إسلام ويب

تفسير سورة المؤمنون (12)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله عز وجل لا يمد للمشركين في المال والبنين رضاً منه بما هم عليه، ولكن استدراجاً لهم وتمهيداً لأخذهم، لكنهم لفرط العمى والضلال عندهم يظنون أن ما آتاهم الله من سعة الدنيا وبسط الرزق إنما هو عن استحقاق وأهلية، فيحملهم ذلك على تكذيب الرسل، وإنكار الدعوة، حتى إذا حل بهم العذاب لجئوا إلى ربهم يجأرون ويلوذون، لكن هيهات فإنهم ساعتئذ لا ينصرون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة المؤمنون المكية فهيا بنا مع تلاوة هذه الآيات ثم نتدارسها إن شاء الله تعالى.

    قال تعالى: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ * حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [المؤمنون:63-70].

    ننتقل الآن إلى مكة المكرمة، حيث والرسول الكريم هناك والمشركون حوله، والصراع دائر بينهم، فقول ربنا تعالى: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ [المؤمنون:63]، يقال: غمره الماء إذا غطاه، ويقال: غمرة حب الدنيا، وغمرة الضلال، وغمرة الشرك والعياذ بالله، وكل هذا ما جعلتهم يصغون لكلام الرسول ويسمعونه، بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ [المؤمنون:63]، من هذا الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وهو لا إله إلا الله، فلا يعبد إلا الله تعالى، ولا تترك عبادته بحال من الأحوال، ولا يعبد إلا بما جاء به كتابه وبينه رسوله صلى الله عليه وسلم.

    بل قلوب هؤلاء المشركين كـأبي جهل، وعقبة بن أبي معيط، وأبي لهب، وفلان وفلان، فِي غَمْرَةٍ [المؤمنون:63]، من الضلال، أي: ضلال الكفر والشرك والخبث والشر والفساد، مِنْ هَذَا [المؤمنون:63]، أي: هذا الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وهو القرآن الكريم وما يحويه وما يحمله من أنواع الهدى، فهم في غمرة ما استطاعوا أن يسمعوا القرآن أو يتدبروه أو يفهموه.

    وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ [المؤمنون:63]، وذلك من أعمال الباطل والشر والفساد واللهو والباطل، فهم مشغولون بها، فلهذا ما استطاعوا أن يصغوا ويسمعوا إلى الرسول ودعوته وما يدعوهم إليه، وهذا هو واقعهم الذي أخبر الله تعالى به كما هو.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون)

    ثم قال تعالى: حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ [المؤمنون:64]، والمترفون هم أصحاب الترف في اللباس والمال والسكن والمركب كما قد عرفتم، ولذا فاحذروا من الترف بأنواعه، إذ إن أصحابه لا يكملون ولا يسعدون، وهو محنة والعياذ بالله، حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ [المؤمنون:64]، كالثيران والعياذ بالله، وتأمل جهر وصياح وصراخ الثور! هذا وقد تم لهم هذا مرتين: مرة في بدر، إذ جأروا وصرخوا وصاحوا وأُخذوا، وخاصة المترفين منهم، فقد دمروا وهلكوا هناك، وصرخة أخرى وذلك يوم أن دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابهم القحط والجذب سبع سنوات، حتى والله لقد أكلوا الكلاب والميتة والنجاسات من شدة الجوع، إذ أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ [المؤمنون:64]، أي: عذاب الدنيا، إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ [المؤمنون:64]، بأعلى أصواتهم يصرخون: يا ويلهم! يا ويلهم!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون)

    ثم يقول تعالى لهم في تلك الساعة: لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ [المؤمنون:65]، أي: لا ترفعوا أصواتكم بالصياح والدعاء والبكاء، إذ إنكم لا تُسألون ولا تنصرون، فلماذا يا رب؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون)

    قال تعالى: قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ [المؤمنون:66]، من يتلوها؟ من يقرؤها؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وأصحابه، قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ [المؤمنون:66]، يعني: آيات القرآن الكريم، إذ كل آية تدل على أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فلهذا سميت آية، تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ [المؤمنون:66]، والانتكاص هو أن يدبر فيعطي ظهره ويمشي، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن ويعظ، لكن إذا سمعوا مواعظه ودعوته ماذا يصنعون؟ يدبرون على أعقابهم وينكصون، وهذا هو واقعهم كما هو يخبر تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (مستكبرين به سامراً تهجرون)

