إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد الموقعة العظيمة بين موسى والسحرة، وما آلت إليه من إيمانهم واتباعهم لموسى، أمر الله نبيه أن يسري ببني إسرائيل ليخرج بهم من أرض الظالمين، فأبى طغيان فرعون عليه إلا أن يخرج في أثرهم، فأنجى الله نبيه ومن معه من المؤمنين، واستدرج فرعون وجنوده فأغرقهم في البحر أجمعين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده )، وها نحن مع سورة الشعراء المكية، فتأملوا الآيات!

    قال تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:52-68].

    قوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا [الشعراء:52] من المخبر بهذا الخبر: وَأَوْحَيْنَا [الشعراء:52]؟ من هو المتكلم؟

    الجواب: الله ربنا جل جلاله وعظم سلطانه يخبر فيقول: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ [الشعراء:52].

    متى تم هذا؟ لما انهزم السحرة وخروا ساجدين ودخلوا في الإسلام، وأصابت فرعون هزيمة ما لها نظير ولا مثيل، فأخذ يجمع جيوشه ورجاله ليقاتلوا بني إسرائيل مع موسى.

    لما حصل ذلك وتم أوحى الله إلى موسى: أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي [الشعراء:52] من الديار المصرية.. اخرجوا إلى ديار فلسطين أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ [الشعراء:52].

    وخرج فرعون بجيوشه أكثر من مائة ألف يريدون القضاء على بني إسرائيل لما انهزم أمام الحفل العظيم ورجال السحر الذين كان يعول عليهم فأسلموا وسجدوا لله رب العالمين، فأمر بالجيوش أن تخرج إلى قتال موسى وبني إسرائيل؛ فأخبرهم تعالى بذلك فقال: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ [الشعراء:52] والمراد من عباده: بنو إسرائيل الذين عاشوا في مصر أربعمائة سنة وعددهم ستمائة ألف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ...)

    ثم قال تعالى: فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء:53] يجمعون القوات. والمدائن كثيرة مئات المدن في الديار المصرية وبالفعل حشروهم وجمعوهم لقتال موسى وبني إسرائيل: فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ [الشعراء:53] جمع مدينة حَاشِرِينَ [الشعراء:53] جامعين رجال والقوات، وقال: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [الشعراء:54].

    يقول فرعون عليه لعائن الله: إِنَّ هَؤُلاءِ [الشعراء:54] أي: بني إسرائيل لجماعة أو طائفة قليلة لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [الشعراء:54] لا قيمة لهم.

    لماذا قال هذا؟ ليشجع جيوشه؛ إذ جمع من البلاد ما شاء الله أن يجمع، قيل: أكثر من مائة ألف مقاتل، وقال لهم مشجعاً: إِنَّ هَؤُلاءِ [الشعراء:54] الذين فعلوا ما فعلوا وخرجوا من دياركم لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ [الشعراء:54-55] أغاظونا وأكربونا وأحزنونا لما انهزمنا على أيديهم.. صرح بهذا فرعون وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ [الشعراء:55]. ثم قال: وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [الشعراء:56] هكذا ينفخ روح الهول في الشعب المصري.. في الأقباط وَإِنَّا لَجَمِيعٌ [الشعراء:56] خائفون من هذا الرجل الذي فعل هذا الفعل وخرج من البلاد فقد يرجع إليها ويستعمرها ويستغلها.

    إذاً: هذا كلام فرعون في جيشه قال: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [الشعراء:54] أي: طائفة وجماعة قليلة لا قيمة لها، قال ذلك ليشجع المقاتلين.

    وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ [الشعراء:55] أكربونا بما فعلوا بانتصارهم الذي انتصروه. وَإِنَّا [الشعراء:56] أنا وأنتم لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [الشعراء:56] من هؤلاء أن يتسلطوا علينا ويبيدوننا أو يتحكمون فينا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأخرجناهم من جنات وعيون ...)

    ثم قال تعالى: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الشعراء:57] أي: أخرجنا فرعون وجيشه من الديار المصرية من جنات وبساتين وعيون.

    وَكُنُوزٍ [الشعراء:58] تحت الأرض من الذهب والفضة وَمَقَامٍ كَرِيمٍ [الشعراء:58] لأنهم كما سيأتي لما خرجوا وراء موسى وضرب موسى البحر فانفلق ودخل بنو إسرائيل وقبل أن يخرجوا دخل فرعون بجيشه فلما توسطوا في البحر أطبق الله عليهم البحر؛ فأخرجهم الله من جناتهم وعيونهم وكنوزهم التي كانت تحت الأرض.

