إسلام ويب

تفسير سورة المؤمنون (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان الناس بعد آدم عليه السلام يعبدون الله وحده، وكان فيهم صلحاء وأولياء، وكان على رأس هؤلاء خمسة نفر، فلما مات هؤلاء الخمسة سول الشيطان للناس اتخاذ صور تذكرهم بهؤلاء النفر ليحملهم ذلك على طاعة الله والخشوع له، فلما تطاول عليهم العهد، ومات منهم القرون الأول وفني العلماء عبدوا هذه الصور من دون الله، فبعث الله إليهم نبيه نوحاً عليه السلام لا ستنقاذهم من حمأة الشرك، وإخراجهم من ظلمة الكفر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ * قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ [المؤمنون:23-26].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ [المؤمنون:23]، هذه بداية قصص قصها الله على رسولنا في هذه السورة، وذلك من أجل حمله على الثبات والصبر، ومن أجل تسليته والتخفيف عنه مما يصيبه من الكرب والهم والغم من المشركين، وهذا الرسول الذي أخبر الله تعالى عنه أنه أرسله هو نوح عليه السلام، ونوح هذا لقب له، واسمه عبد الغفار، كذا قال أهل التفسير، وهو أول الرسل، إذ الفترة ما بينه وبين آدم لم تكن طويلة، وكان الناس يعبدون الله ويوحدونه بما شرع لهم على لسان أنبيائهم ورسلهم، وذلك من آدم إلى شيث إلى غيرهم.

    وعندما مات العلماء وانقطع العلم زين الشيطان لأولئك الأقوام عبادة خمسة أولياء، وهم: ود، ويغوث ، ويعوق ، ونسر ، وسواع ، وهؤلاء كما في صحيح البخاري كانوا رجالاً صالحين وأولياء لله رب العالمين، فجاء الشيطان وزين للناس أن ينصبوا على منازلهم أو مجالسهم نصباً، فإذا شاهدوها اتعظوا وبكوا وخشوا، وذكروهم بالله وبالدار الآخرة، فما كان من أولئك الناس إلا أن وضعوا تلك الأصنام صوراً لهؤلاء الأولياء الخمسة، ومضى ذاك الجيل ومات الناس في ذلك القرن، وجاء قرن آخر ومات العلماء، وأخذ الناس يعبدونهم من دون الله تعالى.

    ومما ذكره البخاري: أن هؤلاء الخمسة عبدوا في بلاد العرب موزعين في قبائل العرب زمناً طويلاً، ويستشهد بقول الشاعر:

    يعيش الله في الدنيا ويدري ولا يعيش يعوق ولا يدري

    و يعوق هذا أحد الخمسة، وقد كان يوجد في قريتنا التي ولدنا فيها وتربينا فيها يغوث ويعوق ، وكان أهل القرية إذا أجدبوا وانقطع المطر يأتون برجالهم ونسائهم فيطوفون ويهللون وينادون ويستغيثون، ولا يعودون حتى يسقوا كما يقولون.

    وقد رأينا أن ولياً من أولياء الله تعالى -كما أُخبرنا- مات، فوضعوا صورته على قبره كأنه هو، وذلك في حجرة فوق القبر، وأخذوا يدعونه وينادونه ويستغيثون به! وهذا كله من تزيين الشياطين لإفساد البشرية وإهلاكها؛ لأن الشياطين هم أهل النار، وسبب ذلك هو تمرد أبيهم عن الخضوع لله والسجود لآدم، فأبلسه الله وأيئسه من رحمته هو وذريته ومن يمشي وراءهم ويقول بقولهم، ويعمل بعملهم، فهو لهذا لا يريد أن يرى مؤمناً مستقيماً يدخل الجنة أبداً، وبالتالي فيحسنون الأباطيل، ويزينون القبائح، ويحملون على الشرك والكفر الأمر العجب، وافتح عينيك في العالم كله، كم مليوناً من الكفار؟ من كفرهم؟ من حرمهم من الإيمان؟ من صرفهم عن الإسلام؟ الحديد والنار؟ لا والله، وإنما الشياطين هي التي صرفتهم.

    وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا [المؤمنون:23] أي: وعزتنا وجلالنا! أرسلنا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ [المؤمنون:23] وقوم نوح -كما علمتم- كانوا مشركين خرافيين وثنيين، ومع ذلك كانوا يؤمنون بالله ويعرفون الملائكة كما سيأتي، ولكن فقط عمهم الجهل وغطاهم الضلال وأصبحوا يتقربون إلى الله بعبادة هذه الأصنام، وذلك كما حدث في أمة الإسلام فضلاً عن العرب في الجاهلية.

    وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [المؤمنون:23] وهذه كلمته الأولى التي سمعوها اعْبُدُوا اللَّهَ [المؤمنون:23] أي: أطيعوه بإذعان وخضوع، فافعلوا ما يأمركم به، واتركوا ما ينهاكم عنه، وتحببوا إليه فأحبوه، وتقربوا إليه بفعل الطاعات وفعل الخيرات.

    مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [المؤمنون:23] أبداً، ووالله لا إله لهم غير الله تعالى، إذ الإله المعبود الذي استوجب العبادة بخلقه ورزقه للعابدين.. الإله المعبود بحق الذي خلق ورزق، الذي دبر الحياة ونظمها، فهذا الذي يعبد ويؤله؛ لأنه خالق رازق مدبر، أما ما يُعبد من صنم أو حجر أو إنسان أو شيطان فبأي حق يؤله؟ تأليه باطل، وذلك كالذي ينصب حجراً ويقول: هذه ملك من الملوك! أو هذا أمير من الأمراء!

    أيعقل هذا الكلام؟

    مَا لَكُمْ [المؤمنون:23] أي: ليس لكم من إله غير الله تعالى. وهم يعرفون الله ويسمعون به؛ لأنهم قريبون من النبوات السابقة.

    أَفَلا تَتَّقُونَ [المؤمنون:23]، أي: أفلا تتركون هذه العبادة وتتقون الله تعالى وتخافون عقابه وعذابه؟

    مَا لَكُمْ [المؤمنون:23] يحثهم على أن يتخلوا عن عبادة تلك الأصنام، وأن يعبدوا الله وحده عز وجل، ويذكرهم بأن الله يغضب ويسخط، ويحب ويرضى، فاعبدوه وتقربوا إليه يحبكم ويرضى عنكم، أما أن تشركوا به وتعبدوا هذه الأوثان معه، فإنه يسخط عليكم ويعذبكم، ما لكم لا تتقون الله تعالى؟ ما لكم لا تتقون غضبه وسخطه وعذابه؟ يحثهم على التقوى.

    إذاً: هذه كلمات نوح عليه السلام، ولا ندري لعله قالها خلال يوم، أو خلال أسبوع، أو خلال شهر، أو خلال مائة سنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم ... )

    ما هو جواب قوم نوح؟ قال تعالى: فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ [المؤمنون:24].

    فَقَالَ الْمَلَأُ [المؤمنون:24]، والملأ هم الذين إذا نظرت إليهم يملئون العين، وذلك في اللباس والأبهة والشرف والحكم والسيادة، فهم أشراف البلاد وأغنياؤها، أما عوام الناس وضعفاؤهم وفقراؤهم فهم في العادة لا يتكلمون ولا يجادلون، لكن الذين يجادلون ويحاجون هم: أبو جهل عمرو بن هشام وعقبة بن أبي معيط ورجال قريش، وهذا في كل زمان إلى اليوم.

    فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا [المؤمنون:24] من قوم نوح، أي: نطق أشراف البلاد وأعيانها الذين كفروا بالله ولقائه، بالله ورسوله، بالله ووعده ووعيده، بالله وطاعته، وجحدوا ذلك ولم يعترفوا به، فماذا قالوا؟ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [المؤمنون:24] يا إخواننا! يا قومنا! يا جماعتنا! لا تسمعوا لهذا الرجل، ولا تلقوا لكلامه بالاً، ما هو إلا بشر مثلكم، فكيف يريد أن تتبعوه وتمشوا وراءه، ويقودكم ويسودكم؟! إنه يريد الحكم والسيادة والملك، وهذه اللهجة معروفة في كل زمان ومكان.

    مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [المؤمنون:24] يعني: إنسان مثلكم فكيف يسودكم ويتفوق عليكم، ويأخذ الرسالة والنبوة؟ لم ما يرسل الله ملكاً من الملائكة؟

    وهذه كلمة قد قالوها ورددوها أعواماً، وليس بهذا اللفظ فقط، لكن عبارة عما قالوه: فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا [المؤمنون:24] يشيرون إلى نوح إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ [المؤمنون:24] أي: مهمة هذا الرجل أو هذا البشر أو هذا الإنسان أن يسودكم، وأن يحكمكم، وأن تصبحوا تابعين له، فيأمركم فتطيعون، وينهاكم فتنتهون، ولهذا ادعى النبوة والرسالة، وأنه يدعوكم إلى الله تعالى، بل قالوا أكثر من هذا.

    مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ [المؤمنون:24] أي: يتفوق ويسود عليكم، فلا تسمعوا له ولا تمشوا وراءه ولا تستجيبوا له ولا تطيعوه، وبالفعل فقد فعلوا، فتسعمائة وخمسون سنة وهو يدعوهم وهم معرضون، ولما دقت الساعة ركب في السفينة ثلاثة وثمانون أو أربعة وثمانون رجلاً وامرأة، والأمة كلها هلكت بالغرق، بمعنى: أن هذا الكلام الذي قاله الملأ قد رددوه وكرروه جيلاً بعد جيل، وكل مائة سنة يأتي جيل جديد.

    مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ [المؤمنون:24] ماذا؟ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً [المؤمنون:24] أي: لو شاء الله ألا تعبدوا هذه الأصنام، ولا تتقربوا وتتزلفوا بها إلى الله تعالى، ولا تدعوها وتستغيثوا بها، لأنزل ملكاً يعلمكم هذا، ولا يبعث رجلاً منكم رسولاً، ومعنى هذا أنهم كانوا يؤمنون بالملائكة؛ لأنهم قريبو عهد بآدم، والفترة كلها لا تزيد على ألفي سنة.

    وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً [المؤمنون:24] من السماء يأمروننا بترك عبادة هذه الأصنام، ويأمرونا بعبادة الله وطاعته، لا أن يبعث الله رجلاً منا اسمه فلان! فقالوا: ليس هذا بمعقول أبداً، وهذه نظرية فاسدة وباطلة، إذ كيف يبعث الله ملكاً؟! لو بعث ملكاً فكيف يتفاهمون معه؟ وكيف يدعوهم؟ وإذا تحول إلى بشر قالوا: هذا بشر، ووالله ما هو بملك! فلا بد وأن يكون بشراً، فكيف يتكلم معهم فيفهمون كلامه؟ لا بد وأن يكون بشراً، وحينئذ يقولون: لو كان ملكاً لكان كذا، فلهذا هذه دعوى باطلة لا قيمة لها.

    ثم قالوا: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ [المؤمنون:24]، أي: مضت قرون فما سمعنا رجلاً يدعي النبوة ويقول: لا تعبدوا كذا وكذا، أو افعلوا كذا وكذا؛ لأن الفترة التي حدث فيه هذا الشرك قد أصابتها ظلمة، إذ مات العلماء وانقرضوا، فلم يبق من يعرف عن الله إلا القليل، فعمتهم الجاهلية ومن ثم أشركوا، وقالوا: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا [المؤمنون:24] وأجدادنا الأَوَّلِينَ [المؤمنون:24]، أي: ما قال لي جدي، ولا أبو جدي بكذا وكذا أبداً، بل كانوا يعبدون كما نعبد، ويتقربون إلى هذه المعبودات الخمسة، ولم يأمروننا بشيء غير هذا، وهذه حجة واهية وباطلة، فإذا كنتم جهالاً وأصابكم الجهل فقد جاءكم من يعلمكم، أو كنتم ضالين عن الطريق الحق، فهل ترضون بالضلال دائماً؟ لقد جاء من يهديكم إلى الطريق السوي لتنجو وتسعدوا، لكن لا بد للمعاند والمكابر والمجاحد أن يدافع وأن يقول ما شاء أن يقول، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ [المؤمنون:24] وقد لا تصح هذه الجملة بكاملها؛ لأنه إذا لم تسمعوا أنتم، فمن قبلكم قد سمعوا، إذ ليس هذا شرط.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن هو إلا رجل به جنة...)

    ثم قالوا كما حكى الله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ [المؤمنون:25].

    إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ [المؤمنون:25]، وهذا الكلام لعامة الناس يقوله أعيانهم وكبراؤهم إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ [المؤمنون:25] أي: مصاب بالجنون، فليس هو إلا رجل به جنون، فلا تصدقوا ولا تستجيبوا أبداً، وابقوا على ما أنتم عليه من عبادتكم وطاعتكم، إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ [المؤمنون:25] وقد قالوا هذا للرسول صلى الله عليه وسلم في مكة، إذ قالوا عنه بأنه ساحر ومجنون.

    إذاً فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ [المؤمنون:25]، أي: لما علمنا أنه مجنون، وهو إنسان فإنه سيهلك ويموت، فانتظروا ولا تستعجلوا، وتربصوا وانتظروا العام والأعوام حتى يتم هلاكه ونهايته، وتبقون على ما أنتم عليه، أما أن تمشوا وراءه وتستجيبوا فسيسودكم ويحكمكم وتصبحون أتباعاً له، وهذه كلمات الباطل، وطبعاً هذه الكلمات قد تمت في ظرف تسعمائة وخمسة وتسعين عاماً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال رب انصرني بما كذبون)

    وهنا رجع نوح إلى ربه فقال: قَالَ رَبِّ [المؤمنون:26]، أي: يا رب! انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ [المؤمنون:26]. وهذه الجمل التي تقدمت قد دارت في سنين عديدة، بل في مئات السنين، وفي النهاية قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ [المؤمنون:26]، وقال في سورة نوح: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:26-27]، فامتحنهم قروناً عديدة وهم في صمم وكبرياء وضلال وعمى، وبالتالي ما بقي إلا أن يفزع إلى الله عز وجل، قَالَ رَبِّ ، أي: يا رب! انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ [المؤمنون:26].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال الشارح: [ معنى الآيات:

    هذا السياق بداية عدة قصص ذكرت على إثر قصة بدء خلق الإنسان الأول آدم عليه السلام، فقال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا ، أي: قبلك يا رسولنا! فكذبوه كما كذبك قومك ]، يا محمد! [ وإليك قصته، إذ قال: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ، أي: وحدوه في العبادة ]، فهم يعبدونه مع الشرك، وبالتالي فتلك العبادة لا تزكي النفس ولا ترضي الرب تعالى، [ ولا تعبدوا معه غيره، مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ، أي: إذ ليس لكم من إله غيره يستحق عبادتكم.

    وقوله: أَفَلا تَتَّقُونَ [المؤمنون:23] ]، قالها نوح عليه السلام وقصها الله علينا، [ أَفَلا تَتَّقُونَ ، أي: أتعبدون معه غيره، أفلا تخافون غضبه عليكم ثم عقابه لكم؟ فأجابه قومه المشركون بما أخبر تعالى به عنهم في قوله: فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ، أي: فرد عليه قوله أشرافهم وأهل الحل والعقد فيهم من أغنياء وأعيان ممن كفروا من قومه، مَا هَذَا، أي: نوح، إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ، أي: يسود ويشرف فادعى أنه رسول الله إليكم، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ، أي: ألا نعبد معه سواه ]، من هذه الآلهة الخمسة، [ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً، تخبرنا بذلك، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا، أي: بالذي جاء به نوح ودعا إليه من ترك عبادة آلهتنا، فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ [المؤمنون:24]، أي: لم يقل به أحد من أجدادنا السابقين ]، ومن الجائز أن يكون قال ذلك مؤمن، لكن ما التفتوا إليه، يعني: ما انقرضت انقراضاً كاملاً، لكن عم الجهل والكفر.

    [ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ ، أي: ما نوح إلاّ رجل به مس من جنون ]، والمس معروف، أي: مس قلبه، [ وإلاّ لما قال هذا الذي يقول من تسفيهنا وتسفيه آبائنا وأجدادنا، فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ [المؤمنون:25]، أي: انتظروا به أجله حتى يموت، ولا تتركوا دينكم لأجله، وهنا وبعد قرون طويلة بلغت ألف سنة إلاّ خمسين شكا نوح إلى ربه وطلب النصر منه، فقال ما أخبر تعالى به عنه: قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ [المؤمنون:26]، أي: أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي وانصرني عليهم ].

