إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما رأى إبراهيم عليه السلام ما عليه قومه من العكوف على الأصنام، وعبادتها دون الواحد الديان، أنكر عليهم أن يعبدوا ما لا يسمعهم حين يدعون، ولا ينفعونهم ولا يضرون، إن يتبعون إلا سنن آبائهم الأولين، ثم أعلن براءته منهم ومن آلهتهم، وتوحيده لرب العالمين، الذي بيده شفاؤه إذا مرض، وبيده حياته وموته، والذي إليه يرجع الأمر كله، وبين يديه تقف الخلائق يوم الدين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ إبراهيم)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده )، وها نحن مع سورة الشعراء المكية، فتأملوا الآيات!

    قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء:69-82].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ [الشعراء:69]، من الآمر الذي قال: اتل؟ إنه الله جل جلاله وعظم سلطانه، منزل هذا القرآن العظيم على مصطفاه النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.

    قال له: اتل، ومعنى (اتل): اقرأ.. تلا يتلو تلاوة كقرأ يقرأ قراءة. اقرأ! على من؟ على أهل مكة المشركين فيها، وهم ينتسبون إلى إبراهيم ويدعون أنهم على دين إبراهيم، والواقع أنهم مشركون كافرون، فأمر تعالى رسوله أن يقرأ عليهم هذه الآيات؛ لعلهم يتوبون ويوحدون الله ويعبدونه وحده دون من سواه.

    وإبراهيم هو الأب الرحيم، وهو أبو الأنبياء، ابتلاه الله عز وجل بثلاث عظائم ونجح فيها ففاز الفوز الكبير، إذا قال تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة:124]، فاز بالإمامة لنجاحه في هذه الواجبات الثلاثة.

    أمره بثلاثة أمور فنهض بها وأداها، فتأهل لأن يكون إماماً:

    الأولى: هي دعوة أبيه وإخوانه وأسرته وأهل بلاده إلى التوحيد. وقد صدر حكمهم عليه بالإعدام بل بالإحراق بالنار، وأوقدوا ناراً وأججوها أربعين يوماً، ثم جاءوا بمنجنيق ووضعوه فيه ورموا به في ذلك الجحيم، وعرض له جبريل قبل أن يصل إلى النار التي رمي بها، فقال: ( هل لك يا إبراهيم حاجة؟ قال: أما إليك فلا، حسبي الله ونعم الوكيل) ، فصدر أمر الله تعالى إلى النار، فقال لها عز وجل: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، فوالله ما أحرقت إلا الكتاف الذي كان في يديه ورجليه، وخرج وهو يتفصد عرقاً ولم تأت النار عليه بشيء. فهذه الأولى.

    والثانية: الهجرة.. أمره ربه أن يهاجر تلك الديار ويخرج منها، فهاجر واتجه غرباً حتى انتهى إلى الديار المصرية مهاجراً في سبيل الله عز وجل.

    ثم مما ابتلاه به: أن أمره أن يبني له بيتاً وحده في ديار مكة.. في الوادي الأمين بين الجبلين، فقام ببناء البيت، ومن يقدر على أن يبني بيتاً بمفرده؟ ولكنه نهض به.

    وثالث التكاليف: كلفه بأن يذبح ولده إسماعيل.. إسماعيل ابن هاجر المصرية القبطية، لما بلغ السابعة من عمره أو أقل أمره أن يذبحه، فخرج به إلى منى ووضعه على الأرض والمدية في يده عازماً على تحقيق أمر ربه، ثم فداه الله عز وجل: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:107]، إذ وجد كبش إلى جنبه من أفضل أنواع الكباش وذبحه وترك ولده، فمن هنا كلف بهذه ونهض بها فأصبح إماماً للمسلمين أجمعين، قال تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [البقرة:124]، أي: بأوامر فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ [البقرة:124]. فمن هنا فإن إمام الأنبياء وأبوهم هو إبراهيم عليه السلام، وإبراهيم بالعربية: الأب الرحيم، وبالفارسية، (أب رهيم) إبراهيم، وبالعبرية إبراهيم، يعني: أب رحيم، وهو حق رحيم، ومن ثم ابتلاه الله بذبح ولده؛ لعظم الرحمة في قلبه، فابتلاه بأعظم ابتلاء أن اذبح إسماعيل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون)

    الآن قص علينا هذه القصة، فقال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: اقرأ على قومك في أهل مكة نبأ وخبر إبراهيم العظيم.