    قال تعالى: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الشعراء:57] الجنات جمع جنة.. بساتين. والعيون هي التي تسقى بها. والكنوز: ما كانوا يدفنونه تحت الأرض من الذهب والفضة.

    أما العملة فالمتعامل بها هذه أطمسها الله عز وجل بدعوة موسى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ [يونس:88] فحصل ذلك واستجاب الله تعالى الدعوة.

    أما الكنوز فتحت التراب تركوها كذلك: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ [الشعراء:57-58] من ديارهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذلك وأورثناها بني إسرائيل)

    ثم قال تعالى: كَذَلِكَ [الشعراء:59] فعلنا وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:59] إذ بنو إسرائيل رجع من رجع منهم واستولى على الديار المصرية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأتبعوهم مشرقين)

    قال: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [الشعراء:60] جاءوا يتبعون بني إسرائيل مع الصباح.. مع الإشراق فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [الشعراء:60].

    من الذين أتبعوا؟ جيش فرعون اتبعوا بني إسرائيل وهم في طريقهم إلى أرض القدس.. فلسطين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون ...)

    ثم قال تعالى: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61].

    فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ [الشعراء:61] مشوا وكادوا يصلون إليهم بعد أن رأوهم بأعينهم.. بنو إسرائيل والعدو. بنو إسرائيل ستمائة ألف من نساء وأطفال ورجال والجيش الفرعوني مائة ألف مقاتل.

    فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] لأنهم ليسوا بشجعان عاشوا في الاستعمار والإهانة والاضطهاد، ودعوة موسى ما أثرت فيهم التأثير الكامل بعد، وهم آمنوا حقيقة وأسلموا لكن بقيت فيهم نظريات فاسدة، من هذه النظريات أن قالوا: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61]. حلفوا أن فرعون سيصل إليهم وسيدمرهم ويقتلهم، وما من حقهم هذا.

    قال أصحاب موسى لموسى عليه السلام وهو قائدهم وإمامهم: إنا لمدركون.. سيدركنا جيش فرعون ويبيدنا ويدمرنا، فأجابهم موسى عليه السلام بقوله: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]. كلا لن يصلوا إلينا ولن يدركونا ولن.. ولن.

    لماذا؟ قال: إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]، أي: فإن معي ربي جل جلاله وعظم سلطانه، خالقي ورازقي؛ سيهديني إلى النجاة من هذه الجيوش الجرارة التي لحقتنا، وفعل الله عز وجل.

    إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] هذه معية الله، وهو فوق عرشه وبائن من خلقه ولكنه بقدرته وعلمه مع موسى عليه السلام.

    إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] إلى ما فيه نجاتكم وخلاصكم من هذه الفتنة وهذه الجيوش الجرارة الذي أقدمت عليكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ...)

    هنا قال تعالى: فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:63].

    فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى [الشعراء:63] بواسطة الإعلام الإلهي الخفي، أو بواسطة جبريل عليه السلام.

    الإيحاء والوحي: إعلام خفي إما بالواسطة أو بدون واسطة؛ إذ يلقي الله في روح النبي أو الرسول فيفهم عن الله كلامه بدون واسطة، أو يبعث جبريل، أو إسرافيل، أو ميكائيل يبلغ.. هنا بعض جبريل.

    فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى [الشعراء:63] بم أوحى الله إليه؟ ماذا يفعل؟

    قال: أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ [الشعراء:63] لما تصلون إلى حافة البحر اضرب بالعصا باسم الله، والله أكبر ينفلق البحر وادخلوا، وكان ذلك البحر هو البحر الأحمر.

    إذاً: فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ [الشعراء:63] فضرب بالفعل طاعة لله عز وجل فانفلق البحر فلقتين في الارتفاع كالجبل الأعظم جبل من هنا وجبل من هنا وفي تلك الفجوة اثنا عشر طريقاً بحيث تتسع لبني إسرائيل وهم اثنتا عشرة قبيلة كل قبيلة تمشي وحدها.

    لا يقدر على هذا إلا الله.. انفلق البحر اثنتي عشرة فلقة، أولاً انفلق فلقتين عظيمتين فانحسم الماء من هنا وهنا وبقيت الأرض.. هذه الأرض التي ما رأت الشمس إلا تلك المرة.