    هداية الآيات

    قال [ من هداية الآيات:

    أولاً: إثبات النبوة المحمدية بذكر أخبار الغيب التي لا تعلم إلاّ من طريق الوحي ].

    من هداية هذه الآيات التي سمعناها: تقرير النبوة المحمدية وإثباتها، فمحمد والله لرسول الله، ولن نستطيع أن ننفيه أو نكذبه، ولو لم يكن رسول الله فكيف يقص هذه القصص؟ من أبيه أو أمه؟ وهل العرب يعرفون هذا ويسمعون به؟ كيف يحدث بهذا الحديث؟ والله إنه لرسول الله، ولو جاء اليهود والنصارى وتخلوا عن التعنت والعناد والمكابرة والله لآمنوا كلهم وهم يسمعون هذه القصص، إذ كيف تأتي هذه القصص من رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا يكون رسول الله؟ بل إن هناك آلاف الدلائل والبراهين والحجج الدالة على رسالته، وكبراؤهم يعرفونها إلى الآن ويغطونها ويجحدونها حتى لا يدخلوا في الإسلام فيعبدوا الله ويتركوا عبادة الفروج والأموال والشهوات.

    قال: قال في النهر: [ فوائد سرد القصص كثيرة منها: أولاً: تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وحمله على الصبر مما يلقى من قومه ]، إذ القصص يسلي به الله رسوله ويحمله على الصبر والثبات، وذلك لأنه يعاني معاناة لا نعرفها نحن، ولو كنا معه في مكة لرأينا كيف أنه يواجه رجال مكة بلا إله إلا الله وحول البيت ثلاثمائة وستون معبوداً، وقبائل العرب تحج وتأتي إليها، وكيف يتكلم بينهم، عشر سنوات والمؤمنون يعدون على رءوس الأصابع، فمثل هذه القصص يسليه ويحمله على الصبر والهدوء والاستقرار في دعوته حتى ينجزها الله ويكملها.

    قال: [ ثانياً: العظة والاعتبار بما جرى من أحداث ]، فالأنبياء والرسل قصصهم كلها أحداث جسام وأخبار عظام، وشيء فوق العادة، فالذي يسمع ذلك يتحمل ويصبر، فإذا كنت مريضاً وإذا بشخص أمامي يموت، فأنا في خير عظيم، أو أنا جائع وأخي ما أكل من ثلاثة أيام، فإن ذلك يدعوني لأن أصبر وأتحمل، ولذلك فإن لهذه القصص قيمتها، قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ [يوسف:3].

    قال: [ ثالثاً: تقرير التوحيد وإثبات النبوة المحمدية ]، تقرير التوحيد وإثبات النبوة المحمدية من هداية هذه الآيات الأربع، وهذا الذي قد كررناه ونرددها، وقلنا: إن كل السور المكية تعمل على تقرير التوحيد وإثبات النبوة وإثبات الدار الآخرة والجزاء فيها، وذلك إما بالنعيم المقيم للمؤمنين الموحدين، وإما بالعذاب الأليم للكافرين والمشركين، وهذه السور هي أكثر سور القرآن، فهذه الآيات تقرر التوحيد، مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [المؤمنون:23]، أي: اعبدوا الله وحده، كما أنها تثبت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

    قال: [ ثانياً: بيان سنة من سنن البشر وهي أن دعوة الحق أول من يردها الكبراء من أهل الكفر ]، سنة من سنن الله في البشر دائماً وهي: أن دعوة الحق يردها ويقف في وجهها هم الأغنياء وأصحاب المال وأصحاب الدولة والسلطان، وهذا إلى يوم القيامة، وذلك حتى يحافظوا على مراكزهم وأموالهم وسمعتهم وشرفهم، إذ كيف يصبحون مع عامة الناس يصلون في مسجد واحد؟ وهذه سنة الله عز وجل.

    قال: [ ثالثاً: بيان كيف يرد الظالمون دعوة الحق باتهام الدعاة بما هم براء منه كالجنون وغيره من الاتهامات كالعمالة لفلان والتملق لفلان ]، من هداية هذه الآيات أنها تبين أن الناس عندما لا يرضون بالدعوة فإنهم يأخذون في الانتقاد والطعن والاتهامات الباطلة، فهذا يتملق وهذا كذا، وذلك حتى يصرف الناس عن الدعوة، وإلى الآن هذه موجودة.