إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما التقى موسى عليه السلام بسحرة فرعون طلب منهم أمام الملأ أن يلقوا ما معهم من السحر، فلما فعلوا ذلك ألقى موسى عصاه فلقفت ما جاءوا به من السحر، فما إن رأى السحرة ذلك حتى أدركوا أن هذا ليس بسحر، وسرعان ما خروا سجداً لله رب العالمين، وآمنوا مع موسى وهارون، ولم يثنهم عن ذلك وعيد فرعون وتهديده، فشتان شتان بين من تضعفه الدنيا وملذاتها ومن يقويه الإيمان بالله والرغبة بما عنده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده )، وها نحن مع سورة الشعراء المكية، فتأملوا الآيات!

    قال تعالى: قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:43-51].

    الشيخ: معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    قول ربنا تعالى: قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ [الشعراء:43] تذكرون أن موسى عليه السلام لما أظهر الآيتين: العصا ويده البيضاء عزم فرعون على المباراة بينه وبين سحرته فأرسل رجاله إلى كافة القطر يجمعون علماء السحر فاجتمعوا -وكما علمتم- كان السحر يعلم ويتعلمه الناس، وما زال إلى الآن، والمعروف بين الناس أن اليهود هم الذين يعلمون السحر ويتعلمونه.

    لما اجتمعت الأمة يوم عيد في الضحى وبدأت المباراة قالوا لموسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ [الأعراف:115] قالت السحرة.. رجالهم.. عظماؤهم قالوا لموسى: إما أن تلقي أنت ما عندك وإما أن نلقي نحن ما عندنا والأمة كلها واقفة تشاهد.

    إذاً: المفروض لو كانت قتالاً وحرباً لكان موسى يلقي برجاله أولاً؛ لأن الصدمة الأولى هي التي تهزم العدو، لكن لما كانت القضية قضية علم وجدال فالذي يتأخر هو الذي ينتصر.

    إذا قلت لخصمك ألق ما عندك أنت فذكر كل ما عنده من الحجج تقوم أنت فتنسفها مرة واحدة، فلهذا اختار موسى أن يكون هو الأخير لا الأول، فألقى السحرة حبالهم وعصيهم. والحبال: جمع حبل. والعصي: جمع عصا.. في أيديهم ثم يلقونها في الأرض فتتحول في نظر الناظرين إلى حيات وثعابين.

    وهو سحر الأعين فقط، أما فالواقع الحبل ما زال حبلاً والعصا هي العصا لكن المشاهدون يشاهدونها حيات وثعابين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون)

    ثم قال تعالى: فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [الشعراء:44].

    فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ [الشعراء:44] ألقوها في الميدان.. في الساحة الكبرى التي حضرها أهل البلاد للمباراة والمسابقة.

    وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ [الشعراء:44] هذه الباء الصواب أنها للحلف والقسم، حلفوا بعزة فرعون؛ لأنهم يؤلهونه ويعبدونه ويزعمون أنه ربهم كما تبين في الآيات السابقة.

    وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [الشعراء:44] وما أصابوا.. كذبوا وأخطئوا.

    وهنا لابد وأن نذكر للمستمعين والمستمعات: أن الحلف بغير الله شرك؛ لأن الذي يحلف به هو المعظم المبجل المكرم المؤله، فلا يحلف إلا بالله.

    والمشركون يحلفون بآلهتهم، والمسلمون لا يحل لأحدهم أن يحلف بغير الله، ومن حلف بغير الله فقد أشرك هذا المحلوف في عظمة الرب وجلاله وكماله وسوى بينهما.

    وهاهم السحرة لجهلهم وعدم إيمانهم يحلفون بعزة فرعون.

    إذاً: من كان يجري على لسانه الحلف بغير الله فعليه أن يكفر ذلك الإثم بكلمة لا إله إلا الله!

    من كان يجري على لسانه بدون قصد الحلف بغير الله يمحو هذا الذنب بكلمة لا إله إلا الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي أرشد لهذا وعلم أصحابه.

