إسلام ويب

تفسير سورة المؤمنون (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان الصادق هو السبب المورث لرضوان الله، ودخول جنته سبحانه وتعالى، ولكي يتمتع العبد بهذا الإيمان فإن هناك عدداً من الصفات إن توافرت فيه كان من المفلحين، ومن هذه الصفات المداومة على الصلوات والخشوع فيها، وأداء الزكاة وغيرها من الحقوق المالية، والإعراض عن اللغو من قول وفعل، وحفظ الفروج إلا على الأزواج وملك اليمين.

    1.   

    قراءة في تفسير قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون ....) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:1-11].

    معنى الآيات

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! إليكم شرح هذه الآيات من الكتاب الذي بين أيدينا: قال الشارح: [ معنى الآيات: قوله ] جل جلاله وعظم سلطانه [ (( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ))[المؤمنون:1]، يخبر تعالى وهو الصادق الوعد بفلاح المؤمنين ]، (( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ))[المؤمنون:1]، [ وقد بين تعالى في آية آل عمران معنى الفلاح، ألا وهو الفوز بالنجاة من النار ودخول الجنة ]، دار الأبرار، [ ووصف هؤلاء المؤمنين المفلحين بصفات ]، وهي تسع صفات، وكلها صفات كمال وفضيلة، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا متحلين بها ظاهراً وباطناً، [ من جمعها متصفاً بها فقد ثبت له الفلاح، وأصبح من الوارثين الذين يرثون الفردوس يخلدون فيها ]، والفردوس هي أعلى درجة في الجنة، وأنهار الجنة الأربعة تنحدر منها، وقد خلقها الله بيديه، وقد ثبت أن الله تعالى خلق ثلاثاً بيديه: أولها: آدم أبو البشر عليه السلام، إذ قال تعالى: (( لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ))[ص:75]، وثانياً: الجنة المعروفة بالفردوس الأعلى، إذ خلقها بيديه واستنطقها: لمن أنت يا جنة؟! فقالت: للمتقين، وهو كذلك؛ لأن أرواح المتقين طاهرة، ونفوسهم زكية بفعل هذه الأعمال الشرعية من عقائد وأقوال وأعمال، وثالثاً: الألواح التي أعطاها الله لنبيه موسى عليه السلام، إذ إن الله كتب هذه الألواح بيده، فقال تعالى: (( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ))[الأعراف:145]. إذاً: [وصف هؤلاء المؤمنين المفلحين بصفات من جمعها كلها متصفاً بها فقد ثبت له الفلاح وأصبح من الفائزين الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون، وقد سبق أن علمنا أن الجنة تورث كما أن النار تورث، وبيان ذلك أن الله جل جلاله وعظم سلطانه خلق هاتين الدارين، أي: دار النعيم الجنة، ودار البوار والعذاب النار، فخلقهما على قدر ما خلق من الإنس والجن، فلا يوجد إنسان إلا وله دار في النار وأخرى في الجنة، أي: منزلة في الجنة ومنزلة في النار، فإذا الإنسان أو الجان آمن وعمل صالحاً ومات على ذلك ونفسه زكية، فإنه يرث الذي كان له في الجنة منزل، وله في النار منزل فينزل منزله، والذي كان له في النار ينزله ذلك الشقي من الإنس أو الجن]. مرة أخرى: هناك داران هما دار النعيم ودار العذاب، أي: الجنة والنار، وقد خلقهما الله ليُنزل فيهما من يطيعه ويتقيه، ومن يكفر به ويعصيه، فكل من دخل الجنة فقد ورث منزلاً كان لذلك الذي هو في النار، وكل من هو في النار ورث منزل شخص هو الآن في الجنة؛ لأنه قد ورد لفظ التوارث في القرآن الكريم، إذ قال تعالى: (( تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا ))[مريم:63]، فنحن الآن في الدنيا نتوارث، فإذا مات والدي ورثت منه المنزل أو السيارة، فهذه هي الوراثة، فقوله عز وجل: (( الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ))[المؤمنون:11]، دل على أن هناك توارثاً بين سكان الجنة وسكان النار.

    من صفات المؤمنين الخشوع في الصلاة

    قال: [ وهذه الصفات هي: أولاً: الخشوع في الصلاة، بمعنى: يسكن فيها المصلي فلا يلتفت فيها برأسه ولا بطرفه ]، أي: بعينه، [ ولا بقلبه ]، وذلك ما دام أنه مع الله يتكلم معه ويناجيه، ويطلبه حاجته ويعظمه، فكيف يترك الله ويذهب إلى دكان أو بستان أو طعام أو شراب؟! مع أن هذه ورطة قل من ينجو منها، ولكن نسأل الله ألا تكون غالبة علينا! أما لحظة وترجع فلا بأس، أما أن تبقى بين يدي الله تتكلم معه وأنت في بيتك أو في بستانك أو في مكان آخر، فهذا أمر قبيح جداً، قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2]، فهذه أول صفة.