    والنبأ: الخبر العظيم.

    ما هو؟ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ [الشعراء:70]، إبراهيم يواجه أباه آزر ووالدته وقومه، يواجههم بهذه المواجهة، فيقول لهم: مَا تَعْبُدُونَ [الشعراء:70]؟ يستفهمهم حتى يقولوا ما يقولوا ثم يأتي بالحجج القاهرة الغالبة فيبطل دعواهم وما هم عليه من الشرك والباطل. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ [الشعراء:70]، بينوا لي ما تعبدون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين)

    فأجابوه قائلين: قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ [الشعراء:71].

    نَعْبُدُ أَصْنَامًا [الشعراء:71] تماثيل من الصنم.. من الحجر، وهي تمثل كواكب في السماء، وفي النهار يعكفون على هذه الأصنام وفي الليل يعكفون على النجوم؛ لأنهم يعبدون كواكب في السماء.

    في النهار لما تغيب النجوم بالضوء يعكفون حول هذه التماثيل.. الأصنام التي تمثل آلهتهم، وفي الليل يعكفون حول تلك الكواكب التي ألهوها ويعبدونها.

    أجابوه قائلين: نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا [الشعراء:71] أي: كامل النهار عَاكِفِينَ [الشعراء:71] حولها، وبالفعل يعكفون حولها، ويجلسون، ويدعون ويستغيثون ويسألون؛ لأنهم ما عرفوا فهم يعبدون غير الله..

    يعبدون هذه الأصنام التي تمثل آلهة في نظرهم.

    سألهم فأجابوه بصدق: قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ [الشعراء:71] طوال النهار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال هل يسمعونكم إذ تدعون ...)

    فأجابهم الخليل قائلاً: قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ [الشعراء:72] لما تنادونهم وتدعونهم وتستغيثون بهم هل يسمعونكم؟ لا يستطيعون أن يقولوا: يسمعون.. ما عرفوا.

    أين آذانهم؟ أين أرواحهم حتى يسمعون؟!

    هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ [الشعراء:72]، قطعاً الجواب: لا. أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ [الشعراء:73]، إن طلبتم منهم النفع.. طعاماً أو شراباً أو كساء أو شيئاً من الأشياء التي أنتم في حاجة إليها؟ هل يحصل ذلك منهم؟ هل يقدمون لكم شيئاً؟ الجواب: لا.

    أَوْ يَضُرُّونَ [الشعراء:73]. هل يدفعون عنكم الضرر؟ وإن لم تدعوهم هل يستطيعون أن يضروكم ويقدروا على أن يؤذوكم بأي أذى؟ الجواب: لا.

    إذاً: ما السر؟ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [الشعراء:74]، ما عندنا حجة أبداً إلا أننا وجدنا آباءنا وأجدادنا يفعلون هذا فنحن نفعل.

    ما عندهم أي دليل ولا برهان ولا حجة على جواز عبادة هذه الأصنام، وما هو إلا التقليد الأعمى فقط، والمفروض كانوا من الآن يستجيبون ويدخلون في الإسلام، ولكن الشياطين استولت على قلوبهم فحملتهم على الشرك والمواظبة عليه إلى الموت والعياذ بالله.

    هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ [الشعراء:72]، الجواب: لا، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ [الشعراء:73]، الجواب: لا، أَوْ يَضُرُّونَ [الشعراء:73]، الجواب: لا، لا يدفعون الضرر ولا يضرونكم بأنفسهم قَالُوا [الشعراء:74]، إذاً: بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [الشعراء:74]، فالمراد من آبائهم: آباءهم وآباء آبائهم وأجدادهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [الشعراء:74]، فنحن نفعل.. نعكف حول هذه الأصنام في النهار وفي الليل نعكف حول الكواكب أيضاً نعبدها كما كانوا يفعلون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون ...)

