إسلام ويب

تفسير سورة المؤمنون (11)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن ذكر الله حال الذين فرقوا دينهم ونعى عليهم ذلك التفرق، أثنى هنا على عباده المؤمنين، الذين يصدقون بآيات الله، ولا يشركون مع الله أحداً، فلا يصرفون شيئاً من أنواع العبادات لغيره سبحانه، كما أنهم يسارعون في الطاعات والعبادات، ومع ذلك هم يشفقون ألا يقبل منهم عملهم، خائفون أن ترد في وجوههم، فأولئك لهم الأمن عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة المؤمنون المكية فهيا بنا مع تلاوة هذه الآيات ثم نتدارسها إن شاء الله تعالى.

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ * وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [المؤمنون:57-62].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! لما ذكر تعالى حال الذين فرقوا دينهم، وانه قد ذهبت كل فرقة منهم بكتاب ومذهب، وقد تقدم هذا في الآيات التي تدارسناها بالأمس، قال تعالى: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون:53]، ذكر تعالى هنا المؤمنين المتقين الموحدين المتحابين المتعاونين المجتمعين على الحق، فاللهم اجعلنا منهم!

    فهيا بنا نستعرض صفاتهم وننظر هل نحن منهم؟ نسأل الله في صدق أن نكون منهم، قال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المؤمنون:57]، وصفهم بالخوف منه تعالى، إذ هم خائفون من عذاب الله تعالى، ومن سخط الله تعالى، ومن نقم الله تعالى، فلهذا هم مشفقون.

    وهذا الإشفاق والخوف لن يوجدا إلا في قلب مؤمن موقن، قد آمنوا بربهم وأيقنوا في إيمانهم، فأصبحوا يوقنون أنهم مع الله وبين يدي الله تعالى، فلهذا هم خائفون مشفقون، فلا يفارقهم الخوف ولا الإشفاق من الله عز وجل، وذلك لإيمانهم ويقينهم، إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المؤمنون:57].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين هم بآيات ربهم يؤمنون)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [المؤمنون:58]، ويصدقون ويوقنون، وآيات الله كما عرفتم زادكم الله معرفة صنفان: آيات الكون، وآيات القرآن التنزيل، والآيات جمع: آية، والآية بمعنى: العلامة الدالة على الشيء، تقول لي: أريد فلاناً، أقول لك: صفه لي، أعطني علامة تدلني عليه، فتقول لي: طويل القامة، فهذه علامة، وتسمى آية.

    وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ [المؤمنون:58]، القرآنية التنزيلية، الحاوية للشرائع والأحكام، الحاوية للهدايات الإلهية، المبينة للفضائل والكمالات، والمبينة لمقام أهل المقام السامي وهو الجنة دار النعيم، والمبينة لأهل العذاب ومصيرهم، فهم بهذه الآيات مؤمنون موقنون، ويخرج من هؤلاء الكفار الذين لا يؤمنون بلقاء الله تعالى ولا بآياته ولا بما عنده ولا بما لديه.

    إذاً: أولاً: هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المؤمنون:57]، وثانياً: هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [المؤمنون:58].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين هم بربهم لا يشركون)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:59]، وهنا يجب أن نقف وقفة متأملين، ما معنى: لا يشركون بربهم؟ أي: لا يشركون معه غيره، في ماذا؟ في عبادته، إذ يعبدون الله وحده فلا يشركون معه غيره، لا ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، ولا ولياً صالحاً فضلاً عن الأشجار والأحجار والنباتات والصخور.

    وهنا يجب أن نعرف الشرك فيم يكون؟ في العبادة، ومن العبادات التي تعبدنا الله بها: أولاً: الدعاء، بل قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الدعاء هو العبادة )، وورد: ( الدعاء مخ العبادة )، فهل يحيا الإنسان أو أي حيوان إذا فقد مخه؟ إن الدعاء هو العبادة، فلهذا من سأل غير الله حاجته فقال: يا فلان! أعطني فقد أشرك في عبادة ربه غيره، أي: ذلك المخلوق الذي قال له: أعطني، أو خذ بيدي، أو فرج غمي وكربي، وعلى كل إذا أقبل على كائن سوى الله وقال: أعطني أو افعل لي فقد أشرك في عبادة ربه والله العظيم.