    قال: [ الخشوع في الصلاة، بأن يسكن فيها المصلي فلا يلتفت فيها برأسه ولا بطرفه ولا بقلبه، مع رقة قلب ودموع عين، وهذه أكمل حالات الخشوع في الصلاة، ودون هذه أن يطمئن ولا يلتفت برأسه ولا بطرفه ولا بقلبه في أكثرها ]، وقد مر بنا يوم أمس أن النبي صلى الله عليه وسلم شاهد رجلاً يعبث بلحيته، فقال: ( لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه )، إذ لا تأتي الجوارح فتمس اللحية وتفتلها.

    قال: [ أولاً: الخشوع في الصلاة، بأن يسكن فيها المصلي فلا يلتفت فيها برأسه ولا بطرفه ]، أي: بعينه، لكن قد لا يلتفت برأسه، وإنما يلتفت بعينيه يميناً وشمالاً، ولذا فالمفروض ألا ننظر إلا إلى موضع سجودنا، وإذا ما اضطررنا لحركة فلا نرفع رءوسنا أبداً إلى السماء، ولا نحركها يميناً ولا شمالاً ولا إلى الأمام، ولكن ننظر إلى موضع سجودنا وأيدينا فقط، قال: [ فلا يلتفت فيها برأسه ولا بطرفه ولا بقلبه، مع رقة قلب ودموع عين، وهذه أكمل حالات الخشوع في الصلاة، ودونها أن يطمئن ولا يلتفت برأسه ولا بعينه ولا بقلبه في أكثرها، هذه الصفة تضمنها قوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:2] ].

    من صفات المؤمنين أنهم عن اللغو معرضون

    قال: [ الصفة الثانية: إعراضهم عن اللغو ]، فما هو اللغو؟ [ هو كل قول وعمل وفكر لم يكن لله تعالى إذن به ولا رضا فيه ]، أي: ما أذن الله فيه، ولا فيه رضا، قال: [ ومعنى إعراضهم عنه: انصرافهم وعدم التفاتهم إليه، وقد تضمن هذه الصفة قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:3] ]، واللغو هو ما لا يحقق لك درهماً لمعاشك ولا حسنة لمعادك، وما كان يحقق لك درهماً فقد أذن الله فيه، ولذلك أمرك الله بالعمل لتكسب الدينار والدرهم، وما كان يحقق لك حسنة كذكر الله والعبادة والطاعة وفعل الخيرات، فليس ذلك من اللغو، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:3].

    أداء الزكاة من صفات المؤمنين

    قال: [ ثالثاً: فعلهم الزكاة، أي: أداؤهم لفريضة الزكاة الواجبة من أموالهم الناطقة كالمواشي ]، وذلك كالإبل والبقر والغنم، [ والصامتة كالنقدين والحبوب والثمار ]، إذ الزكاة تجب في الناطق والصامت، قال: [ وفعلهم لكل ما يزكي النفس من الصالحات ]؛ لأن مزكيات النفس كثيرة، فكل عمل صالح أذن الله فيه وأمر به فهو من مزكيات النفس، وليست المزكيات فقط أداء الزكاة، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ [المؤمنون:4]، بل تدخل فيها الزكاة أولاً، ثم كل عمل صالح من شأنه تطهير النفس وتزكيتها.

    قال: [ ثالثاً: فعلهم الزكاة، أي: أداؤهم لفريضة الزكاة الواجبة من أموالهم، الناطقة كالمواشي والصامتة كالنقدين والحبوب والثمار، وفعلهم لكل ما يزكي النفس من الصالحات ]، أي: من الأعمال الصالحات، [ وقد تضمن هذه الصفة قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ [المؤمنون:4] ]، أي: للفريضة التي هي في الأموال، ولتزكية النفس بالأعمال الصالحة من الذكر والعبادة.

    حفظ الفروج من صفات المؤمنين

    قال: [ رابعاً: حفظ فروجهم من كشفها ]، وهذا أولاً، وقد بينا هذا يوم أمس فقلنا: لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يكشف فرجه ليُنظر إليه، واستثنينا الزوج مع زوجته، ولكن من الآداب الفاضلة الكاملة ألا ينظر الرجل إلى فرج امرأته وألا تنظر إلى فرج زوجها؛ لقول عائشة: ما رأيت من رسول الله ولا رأى مني! لكن لو حصلت رؤية مع زوجته فليست محرمة، لكن مع غير الزوجين لا يحل ذلك أبداً، إلا إذا كان هناك ضرورة، وذلك كالطبيب الذي يعالج المريض، إذ قد يضطر إلى كشف عورة المريض.

