إسلام ويب

تفسير سورة المؤمنون (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أنعم الله عز وجل على عباده بأن هيأ لهم سكنى الأرض وعمارتها، وسخر لهم ما فيها من المخلوقات، فأنزل سبحانه من السماء ماء مباركاً، فأنبتت الأرض نباتها، وأخرجت خيراتها، فانتفع العباد بما فيها من نخيل وأعناب، وشتى صنوف الفواكه وبهيمة الأنعام، فضلاً منه سبحانه، ولكننا ما شكرناه حق شكره، ولا عبدناه حق عبادته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ * وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ * فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ * وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [المؤمنون:17-22].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ [المؤمنون:17]، هذا خبر، فمن المخبر؟ إنه الله جل جلاله، فهل هناك في الأرض من يقول: خلقت؟ وَلَقَدْ خَلَقْنَا [المؤمنون:17]، أي: نحن رب العزة والجلال والكمال، فَوْقَكُمْ [المؤمنون:17]، أي: فوق أرضكم هذه، سَبْعَ طَرَائِقَ [المؤمنون:17]، أي: سبع سموات أو سبع طباق، وهي في نفس الوقت طرائق للملائكة وطرقاً.

    وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ [المؤمنون:17]، لو كان الخالق يغفل لخرب العالم في أيامه الأولى، لكن العالم كله بتدبيره وتحت رعايته، ولا يغفل عنه بحال من الأحوال، إذ لو غفل لخربت الكواكب كلها، فهذه السموات المرفوعة بم هي ممسوكة؟ بجبال ممدودة؟! الجواب: لا، إذ ما هي إلا قدرة الله عز وجل، فلو يغفل عنها لخربت، إنها آية من آيات الله الدالة على وجود الله تعالى، وعلى وجوب توحيده وحبه والخوف منه والرغبة فيما عنده.

    وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ [المؤمنون:17]، يا بني آدم! يا بني الجان! سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ [المؤمنون:17]، أليس هذا دليلاً على وجودنا وعلى علمنا وقدرتنا ورحمتنا؟ إن هذه توجب عبادتنا وطاعتنا، فلم يكفرون بالرحمن؟ ولم يعرضون عن ذكره؟ ولم ينكرون شكره؟ إنه والله أمر عجب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض ...)

    ثانياً: من مظاهر علمه وقدرته ورحمته وحكمته، وهي المستلزمة لعبادته وحده، وذلك بعد الإيمان به وبما أرسل به رسوله، يقول الله تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ [المؤمنون:18]، أي: بمقدار محدود، فالقطرات محدودة، وكمية الماء محدودة، ولولا القدر المحدود لكان العالم كله تسحبه المياه، وتحصل الفيضانات العامة، لكن ننزله بمقدار محدد، وهذا هو النظام الإلهي العظيم، ولو أننا فقط نوصل الماء وننزله من فوق، فكيف سننزله؟ نخرب به الدنيا، وَأَنزَلْنَا [المؤمنون:18]، أي: نحن رب العزة، مِنَ السَّمَاءِ [المؤمنون:18]، أي: من فوقكم، مَاءً بِقَدَرٍ [المؤمنون:18]، أي: محدد، وذلك بكميات محدودة، إذ ليس هناك شيء غير محدود.

    ثم قال تعالى: فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ [المؤمنون:18]، نزل الماء من السماء فأين يسكن؟ في الأرض، وذلك فوقها وفي داخلها، ومن ثم تحفر الآبار وتجد المياه، وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ [المؤمنون:18]، فالله قادر على أن يذهب بماء المطر، فينزل الليلة ولا يبقى منه قطرة، لا فوق ولا تحت، وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ ، أي: بذلك الماء الذي أنزلناه من السماء وأسكناه في الأرض لقادرون، وذلك حتى لا يبقى منه شيء، إنها مظاهر علمه وقدرته الموجبة لألوهيته لخلقه وعبادته.

    إذاً: فافتقروا إلى الله تعالى وأعلنوا حاجتكم وفقركم إليه، لا إلى اللات والعزى والأصنام والشهوات والأهواء والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب...)

