إسلام ويب

تفسير سورة النمل (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كثير من الآباء يتركون للأبناء ما يورثونهم إياه من المال والمتاع، أما داود عليه السلام فقد ورث ابنه سليمان الملك والنبوة، فقد أنعم الله على آل داود بهذه النعمة التي لم يؤتها أحداً قبلهم ولا بعدهم، وبالإضافة إلى هذا الإرث العظيم فقد آتى الله سليمان العلم بمنطق الطير والحيوان، وحشر له جنوده من الإنس والجن وغيرهم، والله عز وجل يختص بفضله من يشاء من عباده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا داود وسليمان علماً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:15-19].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه القصص التي يقصها الله تعالى تدل دلالة قطعية على أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الدار الآخرة حق، والجزاء فيها يتم بحسب نوع العمل كان خيراً أو كان شراً.

    ومحمد صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب، وقد عاش أربعين سنة لم يقل فيها شيئاً، ثم نبأه الله وأرسله بعدما بلغ الأربعين سنة. فلولا أنه رسول الله ونبي الله لما أمكنه أن يقصص هذا القصص العجيبة، التي سمعناها وسنسمعها.

    والسور المكية تقرر أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الدار الآخرة حق، والجزاء فيها يتم بحسب العمل في هذه الدنيا. هذه هي الحقيقة التي قررتها كل السور المكية، ومن بينها سورة النمل التي ندرسها.

    قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا [النمل:15]. الذي آتى داود وسليمان علماً الله جل جلاله، وهو الذي علم الرسول هذا حتى يقوله، وإلا فهو لم يعاصر ويشاهد داود وسليمان، بل هذا والله وحي الله.

    فهو القائل: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا [النمل:15]. وهذا العلم علم عظيم، جامع شامل لصناعة الدروع، إذ كان داود يصنع الدروع للجهاد. وهو شامل للقضاء الشرعي والحكم بشرع الله عز وجل، شامل لكل العلوم والمعارف. هذا العلم الذي آتاه الله داود وسليمان. ويخبر تعالى بهذه النعمة، التي يستدل بها على وجوده، وعلى تنبئته وإرسال رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

    فقال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ [النمل:15]. وداود الأب وسليمان الابن. عِلْمًا وَقَالا [النمل:15]، أي: داود وسليمان: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ [النمل:15]. فشكرا الله وحمداه وأثنيا عليه بما آتهما من هذا العلم الذي تفوقا فيه، ولم يعطه غيرهما أبداً.

    وهكذا من أنعم الله عليه بنعمة يجب أن يحمد الله عليها، ويجب أن يشكر الله عليها، ويجب أن يعترف بها بقلبه ولسانه. وهذه سنة الصالحين، فقد قالا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ [النمل:15]. وأما غير المؤمنين فالمؤمن أفضل من الكافرين أجمعين، ومؤمن واحد يساوي الكفار ولو ملئوا الأرض، ولذلك قالا: مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ [النمل:15]. إذ آتاهما من العلم والحكمة ما لم يؤت غيرهما.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وورث سليمان داود ...)

    قال تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ [النمل:16]. فورث الابن الأب، ولكن هذا الإرث ليس في المال؛ إذ قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة ) ولهذا ما أعطى الصديق لـفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الإرث، واحتج بهذا الحديث الصحيح، وسلم به الصحابة أجمعون، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ( إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ).

    فورث سليمان من أبيه داود الدولة والحكم، والسلطان والملك، والعلم، هذا الذي ورثه، فقد ورث تلك النبوة والرسالة، وذلك الكمال التي تجلى في حياة داود، فهذا كله ورثه سليمان وأصبح مثله. والذي أعطاه هذه المنة وأعطاه هذا العطاء هو الله عز وجل.‏

    ما ورثه سليمان من داود عليهما السلام

    قال تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ [النمل:16]. فهذه النعمة أعلنها سليمان في الملأ في بني إسرائيل، واسمعوها بالحرف الواحد، فهو يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [النمل:16]! يعني: بني إسرائيل الذي هو منهم وفيهم. عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ [النمل:16]. والذي علمه منطق الطير هو الله. فإذا صفر العصفور أو الطائر أو الحمام أو الغراب أو أي طائر يعرف ما يقول، وما يريد أن يقول والله العظيم. فقولوا: آمنا بالله! فإذا صفر العصفور أو زغردت الحمامة عرف ما تقول. والذي علمه هذا هو الله، والله لم يعلم غيره هذا العلم، ووالله ما علمه سواه.