    وللأسف فقد عم الجهل وغطى البلاد الإسلامية قروناً، وأصبح المسلمون يدعون غير الله تعالى تحت عنوان: التوسل، يا سيدي فلان! يا مولاي فلان! أنا كذا، ويسألون حاجاتهم والله العظيم، نساء ورجالاً، بله أهل القرآن الحاملون له! إن سؤال غير الله ولو إبرة فأقل من ذلك شرك في عبادة الله تعالى، إذ لا نسأل حاجاتنا إلا من الله الذي يقدر على أن يعطينا ويملك أمرنا، وقد تعبدنا بهذا الدعاء فكان عبادة له، فارفع يديك إلى السماء: يا رب! يا رب! لا يلومك أحد ولا يعيبك أحد؛ لأنك رفعت كفيك إلى ربك، أما أن تقول: يا رسول الله! أو يا حسين! أو يا فاطمة! أو يا عبد القادر! أو يا مولاي إدريس! أو يا سيدي البدوي! أو يا عيدروس! فهذه والله شرك في عبادة الله تعالى، وأهلها إن لم يتوبوا ويموتوا على التوحيد دخلوا النار وخلدوا فيها والعياذ بالله.

    ثانياً: النذر، وقد تعبدنا الله تعالى به، وجعله عبادة من عباداته، واقرءوا ثناءه على فاطمة وعلي: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7]، فالوفاء بالنذر عبادة لله تعالى، فمن نذر لله نذراً فيجب أن يفي به، وذلك كأن يقول: لله علي أن أتصدق الليلة بدينار، وجب عليه أن يفي، أو لله علي أن أصوم غداً، يجب عليه أن يصوم، أو لله علي ألا أتأخر عن الصف الأول، وجب عليه أن يفي، وعلى كلٍ إذا نذر لله نذراً في العبادات فيجب أن يفي بنذره، وهو مرحوم مكرم عزيز لأنه يعبد الله عز وجل، ومن نذر لغير الله تعالى: يا سيدي فلان! إن تزوج ولدي فأنا أذبح لك شاة، يا مولاي فلان! إن حصل كذا فأنا أطعم كذا، والله لأشرك في عبادة ربه غير الله تعالى، إذ إنه نذر لغير الله تعالى.

    ثالثاُ: الذبح، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي [الأنعام:162]، أي: ذبحي، وقال: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:1-2]، أي: لربك، فالذين يذبحون للجان والعفاريت الموهومة، ويذبحون للأولياء وللقبور، فهؤلاء والله أشركوا في عبادة ربهم تعالى غيره، ولذلك لا نذبح للجان أبداً.

    ومن مظاهر الذبح: أن الرجل إذا بنى بناية وأراد أن ينزلها يقول: نخشى أن الجان يؤذونني في أهلي، فيأتي بشاة فيذبحها على عتبة الباب، ويلطخ العتبة بالدم، ثم بعد ذلك يسكن! فهذا الذبح لمن؟ للجان أو لله؟ إن قال: لله، فنقول: آلله أمرك بهذا؟! ما هو لله، إذ أمرك الله أن تذبح يوم العيد، فهل هناك من ينكر عليك؟ لكن عند النزول في هذا البيت تذبح شاه للجان وتقول: خشية أن يؤذيني في أهلي! كيف ذلك؟! وقد رأيت هذا في المدينة بعيني، فقد بنى أحد الإخوان من جدة بناية إلى جنب منزلنا، ولما فرغ من البناء وجدت العامل فيها قد ذبح شاة ولطخ الدم على عتبة البيت! فقلت له: لم هذا؟ فقال: أمرني المعلم! ولذا فإن الذبح ولو كان عصفوراً لغير الله تعالى شرك في عبادة الله عز وجل، فلهذا أنتم برآء من هذا.