    ثالثاً: فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ [المؤمنون:19]، أي: بذلك الماء الذي أنزلناه بقدر من السماء وأسكناه في الأرض، ونحن قادرون على إذهابه وانتفائه، فأنشأنا لكم به، جَنَّاتٍ [المؤمنون:19]، لا جنة واحدة، وإنما بساتين لا حد لها، فمن أي أنواع الجنات؟ قال: مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ [المؤمنون:19]، وهذا يدل على فضيلة العنب والتمر، ولا يستطيع عاقل أن ينفي ذلك، وذكر بالذات أيضاً لأن النخيل بالمدينة والعنب بالطائف، والمشركون بين مكة والطائف يعرفون التمر والعنب، مع أن للتمر ميزة لا توجد في غيره، وكذلك في العنب.

    ثم قال تعالى: لَكُمْ فِيهَا [المؤمنون:19]، أي: في تلك البساتين، فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ [المؤمنون:19]، والفاكهة ما يؤكل تفكهاً لا من أجل الشبع، وتؤكل بعد الأكل للتفكه والتلذذ بها، وليست غنى عن الأكل أو الشرب، إلا مضطراً ما وجد غيرها فنعم يأكل للشبع، وفواكه جمع: فاكهة، وذلك كأنواع الفواكه من التفاح والموز والبطيخ والرمان وما إلى ذلك، فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ [المؤمنون:19]، والله إنها لكثيرة، وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [المؤمنون:19]، أي: من تلك البساتين التي خلقناها، ومن تلك الفاكهة أيضاً، فهل هناك من ينكر هذا؟ لا أحد.

    إذاً: لم يبق إلا أن نقول: لا إله إلا الله، فمن يشارك الله في هذا؟ قبيلة من القبائل؟ أمة من الأمم؟ جيل من الأجيال؟ دولة من الدول؟ لا أحد يتكلم، إذاً الله وحده هو الخالق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وشجرة تخرج من طور سيناء...)

    ثم قال تعالى: وَشَجَرَةً [المؤمنون:20]، أي: أنشأنا لكم به شجرة، تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ [المؤمنون:20]، وسِيناء وسَيناء قراءتان سبعيتان، ومعنى سيناء: الحسن. أي: طور حسن. وقيل: مبارك. والكل صحيح، فهو مبارك وحسن.

    وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ [المؤمنون:20]، ألا وهي شجرة الزيتون، وقيل: إن هذه الشجرة أول شجرة خلقها الله في الأرض، وذلك بحسب هذه الآية، وقيل: لما عم الطوفان وهلكت الأرض لم يبق بها شيء إلا شجرة الزيتون في جبل الطور، وقيل: أول ما ظهرت بجبل الطور، تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [المؤمنون:20]، الذي هو الزيت، فالزيتون يستخرج منه الزيت، والزيت للدهن.

    ثم قال تعالى: وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ [المؤمنون:20]، أي: يغمس الخبز فيها ويأكلها، وكذلك هي للاستنارة بها في المصابيح، وفوائد الزيت كثيرة، إذ إنهم يدهنون به المرضى، ويدهنون به الرءوس، ويصبغون به الأكل، فيغمس الخبز فيه ويأكله، فمن خلق هذا؟ هل هناك من يقول: فلان غير الله؟ إذاً: فلا إله إلا الله، فلمَ هذا الجحود والإنكار والوقوف هذا الموقف المنتكس؟ يعرفون أنه لا إله إلا الله ولا يعبدونه؟ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ [المؤمنون:20]، فالآكلون هم بنو آدم، فقولوا: الحمد لله، إذ المفروض أننا إذا غمسنا أي شيء في الزيت أو دهنا به أن نقول: الحمد لله، ونسأل أنفسنا: من خلق هذا الزيت؟ من أوجده؟ ما أصل وجوده؟ أين هذه الشجرة التي يأتي منها هذا الزيت؟ وأين كانت؟ وكيف وجدت؟ فنجد أنفسنا نحمد الله ونثني عليه خيراً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ...)

    قال تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً [المؤمنون:21]، والأنعام هي الإبل والبقر والغنم، وضع أمامك عنزة أو شاة أو كبشاً أو بقرة أو بعيراً وتفكر فيه، واسأل نفسك: من أوجد لك هذه؟ هل يستطيع واحد أن يقول: اللات والعزى؟! أو عيسى أو أمه؟ أو إبراهيم أو نوح؟ من خلق هذا؟ هل خلقت نفسها؟ هل هناك شيء يخلق نفسه؟ ولماذا أوجدها؟ إن هذه نعم الله عز وجل، فلمَ لا يذكر ولا يشكر؟ الشيطان أعمى القلوب فلا تنظر إلى هذه الأشياء ولا تبصرها ولا تذكر أن الله خالقها، وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً [المؤمنون:21]، أي: تعبرون بها هذه الأمواج الباطلة والبحار الفاسدة، وتصلون إلى أنه لا إله إلا الله.

    لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ [المؤمنون:21]، وفي قراءة: (نَسقيكُم)، مِمَّا فِي بُطُونِهَا [المؤمنون:21]، أما يسقينا من اللبن والحليب؟ فمن أين هذا؟ من بطن الناقة؟ من بطن الشاة؟ من بطن العنزة؟ من بطن البقر؟ نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا [المؤمنون:21]، فسبحان الله العظيم! لو شاء الله تعالى ما يوجد فيها لبناً، فمن أين نحصل على اللبن؟ من النخلة أو من الشجرة؟ أما نشرب اللبن صباح مساء؟! إي نعم، لكن قل من يذكر هذا ويقول: الحمد لله والشكر لله تعالى.

    وَإِنَّ لَكُمْ [المؤمنون:21]، لا لغيركم، فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً [المؤمنون:21]، يا عقلاء! يا بصراء، تعبرون بها هذه الأمواج الهالكة، أي: أمواج الشرك والكفر، وتخلصون إلى الإيمان بالله وعبادته وحده دون من سواه، وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ [المؤمنون:21]، وليس اللبن فقط، وإنما الصوف والوبر والشعر واللحم والبيع والشراء، وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [المؤمنون:21]، واللحوم من أين نأكلها؟ من الأنعام؟ إي والله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وعليها وعلى الفلك تحملون)

    وأخرى من هذه النعم الدالة على وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته، والموجبة لعبادته وحده دون من سواه، والموجبة لحبه والاطراح بين يديه، قوله تعالى: وَعَلَيْهَا [المؤمنون:22]، أي: على الإبل تحملون أثقالكم، وَعَلَى الْفُلْكِ [المؤمنون:22]، أيضاً تحملون بضائعكم وسلعكم، والفلك من خلقها؟ من خلق عيدانها؟ أخشابها؟ مساميرها؟ من أوجد اليد التي عملت؟ من أوجد العقل الذي فكر؟ أليس هو الله الخالق؟ إي ونعم.

    وأول فلك صنعه نوح عليه السلام بأمر الله وتوجيهه وتعليمه، وَعَلَيْهَا [المؤمنون:22]، أي: على الإبل، وَعَلَى الْفُلْكِ [المؤمنون:22]، تحملون أسلعتكم وبضائعكم، إذ التجارة كانت على الإبل في الصحارى وفي البحر على السفن.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    مرة أخرى عباد الله! نذكر الآيات متأملين: وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ [المؤمنون:17]، أليس القائل هو الله؟ إذاً كيف يكفر به؟ كيف لا يستحى منه؟ كيف لا يحمد ولا يشكر؟

    ثم قال تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [المؤمنون:18]، عذباً فراتاً ليس كماء البحر، وإن كان يتحلل من البحر، لكنه ينزل ماءً عذباً، بِقَدَرٍ [المؤمنون:18]، فأحياناً تتكاثر الأمطار فيهرب أهل القرية، حتى لا يمسحهم الطوفان، فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ [المؤمنون:18]، فمن جعله يدخل تحت الأرض ويسكن فيها؟ أو يبقى فوق الأرض؟ لو شاء الله لأذهبه، وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ [المؤمنون:18]، إي والله لقادر على أن يذهب هذا الماء بالمرة ولا يبقى لنا منه كأساً واحداً، ونموت بالعطش، ومع هذا لا يقولون: الحمد لله، ولا يقولون: الله ربنا، بل بلايين الخلق معرضون عن الله تعالى.

    ثم قال الحق جل وعلا: فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [المؤمنون:19]، فمن فعل هذا سوى الله؟ من يقول: قومي أو بني بلدي أو فلان أو فلان؟ لا أبيض ولا أسود، وإنما الكل مخلوق لله تعالى، والله خالق هذه الإنعام وهذه الإفضال من أجل أن يكملوا عليه ويسعدوا بها، لكن على شرط أن يذكروه ويشكروه، فإذا بهم لا يذكرون ولا يشكرون، ولذا افتح عينيك في العالم وانظر، تجد واحداً في المليون من يذكر الله ويشكره، والكل والعياذ بالله معرض.