    معنى أصوات الطيور

    إليكم ما ورد في أصوات الطير؛ لتعرفوا أنتم ما يقول الطير للعلم:

    أولاً: يقول: لدوا للموت وابنوا للخراب. فالطائر الذي يصفر يقول بلغته: لدوا للموت وابنوا للخراب. وهذا صح، ووالله إنه لحق، فنحن نلد الأولاد للموت، ولو لم نلد لما كان هناك من يموت. وإذا بنينا لم يبق البناء أبداً، بل والله ليخربن.

    فالطائر يقول: لدوا للموت وابنوا للخراب. وكلما صفر هذا الطير فإنه يقول هذا المعنى: لدوا للموت وابنوا للخراب. وهذا الطائر الذي يقول هذا يقال له: ورشان، وهو نوع من الحمام البري أكدر اللون.

    ثانياً: يقول: ليت هذا الخلق لم يخلقوا! وليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا! فهذا الطير عندما يصفر يقول: ليت هذا الخلق - يعني: البشر- لم يخلقوا! وليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا! وهذا الطائر الذي يقول هذا هو الكركى، وهو نوع من الحمام العربي من الحمام البري له طوق، يقال له: الكركى.

    ثالثاً: يقول: من لا يرحم لا يرحم. والذي يقول هذا الهدهد، فالهدهد إذا سمعته يصيح ويصفر فإنه يقول: من لا يرحم لا يرحم.

    رابعاً: يقول: استغفروا الله يا مذنبين! وهذا القول لطائر يعرف بصُرَد، فهو يقول: استغفروا الله يا مذنبين!

    خامساً: يقول: قدموا خيراً تجدوه. والذي يقول هذا طائر يقال له: الخَطَاف. فهو يقول: قدموا خيراً تجدوه يا أيها الناس!

    سابعاً: يقول: اللهم العن العشار. وهذا صوت الغراب. والعشار: المكاس. فالذي يقول هذا هو الغراب الأسود، فإذا صاح قال: اللهم العن العشار.

    ثامناً: يقول: كل شيء هالك إلا وجهه. والذي يقول هذا إذا صوت وصفر الحدأة. فهي تقول: كل شيء هالك إلا وجهه.

    تاسعاً: يقول: من سكت سلم. والذي يقول هذا القطاة. فهي تقول في صوتها: من سكت سلم، أي: من سكت سلم من الآفات والأذى.

    عاشراً: يقول: ويل لمن الدنيا همه! والذي يقول هذا البغبغاء، فالببغاء إذا صوتت البغبغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه!

    الحادي عشر: يقول: سبحان ربي القدوس! وهذا صوت الضفدع. فالضفدع إذا صوتت تقول: سبحان ربي القدوس!

    الثاني عشر: يقول: اذكروا الله يا غافلين! وهذا صوت من، والديك ذكر الدجاج، فهو يقول: اذكروا الله يا غافلين. وغير ذلك كثير.

    بل كان سليمان يعلم صوت الحشائش والنباتات والأشجار، وقد قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء:44]، أي: كل المخلوقات. وهاهي أمامكم النملة لما تكلمت ضحك من صوتها وفهمها.

    والشاهد عندنا: في قول ربنا تعالى حاكياً ما قال سليمان، فقد قال: وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل:16]، في هذه الدنيا، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ [النمل:16]، حمد الله وأثنى عليه سليمان على ما أعطاه الله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون)

    قال تعالى: وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل:17]. ففي يوم من الأيام أراد أن يغزو، أو أراد أن يظهر قوته، فأمر رجاله أن يجمعوا له الإنس والجن والطير في صعيد واحد، فكانت مساحته لا تقدر، فحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس، والشياطين أيضاً والطير، فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل:17]، أي: يكبكبون؛ حتى لا يفوت الأخير الأول، وحتى ينتظم مسيرهم كالجيش.