    رابعاً: الحلف بغير الله شرك في عبادة الله تعالى؛ لأن الحلف تعظيم للمحلوف به، فلمن العظمة؟ لله، أليس الله أكبر؟ نعم الله أكبر، فكيف ترفع مستوى عبد وتحلف به ليكون مثل الله؟! فأية ظاهرة أظهر من هذه في الشرك؟! وحسبنا أن يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كما في حديث الترمذي في سننه وهو صحيح: ( من حلف بغير الله فقد أشرك )، فالرسول عليم أو لا؟ ولما تقول: وحق فلان! ورأس فلان! والملح الذي بيننا! فهذه كلها من مظاهر الشرك في عبادة الله عز وجل وذلك تحت عنوان الحلف، والعوام يحلفون حتى بالطعام فيقولون: والملح الذي بيننا! إذ ما ترك لهم الشيطان باباً إلا غمسهم فيه، فهل الحاضرون أطهار أنقياء من هذه أم لا؟

    وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:59]، لا ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً ولا عبداً صالحاً فضلاً عن غيرهما، فلا ننذر إلا لله تعالى، ولنتخاطب مع الرب: إن فعلت لي كذا يا رب! أفعل لك كذا، فيجب أن تفي بوعدك ونذرك؛ لأن النذر له صورتان: الصورة الأولى: أن يكون النذر فقط تملقاً وتزلفاً إلى الله تعالى، إذ ما لك حاجة أبداً، وذلك كأن تقول: لك يا رب! أن أصوم غداً، أو لك يا رب! أن أتصدق بنصف مالي، وأنت لا تريد بذلك إلا رضا الله تعالى، فهذا النوع مفهوم ومفروغ منه، وأما النوع الثاني كأن تقول: رب! إن شفي ولدي من مرضه أذبح لك شاة، فهذا النذر مشروط، أو رب! إن سخرت لي كذا أو يسرت لي كذا سأفعل لك كذا وكذا، فيجب أن تفي بنذرك لله عز وجل.

    مرة أخرى: النذر نوعان: نوع مجرد تتقرب إلى الله وتتزلف، وتريد بذلك أن تحظى بمنزلة عنده، فتقول: لك يا رب! أن أصوم كل خميس، فيجب أن تفي، ونذر مشروط بشرط، وذلك كأن تقول: رب! إن شفيت ولدي سأفعل كذا وكذا، أو إن رددتني إلى أهلي سأفعل كذا وكذا، أو إن يسرت لي الزواج سأصوم كذا أو أفعل كذا، فإن حقق الله لك ما طلبته وجب عليك أن تفي بنذرك.

    وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ [المؤمنون:59]، تعالى، لا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:59]، أي: لا يشركون في عبادته، لا يشركون في ربوبيته، إذ ليس هناك في العوالم من يخلق ويرزق ويحيي ويميت إلا الله تعالى، ولا يشركون في صفاته أبداً فيصفون المخلوقات بصفات الرب، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولا يشركون في أسمائه، إذ لا يجوز أن تسمي ولدك العزيز أو الرحمن أو الرحيم أو القدوس أو السلام، إذ هذا وصف لله وهو اسمه، فكيف تشركه غيره؟! أما عبد العزيز، أو عبد السلام، أو عبد الرحمن فنعم، وإن قلت: عزيز أو سلام فلا بأس، لا (أل) العائدة على الله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60]، أي: يعطون ما أعطوا، فيخرج مثلاً نصف ماله وهو خائف ألا يقبل منه، ويصوم أو يصلي أو يقوم الليل وهو خائف ألا يقبل منه، فما علة ذلك؟ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60]، أي: اعتقادهم الجازم بأنهم عائدون إلى الله يجعلهم خائفين منه، فيتصدق ويصلي ويصوم وهو خائف ووجل ألا يتقبل منه، لا أن يتبجح ويفرح.

    وهنا الصديقة عائشة لها كلمة أسمعكموها: روى الترمذي عن أمنا عائشة رضي الله عنها، حِبُّ رسول الله وابنة الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه -وأقول هذا لأعلمكم هذا حتى تحبوها؛ لأن من يكرهها لن يدخل دار السلام-أنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60]؟ أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ أي: يأتون ما يأتونه من الذنوب والمعاصي وهم مشفقون خائفون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يا ابنة الصديق! ولكنهم الذين يصومون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم ).