    ثم قال: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ [المؤمنون:20]، أي: شجرة الزيتون، وجبل الطور معروف، وهو في أرض الشام، تَنْبُتُ [المؤمنون:20]، أي: هذه الشجرة، بِالدُّهْنِ [المؤمنون:20]، أليس زيتها من الدهون؟ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ [المؤمنون:20]، فالآن في بيوتنا الزيتون يؤكل، لكن لا نسأل: من خلق هذه الزيتونة؟ وقد نسأل فنقول: من جاءكم بالزيتون؟ فيقولون: أبي، أو جارنا فلان، لكن من أوجد هذا؟ من خلق هذه؟ لا سؤال أبداً من هذا النوع، والمفروض أنه عندما نشاهد هذه النعم لا بد وأن نذكر الله ونشكره.

    ثم قال تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ [المؤمنون:21]، من خلق الإبل والبقر والغنم؟ من خلق بقية الحيوانات كالحمير والبغال؟ ليس هناك من يقول: أنا أو أمي أو أبي أبداً، إذاً لم يبق إلا الله تعالى، وبالتالي فلنتعرف إليه حتى نحبه بالإفضال والإنعام، وحتى نخافه من قدرته وعظيم جلاله، وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً [المؤمنون:21]، تعبرون بها مواطن الجهل وظلمته، وتصلون إلى نور الإيمان والتوحيد، وذلك كما نعبر بالسفينة على البحر، نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا [المؤمنون:21]، أي: من الذي في بطونها، فماذا في بطونها؟ الفرث والدم، ويتحول إلى لبن أبيض خالص حلو عذب، فمن يصفيه من الفرث والدم؟ أيدينا؟ سلاحنا؟ سحرتنا؟ أبداً ولا أحد، إذ إن هذا من فعل لله فقط، وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ [المؤمنون:21]، لا تحصى، فالإبل فيها منافع، ومنها: أننا نركبها، ونشرب لبنها، ونستفيد من أولادها فنبيعها ونشتريها، وكذلك سائر الأنعام، وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [المؤمنون:21]، أيضاً، فالحمد لله.

    ثم قال تعالى: وَعَلَيْهَا [المؤمنون:22]، أي: على الإبل، وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [المؤمنون:22]، يحملكم أصحابها بالأجرة، ولهذا قال: تُحْمَلُونَ [المؤمنون:22]، أي: أن صاحب السفينة يحمل بالأجرة، والله تعالى أسأل أن ينفعني وإياكم بهذا الكلام الإلهي.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم، ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [ معنى الآيات:

    مازال السياق في ذكر نعمه تعالى على الإنسان ]، تعرفون النعم أو لا؟ الطعام والشراب إن جهلتم، [ لعل هذا الإنسان يذكر فيشكر ]، لعل هذا الإنسان الغافل يذكر فيشكر [ فقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ ، أي: سموات، سماء فوق سماء، أي: طريقة فوق طريقة، وطبقاً فوق طبق.

    وقوله تعالى: وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ [المؤمنون:17]، أي: ولم نكن غافلين عن خلقنا، وبذلك انتظم الكون والحياة، وإلا لخرب كل شيء وفسد ]، لولا رعاية الله وحفظه له.

    قال [ وقوله تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ ، هو ماء المطر، أي: بكميات على قدر الحاجة ]، وهذا معنى بقدر.

    قال: [ وقوله تعالى: فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ * فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ [المؤمنون:18-19]، أي: أوجدنا لكم به بساتين، مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا ، أي: في تلك البساتين، فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [المؤمنون:19]، أي: ومن تلك الفواكه تأكلون، وذكر النخيل والعنب دون غيرهما؛ لوجودهما بين العرب، فهم يعرفونهما أكثر من غيرهما، فالنخيل بالمدينة والعنب بالطائف.

    وقوله تعالى: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ ، أي: وأنبت لكم به ] أي: بالماء النازل من السماء، [ شجرة الزيتون، وهي تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ [المؤمنون:20]، فبزيتها يدهن ويؤتدم فتصبغ اللقمة به وتؤكل.

    وقوله: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ، فتأملوها في خلقها وحياتها ومنافعها ]، تأملوا هذه الأنعام، وذلك في كيفية خلقها وفي حياتها ومنافعها، [ تعبرون بها إلى الإيمان والتوحيد والطاعة.

    وقوله تعالى: نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا ، من ألبان تخرج من بين فرث ودم.

    وقوله: وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ ، كصوفها ووبرها ولبنها وأكل لحومها ]، حتى بيعها وشراؤها يُنتفع به.