    ثم قال تعالى: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ [المؤمنون:67]. وفي قراءة: (تُهجرون)، فما معنى هذا الكلام؟ قوله تعالى: قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ [المؤمنون:66]، أي: يتلوها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أبو بكر أو بعض المؤمنين وهم قليل، فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [المؤمنون:66]، ما تسمعون ولا تقبلون عليها، بل تدبرون وتتركون القارئ يقرأ، وذاك الإدبار والرجوع إلى الوراء هو استكبار وعنترية، وليس مجرد خوف أو غيره، وإنما هو الكبرياء والعنترية، إذ كيف نسمع لهذا الكلام؟! كيف نجيبه ونمشي وراءه؟! نحن أعلى من هذا وأكرم وأعز!

    وقوله: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ [المؤمنون:67]، يعني: بالحرم أو بمكة أو بالبيت العتيق، فقد كانوا يقولون: نحن سكان الحرم لن ينتصر أحد علينا، ولن يسمنا الله بسوء، ولن نبتلى بعذاب، بل لو تجتمع الدنيا كلها ما تستطيع أن تؤثر علينا في شيء، فلا نسمع لهذا الكلام وهذا لتخويف وهذا التهديد، إذ لا معنى لهذا أبداً، هكذا كانوا يعتزون اعتزازاً عجباً، لكن الله هزمهم في بدر، وسلط عليهم سنين القحط والجدب رغم أنوفهم، وهذا هو معنى قوله تعالى: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ [المؤمنون:67]، أي: بالحرم.

    وقوله تعالى: سَامِرًا تَهْجُرُونَ [المؤمنون:67]، فعلى قراءة: (تُهجرون)، أي: تقولون الهُجر، وهو القبيح والسيئ من الكلام، وأما على قراءة: سَامِرًا تَهْجُرُونَ [المؤمنون:67]، فمعناه: أنهم يقضون كامل الليل في لهو ولعب، وذلك أن القمر إذا كان طالعاً وهم في نوره، فإنهم يتكلمون ويصرخون ويعبثون ويسخرون ويشربون الخمور ويلهون ويلعبون، يقال: سمر القمر إذا لاح نوره، ومنه الأسمر عندنا وهو نور ليس بأسود، سَامِرًا [المؤمنون:67].

    ومن هنا قرر النبي صلى الله عليه وسلم لأمته -وأنتم إن شاء الله منها- ألا سهر بعد صلاة العشاء ولا سمر إلا من ضرورة، وذلك كطلب علم أو محادثة ضيف لإيناسه أو مداعبة زوجة، فأين نحن من هذا؟ كره رسول الله لأمته النوم قبل صلاة العشاء، ولذا فلا ينبغي لك أن تنام يا عبد الله! أو يا أمة الله! قبل صلاة العشاء، إذ إن هذا نظام حياتنا، وأما بعد صلاة العشاء فلا لهو ولا باطل ولا سمر، ولكن للنوم والاستراحة، وذلك من أجل القيام في آخر الليل، فكيف حال المسلمين اليوم؟ للأسف إذا صلوا العشاء جلسوا أمام التلفاز بنسائهم وأطفالهم يضحكون ويسخرون، وذلك الساعة والساعتين والثلاث، فمن أذن لهم في هذا؟ آلله أذن بهذا؟ لا والله، أذن بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله ما أذن فيه، إذاً فمن أذن لهم بهذا؟ إنه تقليد الكفر والكافرين والجري وراء هذا الشر والظلم والفساد والعياذ بالله.

    سَامِرًا تَهْجُرُونَ [المؤمنون:67]، أي: تقضون الليلة سامرين في اللهو واللعب وقول الباطل، وهذه الآية أما نخاف أن نكون من أهلها؟ سَامِرًا تَهْجُرُونَ [المؤمنون:67]، والسمر هو الحديث والسهر بعد صلاة العشاء، سواء ساعة أو أكثر أو أقل، لكن إن كان ذلك لطلب العلم، أو لضيف تحدثه وتؤنسه حتى ينام، أو لزوجة تداعبها، فهذا جائز، وما عدا ذلك فلا، ولذلك إذا صلى أولادك العشاء فقف عليهم حتى يناموا وغطيهم بغطاء.