    قال: [ رابعاً: حفظ فروجهم من كشفها، ومن وطء غير الزوج أو الجارية المملوكة بوجه شرعي ]، أي: يحفظونها من وطء غير الزوجة والجارية المملوكة، وقد بينا من قبل فقلنا: ليس هناك اليوم جواري مملوكات؛ لأن هذا مرتبط بالجهاد، والجهاد قد انقطع من قرون، فما بقي جواري ولا مملوكات، لكن إن جدد الله العهد وجاهدنا وأسرنا الكفار فنساؤهم جواري مملوكات.

    قال: [ وقد تضمن هذه الصفة قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:5-6] ]، فمن يلومهم؟ وهل يلام المرء إذا جامع زوجته؟ الجواب: لا، أو جاريته؟ الجواب: لا، وقد ذكرنا يوم أمس أن نكاح المتعة لا يدخل في هذا الإذن أبداً؛ لأن المتمتع لا يرث زوجته ولا ترثه، وإنما يطلقها بعد شهر أو أسبوع، فليسا بزوجين، وأبلغ من ذلك أن الرسول حرمها تحريماً كاملاً، فأولاً: حرمها في غزوة خيبر، ثم أذن فيها في الفتح، ثم أعلن عن حرمتها أبداً إلى يوم القيامة.

    وذكرنا أيضاً الاستمناء، وهو محرم أيضاً؛ لأنه ليس مما قال الله تعالى: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون:6]، وكذلك السحاق بين المرأة والمرأة، فقد تمكن المرأة أختها من نفسها لتتلذذ بذلك، وهو محرم أيضاً كالاستمناء باليد.

    قال: [ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:5-6] ] ملومين في ماذا؟ غير ملومين، [ في إتيان أزواجهم وما ملكت أيمانهم، ولكن اللوم والعقوبة على من طلب هذا المطلب من غير زوجته وجاريته ]، أي: من طلب هذا المطلب من غير زوجته وجاريته فهو والعياذ بالله أهلٌ للعقوبة.

    قال: [ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:7]، أي: الظالمون المعتدون ]، كيف؟ [ حيث تجاوزوا ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم ]، وهذا هو الاعتداء، وذلك بأن تأخذ مال فلان أو تضرب فلاناً فقد اعتديت عليه، ومنه والعياذ بالله وطء الرجل غير زوجته، وهو بذلك زان وحده الرجم بالحجارة حتى الموت إن كان محصناً، أو جلد مائة وتغريب عام إن كان غير محصن.

    مراعاة الأمانات وحفظها من صفات المؤمنين

    قال: [ خامساً: مراعاة الأمانات والعهود، بمعنى: محافظتهم على ما ائتمنوا عليه من قول أو عمل ]، فإذا ائتمنك أخوك على قول فلا تسمعه غيرك، وإنما هو أمانة عندك يجب أن ترعى هذه الأمانة، ولا تتلفظ بهذا القول أبداً، أو وضع أمانة بين يديك في جيبك أو في بيتك، وطلب منك حفظها حتى يأتيها، فيجب عليك أن تحفظها، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ [المؤمنون:8]، وأما العهود فهي المواثيق، وهي أيضاً كالعقود، كعقد الشراء والنكاح وغيرها، فكل العقود يجب الوفاء بها ولا يجب الإخلال بها، والأمانات كذلك، [ بمعنى: محافظتهم على ما ائتمنوا عليه من قول أو عمل، ومن ذلك سائر التكاليف الشرعية، حتى الغسل من الجنابة ]، فسائر التكاليف الشرعية كلها أمانة ائتمننا الله عليها، بل حتى الغسل هو أمانة في عنقك، إذ إنك تستطع ألا تغتسل وتدعي أنك قد اغتسلت، فمن يعلم أنك ما اغتسلت؟ الله، فلهذا المؤمن يغتسل من الجنابة، ولا يبالي أعرف الناس أو لم يعرفوا؛ لأنه يراقب الله تعالى في هذه الأمانة، وعليه فكل هذه العبادات والطاعات أمانة في أعناقنا يجب أن نحفظها حتى الموت، ولا نضيعها ولا نفرط فيها، وذلك في حدود الطاقة البشرية.

