إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء (8)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يصور الله عز وجل حال المجرمين يوم القيامة، وما يدور بينهم من جدال، حيث يتبرأ المتبرئون من تابعيهم، فيتمنى التابعون أن لو أعيدوا إلى الدنيا حتى يتبرءوا من متبوعيهم، ويظهرون الندم على ما سلف منهم من عبادة غير الله، وما جره عليهم من الويل والثبور، والعذاب المقيم في الجحيم.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة الشعراء

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده )، وها نحن مع سورة الشعراء المكية، فتأملوا الآيات!

    قال تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:94-104].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ [الشعراء:90]، معنى ( أزلفت ): قربت وأدنيت.

    ممن دنت وقربت؟ من المتقين. ومن هنا وجب أن نعيش أتقياء الله رب العالمين، وأن يشملنا نص لفظ المتقين، وبالأمس عرفنا أن تقوى الله هي طاعته بفعل ما أمر وترك ما نهى عنه وزجر، ويجب علينا أن نعرف أوامر الله وأن نعرف نواهيه حتى نفعل الأمر ونترك المنهي عنه.

    فإذا لم نعرف أوامر الله ولا نواهيه فكيف نستقيم؟ لهذا كان طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وهيهات هيهات يا عبد الله أن تصبح ولياً لله وأنت لا تحب ما يحب ولا تكره ما يكره، فلا بد من معرفة محاب الله ومكارهه، ثم فعل ما يأمر الله بفعله من محابه، وترك ما يأمر بتركه من نواهيه ومكارهه.

    وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ [الشعراء:90]، اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم وارض عنا كما رضيت عنهم ووفقنا لما وفقتهم إليه حتى عبدوك وأحبوك يا رب العالمين!

    وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ [الشعراء:91]، بروزها ظهورها. بزرت: ظهرت، برّزت علناً مشاهدة لأهل الموقف في ساحة فصل القضاء، كما أدنيت الجنة من المتقين.

    وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ [الشعراء:91]، من هم الغاوون والعياذ بالله؟ الذين غووا.. أفسدوا أنفسهم وخبثوها ولوثوها وعفنوها بالذنوب والآثام.

    الغاوي: الفاسد الذي يرتكب ما حرم الله ويترك ما أوجب الله، لكن الذي لم يتق الله هو الغاوي، وتبرز النار لهم هكذا ليشاهدوها، ثم يجري السؤال والجواب وإما الجنة وإما النار، ولكن نحذر الغواية نعوذ بالله أن نكون من الغاوين.

    إذاً: الغاوي هو الذي يرتكب الذنوب والآثام فتفسد نفسه وتخبث فيصبح ليس بأهل لدار السلام، ولكن أهلاً للنار دار البوار والعياذ بالله تعالى.

    ويجري هذا السؤال والجواب في وسط الجحيم، إذ قال تعالى: وَقِيلَ لَهُمْ [الشعراء:92]، أي: لأهل الجحيم الذين برزت لهم ودخلوها وهم الغاوون، قيل لهم: أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ الشعراء:92]؟

    أين آلهتكم التي كنتم تعبدونها؟ لا وجود لها في جهنم؛ لأن من عبدوا عيسى وأمه، عيسى لا يوجد في جهنم، وأمه لا توجد في جهنم.

    ومن عبد الأنبياء.. من عبد الملائكة ككثير من العرب عبدوا الملائكة لا يجدون الملائكة في النار؟

    أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ [الشعراء:92]؟

    هذا الاستفهام للتحدي والإذلال والتصغير والاحتقار.. وهذا وحده عذاب كاف: أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ [الشعراء:92]؟ دلونا؟ أرشدونا أين هم؟

    أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الشعراء:93]، وهذه تتناول كل من عبد غير الله من عهد آدم إلى قيام الساعة، كل من عبد غير الله بنوع من أنواع العبادات وتعبده بها إلا ويسأل هذا السؤال: أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ [الشعراء:92]؟ دلونا أرشدونا؟ بينوهم لنا؟

    ثم يقول تعالى لهم: هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ [الشعراء:93] لأنفسهم؟ لا والله لا ذا ولا ذاك، لا ينصرونكم ولا ينتصرون لأنفسهم، فالذين عبدوا الشياطين وعبدوا الأشجار والأحجار والأصنام لا تنفعهم عبادتهم ولا معبوداتهم، فلا تنصرهم ولا تنصر نفسها.

    هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ [الشعراء:93]، والله لا ذا ولا ذاك.

    ثم قال تعالى: فَكُبْكِبُوا [الشعراء:94]، كبكبوا.. كبوهم على وجوههم فتكبكبوا فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ [الشعراء:94] نعوذ بالله من الغواية! إنها الشر والفساد! إنها الخبث والظلم! إنها الشرك والكفر!

    تبرءوا إلى الله من الغاوية وابتعدوا عنها واعرفوا طرقها ولا تسلكوها، واجتنبوها وابتعدوا عنها لتنجوا وتسلموا من الكبكبة على الوجوه في جهنم.

    فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [الشعراء:94-95]، وإبليس مخلوق خلقه الله عز وجل ثم أمره فلم يمتثل أمره فأبلسه ومسخه ومسحه من كل خير.. إبليس مخلوق من المخلوقات، أمره الله أن يسجد لآدم فتكبر ورفع رأسه وقال: كيف أسجد لآدم وهو مخلوق من طين وأنا أفضل منه مخلوق من النار، فلما تكبر أبلسه الله وجعله مبلساً لا خير فيه أبداً ولا يأمره بالخير أبداً، ولا يعرف الخير أبداً؛ لإبلاس الله تعالى له.

    وجنوده من هم؟ الذين يدعون بدعوته، فالذين يدعون إلى الكفر وتكفير الناس من جند إبليس!

    الذين يدعون إلى الشرك وعبادة غير الله، والله لمن جند إبليس!

    الذين يدعون إلى اقتحام المحرمات كالزنا واللواط والربا والخمر والحشيشة والباطل والله لمن جند إبليس!

    كل من يأمر بمعصية الله عز وجل وبترك طاعته في الواجبات وارتكاب المنهيات هو من جند إبليس!

    وجند إبليس لا حد لهم ولا عد فنبرأ إلى الله أن نكون منهم، فلهذا لا نأمر بمعصية الله أبداً لا بترك واجب ولا بفعل حرام، وبذلك لن نكون من جنده أبداً بل نكون من أعدائه، فالذين يأمرون بالشر.. يأمرون بالخبث.. بالفساد.. بالظلم في الأرض.. بالشرك.. بالكفر، والله لهم جند إبليس يفعلون ما يفعل ويعملون ما يعمل وهم جند له يستعين بهم على إضلال البشرية وإفسادها؛ لتصبح مثله في جهنم.

    فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [الشعراء:94-95]، هل يتخلف واحد من جند إبليس؟

    الجواب: لا. كلهم في جهنم.

    إذاً: جند إبليس هم: أولاً: من ذريته. ثانياً: من الإنس والجن، فكل من عبد إبليس وأطاعه واستجاب له فهو من جنده، ومن هنا كل من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف هو من جند إبليس، فلهذا نبرأ إلى الله من ذلك ولا نأمر بمنكر ولا ننهى عن معروف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا وهم فيها يختصمون ...)

    ثم قال تعالى: قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ [الشعراء:96]، اسمعوا هذا الحديث الذي جرى بينهم في جهنم!

    كيف يبلغنا هذا لولا الوحي الإلهي؟!

    من كان هناك وسمعهم يقولون هذا؟

    قد علمه الله وكتبه أزلاً ووالله ليقولونه، وهيا نسمعه بآذاننا! قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ [الشعراء:96]، ماذا قالوا؟ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الشعراء:97]، حلفوا بالله وأقسموا به أنهم كانوا في الضلال البين الواضح المبين.