    هنا قَالَ [الشعراء:75] الخليل عليه السلام أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ [الشعراء:75]، أخبروني.

    أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:75-77].

    أخبرهم بالواقع: أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ [الشعراء:75-76]، من الجدود والأجداد فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:77]، كونهم عدو له؛ لأن العدو هو الذي يقف في جانب وأنت في جانب، واقف في عدوة وأنت في عدوة، فعدوك الذي لا يتصل بك ولا تتصل به، لا ينفعك ولا تنفعه، ولا يضرك ولا تضره، بعيداً عنه، عداوة هكذا.. وهو يعني عداوة يوم القيامة، إذا كل من عبد غير الله سواء عبد ملكاً أو نبياً أو ولياً أو صنماً أو كوكباً أو أي مخلوق يوم القيامة يتبرأ من عابديه، يوم القيامة كل معبود من دون الله يتبرأ من عابديه والعياذ بالله تعالى، ومن ثم يؤخذون إلى جهنم.

    وإبراهيم يصرح أن هؤلاء أعداء له يوم القيامة إذ يتبرءون من عابديهم، فلهذا أنا لا أعبدهم ولا أقول بجواز عبادتهم؛ لأنهم يتبرءون من عابديهم يوم القيامة ويلعنونهم: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18]، ما أذنا لكم بعبادتنا ولا طلبناها منكم، ولهذا أصبحوا أعداء لهم.

    هكذا يقول الخليل عليه السلام: أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:75-77]، فهو وليي وأنا وليه، ليس بعدوي ولا أنا عدوه، وإنما أنتم أعداء الله عز وجل الذين عبدتم غيره ودعوتهم غير ورهبتم غيره وأحببتم سواه.. أنتم أعداءه، وأنا أبرأ إلى الله أن تكونوا أولياء لي بل الله هو وليي وهو الذي أعبده ولا أشرك به غيره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين)

    ثم بين لهم آيات المعجزات.. الآيات التي تدعو إلى أن يعبد الله وحده، فقال عليه السلام في بيان صفات ربه: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء:78]. من خلق إبراهيم؟ الله.

    هل هي تلك الأصنام والأحجار؟ الجواب: لا. هل هي الكواكب في السماء؟ لا. من خالق إبراهيم؟ هو الله جل جلاله وعظم سلطانه.

    الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء:78]، لما فيه سعادتي وكمالي، فهو يهديني للعبادة التي تزكي النفس وتطهر الروح وتقربني من ربي وتجعلني من أوليائه وصالح عباده.

    الله الذي خلقني فهو الذي يتولى هدايتي فيهديني إلى الطريق المستقيم المنجي المسعد في الدنيا والآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذي هو يطعمني ويسقين)

    ثم قال تعالى: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء:79]، هذا وليي وأنا وليه وأنتم عاديتموه وتقربتم إلى الأصنام والأحجار التي لا تملك نفعاً ولا ضراً، ولا تعطي ولا تمنع أبداً.

    الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء:78-79]، هو تعالى يطعمنا ويسقينا.

    هل نحن خلقنا الطعام؟ من منا خلق حبة شعير أو رأس بصل مثلاً؟ من خلق الأطعمة والأشربة؟ من هدى إليها؟ من وفق إلى استعمالها؟

    الله عز وجل الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء:79]. (يُطْعِمُنِي)، يوجد لي طعاماً ويهديني لسقية ماء أو لبن أو عسل ويعنيني على ذلك، ويفقني إلى استعماله، فهو الذي يطعمني حقاً ويسقيني.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا مرضت فهو يشفين)

    ثم قال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80]، وإذا أصابني سقم أو أوجاع في جسمي من يشفيني؟ اللات والعزى؟ الأصنام والأحجار؟ التماثيل؟ الكواكب؟ الجواب: لا. ليس إلا الله عز وجل وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذي يميتني ثم يحيين)

    ثم قال: وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء:81]، والذي يميتني وسوف أموت كما مات آباؤكم وأجدادكم وكما تموتون أنتم، فكل حي منا سيموت، والله هو الذي يميتني وبعد إماتتي يحييني للحساب والجزاء يوم القيامة.