    قال: [ وقوله: وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [المؤمنون:22] أي: وعلى بعضها كالإبل تُحملون في البر وعلى السفن في البحر، أفلا تشكرون لله هذه النعم فتذكروه وتشكروه، أليست هذه النعم موجبة لشكر المنعم بها فيُعبد ويوحد في عبادته؟ ]، لو كنا نقرأ القرآن كهذه القراءة في العالم الإسلامي لأصبحنا عالمين وعارفين بربنا، لكن يقرءونه على الموتى فقط.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: بيان قدرة الله تعالى وعظمته في خلق السموات طرائق ]. أي: طبقة فوق طبقة، وطريقاً فوق طريق [ وعدم غفلته عن سائر خلقه ]، إذ لو يغفل لخرب العالم كله، [ فصار كل شيء لما خلق له ]، وهذا من عدم غفلة الله تعالى، إذ كل شيء خلقه الله صار لأجل ما خلق له، ولا ينتقل إلى غيره، [ فثبت الكون وانتظمت الحياة ]، أي: فثبت الكون واستقربت الحياة، ولو كان الخالق عز وجل يغفل كما يغفل الخلق لخرب العالم ولم ينتظم أبداً إلى اليوم، ولكنه لم يغفل سبحانه وتعالى.

    [ ثانياً: بيان إفضال الله تعالى في إنزال الماء بقدر، وإسكانه في الأرض وعدم إذهابه، مما يوجب الشكر لله تعالى على عباده ]. بيان إفضال الله، بيان إنعام الله، بيان رحمة الله في إنزال هذا الماء بمقادير، ثم إسكانه في الأرض وحفظه فيها للانتفاع بها، وذلك حتى يذكر ويشكر، لكن أبوا أن يذكروه وأن يشكروه، فيا ويلهم! بعد الموت يجدون جزاءهم.

    [ ثالثاً: بيان منافع الزيت حيث هو للدهن والائتدام والاستصباح ]، الزيت يستصبح به في المصابيح، وكنا نستعمله، وأيضاً يدهن به دهناً، ويؤتدم به إداماً في الطعام، فمن خلق الزيتون؟ ما فيه أحد يقول: إلا الله، إذاً آمنا بالله لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا الله تعالى.

    [ رابعاً: فضل الله على العباد في خلق الأنعام والسفن للانتفاع بالأنعام في جوانب كثيرة منها، وفي السفن للركوب عليها وحمل السلع والبضائع من إقليم إلى إقليم ]، وطبيعة الإنسان وفطرته أنه إذا قدم لك أخوك كأساً من الماء، أو درهماً من الدراهم، أو ثوباً من الثياب، فإنك لا تنسى ذلك، وإنما تذكره وتشكره تستحي منه، لكن نحنح للأسف ننسى هذه النعم التي نتقلب فيها ليلاً نهاراً: الأكل، والشرب، واللباس، والركوب، والحياة، والصحة وغيرها، ولا نقول: الحمد لله الشكر لله، والسبب أن الشياطين هي التي تغلق القلوب وتغفلها حتى لا يحمد الله تعالى ولا يذكر، ولذلك هذه الإنعامات كيف لا نحمد الله عليها ونحن متعودون على أن نحمد من أعطاك كأس ماء؟! فكيف بالذي وهبك نفسك ووهبك الحياة كلها ووهبك الأنعام، بل ووهب لك كل شيء؟ ما تقول: الحمد لله! يجب ألا ننسى كلمة: الحمد لله دائماً وأبداً، وذلك في الصحة والمرض، في العافية والبلاء، بل في كل حال.

    [ خامساً: وجوب شكر الله تعالى على إنعامه وذلك بالإيمان به وعبادته وتوحيده فيها ]، شكر الله تعالى بم يكون؟ بالإيمان به وبعبادته وحده، وبتوحيده فيها، والشكر والذكر هما علة الحياة، فلماذا خلق الله هذه الحياة؟ لأجل أن يذكر فيها ويشكر، والذكر والشكر لا يخرجان عن عبادة الله تعالى، إذ كل عبادة ندخلها فنحن لله ذاكرين وله شاكرين، وكل معصية نخرج بها عن طاعة الله فنحن بطاعته كافرين وخارجين عن طاعته، ومنكرين لفضله وإحسانه، فاللهم يا ولي المؤمنين! ويا متولي الصالحين! ثبتنا على الدين واليقين، ثبتنا على الدين واليقين، وتوفنا وأنت راضٍ عنا، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.