    قال: [ خامساً: مراعاة الأمانات والعهود، بمعنى: المحافظة على ما ائتمنوا عليه من قول أو عمل، ومن ذلك سائر التكاليف الشرعية ]، كالصيام والزكاة والحج والعبادات الأخرى، [ حتى الغسل من الجنابة ]، فإنه والله أمانة عندكم، [ وعلى عهودهم وسائر عقودهم الخاصة والعامة، فلا خيانة ولا نكث ولا خلف، وقد تضمن هذا قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون:8] ] والراعون جمع: راعي، وسمي الراعي راعياً لأنه يرعى الغنم حتى لا يأكلها الذئب أو يختطفها الذئب، فهم راعون يرعون هذه ويحافظون عليها أشد حفاظ.

    المحافظة على الصلوات في أوقاتها من صفات المؤمنين

    قال: [ سادساً: المحافظة على الصلوات الخمس بأدائها في أوقاتها المحددة لها، فلا يقدمونها ]، عن وقتها، [ ولا يؤخرونها ]، عن وقتها، [ مع المحافظة على شروطها من طهارة الخبث وطهارة الحدث ]، وهناك فرق بين طهارة الخبث وطهارة الحدث، فطهارة الخبث يكون من النجاسة، وذلك في الثوب والبدن ومكان الصلاة، فيجب أن يكون ثوبك طاهراً، وجسمك طاهراً، ومكانك الذي تصلي فيه طاهر، وأما طهارة الحدث بأن لا تكون منتقض الوضوء، كأن تكون جنباً أو أحدثت.

    قال: [المحافظة على الصلوات الخمس بأدائها في أوقاتها المحددة لها، فلا يقدمونها ]، على وقتها، [ ولا يؤخرونها ]، عن وقتها، [ مع المحافظة على شروطها من طهارة الخبث، وطهارة الحدث ]، فطهارة الخبث شرط في صحة الصلاة، وطهارة الحدث كذلك شرط في صحة الصلاة.

    قال: [ وإتمام ركوعها وسجودها، واستكمال أكثر سننها وآدابها ]، إذ كيف يقال: إن فلاناً محافظاً على صلاته؟ لا بد وأن يؤديها بشروطها وأركانها وسننها، وذلك في أوقاتها المحددة كما بين الله والرسول، وإلا فلا يقال فيه: محافظ على الصلاة؛ لأن الله قال: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المعارج:34].

    قال: [ فهذه ست صفات إجمالاً، وسبع صفات تفصيلاً، فمن اتصف بها كمل إيمانه وصدق عليه اسم المؤمن ]، فتأملوا! هذه الصفات الست أو السبع مجملة ومفصلة، فمن اتصف بها كمل إيمانه، وأصبح المؤمن الحق الذي يفلح، وصدق عليه اسم المؤمن بحق، قال: [ وكان من المفلحين الوارثين للفردوس الأعلى، جعلنا الله تعالى منهم ]، قولوا: آمين.

    هداية الآيات

    قال [ من هداية هذه الآيات:

    أولاً: وجوب الخشوع في الصلاة ]، وهذا بالإجماع، فالخشوع في الصلاة من واجبات الصلاة، وأيما مصلٍ لا يخشع في صلاته، وإنما يتكلم ويلتفت ويمشي ويتأخر، فصلاته باطلة بالإجماع، وهو عاص متمرد على الله تعالى، وبالتالي لا بد وأن يسكن سكوناً كاملاً بأعضائه، ومع هذا قلبه مع الله عز وجل.

    قال: [ ثانياً: تحريم نكاح المتعة؛ لأن المتمتع بها ليست زوجة؛ لأنها لا ترث ولا تورث، بخلاف الزوجة، فإن لها الربع والثمن، ولزوجها النصف والربع؛ لأن نكاح المتعة هو النكاح إلى أجل معين، قد يكون شهراً أو أكثر أو أقل ]، من هداية هذه الآيات، ومن صفات هؤلاء المؤمنين: تحريم نكاح المتعة؛ لأن الله تعالى قال: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ [المؤمنون:5-6]، والمتمتع بها ليست زوجة شرعاً، إنما يتزوجها لأسبوع أو لشهر أو لنهاية دراسته، وبالتالي فقد جعل لها موعداً محدداً، ثم إن الزوجين يتوارثان، فالزوج يرث النصف من زوجته إن لم يكن لها ولد، والربع إن كان لها ولد، وترث منه الربع إن لم يكن له ولد، والثمن إن كان له ولد، والمتمتعون لا يتوارثون، وإنما ينفصلون قبل الموت، وإن فرضنا أن الرجل مات فليس بينهما شيء، إذاً أجمع المسلمون على حرمة نكاح المتعة، ومن فعله دخل في هذا العتاب، ومعناه أنه ليس محافظاً على فرجه.