    مرة أخرى: روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60]؟ وفي قراءة: (والذين يؤتون ما أتوا)، أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يا ابنة الصديق! ولكنهم الذين يصومون مثلكم، ويتصدقون مثلكم، وهم يخافون ألا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات )، اللهم اجعلنا منهم!

    وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا [المؤمنون:60]، أي: يعطون ما أعطوا، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60]، أي: خائفة؛ لأنهم إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60]، فيقوم الليل وهو خائف، ويصوم وهو خائف، ويتصدق بماله وهو خائف، لا أن يتبجح ويفرح، وهذه صفات الكمال، وعلى الأقل فإنك لا تدري هل قبل هذا العمل منك أو لا؟ ولذا على الأقل أن يكون هذا في نفسك، فإن صمت فسأل نفسك: هل قبل الله صومي؟ أو تصدقت: هل قبل الله صدقتي؟ أو قمت الليل: هل قبل الله قيامي؟ فتبقى دائماً مع الله خائفاً راجياً؛ لأن الخوف والرجاء كجناحي العقاب بهما تطير إلى السماء، فإن فقدت أحدهما هبطت، فكذلك الإنسان إذا منع الخوف من نفسه وغلب جانب الرجاء فقال: أنا راجي ربي، أنا راجي رحمة الله تعالى، سوف يدخلني الجنة، سوف ينجيني من النار، وهو لا يخاف، والله ما يستطيع أن يطير إلى السماء، وكذلك إذا تمكن الخوف منه وأيس من الرجاء، فيصلي أو يصوم فيقول: لم يقبل ذلك مني! وذلك لأنه آيس من رحمة الله تعالى، فهو والله هابط ولن يستطيع أن يصل إلى السماء، ولذا لابد من الخوف والرجاء، أي: الخوف من الله والرجاء في الله عز وجل، فتعمل الصالحات وأنت وخائف قد لا تقبل منك، وتعمل الصالح وأنت راجي ثواب الله وجزاءه وإكرامه لك وإنعامه عليك.

    وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60]، فإيمانهم بالدار الآخرة، وإيمانهم بالبعث والجزاء، وإيمانهم بالوقوف بين يدي الله تعالى، يجعلهم يصومون ويصلون ويرابطون ويجاهدون وهم خائفون، ولكن مع الخوف والرجاء، إذ لا خوف بدون رجاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون)

    قال تعالى: أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:61]، قالت العلماء: من المسابقة: حضور الصلاة في أول وقتها، فالذين يصلون الصلاة في أول وقتها يدخلون ضمن هذه الصفة، يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [المؤمنون:61]، والْخَيْرَاتِ هي: النوافل والفضائل، وهي معروفة، فهم يسارعون فيها ويسابقون، وهذا شعارهم وهذه صفتهم، أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [المؤمنون:61].

    وأما قوله تعالى: وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:61]، يحتمل وجهين صالحين: الأول: أن ذلك من المسابقة، فالذين يسارعون في الخيرات لا شك أنهم يسبقونا، وهذا بخلاف المتباطئين، والثاني: أي: مسابقون لنعيم الدار الآخرة، وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:61]، أيضاً: في كتاب المقادير، أو في القضاء والقدر، إذ قد كتب الله أعمالهم، فهم مسبوقون بهذا الذي قد فعلوه، وهو كذلك، إذ كل أعمالنا سبق أن كتبها الله تعالى، وقد كانت قبل أن نكون.

    فهذه خمس صفات ذكرها الله تعالى للمؤمنين، فهيا بنا نعيد تلاوتها ونتدبر هل نحن متصفون بها أم لا؟ فإن وجدنا أنفسنا مقصرين في صفة منها فلنعمل من الليلة على أن نوجدها فينا، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المؤمنون:57]، وهذا موجود والحمد لله، وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [المؤمنون:58]، قطعاً لا تشكون في هذا، وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:59]، فمن كان يحلف بغير الله أو ينذر لغير الله أو يسأل غير الله فمن الليلة يترك ذلك الشرك ويوحد ربه، والحمد لله فليس بيننا من يشرك بالله تعالى؛ لأننا أهل علم والشرك يقع على أهل الجهل، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ [المؤمنون:60]، أي: يعطون ما أعطوا، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60]، فيتصدق بالصدقة وهو خائف، ويقوم الليل وهو خائف، ويصوم النهار وهو خائف، فيجمع بين الخوف والرجاء، أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [المؤمنون:60-61]، فاللهم اجعلنا منهم! وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:61]، في قضاء الله وقدره، وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:61]، أولئك الذين لم يسارعوا ولم يسابقوا، وهذه بشرى لهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا نكلف نفساً إلا وسعها...)