    والآن مظهر من مظاهر البلاء المقبل؛ لأن هذا الذنب له آثاره يقيناً، وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40]، فقد أصبح المسلمون من بعد صلاة العشاء إلى نصف الليل في لهو وباطل ولعب، والمفروض أنه إذا دقت الساعة السادسة فإن التجار يغلقوا دكاكينهم ومتاجرهم ومقاهيهم، ثم يقبلون على ربهم في بيته، فيتعلمون الكتاب والحكمة، ويصلون الفريضتين المغرب والعشاء، وبعد ذلك يذهبون ليستريحوا حتى يقوموا قبل الفجر بساعة، وهذا نظام حياة المسلمين.

    لكن للأسف نعيش اليوم حياة الغرب وزدنا فوقها، والعجيب أن النصارى واليهود في أوروبا وأمريكا واليابان إذا دقت الساعة السادسة مساءً وقف العمل -ونحن نبدأ العمل بعد المغرب وكأننا لسنا بمؤمنين- وقد شاهدنا ذلك بأعيننا وعايشناه، فأين يذهبون لما يفرغون من عملهم؟ إلى المقاهي والملاهي والملاعب والمراقص، إذ هم كفار من أهل النار، وليس عندهم معرفة بالله ولا ببيوته، ونحن ماذا نصنع؟ بدلاً أن نذهب إلى المساجد نذهب إلى اللهو واللعب باسم التجارة والعمل، ولذا لا ننسى هذه الكلمة: سَامِرًا تَهْجُرُونَ [المؤمنون:67]، وهذا عيب عاب الله به المشركين، فهل يجوز لنا أن نكون مثلهم فنعاب؟ إن نظام حياتنا نحن أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم ألا ننام قبل صلاة العشاء، ولا نسمر ولا نسهر بعد العشاء إلا من ضرورة تدعو إلى ذلك كما قد بينا، والعجيب أيضاً أن الأعراس الآن تبدأ من صلاة العشاء إلى الفجر، فمن أذن لنا في هذا؟ ألسنا مؤمنين نعيش على نظام رباني خاص أو لا؟ من أين لنا أن نسهر ست ساعات في الليل للهو والباطل والأكل والشرب؟ وهل لهذه الذنوب آثار في المستقبل؟ والله إن لم يتداركنا الله بالتوبة الصادقة النصوح لنالتنا آثارها، قال الشاعر:

    هي الذنوب تقول بملء فيها حذار حذار من بأسي وفتكي

    فهذا معنى قوله تعالى: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ [المؤمنون:67]، أي: بالحرام والاعتزاز به، سَامِرًا تَهْجُرُونَ [المؤمنون:67]، طول الليل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين)

    ثم قال تعالى: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا [المؤمنون:68]، أي: القرآن، وهذا يصدق علينا والله العظيم، فلم لا نتدبر القرآن الكريم؟ إذ لو تدبرنا القرآن ودرسناه في حلقه والله لا نسهر ولا نسمر طول الليل، لكننا للأسف مبعدون عن القرآن، حتى الذين يسمعونه في الإذاعة لا يتدبرونه ولا يسألون عن معانيه ولا يقولون كذا وكذا، إذ إن أغلبهم يسمع الصوت فقط.

    أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا [المؤمنون:68]، أي: القرآن، ويتتبعون ما فيه من الهدى والنور، وما فيه من الأحكام والشرائع، وذلك بعقولهم وتفكيرهم، أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ [المؤمنون:68]، وهذا يتناول المشركين في مكة، إذ قد جاءهم ذلك، وعرفوا عن ديانة عيسى وموسى وأهل الكتاب، وعرفوا الرسل، وعرفوا الأنبياء، وعرفوا الشرائع، ولم يكونوا جاهلين بهذا، بل هم على علم بهذا.

    أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ [المؤمنون:68]، والْقَوْلَ هو الذي يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم ويدعو إليه، أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ [المؤمنون:68]، بالعكس.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون)

    ثم قال تعالى: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ [المؤمنون:69]، هل فعلاً ما عرفوه؟ والله لقد عرفوا أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك كما عرف المؤمنون الآن رسول الله، فهل هم راغبون في أن يتبعوه ويمشوا وراءه ويتقيدوا بما جاء به من شرع؟ الجواب: لا، بل ولا واحد في المائة، مع أنهم عرفوه بحق وصدق، لكن هل قبلوا رسالته؟ هل اجتمعوا عليها؟ عرفوا ما فيها؟ طبقوا ذلك العلم وتلك المبادئ؟ الجواب: لا، وكأنهم ما عرفوه! أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [المؤمنون:69].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون)

    ويقول سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ [المؤمنون:70]، قالوا: به جنون، فهل هذا القول يقوله ذو عقل؟ ينظر إلى رسول الله فقط بعينه فيتجلى ذلك النور والكمال المحمدي، بل وهو من صباه لا يعرف إلا الكمال والرقي، وعاش على الطهر والصفاء والصدق والوفاء في كل حياته، وبعد أربعين سنة نقول: به جنون؟! والله ما قالوها إلا من أجل أن يبعدوا عن الإسلام ويبعدوا غيرهم عنه.