    ما هذا الضلال المبين؟ الفسق.. الفجور.. الكفر.. الشرك.. اعتقاد الباطل.. العمل بالباطل، كل ذلك ضلال. كل ما لا يقودك إلى الجنة ويهديك إلى طريقها فهو ضلال، وما هما إلا طريقان فقط: صراط الله المستقيم، وصراط الشيطان المعوج المنحرف، فمن سلك سبيل الله رشد، ومن سلك سبيل الشيطان غوي وفسد وهلك.

    تَاللَّهِ [الشعراء:97]، ما حلفوا باللات ولا بالعزى ولا بعيسى ولا بـمريم ولا عبد القادر ولا.. ولا.. حلفوا فقط بالله عز وجل.

    كانوا في الدنيا يحلفون بآلهتهم لكن من يومها وهم في النار يتلاومون لا يحلفون بغير الله، انتهى غير الله فلا وجود له، فقالوا: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الشعراء:97]، وتالله مثل بالله على حد سواء، وإن شئت قلت: بالله ما فعلت، أو قلت: تالله ما أفعل، فلا فرق بينهما.

    والضلال المبين: هو الكفر والشرك والفسوق والفجور والغاوية بجميع أصنافها وأنواعها.

    ثم قالوا: إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:98]، كنا في ضلال واضح بيّن لأنا كنا نسويكم بالله، نعبدكم كما يعبد الله.

    انتبهوا! الذي يرفع يديه ويقول: يا سيدي فلان! يا رسول الله! يا فاطمة! يا حسين ! يا عبد القادر! يا مبروك ! يا فلان! فقد سواه والله بالله، فلنذكر هذا ولا ننساه.

    والله العظيم إن الذي يدعو غير الله قد سوى هذا المدعو بالله وجعله مثله يرفع إليه يديه ويدعوه ويسأله!

    والذي يحلف بغير الله سوى هذا المحلوف بالله؛ لأن اليمين لا تكون إلا بالله، ومن حلف بغير الله فقد سوى هذا المحلوف به بالله عز وجل، وسيبكي يوم القيامة ويقول: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:97-98]، فلا ذبح ولا نذر لغير الله.

    والذي يقول: يا سيدي فلان! إذا كان الله أعانني على كذا أو حقق لي كذا أذبح لك كذا أو أشتري لك كذا أو أجدد قبتك بكذا والله نذر لغير الله وأشرك بالله والعياذ بالله.

    عباد الله! أولياء الله! ما لنا إلا الله إله، فلا نرفع أكفنا ولا نرفع رءوسنا ولا ننطق إلا بالله وحده إذ الكل مخلوق، والرب هو الله الخالق الرب العليم الحكيم، ومن يجري على لسانه الحلف بغير الله عندما يقول: لا إله إلا الله، فإن تعود إن يقول: وحق سيدي فلان، وراسك، والملح الذي أكلنا، والنبي، والكعبة.. لما يحلف بدون إرادة.. بدون قصد يقول لا إله إلا الله فإنها تمحها، والدليل على هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ( من حلف بغير الله فليقل لا إله إلا الله، ومن قال لأخيه: تعال أقامرك! فليتصدق ).

    والمسلمون الذين أسلموا على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسلموا في يوم واحد ولا في عام واحد، فالذي يسلم منذ شهر أو شهرين أو سنة يبقى على لسانه ما كان يقوله في الجاهلية بالعادة.. تعوده، فشاهد رسول الله هذا.. شاهد الرجل يقول: تعال أقامرك، أي: ألعب معك القمار؛ لأنه تعود القمار في مكة سنين، فلما أسلم ما زال ذلك في قلبه فيقول لصديقه أو أخيه: تعال أقامرك.