    هكذا يعرفهم بالله من طريق هذا الأسلوب، فما قال لهم: الذي خلقكم فهو يهديكم، ولا هو الذي يطعمكم ويسقيكم، والذي إذا مرضتم فهو يشفيكم، بل نسب ذلك إليه ليفهموا ويعوا لماذا وقف إبراهيم هذه الوقفة وحده وكفر بآلهتهم وأصنامهم وأعرض عنها وعاداها وانتسب فقط إلى ربه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين)

    ثم قال: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء:82]. أي: والذي أرجوه أن يغفر لي خطيئتي التي أخطأتها والإثم الذي ارتكبته.

    يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء:82]، يوم الجزاء .. يوم القيامة.

    وهنا ما خطيئة إبراهيم؟ عرفنا أنها ثلاثة أخطاء:

    الخطأ الأول: لما امتحن قومه ودعاهم إلى التوحيد وهم يعبدون الأصنام كما قال تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:88-89]، متى هذا؟ لما أراود الحفل العام والعيد العظيم، هذا الحفل وهذا العيد في السنة مرة -مثلاً- أو مرتين، ويضعون ألوان الأطعمة من لحوم وغيرها وحلويات بين يدي الأصنام ويخرجون إلى الساحة للحفل، فإذا رجعوا أكلوا تلك الأطعمة بدعوى أن الآلهة باركت فيها، فدعوا إبراهيم إلى أن يخرج معهم إلى الحفل العظيم، فقالوا: غداً الحفل فهل تخرج معنا يا إبراهيم؟

    ففكر كيف يفعل كيف يعتذر فرفع رأسه إلى السماء وقال: إني سقيم: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:88-89]، أي: مريض لا أستطيع أن أخرج، ففهموا أنه يعبد معهم أصنامهم، فما ذبحوه ولا آذوه.. فهذه خطيئة: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:88-89]، فهموا أنه يعبد معهم النجوم، وأنه طلب من النجوم أن تأذن له بالبقاء؛ لأنه مريض، وما فعل هذا هو إلا من أجل إذا خرجوا من المدينة يأوي إلى أصنامهم فيكسرها ويحطمها عن آخرها، وبالفعل خرجوا ولم يبق في البلد أحد إلا إبراهيم فدخل على آلتهم فحطمها بفأس.. كسرها كاملة.

    إذاً: هذا هو الخطأ الأول -كما قلنا- لما قال: إني سقيم، اعتبرها كذبة وخطيئة.

    الثاني: لما كسر الأصنام وحطمها وضع الفأس الذي كسر به الأصنام وربطه بأكبر صنم؛ لأن التماثيل تتفاوت في العظم، فأعظمها ربط فيه الفأس، فلما جاءوا يجرون ليأخذوا الحلويات والأطعمة التي وضعوها بين يدي الآلهة لتباركها وجدوها مهشمة محطمة، ووجدوا الفأس معلق فيها: قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:59]، فقال بعضهم: سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء:60].

    سمعنا شاباً يذكر آلهتكم بدون رضا، ليس براض عنها ولا يرغب فيها، وقد يكون هو الذي فعل هذه الفعلة، سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ [الأنبياء:60-61]، وبالفعل طلبوا إبراهيم وجاءوا به قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء:62]، أنت الذي حطمتها وكسرتها؟ فأجابهم قائلاً: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:63]، وهو يشير إلى أصبعه ويشير إلى الصنم، ففهموا أن الإله الأكبر هو الذي كسر وحطم الآلهة.. هذه اعتبرها خطيئة فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء:63-67].

    إذاً: قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ [الأنبياء:68]، فحكموا بإعدامه.