    فقال تعالى: وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ [النمل:17]، أي: من جنس الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل:17]، أي: يكبكبون؛ حتى ينتظم سيرهم مع بعضهم البعض، كما يفعل الجيش والجنود.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ...)

    قال تعالى: حَتَّى إِذَا أَتَوْا [النمل:18]، أي: ذلك الجيش الزاحف حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ [النمل:18]، أي: مكان فيه النمل يسمى وادي النمل، قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18]. فالنملة تنطق وتفصح وتعرب كما ننطق ونفصح ونعرب. فليس هناك فرق بيننا وبينها، فالله خالقنا وخالقها، وقد أعطاها قدرة على النطق كما أعطانا. فقولوا: آمنا بالله!

    فقالت النملة: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ [النمل:18]؛ رحمة بالنمل، وشفقة على إخوانها؛ حتى لا يعذبن ويضطهدن، ويدسن بالخفاف والنعال. فما أرحم هذه النملة! ويجب على كل إنسان أن يكون كهذه النملة، ولا يرضى بالعذاب والشقاء للآدمي أبداً. فهذه النملة رحمت إخوانها فقالت: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ [النمل:18] بالمشي فوقكم. وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18]. وقد تأدبت هنا أيضاً، فقالت: حاشا سليمان أن يتعمد أن يدوس النمل، ولكنه لا يشعر به هو وجيشه. فهذا أدب عجيب. فهي قالت: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18]. ولم تقل: إنهم سيتعمدون دوسكن بنعالهم، بل قالت: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18]. وأما لو شعروا أنكن موجودات فلن يدوسوكن، ولكنهم لا يشعرون بكن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فتبسم ضاحكاً من قولها...)

    قال تعالى مخبراً عن سليمان: فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا [النمل:19]، أي: فتبسم سليمان، ولم يقهقه. فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا [النمل:19]؛ لأنها نصحت إخوتها، ودعتهم إلى طريق السلام والنجاة، وتأدبت مع نبي الله ورسوله سليمان، فقالت: إنه لن يدوسهن إلا إذا كان لا يشعر بوجودهن. فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ [النمل:19]، أي: سليمان رَبِّ [النمل:19]! أي: يا رب! أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:19]. وهؤلاء هم الرسل وأنبياء الله، ومنهم أيضاً أتباعهم المؤمنين الصالحون. فهذا نظام حياتهم، يحمدون الله ويشكرونه.