    وشاهد من جرى على لسانه هذا وهو لا يقصده وإنما اعتاده وألفه من زمان .. فالكفارة: أن يتصدق بصدقة ( من قال لأخيه: تعال أقامرك! فليتصدق بصدقة )، تكفر ذلك الذنب وتمحوه وتزيله.

    ومن اعتاد أن يحلف باللات والعزى ( فليقل بعد ذلك لا إله إلا الله تمحها ) هكذا هدانا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: الذين يحلفون بالنبي ويجري على ألسنتهم: والنبي، يقولون: لا إله إلا الله تمحها!

    أنت ما أنت متعمد وجرت على لسانك كلمة: والنبي ما أفعل، فقل بعدها: لا إله إلا الله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( وأتبع السيئة الحسنة تمحها )، إذا أتبعها مباشرة تنمحي.

    قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ [الشعراء:96]، ماذا قالوا وهم في جهنم؟ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:97-98].

    ما معنى تسويتهم بالله؟ عبدوهم كما يعبد الله، دعوهم كما يدعى الله، ذبحوا لهم كما يذبح لله، نذروا لهم كما ينذر لله، وهكذا..

    إِذْ نُسَوِّيكُمْ [الشعراء:98] بمن؟ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:98]، خالق الكل، ومالك الكل، والعالم كله بيد الله وهو خالقه وهو ربه ومالكه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أضلنا إلا المجرمون)

    ثم قالوا: وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ [الشعراء:99]، والله لكما قالوا وَمَا أَضَلَّنَا [الشعراء:99] عن الطريق الموصل إلى رضا الله، ما أضلنا عن الصراط المستقيم الإسلام بشرائعه وعقائده وآدابه وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ [الشعراء:99]، وهو الواقع.

    هل يوجد شخص يضل بدون إضلال شخص له؟ لا أبداً، لا بد وأن يزين له الباطل ويحسن له القبيح ويدعوه إلى المنكر ويشجعه على الكفر.. على الفسق.. على الفجور حتى يفعل.

    هذا الذي يدعو إلى الباطل والشر والفساد ضال ولو اهتدى لا يفعل هذا، فلهذا نحذر أن نسلك مسالك الضلال، ولا نفتح في بلد إسلامي مخمرة ونقدم للناس الخمر يشربونه وإلا دعونا إلى الضلال!

    لا نفتح في بيت من بيوت الله مكاناً ندعو فيه غير الله عز وجل بدعوى التبرك وما إلى ذلك، بل نحاول ما استطعنا أن نتجنب طرق الضلال وسبل الغواية ولا ندعو إلا إلى الهدى.. إلى الحق والنور الإلهي.

    وهاهم يقولون: وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ [الشعراء:99]، اعترفوا بأنهم أضلوهم.

    من هؤلاء الذين أضلوهم؟ هل هم الصالحون؟ هل هم الربانيون؟ هل هم أولياء الله من أنبياء الله ورسله؟!

    لا. وإنما المجرمون الذين أجرموا على أنفسهم فأفسدوها، يقال: أجرم فلان يجرم إجراماً أي: فعل شراً أو قبحاً، فأفسد بذلك نفسه وأصابها بالظلمة والعفن والنتن فهو مجرم، فلهذا كل من يستبيح ما حرم الله أجرم وهو مجرم، وكل من يعطل شرع الله وما أمر الله به ولا يعبده فيه فهو مجرم على نفسه وعلى غيره، ومن يدعو غيره إلى الفساد والشر فهو يدعو إلى الإجرام وهو مجرم وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ [الشعراء:99].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فما لنا من شافعين ...)

    ثم قالوا: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:100-101]، ما لنا من يشفع فينا لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من الأولياء، ولا من صالح عباد الله!