    لو قيل لك: ما هي الأرض التي لم تر الشمس إلا مرة واحدة فقل لهم: الأرض التي في البحر الأحمر.

    ضرب موسى بالعصا فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:63] أي: الجبل العالي الرفيع، انفلق البحر هكذا وفي وسط الأرض هذه طرق حتى لا يصطدم بنو إسرائيل بعضهم ببعض.. هذا السبيل الفلاني وهذا السبيل الفلاني؛ حتى يخرجوا من البحر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأزلفنا ثم الآخرين)

    ثم قال تعالى: وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ [الشعراء:64] أغرقنا مائة ألف جندي من الجنود الفرعونيين.

    أزلفناهم في ذلك البحر؛ لأنهم لما شاهدوا البحر قد انفلق وبنو إسرائيل ماشون مشوا وراءهم فما إن نجا بنو إسرائيل وخرجوا من البحر والآخرون ما وصلوا بعدهم حتى أطبق الله البحر عليهم، وهكذا أهلكهم أجمعين اللهم إلا فرعون؛ لأن الضعفة يقولون: فرعون لا يغرق ولن يكون معهم وسوف يسلط علينا رجاله.. نريد علامة على أن فرعون أهلكه الله؟!

    فشاء الله عز وجل أن تلقي به المياه على سطح الماء إلى شاطئ البحر فيمرون به ميتاً.

    لما كان بنو إسرائيل متعودين على الخوف والفزع والهلع فقد قضوا أربعمائة سنة وهم في خوف، إذاً خافوا أن يكون فرعون ما مات فيعود إليهم ويؤدبهم.

    إذاً: فشاء الله أن يلقي به البحر.. فأهلكهم الله أجمعين إلا فرعون نجاه الله من البحر ولكنه ميت يشاهدونه بأعينهم.

    وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ [الشعراء:64] ثَمَّ أي: في البحر الآخَرِينَ [الشعراء:64] وهو جيش فرعون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ...)

    قال تعالى: وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ [الشعراء:65] يخبر تعالى أنه أنجى ونجى موسى ومن تبعه أجمعين نساءً ورجالاً وأطفالاً.

    وفيه: إشارة إلى أن بعض المسلمين من الأقباط كان مع موسى ممن آمنوا كالسحرة وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ [الشعراء:65-66].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين)

    ثم قال تعالى في ختام هذا القصص: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:67].

    إِنَّ فِي ذَلِكَ [الشعراء:67] إن في ذلك الذي سمعتموه لَآيَةً [الشعراء:67] علامة عظيمة تدل على وجود الله وعلى علمه وعلى حكمته وعلى عظيم قدرته، وأنه رب كل شيء، وإله الأولين والآخرين.

    يا لها من آية عظيمة في هذا! آية عظيمة! مجموعة من الفقراء ينتصرون على أمة قوية ذات سلطان ودولة، وتغرق جيوشها كلها وينجو أولئك الضعفة المؤمنون!

    أية آية تدل على وجود الله أعظم من هذه وعلى قدرته وعلمه وحكمته ورحمته؟!

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:67] هنا يعود السياق إلى قريش.. إلى المشركين في مكة.

    بعدما قص تعالى هذا القصص كان المفروض ما يبقى مشرك في مكة.. الكل يؤمنون ويوحدون، ولكن ما شاء الله كان.

    الذين قضى الله في كتاب المقادير بهلاكهم ودخولهم النار ما آمنوا، والذين قضى الله بإسلامهم ودخولهم الجنة آمنوا ولكن.. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ [الشعراء:67] أي: أكثر مشركي مكة مؤمنين؛ لأن هذا القصص لم يقصه الله تعالى إلا ليقرر به نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لو ما كان نبياً فكيف يقص هذا القصص ومن أين يأتي بهذا العلم وهذه المعرفة.

