهم لا يأتون بشاهد، فضلاً عن أربعة، وبذلك تسجلون عليهم لعنة الكذب في حكم الله ] تعالى.

    [ وقوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:14]، هذه منة ] أي: نعمة [ من الله تحمل أيضاً عتاباً واضحاً إذ بولوغكم في عرض أم المؤمنين -وما كان لكم أن تفعلوا ذلك- قد استوجبتم العذاب، لولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم العذاب العظيم.

    وقوله تعالى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [النور:15] أي: يتلقاه بعضكم من بعض. وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [النور:15]. وهذا عتاب وتأديب.

    وقوله: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا [النور:15] أي: ليس بذنب كبير، ولا تبعة فيه ] ولا مسئولية [ وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور:15]. وكيف وهو يمس عرض رسول الله، وعائشة والصديق ، وآل البيت أجمعين؟

    وقوله تعالى: وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا [النور:16]، إذ هذه مما لا يصح لمؤمن أن يقول فيه؛ لخطره وعظم شأنه، وقلتم متعجبين من مثله: كيف يقع هذا؟ سُبْحَانَكَ [النور:16]! أي: يا رب! هَذَا [النور:16]، أي: الإفك بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16]. بهتوا به أم المؤمنين وصفوان ] رضي الله عنهما.

    [ وقوله: يَعِظُكُمُ اللَّهُ [النور:17]، أي: ينهاكم الله مخوفاً لكم بذكر العقوبة الشديدة. أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا [النور:17]، أي: طول الحياة، فإياكم إياكم إن كنتم مؤمنين حقاً وصدقاً! فلا تعودوا لمثله أبداً.

    وقوله: وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ [النور:18]، التي تحمل الهدى والنور؛ ليرشدوا ويكملوا، والله عليم بخلقه وأعمالهم وأحوالهم، حكيم فيما يشرع لهم من أمر ونهي ].

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات:

    [ من هداية ] هذه [ الآيات:

    أولاً: قضاء الله تعالى للمؤمن كله خير له ] فما قضاه الله لعبده المؤمن كله خير، فـمسطح وحمنة وحسان كلهم وإن حصل لهم ما حصل وجلدوا، فالعاقبة لهم في الجنة إن شاء الله؛ لأنهم مؤمنون، والمنافق الكافر ابن أبي ولو لم يجلد فعذابه في جهنم.

    [ ثانياً: بشاعة الإفك وعظيم جرمه ] وقبحه. والإفك هو: الكذب المقلوب، مثل أن تقول لشخص تقي: فاجر، أو لشخص كريم: لئيم، أو لشخص عالم: جاهل. هذا هو القلب. أو تقول لشخص طيب: خبيث منتن، والعياذ بالله. فهذا هو الإفك، فهو قلب الحقائق، والعياذ بالله. وهذا بشع وقبيح.

    [ ثالثاً: العقوبة على قدر الجرم ] والإثم [ كبراً وصغراً .. قلة وكثرة ] فإذا كان الإثم كبيراً فالجزاء كثير، وإذا كان قليلاً فالجزاء قليل؛ لعدالة الله عز وجل.

    [ رابعاً: واجب المؤمن أن لا يصدق من يرمي مؤمناً بفاحشة، وأن يقول له: هل تستطيع أن تأتي بأربعة شهداء على قولك، فإن قال: لا، قال له: إذاً أنت عند الله من الكاذبين ] فإذا جاءك الآن شخص وقال لك: فلان يفعل فاحشة زنا أو لواط فواجبك أن تقول له: هل تأتي بأربعة شهداء على ما رأيت، أو سمعت؟ فإن قال: لا، فقل له: أنت كاذب، ولعنة الله على الكاذبين، واطرده من حولك. هذا واجب كل مؤمن ومؤمنة. فإذا حدثك متحدث في بيتك .. في الشارع .. في كذا وقال: فلان يزني، أو فلانة تزني، أو فلان كذا، فقل له: هل عندك أربعة شهود على ما تقول، فإن قال: عندي أربعة شهود فليأت بهؤلاء الأربعة الشهود، وإن لم يكن عنده ولا شاهد واحد، فقل له: إذاً: أنت ملعون، ولعنة الله على الكاذبين. ومن ثم لا تشيع الفاحشة في ديار المسلمين نهائياً.

    قال الشيخ -غفر الله لنا وله ولوالدينا أجمعين وجمعنا وإياه في دار كرامته- في النهر: [ قال مالك : من سب أبا بكر وعمر أدب، ومن سب عائشة كفر؛ لأن عائشة برأها الله تعالى، فمن سبها بغير الفاحشة أدب، ومن سبها بالفاحشة كفر؛ لأنه كذب الله تعالى ] وهذه حقيقة علمية فقهية، فالإمام مالك إمام دار الهجرة، وإمام المدينة النبوية، والذي تتلمذ على سبعين التابعين وتابعي التابعين يقول: من سب أبا بكر أو عمر يجب أن يؤدب. فعلى الحاكم أن يؤدبه، ومن سب عائشة كفر؛ لأنه كذب الله تعالى. والذي يقول: يا رب! إنك تكذب لا يبقى مؤمناً، فالله برأها في هذه الآيات في ثلاثين آية، ودفع التهمة عنها نهائياً، فالذي يصر ويقول: عائشة زنت والله لقد كفر، فإما أن يتوب وإما إلى جهنم. فاعرفوا هذا.

    والذي يسب مؤمناً من المؤمنين والمؤمنات فقد ارتكب إثماً عظيماً، ويؤدب، والتأديب كما علمنا يكون بالجلد. ولكن الذي يتهم من برأه الله في كتابه -وهي عائشة الصديقة- ويقول: عائشة زنت فوالله إنه لكافر، فيجب أن يتوب قبل أن يموت، وإلا يخلد في جهنم؛ لأن الذي يكذب الله لا يبقى مؤمناً. والكفر هو: تكذيب الله عز وجل، وعدم الإيمان به وبشرعه.

    هذه كلمة قالها مالك ، وهي خالدة، فقد قال: الذين يسبون أصحاب رسول الله يجب أن يؤدبوا، فعلى القاضي أو الحاكم أن يؤدبهم بالتعزير والتأديب؛ حتى لا يعودوا للسب، والذين يسبون عائشة ويقولون: زنت والعياذ بالله فهؤلاء كفار.

    [ خامساً ] وأخيراً: [ حرمة القول بدون علم والخوض في ذلك ] فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يقول شيئاً وهو لا يعلم، وحرام أن نتكلم بدون علم. والكلام بدون علم هو الذي جر هذه الفتنة، وهذه المحنة، ولو أنهم علموا لعلموا والله أنها ما زنت ولا زنا بها صفوان ، ولما تكلموا بدون علم كانت الفتنة، فلهذا لا يحل لنا أبداً أن نقول إلا على علم، وأما نتكلم بدون علم حرام علينا.

    وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.