    الخطأ الثالث: لما نجاه الله من القتل خرج معه زوجته سارة وابن أخيه لوط عليهم السلام.. خرجوا ثلاثة أنفار من أرض بابل بالعراق متجهين نحو الغرب.. نحو الشام ومشوا والبلاد كلها شرك وكفر حتى انتهوا إلى الديار المصرية.. بعد سنة .. سنتين .. بعد أشهر من سياحة الهجرة، ودخل الديار المصرية مع زوجته سارة وأما لوط فبقي هناك في الشام فلما شاهدوا الفتاة جميلة قالوا لملك مصر: إن امرأة من أجمل النساء لا تصلح إلا لك، جاءت مع زوجها مهاجرة من بلد كذا.

    قال: إذاً ائتوني بها، فلما أردوا أن يأخذوا هاجر من إبراهيم قال لها: يا سارة إذا سألك هذا الطاغية عني فلا تقولي زوجي وقولي أخي.. كذبة، قولي أخي ولا تقولي زوجي، لأنها لو قالت: زوجي، لقال: اقتلوه، فلا يتزوجها وزوجها حي، بل اقتلوه نتخلص منه ونتزوجها.

    قال: لكن قولي أخي وأنا أخوك؛ إذ لا يوجد على هذه الأرض أخ مؤمن إلا أنا وأنت فقالت: أخي. فأخذوها. وكانت المعجزة الكبيرة بعد ما أحسنوا ثيابها و.. و.. رفعوا قدرها وتجلس إلى السرير على جنب الملك، فيريد أن يمسها ليلاطفها، فوالله ما يمد يده حتى تصاب بالشلل الفوري .. خمس مرات، كلما يريد أن يلامسها أو يضع يده عليها تيبس يده يبوسة كاملة، وبعدما أيس قال: أخرجوها! أتيتموني بشيطان ما أتيتموني بإنسانة أخرجوها عني.

    وشاء الله أن يهب لها جارية تخدمها، وأن يهبها ما ألبسها وما أعطاها كرامة لها، وجاءت إلى إبراهيم ومشت معه إلى ديار الشام، والشاهد عندنا أن إبراهيم عليه السلام اعتبرها هذه خطيئة.

    إذاً: ثلاث كذبات:

    الأولى: لما قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89].

    والثانية: لما قال: فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:63]، يشير بأصبعه.

    والثالثة: قولي أخي ولا تقولي زوجي. هذه الخطيئة التي يقول إبراهيم: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي [الشعراء:82]، التي ارتكبتها يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء:82]، يوم الجزاء والحساب.. يوم القيامة.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات ] تأملوا يفتح الله عليكم [ هذا بداية قصص إبراهيم عليه السلام. والقصد منه] القصد من هذا العرض.. من هذا القصص هو [ عرض حياة إبراهيم الدعوية على مسامع قريش قوم محمد صلى الله وعليه وسلم؛ علهم يتعظون بها فيؤمنوا ويوحدوا فيسلموا ويسلموا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ]. الهدف من هذا القصص مرة ثانية: يعرض على مشركي مكة لعلهم يتعظون فيؤمنوا ويوحدوا فيسلموا قلوبهم لله ويسلموا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

    [ فقال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ [الشعراء:69]، أي: اقرأ] يا محمد صلى الله عليه وسلم [ على قومك من قريش خبر إبراهيم، في الوقت الذي: قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ [الشعراء:70]] أي: إبراهيم [ مَا تَعْبُدُونَ [الشعراء:70]، مستفهماً إياهم ليرد على جوابهم، وهو أسلوب حكيم في الدعوة والتعليم يسألهم ويجيبهم بناءً على مقتضى سؤالهم، فيكون ذلك أدعى للفهم وقبول الحق.

    قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا [الشعراء:71] أي: في صور تماثيل، فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ [الشعراء:71]، فنقيم أكثر النهار عاكفين حولها نتقرب إليها ونتبرك بها خاشعين خاضعين عندها ] وهو كذلك، ومع الأسف حصل هذا للمسلمين في قرون الجهل فأصبحوا يعكفون حول أضرحة الأولياء كعكوف قوم إبراهيم.