    ثانياً: الله عز وجل لا يرغب ولا يحب أبداً أن يعبد معه غيره، فقد دمر فرعون لأنه ادعى الربوبية والإلهية.. دمره وجيشه ورجاله وأمته، فهذا القصص المفروض ما إن سمعه المشركون إلا وقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

    ولكن أكثرهم ما آمنوا؛ لأن الله كتب هذا في كتاب المقادير، وأنهم أهل النار، والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن ربك لهو العزيز الرحيم)

    قال تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:68] سبحانه لا إله إلا هو الغالب العزيز، الغالب الذي لا يمانع في شيء يريده أبداً، لا يحال بينه وبين ما يريد، هذا هو العزيز الرحيم الذي تجلت رحمته في الخلق كلهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال: [معنى الآيات: بعد هذا الانتصار العظيم الذي تم لموسى وهارون أوحى تعالى إلى موسى ] بم أوحى إليه [ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي [الشعراء:52] ] (أن إِسر) قراءة نافع (أن أَسر) قراءة حفص من سرى يسري ومن أسرى يسري.. قراءتان سبعيتان [ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي [الشعراء:52] أي: امش بهم ليلاً ] لأن السري يكون بالليل، سرى يسري آخر الليل أو أوله [ إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ [الشعراء:52] أي: من قبل فرعون وجنوده.

    وعلم فرعون بعزم موسى على الخروج مع بني إسرائيل فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ [الشعراء:53] وكانت له مآت المدن حَاشِرِينَ [الشعراء:53] من الرجال أي: جامعين وكأنها تعبئة عامة ] التي تعرفها الناس اليوم كأنها تعبئة عامة [ يقولون محرضين: إِنَّ هَؤُلاءِ [الشعراء:54] أي: موسى وبني إسرائيل لَشِرْذِمَةٌ [الشعراء:54] أي: طائفة أفرادها قليلون وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ [الشعراء:55] أي: لفاعلون ما يغيظنا ويغضبنا وَإِنَّا [الشعراء:56] أي: حكومة وشعباً لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [الشعراء:56] أي: متيقظون مستعدون، فهلموا إلى ملاحقتهم وردهم إلى الطاعة.

    وعجل تعالى بالمسرة في هذا الخبر فقال تعالى فَأَخْرَجْنَاهُمْ [الشعراء:57] أي: آل فرعون مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ [الشعراء:57-58] أي: كنوز الذهب والفضة التي كانت مدفونة تحت التراب، إذ الطمس كان على العملة ففسدت، وأما مخزون الذهب والفضة فما زال تحت الأرض، إذ الكنز يطلق على المدفون تحت الأرض وإن كان شرعاً الكنز هو ما لم تؤد زكاته ].

    هذه لطيفة! أصل الكنز: المدفون في الأرض، لكن بالنسبة إلى الزكاة فكل الدراهم والفضة والذهب تعتبر كنزاً دفنت أو لم تدفن ويجب الزكاة فيها، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:34].

    إذاً: الكنز حقيقة: ما دفن تحت الأرض من الذهب والفضة، ويطلق على الذهب والفضة وإن لم يكن مكنوزاً فكل من له كنز من ذهب أو فضة يجب عليه أن يخرج زكاتها.

    قال: [ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ [الشعراء:57-58] أي: كنوز الذهب والفضة التي كانت مدفونة تحت التراب، إذ الطمس كان على العملة فسدت وأما مخزون الذهب والفضة فما زال تحت الأرض، إذ الكنز يطلق على المدفون تحت الأرض، وإن كان شرعاً في الإسلام الكنز هو ما لم تؤد زكاته سواء كان تحت الأرض أو فوقها ] كل ما لم يزك في الإسلام يسمى كنزاً وإن لم يدفن.

    [ وقوله تعالى: كَذَلِكَ [الشعراء:59] أي: إخراجنا لهم كان كذلك وَأَوْرَثْنَاهَا [الشعراء:59] أي: تلك النعم بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:59] أي: بعد هلاك فرعون وجنوده أجمعين.

    وقوله تعالى: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [الشعراء:60] أي: فاتبع آل فرعون بني إسرائيل أنفسهم في وقت شروق الشمس ليردوهم ويحولوا بينهم وبين الخروج من البلاد.

    هذا آخر قصة موسى عليه السلام مع فرعون، قال تعالى في بيان نهاية الظالمين وفوز المؤمنين: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ [الشعراء:61] جمع موسى وجمع فرعون وتقاربا حيث رأى بعضهما بعضاً قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى [الشعراء:61] أي: بنو إسرائيل إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] أي: خافوا لما رأوا جيوش فرعون تتقدم نحوهم وصاحوا إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] فطمأنهم موسى بقوله (كلا) أي: لن تدركوا، وعلل ذلك بقوله إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] أي: إلى طريق نجاتي.

    قال تعالى: فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ [الشعراء:63] أي: اضرب بعصاك البحر فضرب امتثالاً لأمر ربه فانفلق البحر فرقتين كل فرقة منه كالجبل العظيم.