    هم في جهنم فمن يشفع لهم؟

    وهذه حقيقة لا ننساها أبداً وهي أن من مات على الكفر أو الشرك لا يشفع له أبداً، ولا تقبل شفاعة أحد له، فلهذا أهل الإيمان والتوحيد إن زلت أقدامهم ووقع منهم سوء واستوجبوا بذلك النار يشفع لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.. يشفع المؤمنون لبعضهم البعض وتقبل شفاعتهم، أما أهل الكفر والشرك -والعياذ بالله- فإن الجنة محرمة عليهم لا يدخلونها أبداً، فلا تقبل شفاعة الشافع فيهم أبداً، ولا تقبل لهم شفاعة.

    وهاهم أولئك يقولون: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ [الشعراء:100]، إي والله ما لهم من شافعين وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:101]، ينصرنا وننتصر به أبداً.

    فقدوا كل صلة بالدنيا وبمن كانوا معهم وأصبحوا في قعر جهنم فمن يشفع لهم؟!

    من يأتي من الأصدقاء يخرجهم من النار؟!

    من يأتي من الأحباء يحميهم من النار وينقذهم؟! لا أحد. هذا كلامهم قرره الله وأثبته فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:100-101].

    وأما المؤمنون الصالحون فيشفع الله بعضهم لبعض.. أهل الإيمان والوحيد إن دخلوا النار يشفع الله تعالى فيهم رسوله والمؤمنين ويخرجون من النار، وأما أهل الشرك والكفر إذا دخلوا جهنم فلا مصير لهم إلا هي، والله لا يشفع لهم شافع ولا يخرجهم من النار أحد، واسمعوا قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، لهذا أهل العقيدة السليمة الصحيحة إذا زلت أقدامهم ومات على جريمة من الجرائم ودخل النار يشفع له ويخرج من النار، أما أهل الشرك: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:100-101].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين)

    ثم قالوا: فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:102].

    فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً [الشعراء:102]، أي: رجعة إلى الدنيا. آه لو نعود إلى الدنيا لعبدنا الله وحده ولما أشركنا به سواه، ولما فجرنا ولما غوينا ولما ارتكبنا ما حرم علينا أبداً!

    فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:102]! عرفوا أن المؤمنين لا يدخلون جهنم ولا يخلدون فيها ووجدوا أنفسهم وحدهم.. كل مؤمن لا وجود له معهم، فتمنوا أن لو أعادهم الله إلى الحياة الدنيا وأعادها لهم فيؤمنون ويوحدون ولا يعبدون غير الله ولا يشركون بالله أبداً.

    ولكن هل يستجاب لهم هذا؟

    أخبر تعالى أنه لو أعادهم لعادوا إلى الكفر، ومن ثم لا عودة لهذه الحياة الدنيا.. انتهت فلا تعود أبداً: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28] في أمنيتهم هذه.

    فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً [الشعراء:102]، يعني: مرة رجعة، كر إذا كر ورجع فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:102].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين)

    ثم ختم تعالى قصة الخليل إبراهيم بقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً [الشعراء:103]، إن في هذا القصص الذي قص تعالى.. إن في هذه الأخبار الإلهية.. هذه الأحكام الربانية آية أعظم آية تدل على أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الدار الآخرة حق، وأن الجزاء على الكسب في الدنيا لا يتم إلا فيها

    هذا القصص من يعرفه؟ من يقصه؟ الله هو الذي قصه، هو الله عليم حكيم.

    المقصوص عليه من هو؟ أليس رسولاً؟ أيضاً محمد رسول الله. إذاً: هذا القصص كله يدعونا إلى عبادة الله؛ لننجو من سخطه وغضبه وعذابه في الدار الآخرة.

    وهذه لطيفة نكررها: لو سئل أحدكم معشر المؤمنين: ما الحكمة في هذه الحياة الدنيا؟ ما العلة في وجودها؟ لماذا أوجدها الله؟

    الجواب بلا تردد: أراد الله تعالى أن يذكر ويشكر فخلق هذه الحياة؛ لأجل أن يذكر فيها ويشكر.