    ثم قال تعالى: وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [المؤمنون:62]، لما ذكر المسابقة والمنافسة هناك بعض الإخوان عاجزون لا يستطيع أن يصلي في الصف الأول، وذلك لمرض أو نحوه، أو عاجز عن الصدقة، إذ ليس عنده ما يتصدق به، أو عاجز عن الصيام ما يستطيع أن يصوم الخميس أو الاثنين، فهل العاجز الذي نيته العمل الصالح يؤاخذ بعجزه؟ الجواب: لا، إذ قال تعالى: وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [المؤمنون:62]، فالمسابقة والمسارعة في حدود طاقتك وقدرتك، أما العاجز فيعفى عنه لعجزه، إذ لا يكلف الله نفساً من الأنفس إلا طاقتها وقدرتها، ودون الطاقة والقدرة ما يكلفها، وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [المؤمنون:62]، والوسع هو الطاقة والقدرة، أي: بحسب قدرتها على العمل، وهذا من فضل الله ورحمته بالمؤمنين والمؤمنات.

    ثانياً: وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [المؤمنون:62]، أي: وعندنا كتاب، فمن القائل؟ الله، والكتاب هو ما تكتبه الملائكة الكرام الكاتبين، وهذا الكتاب لا ينطق إلا بالحق، ولا يكتب فيه إلا ما هو حق، ويتم به الجزاء والحساب عند الله تعالى، وعندنا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [المؤمنون:62]، فلا تضاف إلى سيئاتك سيئة ما عملتها، ولا تفقد حسنة من حسناتك، بل يضاعفها ويزيد فيها، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [المؤمنون:62]، فالحمد لله، وهذه الآيات الأربع أو الخمس كلها لنا لا للمشركين والمختلفين والخارجين عن هدي الله ورسوله، وذلك من أصحاب المذاهب الهابطة والاعتقادات الفاسدة، إذ ليسوا مع هؤلاء أبداً، فالحمد لله رب العالمين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    إليكم شرح الآيات مرة أخرى من الكتاب لتزدادوا علماً ويقيناً.

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    لما ذكر تعالى حال الذين فرقوا دينهم فذهبت كل فرقة منهم بكتاب ومذهب ولقب، ونعى عليهم ذلك التفرق، أمر رسوله أن يتركهم في غمرة خلافاتهم ويدعوهم إلى حين، ويتركهم إلى حين يلقون جزاءهم عاجلاً أو آجلاً] لما قال تعالى هذا [ أثنى تبارك وتعالى على عباده المؤمنين من أهل الخشية ]، أي: لما ذكر حال الهالكين وما هم فيه من اليهود والنصارى والطوائف الهالكة ذكر حال المؤمنين من أهل الجنة.

    قال: [ أثنى تبارك وتعالى على عباده المؤمنين من أهل الخشية فقال وقوله الحق: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المؤمنون:57]، أي: من عذابه خائفون من الوقوف بين يديه، فهذه صفة لهم، وأخرى: وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [المؤمنون:58]، أي: بحجج الله تعالى التي تضمنتها آياته، يُؤْمِنُونَ [المؤمنون:58]، أي: يوقنون.

    والثالثة: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:59]، أي: في ذاته ولا صفاته ولا عباداته، فيعبدونه بما شرع لهم موحدين له في ذلك لا يشركون به غيره.

    ورابعة: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60]، أي: يؤتون الزكاة وسائر الحقوق والواجبات وقلوبهم خائفة من ربهم أن يكونوا قد قصروا فيما أوجب عليهم، وخائفة ألا يقبل منهم عملهم، وذلك ناجم -وناتج- لهم من قوة إيمانهم برجوعهم إلى ربهم ووقوفهم بين يديه ومساءلته لهم: لم قدمت؟ لم أخرت؟ ]، وهذا لابد منه.