    والله بعيني أشاهد مجموعة حول الضريح عاكفون والله العظيم؛ لأنهم ما قرءوا القرآن ولا تدارسوه ولا اجتمعوا عليه، فالقرآن يقرءونه على الموتى فقط، ولو قرءوا هذه الآية فإن نفوسهم تنفر من ذلك فكيف يعكفون على قبر

    القبر السنة إذا مررت به تقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اللهم اغفر له وارحمه. فلا نجلس نتبرك وندعو ونتمسح بتربته والعياذ بالله.

    [ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا [الشعراء:71] أي: في صور تماثيل، فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ [الشعراء:71]، مقيمين أكثر النهار عاكفين حولها نتقرب إليها ونتبرك بها خاشعين خاضعين عندها.

    ولما سمع جوابهم] لما سمع إبراهيم عليه السلام جوابهم [ وقد صدقوا فيه] ما كذبوا، قالوا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ [الشعراء:71] [ قال لهم: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ [الشعراء:72]، أي: إذ تدعونها أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ [الشعراء:73] إن طلبتم منهم منفعة أَوْ يَضُرُّونَ [الشعراء:73]، إن طلبتم منهم أن يضروا أحداً تريدون ضره أنتم؟ فأجابوا قائلين في كل ذلك لا. وإنما وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [الشعراء:74]] ما عندنا حجة إلا هذه [ ففعلنا مثلهم اقتداءً بهم واتباعاً لطريقتهم.

    وهنا صارحهم إبراهيم] بماذا؟ [ بما يريد أن يفهموه عنه] ويعقلوه ويعرفوه [ فقال: قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ [الشعراء:75-76]، الذين هم أجدادكم الذين ورث عنهم آباؤكم هذا الشرك والباطل، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي [الشعراء:77]، أي: أعداء لي وذلك يوم القيامة إن أنا عبدتهم] اليوم [معكم ] يوم القيامة يكونون أعداء لي، وقد بينت لكم: أنه أيما معبود يوم القيامة لا يعترف بأن فلان عبده لا عيسى ولا مريم ولا موسى ولا عبد القادر ولا أي إنسان عبد، لا يستطيع أن يقول: رب هؤلاء عبدوني أبداً، بل يكذبهم.

    [ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي [الشعراء:77]، أي: أعدائي، وذلك يوم القيامة إن أنا عبدتهم معكم] كما تعبدونهم [ لأن كل من عبد من دون الله يتبرأ يوم القيامة ممن عبده ويعلن عداوته له] لماذا يعلن عداوته له؟ [ طلباً لنجاة نفسه من عذاب الله عز وجل.

    وقوله: إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:77]، فإنه لا يكون عدواً لمن عبده، بل يكون ودوداً له رحيماً به. إذاً: ألا فاعبدوه يا قوم واتركوا عبادة من يكون عدواً لكم يوم القيامة ]، فاعبدوا الله الذي يكون ودوداً رحيماً لكم يوم القيامة واتركوا عبادة من يكون عدواً لكم يوم القيامة.

    [ ثم أخذ إبراهيم يذكر ربه ويثني عليه ويمجده تعريفاً به وتذكيراً لأولئك الجهلة المشركين، فقال: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء:78]] الأصل: يهديني.. ويشفيني، ولكن حذفت الياء للتخفيف؛ لتكون الآيات على هذا السجع [ أي: إلى طريق نجاتي وكمالي وسعادتي وذلك ببيانه لي محابه تعالى التي يحبها من الاعتقادات والأقوال والأفعال والصفات والذوات فأحبها، وليبين لي مساخطه التي يكرهها لأتجنبها.

    وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء:79]، أي: يغذوني بأنواع الأطعمة ويسقيني بما خلق ويسر لي من أنواع الأشربة من ماء ولبن وعسل.

    وَإِذَا مَرِضْتُ [الشعراء:80]، بأن اعتل جسمي وسقم فَهُوَ [الشعراء:80]] أي: الله لا غيره [ يَشْفِينِ [الشعراء:80] .