    وما السر في الحياة الآخرة ووجودها؟ لم أوجد الله حياة أخرى وأفنى هذه وأنهاها وجاء بحياة أخرى؟

    الجواب: للجزاء للذاكرين الشاكرين وللكافرين المتكبرين. علة الدار الآخرة والله لهي الجزاء، وعلة هذه الدار العمل، وتلك علتها الجزاء، فهذه دار عمل هذا بار وهذا فاجر، هذا مؤمن وهذا كافر، هذا صالح وهذا فاسد، والجزاء في الدار الآخرة فهي دار الجزاء فأهل الذكر والشكر والأرواح الطيبة في الجنة، وأهل الكفر والشرك -والعياذ بالله- في جهنم دار الخلد الأبدي، هذه هي الحكمة، والله يقول: اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التوبة:105].

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً [الشعراء:103]، عظيمة تدل دلالة قطعية على أنه لا إله إلا الله، وعلى أن محمداً رسول الله، وعلى أن البعث والدار الآخرة حق لا بد منها.

    وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:103]، مع الأسف ما كان أكثر من نزلت هذه الآيات فيهم وهم يسمعونها بمؤمنين، بل ماتوا كفرة في بدر.. أكثر من سبعين واحداً منهم من هؤلاء الطغاة، وما كان أكثرهم مؤمنين، فالذي يسمع هذه الآيات ويفهمها كيف لا يؤمن؟ ولكن إذا كتب الله أزلاً أنه لا يؤمن فإنه لا يؤمن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن ربك لهو العزيز الرحيم)

    وَإِنَّ رَبَّكَ [الشعراء:104] يا رسول الله! يا نبي الله لَهُوَ الْعَزِيزُ [الشعراء:104]، الغالب الذي لا يغلب، القاهر الذي لا يقهر، العزيز الذي لا يمانع في شيء يريده أبداً، فلهذا سيذل أعدائه ويخلدهم في جهنم.

    الرَّحِيمُ [الشعراء:104] بأوليائه. العبد المؤمن إذا أذنب ذنباً ومات بدون توبة يرحمه الله ويخرجه من النار أو لا يدخله إياها؛ وذلك لصفاء روحه وطهارة قلبه؛ ولأن الله عزيز رحيم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات: قوله تعالى: فَكُبْكِبُوا [الشعراء:94]. بعد ذلك الاستفهام التوبيخي التقريعي الذي تقدم في قوله تعالى: وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ [الشعراء:92-93]، وفشلوا في الجواب ولم يجيدوه إذ هو غير ممكن، فأخبر تعالى عنهم بأنهم كبكبوا في جهنم] أي كبوا على وجوههم ودحرجوا فيها [ هم والغاوون ] جمع غاوٍ. أي: فاسد العقيدة والعمل[ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [الشعراء:95]، من أتباع الشيطان وأعوانه من دعاة الشرك ودعاة المعاصي ودعاة الجريمة في الأرض من الإنس والجن.

    قوله تعالى: قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ [الشعراء:96]، أي: وهم في جهنم يختصمون كل واحد يحمّل الثاني التبعة والمسئولية فقال المشركون لمن أشركوا بهم: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الشعراء:97]، أي: ظاهر بين لا يختلف فيه، وذلك إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:98]، عز وجل فنعبدكم معه.

    وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ [الشعراء:99]، وهم دعاة الشرك والشر والضلال الذين أجرموا على أنفسهم فأفسدوها وأجرموا علينا فأفسدوا نفوسنا بالشرك والمعاصي.

    وقوله تعالى: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:100-101]، هذا قولهم أيضاً.

    قرروا فيه حقيقة أخرى وهي أنه ليس لهم في هذا اليوم من شافعين يشفعون لهم عند الله تعالى لا من الملائكة ولا من الإنس ولا من الجن إذ لا شفاعة تنفع من مات على الشرك والكفر.