    كما ذكرنا بالأمس واليوم أن الاستمناء باليد حرام؛ لأنه لم يدخل في قوله تعالى: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون:6]، إذ ما أباح الله إلا نكاح المرأة فقط أو الجارية المملوكة، وما عدا ذلك فهو باطل، سواء كان متعة أو استمناء أو كان سحاقاً، والسحاق هو أن تمكن المرأة نفسها من أختها فتتلذذ بها والعياذ بالله.

    قال: [ ثالثاً: تحريم العادة السرية، وهي نكاح اليد، وسحاق المرأة؛ لأن ذلك ليس بنكاح زوجة ولا جارية مملوكة ]، وإنما هو من عمل الشيطان.

    قال: [ رابعاً: وجوب أداء الزكاة، ووجوب حفظ الأمانات، ووجوب الوفاء بالعهود، ووجوب المحافظة على الصلوات ]، فهذه أربع واجبات تضمنتها هذه الآيات، فأولاً: وجوب أداء الزكاة، قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ [المؤمنون:4]، وثانياً: وجوب حفظ الأمانات، فمن ائتمنه أخوه على أمانة قولية أو فعلية فيجب ألا يخونه في ذلك، وألا يفرط في تلك الأمانة، مع العلم أننا كلنا مؤتمنون على هذه العبادات، وقد عرفنا أن الغسل من الجنابة أمانة ائتمنك الله عليها، فإذا أجنبت فيجب أن تغتسل، وإن لم يطلع عليك أحد ولم يعرفك أحد؛ لأنها أمانة ائتمنك الله عليها، وهذا هو شعار هذه الجماعة المؤمنة، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ [المؤمنون:8]، فإذا عاهدوا عهداً يوفون به، وإذا عجزوا أعلنوا عن عجزهم واعتذارهم، أما أن يعدوا ويخلفوا فليس هذا من صفات المؤمنين، بل من صفات المنافقين؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أربع من كن فيه كان منافقاً كاملاً، ومن كانت في خصلة كانت فيه خصلة من النفاق: إذا ائتمن خان، وإذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا خاصم فجر )، والعياذ بالله، وثالثاً: وجوب الوفاء بالعهود، فمن عاهد أخاه على كذا، كأن يلقاه في المكان الفلاني فيجب أن يلقاه، أو عاهده على ألا يتكلم عنه طول حياته بسوء، فيجب عليه أن يفي له، وهكذا الوفاء بالعهود من الإيمان، بل من كمال الإيمان، رابعاً: وجوب المحافظة على الصلوات، وقد عرفتم معنى المحافظة عليها؟ فأولاً: أن تؤديها على ما أداها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بشروطها وأركانها وشرائطها وسننها وآدابها، وتؤديها في أوقاتها المحددة لها كاملة وافية.

    قال: [ خامساً: تقرير حكم التوارث بين أهل الجنة وأهل النار، فأهل الجنة يرثون منازل أهل النار، وأهل النار يرثون منازل أهل الجنة، اللهم اجعلنا من الوارثين الذين يرثون الفردوس ]، وقد عرفتم معنى التوارث؟ فما من إنسان ولا جان إلا وله منزل في الجنة وفي النار، أليس الله خالقهم؟ وقد عرف عددهم قبل أن يخلقهم؟ فأعد لهم دار نعيم ودار شقاء، فهو عليم بهؤلاء وهؤلاء، فمن دخل الجنة ورث منزل الذي هو في النار، ومن دخل النار ورث منزل الذي هو في الجنة، وهذا معنى قوله تعالى: تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:43].

    معاشر الأبناء والإخوان! هيا نرفع أيدينا إلى ربنا نسأله ضارعين أن يكشف ضرنا، وأن يكشف ما بنا، اللهم يا أرحم الراحمين! ويا رب العالمين! ويا ولي المؤمنين! ويا متولي الصالحين! هذه أكفنا قد رفعناها إليك سائلين ضارعين، فاكشف اللهم ما بنا من ضر، اللهم اكشف ما بنا من ضر، واشف كل مريض فينا وبيننا، وفي بيوتنا وفي مشافينا، اللهم اشفنا ظاهراً وباطناً، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم ندعوك بما دعاك به رسولك ونبيك صلى الله عليه وسلم: اللهم زدنا ولا تنقصنا، اللهم أكرمنا ولا تهنا، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، اللهم آثرنا ولا تؤثر علينا، اللهم ارض عنا وأرضنا يا رب العالمين! وتوفنا وأنت راض عنا، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.