    فهو قال: رَبِّ [النمل:19]! أي: يا رب! أَوْزِعْنِي [النمل:19]، أي: أبعد عني ما يمنعني من شكرك، أو ألهمني أن أشكرك يا رب العالمين! كما قال بعدها: أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ [النمل:19] بنعمة النبوة والرسالة وعلم لا يحصل عليه غيره أبداً. هذا كله من نعم الله. وَعَلَى وَالِدَيَّ [النمل:19]، يعني: أمه وأباه، فقد أنعم الله تعالى عليهما بنعم جليلة عظيمة. وَ [النمل:19]، أي: وأوزعني أيضاً أَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ [النمل:19]، أي: وفقني وألهمني وأبعد عني كل ما من شأنه أن يمنعي من أن أعمل صالحاً ترضاه. والعمل الصالح الذي يرضاه الله هو ما شرعه الله لعباده، ولهذا البدع كلها باطلة، ولا يرضاه الله عز وجل، ولو تعبد الله بالبدع الليل كاملاً والله ما تثاب على ذلك. ولذلك قال سليمان: وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ [النمل:19]. والذي يرضاه الله الذي شرعه، وبينه لعباده. وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:19]، أي: أدخلني برحمتك، لا بصلاتي ولا بصيامي ولا بجهادي، وإنما بفضلك ورحمتك أدخلني مع عبادك الصالحين في دار السلام الجنة دار الأبرار.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    معاشر المستمعين! إليكم شرح الآيات مفصلة مبينة من هذا الكتاب، فتأملوها. قال: [ معنى الآيات: هذا بداية قصص داود وسليمان عليهما السلام ] وإذا ذكر نبي من الأنبياء فنقول: عليه السلام، وإذا ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فنقول: صلى الله عليه وسلم، وإذا ذكر أصحابه وأحفادهم والتابعون لهم فنقول: رضي الله عنهم، وإذا ذكر من دونهم فنقول: غفر الله لهم. فلا ننسى هذه اللطيفة، وهي: أنه إذا ذكر نبي نقول: عليه السلام، وإذا ذكر نبينا نقول: صلى الله عليه وسلم، وإذا ذكر أصحابه نقول: رضي الله عنهم، وإذا ذكر من دونهم نقول: غفر الله لهم. قال: [ ذكر بعد أن أخبر تعالى أنه يلقن رسوله محمداً ] صلى الله عليه وسلم [ ويعلمه من لدنه ] فقد قال في الآيات السابقة: (( وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ))[النمل:6] [ وهو العليم الحكيم، ودلل على ذلك بموجز قصة موسى عليه السلام ] التي تقدمت لنا [ ثم ذكر دليلاً آخر، وهو قصة داود وسليمان، فقال تعالى: (( وَلَقَدْ آتَيْنَا ))[النمل:15]، أي: أعطينا داود وسليمان، (( عِلْمًا ))[النمل:15]، أي: الوالد والولد علماً خاصاً، كمعرفة منطقة الطير، وصنع الدروع، وإلآنة الحديد ] كما قال تعالى: (( وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ))[سبأ:10]. فقد كان هذا الحديد الصعب يعمل به كما يعمل مع العود والقصبة. وإلانة الحديد [ زيادة على علم الشرع والقضاء. وقوله تعالى: (( وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ ))[النمل:15]، أي: شكرا ربهما بقولهما: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ ))[النمل:15]، أي: الشكر لله ] ولهذا إذا أنعم الله عليك يا عبد الله! بنعمة اشكرها، وأعلى أنواع الشكر أن تقول: الحمد لله، فلهذا من أكل وفرغ من أكله يقول: الحمد لله، ومن شرب وفرغ من شربه يقول: الحمد لله، ومن ركب السيارة يقول: الحمد لله، فالحمد لله رأس الشكر. ولذلك قال داود وسليمان: [ الحمد لله، أي: الشكر لله (( الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ))[النمل:15]. بما آتاهما من الخصائص والفواضل. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (15). وأما الآية الثانية (16) فقد أخبر تعالى فيها أن سليمان ورث أباه داود وحده دون باقي أولاده ] فقد قال: (( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ))[النمل:16]. وأولاده الآخرون ما ورثوا [ وذلك في النبوة والملك ] أي: ما ورثوا العلم والنبوة، والدولة والملك [ لا في الدرهم والدينار، والشاة والبعير ] والمال، فهذا لا نتكلم عنه [ لأن الأنبياء لا يورثون، فما يتركونه هو صدقة ] لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إنا معاشر الأنبياء ما نورث، ما تركناه فهو صدقة ) [ كما أخبر أن سليمان قال في الناس: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ ))[النمل:16]. فما يصفر طير إلا علم ما يقوله في صفيره. (( وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ))[النمل:16]، أوتيه غيرنا ممن سبقنا من النبوة والملك، والعلم والحكمة. (( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ))[النمل:16]، أي: فضل الله تعالى البين الظاهر ] الواضح. [ وقوله تعالى: (( وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ ))[النمل:17]، أي: جمع له جنوده، (( مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ))[النمل:17]. هو إخبار عن مسير كان لسليمان مع جنده. (( فَهُمْ يُوزَعُونَ ))[النمل:17]، أي: جنوده توزع تساق بانتظام، بحيث لا يتقدم بعضها بعضاً، فيرد دائماً أولها إلى آخرها؛ محافظة على النظام في السير. وما زالوا سائرين كذلك (( حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ ))[النمل:18] بالشام، فقالت نملة من النمل: (( يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ))[النمل:18]. قالت هذا رحمة وشفقة على بنات جنسها، تعلم البشر الرحمة والشفقة والنصح لبني جنسهم لو كانوا يعلمون. واعتذرت لسليمان وجنده بقولها: (( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ))[النمل:18] بكم. وإلا لما داسوكم ومشوا عليكم؛ حتى لا يحطمونكم. وما إن سمعها سليمان وفهم كلامها حتى تبسم (( ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ ))[النمل:19]! أي: يا رب! (( أَوْزِعْنِي ))[النمل:19]، أي: ألهمني (( أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ))[النمل:19]، أي: يسر لي عملاً صالحاً ترضاه مني. (( وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ))[النمل:19]، أي: في جملتهم في دار السلام ] أي: الجنة دار الأبرار. اللهم اجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم.