    وَأَزْلَفْنَا [الشعراء:64] أي: قربنا ثَمَّ الآخَرِينَ [الشعراء:64] أي: أدنينا هناك الآخرين وهم فرعون وجيوشه وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ [الشعراء:65] أي: من بني إسرائيل أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ [الشعراء:65-66] المعادين لبني إسرائيل وهم فرعون وجنوده.

    وقوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ [الشعراء:67] المذكور من إهلاك فرعون وإنجاء موسى وبني إسرائيل لَآيَةً [الشعراء:67] أي: علامة واضحة بارزة لربوبية الله وألوهيته وقدرته وعلمه ورحمته، وهي عبرة وعظة أيضاً للمعتبرين.

    وما كان أكثر قومك يا محمد مؤمنين مع موجب الإيمان ومقتضاه الذي شاهدوه من هذا القصص، لأنه سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون ].

    هذا هو السبب وإلا بمجرد أن يقصها تعالى عليهم يشهدون أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ولكن الذي ما كتب الله لهم الجنة ولا أعدهم لها لا يؤمنون ولو شاهدوا العجائب من الآيات.

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات] فهيا نتأمل ما فيها من فوائد [ من هداية الآيات:

    أولاً: قوة الإيمان، هي مصدر شجاعة خارقة للعادة بحيث يفرح المؤمن بالموت؛ لأنه يوصلهم إلى ربهم ].

    المؤمنون يفرحون بالموت؛ لأنه يصل بهم إلى ربهم. نحن الآن منقطعون عن ربنا لكن إذا متنا تصبح أرواحنا في الملكوت الأعلى عند الله.

    إذاً: الإيمان هو مصدر الشجاعة. ماذا تعرفون عن الرسول صلى الله عليه وسلم في شجاعته؟ والله لا أشجع منه.

    أيضاً: أصحابه من علي إلى عمر إلى فلان.. إلى فلان كانوا مضرب الأمثال في الشجاعة، وسبب الشجاعة: قوة الإيمان؛ لأنهم لا يخافون من الموت. هذه هي الشجاعة، الذي يخاف أن يموت لن يكون شجاعاً أبداً، إذا وجد الهرب يهرب، إذا وجد التأخر يتأخر، لكن المؤمنين الصادقين في إيمانهم لا يحزنون ولا يكربون ولا يخافون، ولذا هم شجعان.

    من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ [الشعراء:50]، لا ضرر علينا أبداً.

    لماذا؟ لأننا منقلبون إلى الله.

    من قال هذا؟ السحرة. وفرعون هددهم بأن يصلبهم بعد أن يقطع أيدهم وأرجلهم، قالوا: لا ضرر علينا أبداً.

    فمن هنا استفدنا هذه المسألة فقلنا: [ قوة الإيمان مصدر شجاعة خارقة للعادة بحيث يفرح المؤمن بالموت؛ لأنه يوصله إلى ربه ].

    [ ثانياً: حسن الرجاء في الله عز وجل والطمع في رحمته، وفضل الأسبقية في الخير.

    ثالثاً: مشروعية التعبئة العامة، واستعمال أسلوب خاص في الحرب يهدئ من مخاوف الأمة حكومة وشعباً ]. من أين أخذنا هذا؟ من الآية: لما قال بنو إسرائيل: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61]، ماذا قال موسى؟ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]، وفرعون نفسه جمع الناس ونادى إلى حشر الأمة للقتال.

    [ رابعاً: دمار الظالمين وهلاك المسرفين في الكفر والشر والفساد.

    خامساً: ظهور آثار الاستعباد في بني إسرائيل متجلية] ظاهرة [ في خوفهم مع مشاهدة الآيات ].

    ظهور ووضوح آثار الاستعباد في بني إسرائيل فقد استعبدهم فرعون ورجاله الأقباط، وقد تجلى ذاك الاستعباد في نفوسهم وفي كلامهم وفعالهم، فظهر ذلك وتجلى في خوفهم مع مشاهدة الآيات، شاهدوا المعجزات العصا واليد، ومع هذا بقوا خائفين مع مشاهدة الآيات الدالة على قدرة الله ونصرته موسى وبني إسرائيل.