    وَالَّذِي يُمِيتُنِي [الشعراء:81]، يوم يريد إماتتي عند انتهاء ما حدد لي من أجل تنتهي به حياتي.

    ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء:81]، يوم البعث والنشور] يوم القيامة والجزاء [ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي [الشعراء:82]، أي: يسترها ويمحو أثرها من نفسي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء:82]، أي: يوم الجزاء والحساب على عمل الإنسان في هذه الدار إذ هي دار عمل والآخرة دار جزاء.

    وإذا قيل ما المراد من الخطيئة التي ذكرها إبراهيم بنفسه فالجواب: إنها الكذبات الثلاث التي كانت لإبراهيم طوال حياته الأولى ].

    عاش إبراهيم مائة وعشرين سنة وما كذب إلا ثلاث كذبات، وهي والله ما هي بكذبات بالنسبة إلينا هي الصدق بعينه، لكن سماها كذبات.

    قال: [ وإذا قيل ما المراد من الخطيئة التي ذكر إبراهيم لنفسه فالجواب: إنها الكذبات الثلاث التي كانت لإبراهيم طوال حياته: الأولى قوله: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89]. والثانية: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:63]. والثالثة: قوله لـسارة : قولي للطاغية: إنه أخي ولا تقولي إنه زوجي.

    هذه الكذبات التي كانت لإبراهيم فهو خائف منها يوم القيامة لما تطلب منه البشرية الشفاعة عند ربها يذكر هذه الكذبات ويقول: إنما أنا من وراء وراء فاذهبوا إلى موسى ].

    أذكركم أننا في ساحة فصل القضاء والبشرية كلها على وجه الأرض، وطالت مدة الوقوف، فيسألون من يسأل الله لهم الشفاعة حتى يقضي بينهم ويدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، فلا يجدون من.. فيقولون: ( اذهبوا لآدم، فيأتون آدم عليه السلام: أنت خلقك الله بيديه ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته فاطلب منه يقضي بيننا طال قيامنا في الموقف، فيعتذر آدم ويقول: كيف أخاطبه وقد أمرني بشيء وتركته، نهاني عن شيء ففعلته يذكر خطيئته التي أكل من الشجرة في الجنة، ولكن عليكم بنوح، فيأتون نوحاً عليه السلام فيعتذر ويذكر دعوته: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح:26]، فيستحي من الله ويخجل فيقول: عليكم بإبراهيم فيأتون إبراهيم عليه السلام فيذكر هذه الخطيئة ويقول: أنا كذبت ثلاث مرات فكيف أخاطب ربي؟ أذهبوا إلى موسى عليه السلام، فيعتذر موسى ويقول: أنا قتلت قبطياً، وبالفعل قتل خطأ ما نستطيع أن نكلم ربي، اذهبوا إلى عيسى إلى روح الله، فيأتون عسى فلم يذكر خطيئة قط) عيسى عاش ثلاثة وثلاثين سنة وسيعيش بعد هذا ثلاثين سنة أخرى وفي عمر ثلاثة وستين سنة كعمر نبينا صلى الله عليه وسلم، ما أخطأ خطيئة وما ذكر ذنباً في ثلاث وثلاثين سنة، ومع هذا يقول: ( عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فيأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها.. أنا لها.. أنا لها) لأن الله وعده بها: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79] الذي تحمد عليه بين أهل الأرض كلهم. والشاهد عندنا: أن إبراهيم ذكر هذه الكذابات الثلاث. إذاً: هذه الكلمات التي كانت لإبراهيم فهو خائف منها يوم القيامة لما تطلب البشرية منه الشفاعة عند ربها يذكر هذه الكلمات، ويقول: [ إنما أنا من وراء وراء فاذهبوا إلى موسى، ألا فليتعظ المؤمنون الذين كذبهم لا يعد كثرة ]. ألا فليتعظ المؤمنون الذي كذب كذبهم لا يحسب ولا يعد لكثرته والعياذ بالله تعالى.