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن إليكم هداية الآيات:

    [ من هداية الآيات:

    [ أولاً: وجوب الشكر على النعم ] والله العظيم، وويل لمن لم يشكر الله على نعمه! وويل للكافرين! وويل لغير الشاكرين! فعليك ما إن تنظر فقط في بدنك حتى تقول: الحمد لله، فهو الذي وهبك سمعك ووهبك بصرك، ووهبك لسانك ووهبك وجودك، إذاً: فقل: الحمد لله.

    فيجب الشكر على النعم سواء صغيرة كانت أو كبيرة، وهذا الذي عليه المؤمنون والمؤمنات، فهم إذا أكلوا حمدوا الله، وإذا شربوا حمدوا الله، وإذا ركبوا حمدوا الله، وإذا نزلوا حمدوا الله، وإذا لبسوا ثيابهم حمدوا الله، وكان الرسول يقول: ( الحمد لله الذي كساني هذه الثياب ولو شاء لأعراني ). والمؤمنون ذاكرون لنعم الله والله، وحامدون ربهم على كل نعمة.

    ووجوب الشكر دل عليه قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ [النمل:15].

    [ ثانياً: وراثة سليمان لداود لم تكن في المال؛ لأن الأنبياء لا يورثون، وإنما كانت في النبوة والملك ].

    وهناك رافضي يحتج بهذه الآية، ويقول: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ [النمل:16]. وأبو بكر لم يورث فاطمة . فنقول: ما ورثه في المال؛ لأنه لا قيمة للبعير ولا للشاة، بل ورثه في النبوة والملك، والدولة والقضاء، والرسول أفصح عن هذا وبينه، وقال: ( إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة ). ولو كان هذا الإرث في المال والبعير لما مدح الله به سليمان، فكل الناس يملكون المال.

    [ ثالثاً: آية تعليم الله تعالى سليمان منطق الطير، وتسخير الجن والشياطين له ] وهذا يدل على وجود الله. وويل للملاحدة العلمانيين الذين يكفرون بوجود الله! فحادثة كهذه تصرخ بأن الله موجود، وأنه لا إله غيره، ولا يستحق العبادة سواه.

    [ رابعاً: فضل النمل على كثير من المخلوقات ظهر ] وتجلى [ في نصح النملة لأخواتها وشفقتها عليهن ] فلهذا إياكم أن تحرقوا النمل، ولما قرصت نبي نملة قرصة أحرق قرية النمل، فقال له تعالى: هلا نملة واحدة. وهو أحرق غار النمل كاملاً بما فيه. فقال له تعالى: هلا نمله واحدة، فلم ألف نمله تحرقها وقد قرصتك واحدة؟

    [ خامساً: ذكاء النمل وفطنته مما أضحك سليمان متعجباً منه ] فذكاء النمل وفطنته أضحك سليمان الحكيم العليم وابتسم من أجل قول النملة هذا.

    [ سادساً: وجوب الشكر عند مشاهدة النعمة، ورؤية الفضل من الله عز وجل ] وهذا الواجب لا نشك أننا مقصرون فيه، فالشاكرون منا مقصرون، وأما التاركون للشكر فلا نذكرهم. فنحن في النعم كأننا في الجنة، فالماء نفجّره في الطابق الرابع والعاشر، والماء البارد الذي كان يطلب ويتحمل أصبح بارداً مثلجاً عندنا بالكمية.

    وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمضي عليه الشهر والشهرين ولا يشبع من الخبز، ونحن الخبز نرميه في الشوارع، والعياذ بالله. ولا نقبله. فهذه والله نعم عظيمة. ويا ويلنا إن لم نشكر ربنا عليها! فقد يسلبها في يوم من الأيام منا.

    وكانت عائشة تقول: أتحيض في الثوب الواحد حيضتين وثلاثة. والآن كل امرأة عندنا حتى الصعلوكة والشحاتة في الشارع عندها ثلاثة .. أربعة ثياب وخمسة. ولا نشكر الله.

    فيجب الشكر عند مشاهدة النعمة، وأن يرى الفضل من الله عز وجل. وكما قلت لكم: من يشاهد أية نعمة يقول: الحمد لله. ويجب أن لا يفارق أبداً ألسنتنا كلمة الحمد لله في كل حال.

    [ سابعاً ] وأخيراً: [ تقرير النبوة المحمدية؛ إذ مثل هذا الحديث لا يتأتى له إلا بالوحي الإلهي ] والله العظيم. فهذا القصص لا يتأتى لأحدٍ إلا بالوحي الإلهي. إذاً: فمحمد رسول الله ولو كفر الناس أجمعون.

    وقد تقرر لنا أنه لا إله إلا الله، فلا نعبد إلا الله، وأن محمد رسول الله، فلا نمشي إلا وراء رسول الله، ولا نقتدي ولا نأتسي إلا برسول الله، وأن الدار الآخرة حق، فلهذا نتجنب الباطل والشر والفساد، ونعمل على الصلاح والخير؛ من أجل أن نلقى جزائنا يوم نلقى ربنا ساعة موتنا.

    والله تعالى أسأل أن يتوب علينا، وعلى إخواننا المؤمنين والمؤمنات.

    1.   

    زكاة الفطر

    زكاة الفطر سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سمعتم من إمامنا يوم الجمعة، بل فرضها الرسول صلى الله عليه وسلم صاعاً من تمر أو شعير أو بر، أو مما يأكل الناس من غالب عيشهم. وهذه الصدقة حددها الرسول بأنها صاع، والصاع أربع حفنات، والحفنة تسمى مداً، وأربعة أمداد تساوي الصاع. فلو صنعنا من الخشب أو الحديد صاعاً لكفانا، وإن لم نجد فأربع حفنات وزيد خامسة حتى تتأكد. هذا الصاع.

    ويجوز إخراجها اليوم وحتى أمس أيضاً وغداً، أي: يجوز إخراجها قبل العيد بيومين وثلاث. والسنة هي أن تخرج صباح العيد ما بين صلاة الصبح وصلاة العيد. والسر في هذا: أنهم كانوا ما عندهم الطعام، وقد يمضي على أحدهم اليوم والليلة وما أكل شيئاً، فإذا جاء العيد لم يجد ما يأكل، فأمرنا صلى الله عليه وسلم أن نطعمهم قبل أن نصلي العيد؛ حتى يستبشروا ويفرحوا. وأما اليوم فليس بيننا جائع أبداً، ومن قال: إني جائع فقد كذب؛ لأن الخبز مرمي في الشوارع.

    ولا ينبغي تأخيرها إلى ما بعد صلاة الظهر؛ لأن فائدتها أن يتغدى بها الفقير ويشبع بعد صيامه.

    ولا يجوز إخراجها دراهم ولا دنانير إلا في حال واحدة، كأن تكون في لندن أو باريس أو برلين لا تجد من يأخذ منك صاع التمر، ولا من يأخذ منك حفنة الشعير، فهنا تعوض بالدراهم، وأما في بلد فيه من يأكل التمر والبر والشعير والرز فما ينبغي أبداً؛ إذ سن الرسول هذا وبينه.

    والمستحقون لها هم الفقراء والمساكين الذين لا عمل لهم، ولا دخل عليهم يأكلونه، فيعطون إياها.

    والله تعالى أسأل أن يجعلني وإياكم من المقبولين الصيام والصدقة.