    ثم قال تعالى: بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [المؤمنون:70]. وهذه هي الحقيقة، إذ جاءهم رسول الله إلا بالحق. أي: بعبادة الله وحده بما شرع، وذلك ليكملوا ويسعدوا في الدنيا، ويسعدوا ويكملوا في الآخرة، ووالله ما جاء إلا بهذا، وما جاء بأمر يأمر بالخبث ولا الظلم ولا الشر ولا الفساد ولا القطيعة أبداً، وإنما بالهدية الإلهية، وذلك لتزكية الأرواح وتطييب النفوس وتطهيرها، وكل ذلك من أجل أن يسعدوا في الدنيا والآخرة، وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [المؤمنون:70].

    ماذا نقول؟ ماذا استفدنا الليلة؟ معشر المستمعين والمستمعات! ننهي اللهو واللعب بعد صلاة العشاء، فلا نجتمع على باطل ولا لهو، فإن اجتمعنا لضرورة علم أو غيرها فلا بأس، وذلك ساعة أو دقائق، أما أن نسمر ونسهر على التلفاز والفيديو وما إلى ذلك فهذا ليس أبداً من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ويصدق علينا هذا اللفظ: سَامِرًا تَهْجُرُونَ [المؤمنون:67]، وتُهجرون، ويقولون العبث والباطل في كلامهم وأحاديثهم، وليس فيها النور ولا الهدى ولا الخير.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    يقول تعالى: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ [المؤمنون:63]، أي: من أعمال الشرك والكفر والشر والفساد، حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ [المؤمنون:64-65]، إذا جاءت نقمة الله تعالى هل هماك من ينصرنا؟ هل هناك يد تنفعنا؟ والله ما كان أبداً، وقد شاهدنا هذا وعرفناه وعشناه، قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ [المؤمنون:66-67]، والآن نحن مستكبرون بماذا؟ أهل مكة كانوا مستكبرين بالحرم معتزين به، ونحن الآن مستكبرون بأوطاننا ودولنا، تَهْجُرُونَ [المؤمنون:67]، وهذا الهجران والسمر إلى قبل الفجر، أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ [المؤمنون:68]، اللهم لا ذا وذاك، أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [المؤمنون:69-70].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    قوله تعالى: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا [المؤمنون:63]، أي: ليس الأمر كما يحب هؤلاء المشركون أنا نمدهم بالمال مسارعة منا لهم في الخيرات لرضانا عنهم، لا، بل إن قلوبهم في غمرة وعمى من القرآن ]. فلهذا يظنون هذا الظن، ويحسبون هذا الحسبان، قال: [ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ [المؤمنون:63]، أي: دون عمل المؤمنين] الذين يخشون ربهم بالغيب [ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ [المؤمنون:63]، حتى تنتهي بمترفيهم إلى هلاكهم ودمارهم.

    وقوله تعالى: حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ [المؤمنون:64]، أي: استمرت الأعمال الشركية الإجرامية حتى أخذ الله تعالى مترفيهم في بدر بعذاب القتل والأسر، إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ [المؤمنون:64]، يضجون بالصراخ مستغيثين، والله تعالى يقول لهم: لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ [المؤمنون:65].

    وذكر تعالى لهم ما كانوا عليه من التكذيب والاستكبار وقول الهجر موبخاً إياهم: قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ [المؤمنون:66]، هروباً من سماعها حال كونكم، مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ [المؤمنون:67]، أي: بالحرم زاعمين أنكم أهل الحرم، وأن أحداً لا يظهر عليكم فيه لأنكم أهله.