    ومعنى هذا: لا نكذب عباد الله أبداً، ومن كذب في الماضي يستغفر الله ويتوب إليه، ولا نكذب أبداً ما حيينا؛ لأن الكذب والعياذ بالله من أشد أنواع الظلم والإثم.

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات:

    أولاً: تقرير النبوة المحمدية بذكر هذا القصص ]. ذكر هذا القصص الذي كان بين الرسول وبينه أكثر من ثلاثة ألاف سنة أو أربعة آلاف سنة، هذا القصص يدل على أن محمداً رسول الله.

    والله العظيم لو لم يكن رسول الله فمن أين له هذا الكلام؟ وكيف له أن يقص هذا القصص؟

    هل عاش مع إبراهيم؟ الزمان طويل. فهذا القصص يقرر ويثبت ويؤكد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم آمن من آمن من العرب ودخل في الإسلام بهذه الهداية.

    [ ثانياً: تقرير التوحيد بالحوار الذي دار بين إبراهيم إمام الموحدين وقومه المشركين ]. ولهذا دعاة التوحيد اليوم في العالم الإسلامي يقررون لأمة الإسلام: لا يعبد نبي ولا ولي، فضلاً عن شجر أو حجر، فلا إله إلا الله، لا ندعو ولا نسأل ولا نستغيث ولا نرفع أكفنا ولا رءوسنا إلا إلى ربنا.

    لا نحلف بغير الله ولا نستغيث بغير الله ولا ننذر ولا نعبد غير الله أبداً؛ لأننا أهل لا إله إلا الله.

    ومن رأى من إخوانه من يستغيث بالأولياء يا سيدي فلان.. يا مولاي فلان! فليقل له: اتق الله يا عبد الله، هذا الميت ما يسمعك، ما يستجيب لك.

    إبراهيم قال: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ [الشعراء:72]، هل: يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ [الشعراء:73]، لو تقف على قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أربعة وعشرين ساعة: يا رسول الله إني جائع! يا رسول الله إني مريض! يا رسول الله إني كذا. والله ما يسمعك ولا يعطيك شيئاً ولا يرفع عنك شيئاً أبداً، وقد أخطأت أكبر خطيئة، تركت العليم الحكيم.. السميع العليم.. الله الذي لا إله إلا هو والتفت إلى عبد من عباده تدعوه.

    أي زلت أعظم من هذه الزلة؟ اسمعوا رسول الله عليه وسلم قال له مؤمن يحدثه: (ما شاء الله وشئت يا رسول الله، فقال: قل ما شاء الله وحده، ما زدت أن سويتني بالله، وجعلتني لله نداً ).

    فكيف يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تقول: يا رسول الله! إني مريض أو إني غريب، أو أني كذا.. وادع الله لي كذا وكذا.

    هذا كله من الشرك والعياذ بالله، فالذي يجيب الدعاء ويسمعه واحد هو الله فوق سماواته.. فوق عرشه يسمع ما تقول ويرى ما تفعل، كما قالها موسى: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]

    [ ثالثاً: بيان أن كل من عبد معبود غير الله تعالى سيكون له عدواً لدوداً يوم القيامة ].

    الذين عبدوا عبد القادر بالذبح والنذر والله ليكون لهم غداً يوم القيامة عدواً لهم، ولا يعترف لهم بأنهم نادوه ولا ذبحوا له ولا حلفوا به.

    وقد قال إبراهيم: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:77]، أي: كل معبوداتكم.

    [ رابعاً: بيان أن العكوف على الأضرحة والتمرغ في تربتها وطلب الشفاء منها شرك ] والعياذ بالله تعالى.

    وصاحبه إن لم يتب لا ينج من النار؛ لأن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    [ خامساً: بيان الأسلوب الحكيم في الدعوة إلى الله تعالى من طريق السؤال والجواب ]، فإبراهيم كان يسأل ويجيب.

    والله تعالى نسأل أن يجعلنا من محبي إبراهيم وأتباع إبراهيم، ونبي الأميين محمد صلى الله عليه وسلم.