    قال: [ وقوله تعالى: أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:61]، في هذا الآية بشرى لهم، إذ أخبر تعالى أنهم يسارعون في الخيرات، وأنهم سبق ذلك لهم في الأزل -في كتاب القضاء والقدر- فهنيئاً لهم ]، هنيئاً لهم.

    قال: [ وقوله تعالى: وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [المؤمنون:62]، فيه قبول عذر من بذل جهده في المسارعة في الخيرات ولم يلحق بغيره أعذره ربه فإنه لا خوف عليه ما دام قد بذل جهده، إذ هو تعالى: وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [المؤمنون:62]، أي: طاقتها وما يتسع له جهده.

    وقوله: وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [المؤمنون:62]، فيه وعد لأولئك المسارعين بالخيرات بأن أعمالهم مكتوبة لهم في كتاب ينطق بالحق لا يخفى حسنة من حسناتهم ويستوفونها كاملة، وفيه وعيد لأهل الشرك والمعاصي بأن أعمالهم محصاة عليهم قد ضمها كتاب صادق، وسوف يجزون بها وهم لا يظلمون، فلا تكتب عليهم سيئة لم يعملوها قط، ولا يجزون إلا بما كانوا يكسبون ]، فهل فهمتم آيات الله تعالى؟

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: فضيلة الخشية والإيمان والتوحيد والتواضع والمراقبة لله تعالى ]. فضيلة الخشية لله، والخوف من الله، والتوحيد والتواضع والمراقبة لله عز وجل، وكل هذه فضائل قد تضمنتها الآيات الأربع السابقة.

    [ ثانياً: بشرى من الله تعالى لأهل الإيمان والتقوى ]. وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فمن هو أولياء الله تعالى؟ المؤمنون المتقون، وفي الآيات بشرى لأولياء الله المتقين.

    قال الشيخ في النهر: [ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [المؤمنون:61]، أي: في الطاعات كي ينالوا بها أعلى الدرجات والغرفات، ولم يقل: يسارعون إلى الخيرات؛ إذ هم في الخيرات لم يخرجوا من دائرتها أبداً، فهم فيها يسارعون ].

    لطيفة علمية: ما قال: يسارعون إلى الخيرات، إذ المفروض أن يقول: يسارعون إلى الخيرات، وإنما قال: يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [المؤمنون:61]، ومعناه: أنهم ما خرجوا عن دائرتها، فهم في وسطها يسرعون، لأنهم ليسوا بعيدين عنها حتى يسارعون لها، وإنما قال: يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [المؤمنون:61].

    [ ثالثاً: تقرير قاعدة رفع الحرج في الدين ]، تقرير قاعدة شرعية ربانية جاء بها الكتاب والسنة، ولا يختلف فيها عالمان من المؤمنين، وهي أن الله عز وجل لا يكلف الإنسان إلا بقدر طاقته، وما زاد عن طاقته لا يكلفه، وهذا في أي عبادة من العبادات، وذلك كالرباط والجهاد والصدقة والصلاة والصيام وغيرها من العبادات، فلا تكلف إلا في حدود قدرتك، وما زاد عن ذلك لا تكلف به؛ إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، أي: طاقتها وقدرتها.

    [ رابعاً: تقرير كتابة أعمال العباد وإحصاء أعمالهم ومجازاتهم بالعدل ]، تقرير كتابة أعمال العباد، أما تقرءون قول الله تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار:10-11]؟ من هؤلاء؟ الملائكة الذين يتعاقبون فينا الليل والنهار، إذ يجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، ففي صلاة الصبح ينزل ملكان لتسجيل أعمالنا في النهار، وفي صلاة العصر يعرج اللذان كانا معنا وينزل اثنان ليقومان الليل معنا، وبالتالي فأعمالنا وأقوالنا كلها مدونة مكتوبة وليس فيها أبداً زيادة ولا نقصان، والحمد لله رب العالمين.