    وقولهم: وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:101]، أي: وليس لنا من صديق حميم تنفعنا صداقته وولايته.

    وقالوا متمنين بعد اليأس من وجود.. ] يوجدون فيه [ شافعين: فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً [الشعراء:102]، أي: رجعة إلى دار الدنيا فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:102]، فنؤمن ونوحد ونتبع الرسل عليهم السلام. وهذا آخر ما أخبر تعالى به عنهم من كلامهم في جهنم.

    وقوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ [الشعراء:103]، أي: المذكور من كبكبة المشركين والغاوين وجنود إبليس أجمعين في جهنم وخصومتهم فيها، وما قالوا وتمنوه، وحرمانهم من الشفاعة وخلودهم في النار، لَآيَةً [الشعراء:103] ] أي: في ذلك المذكور لَآيَةً [الشعراء:103]. [ أي: لعبرة لمن يعتبر بغيره.

    وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:103]، ولم يكن أكثر قومك يا رسولنا مؤمنين وإلا لانتفعوا بهذه العبر فآمنوا ووحدوا وأسلموا.

    وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:104]، أي: الغالب على أمره يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد الرحيم بعباده إن تابوا إليه وأخلصوا العبادة له يكرمهم في جواره في جنات النعيم ].

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير أن دعاة الزنا والربا والخرافة والشركيات من الناس هم من جند إبليس ].

    من جند إبليس والله: دعاة الربا والزنا والشرك والكفر والباطل والشر.. هم جند إبليس يعملون معه.

    [ ثانياً: تقرير أن المجرمين هم الذين أفسدوا نفوسهم ونفوس غيرهم بدعوتهم إلى الضلال وحملهم على المعاصي ].

    المجرمون من هم؟ الذين أجرموا أولاً على أنفسهم فأفسدوها بالشرك والكفر والذنوب والمعاصي، ثم أجرموا على غيرهم فحملوهم على الباطل والشر والخبث والفساد فهم مجرمون على أنفسهم وعلى غيرهم، ونبرأ إلى الله منهم ونعوذ بالله أن نكون منهم.

    [ ثالثاً: تقرير أن الشفاعة لن تكون لمن مات على الشرك والكفر ].

    كما علمتم: الشفاعة التي يعطيها الله من شاء من عباده، وأول من يشفع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الشفاعة لن تكون إلا للمؤمنين فقط، أما الكافرون.. أما المشركون.. أما الملاحدة.. أما العلمانيون.. أما المجوس وأما كذا.. فلا شفاعة لهم أبداً.

    هذه الشفاعة رحمة الله يرحم بها عباده المؤمنين الذين اضطروا إلى معصية من المعاصي أو ذنب من الذنوب وماتوا عليه قبل أن يتوبوا فاستوجبوا النار فيشفع لهم ويخرجهم.

    [ رابعاً:] وأخيراً [ لا تنفع العبر والمواعظ والآيات في هداية قوم كتب الله أزلاً شقاءهم وعلم منهم أنهم لا يؤمنون فكتب ذلك عليهم ]. وفي هذا تسلية للدعاة! يا داعي إلى الله عز وجل! اصبر على ما تدعو ولا تقل: ما استجاب الناس لي، فإن دعوتك ليست هي التي توجب الإيمان في قلوبهم، فأنت عليك أنت تدعو فقط وتبين الطريق في حكمة وعلم، وأما الهداية فبيد الله، ومن أراد الله هدايته هداه، ومن كتب شقاه وضلاله أشقاه وأضله، فما عليك إلا الصبر في دعوتك، وهذا موجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى لا يكرب ولا يحزن، جلس ثلاث عشرة سنة ولم يؤمن معه أكثر من خمسين واحداً، فاصبر وتحمل! وكل مؤمن في بيته مع إخوانه يدعو إلى الله يجب أن يصبر وأن يعلم أن الهداية بيد الله وليست بيده هو.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.