    [ سادساً: ثبوت صفة المعية الإلهية في قول موسى: إِنَّ مَعِيَ رَبِّي [الشعراء:62]، إذ قال له عند إرساله: إِنَّنِي مَعَكُمَا [طه:46] ]. هذه المعية يا معاشر المؤمنين! معية بعلم الله وقدرته وليست معية ذاتية، فالله فوق عرشه دائماً فوق سماواته، لكن علمه وقدرته معنا في كل مكان، فمن أراد أن ينصره نصره، ومن أراد أن يعطيه أعطاه، ومن أراد أن يسلبه سلبه؛ لأنه عليم وقدير وهو فوق عرشه بائن من خلقه. فقول موسى: إِنَّ مَعِيَ رَبِّي [الشعراء:62]، لأن الله وعده، إِنَّنِي مَعَكُمَا [طه:46] يا موسى وهارون أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46]، فأقدما على المعركة وخوضاها والنصر لكم وبإذن الله. والمعية: مأخوذة من قولك: معي، معنا فلان، معيتنا مع بعضنا البعض.

    [ سابعاً: ثبوت الوحي الإلهي ]. وقد أوحى الله إلى موسى أن ألق عصاك.. أن اضرب البحر، أن كذا.. هذا وحي وإعلام من الله عز وجل، والله تبارك وتعالى ما نبأ نبياً ولا أرسل رسولاً إلا أوحى إليه، وقد بينت لكم: أحياناً يكون الوحي بواسطة جبريل أو ما شاء الله من ملائكته.. يبلغ الخبر، وأحياناً يكون بالإلقاء في الروع فقط، قال تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى:51]، وهو الإعلام السريع الخفي.

    [ ثامناً: آية انفلاق البحر من أعظم الآيات ]. آية انفلاق البحر فلقتين من أعظم الآيات، بل هي أعظم من العصا، عصا تحولت إلى ثعبان أو جان، لكن البحر ينفلق فهذه أعظم.

    الدول تعجز عن فلقه فكيف ينقسم قسمين ويصبح كالجبل الماء من هنا، وكالجبل الماء من هنا، والطريق في الوسط، وانقسام الطريق إلى اثني عشر قسماً حتى لا تصطدم القبائل ببعضها البعض. هذه آية من آيات الله الدالة على أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن البعث الآخر حق، وأننا إذا أردنا أن نكمل ونسعد آمنا وأسلمنا وطبقنا شرع ربنا، وإن أعرضنا أعرض الله عنا وكان مصيرنا مصير الكافرين والفاسقين.

    [ تاسعاً ] وأخيراً [ تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بقصة مثل هذا القصص ]. قص الله تعالى في كتابه قصص ففي سورة هود كذا قصة، وفي سورة الأعراف، والآن في الشعراء وفي غيرها، هذا القصص وحده يفرض علينا أن نؤمن بأن محمداً رسول الله، إذا مستحيل أن يكون غير رسول ويقص هذا القصص، وبنو إسرائيل بالذات، اليهود والنصارى بالذات.. هذا القصص هو الذي يدخل من يدخل منهم في الإسلام؛ لأنهم يعرفون أحداثاً مضت في التاريخ، والعرب والمشركون لا يعرفونها أبداً، ووالله لولا إصرارهم على زعمهم الباطل على أن تعود دولة سليمان، وأن يحكموا العالم بكامله وهم يعملون ليل نهار إلى الآن، لولا هذا الحلم والله لدخلوا في الإسلام كلهم، فهم مقتنعون بأن الإسلام هو دين الله، وأن محمداً رسول الله، لكن إذا آمنوا وأسلموا انتهى هذا الحلم اليهودي الذي مزق العالم.

    ما حلمهم؟ أنه لابد وأن تعود مملكة بني إسرائيل، وأن تسود العالم كما كانت على عهد سليمان عليه السلام؛ ولهذا يقولون: يجب أن نعمل ليل نهار طول الحياة حتى يتحقق لنا هذا الهدف.

    وإلا فقد عرض عليهم الإسلام فعرفوه أكثر من العرب وعرفوا أنه دين الله، لكن قالوا: إذا أسلمنا واندمجنا معهم ذهب حلمنا وأملنا وما بقي لنا أمل ونصبح كسائر الناس، فأعرضوا على علم، فهذا القصص تكرر في سور عديدة من أجل بني إسرائيل لتقوم الحجة عليهم.

    وقد تحقق حلمهم في إيجاد دويلة.. دولة تل أبيب اليوم بعد عمل دام ألفاً وأربعمائة سنة، وما زالوا يحلمون كيف يحكمون العالم والعياذ بالله تعالى.