    وقوله: سَامِرًا تَهْجُرُونَ [المؤمنون:67]، أي: تسمرون بالليل تهجرون بذلك سماع الحق ودعوة الحق التي تتلى بها عليكم آيات الله، وقد قرئ: (تُهجرون) بضم التاء وكسر الجيم، أي: تقولون أثناء سمركم -وسهركم- الهجر من القول، كالكفر وقول الفحش وما لا خير فيه من الكلام، وكانوا كذلك.

    وقوله تعالى: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ [المؤمنون:68]، الذي يسمعونه من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيعرفوا أنه حق وخير، وأنه فيه صلاحهم، أَمْ جَاءَهُمْ [المؤمنون:68]، من الدين والشرع، مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ [المؤمنون:68]، فقد جاءت رسل ونزلت كتب وهم يعرفون ذلك.

    أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ [المؤمنون:69]، محمداً صلى الله عليه وسلم، فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [المؤمنون:69]، إنهم يعرفونه بصدقه وطهارته وكماله منذ نشأته وصباه إلى يوم أن دعاهم إلى الله.

    أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ [المؤمنون:70]، أي: جنون، وأين الجنون من رجل ينطق بالحكمة ويعمل بها ويدعو إليها؟! بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [المؤمنون:70]، وهذا هو سر إعراضهم واستكبارهم، إنه كراهيتهم للحق لطول ما ألفوا الباطل وعاشوا عليه، وهذه سنة البشر في كل زمان ومكان ]. والآن ملايين من المؤمنين والمسلمين بل أكثرهم معرضون عن كتاب الله وجاهلون به، ولا يستجيبون للحق؛ لأنهم لا علم لهم.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: غمرة الجهل والتعصب وعمى التقليد هي سبب إعراض الناس عن الحق ومعارضتهم له ]. هذه الثلاثة هي سبب إعراض المعرضون عن الله وكتابه وهدي رسوله، فأولاً: الجهل، فلهذا يجب على المؤمنين والمؤمنات أن يتعلموا، ولقد فتحتم مدارستكم أيها المسلمون! في الشرق والغرب فما نفعت أبداً ولا أجزت، وإن كنت كاذباً فردوا علي، بل ما نفعت ولا واحد في المائة؛ لأنها فتحت لا لله تعالى، وليس من أجل أن يعبد الله بما شرع الله، وإنما فتحت للدنيا فقط تقليداً للكافرين، فلهذا قلنا: ينبغي أن نعود إلى بيوت ربنا المساجد، فإذا دقت الساعة السادسة ما يبقى في القرية رجل ولا امرأة ولا طفل إلا وتوضأ ودخل المسجد، وكذلك ولا حي في أحياء المدن، فنتعلم تعلمنا هذا، وذلك كل ليلة وطول العام، فنزكي أنفسنا ونطهر أرواحنا ونهذب أخلاقنا وآدابنا، وباقي الوقت لا بأس أن نقيضه في المدارس أو في المصانع أو في المتاجر أو في المزارع، فتنمو معارفنا وعقولنا على دراسة كتاب الله وسنة رسوله؛ لأننا الآن ما نريد إلا وجه الله عز وجل، لا وظيفة ولا مال ولا شيء من أمور الدنيا، ولكن نريد رضا الله تعالى، لكنه الجهل الذي عم هذه الأمة وغمرها في الضلال.

    [ ثانياً: لا تنفع التوبة عند معاينة العذاب أو نزوله ]، وهذه حقيقة، فإذا دقت الساعة وجاء العذاب ما تنفع التوبة أبداً ولا تجزئ، ولهذا يجب أن نتوب قبل أن نشاهد العذاب وآياته، أما إذا نزل العذاب فلا ينفع بكاء ولا صراخ.

    [ ثالثاً: بيان الذنوب التي أخذ بها مترفو مكة ببدر، وهي هروبهم من سماع القرآن ونكوصهم عند سماعه على أعقابهم حتى لا يسمعوه، واستكبارهم بالحرم واعتزازهم به جهلاً وضلالاً، واجتماعهم في الليالي الطوال يسمرون على اللهو وقول الباطل هاجرين سماع القرآن وما يدعو إليه من هدى وخير ]. بيان سبب إهلاك المترفين في مكة في يوم بدر وأيام السنين الجدب والقحط هو الإعراض عن كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، وعدم الإصغاء والسماع لما يتلى عليهم من القرآن والمواعظ، وانكبابهم على اللهو والباطل والسمر طول الليل إلى الفجر، والكلام الباطل والفارغ، والله تعالى أسأل أن يتوب علينا إنه تواب رحيم.