    والعرب في جاهليتهم كانوا مشركين يحلفون باللات والعزى ومناة.. آلهتهم فإذا أسلم الرجل من سنة أو ستة أشهر يجري على لسانه هذا الحلف فيقول: والعزى. فإذا قيل له في ذلك قال: ما أردت ذلك ولكنها جرت على لساني، فأرشدهم الحبيب صلى الله عليه وسلم بقوله: ( ومن حلف بغير الله فليقل لا إله إلا الله فإنها تمحها وتكفرها ).

    إذاً: السحرة حلفوا وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [الشعراء:44] أي: الغالبون لموسى ومن معه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون)

    لما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم وتحولت إلى ثعابين بين الناس كان لابد من الرد من قبل موسى، قال تعالى: فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [الشعراء:45].

    فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ [الشعراء:45] عصا موسى هي عصا رعى بها الغنم عشر سنوات في بلاد مدين يوم كان مع شعيب عليه السلام، وبقيت العصا معه، وقد امتحنه الله فيها واختبره أيام كان في جبل الطور، قال: فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى [طه:20] ثم قال: خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى [طه:21] ولو كانت عصا لكن عند المباراة تتحول إلى جان وثعبان.

    فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ [الأعراف:107] في آية أخرى هنا فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [الشعراء:45] ابتلعت كل تلك الحبال والعصي وأبطلت ذلك السحر نهائياً.

    ما إن ألقاها باسم الله حتى تلقفت وابتلعت كل ما ألقاه السحرة الذي هم مئات السحرة أو ألوف السحرة في ذلك الميدان العظيم، وانهزموا وانهزم فرعون، فإذا هي تلقف بفهمها ما يأفكون. أي: ما يقولون من الكذب ويعملون لأن السحر كذب وليس فيه شيء حق أبداً، تظهر أنها ثعبان وهي عصا أو حبل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فألقي السحرة ساجدين ...)

    وهنا قال تعالى: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ [الشعراء:46] ما إن شاهد السحرة ابتلاع عصا موسى لتلك العصي والحبال التي كانت دوخت الناس وسلبت عقولهم إليها وبهرهم ذلك الذي بهرهم ما إن رأوا ذلك إلا وخروا ساجدين.

    اندهشوا انبهروا! شاهدوا العجب.. عصا تبتلع ما في الساحة كلها من حبال وعصي، فما كان إلا أن خروا على وجوههم ساجدين على الأرض لله عز وجل.

    فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ [الشعراء:46] على وجه الأرض لله تعالى، آمنوا وقالوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:47] الذي سخر فرعون بالأمس منه وقال: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:23] ، قال لهم موسى رب العالمين رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ [الشعراء:24].. هم عرفوا فقالوا: آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:47] الذي هو رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الشعراء:48].

    حتى يسمع الحاضرون والمشاهدون هذه الحقيقة.. من رب العالمين؟ نحن لا نعرفه، لكنه رب موسى وهارون، وأسلم السحرة ودخلوا في الإسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ...)

    قال تعالى: قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ [الشعراء:49].

    هنا قال لهم فرعون آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [الشعراء:49] وهذه غطرسة وجهالة وعنترية باطلة.

    كيف يأذن لهم في الإيمان ويقول لهم: آمنوا وهو يدعي أن الحكم له والأمر بيده وما كان من حق السحرة أن يؤمنوا حتى يأذن لهم ويقول لهم: آمنوا. وهذا هو الجهل والكفر والعناد.

    قال قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ [الشعراء:49] أي: لموسى قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ [الشعراء:49] كلام باطل باطل.

    لكن ماذا يقول سوى هذا وقد انكسر وانهزم؟!

    ماذا قال لهم: إنه أي: موسى لكبيركم الذي علمكم السحر، وهو يعرف أن موسى لا يعرف السحر ولا درس السحر وقد تربي في بيته، ولكنه قال: هذا هو أستاذكم الذي تعلمتم منه السحر، فلهذا لا عجب أن تخروا ساجدين.

    ثم قال لهم: فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الشعراء:49] أي: سوف أنزل بكم النقمة والعذاب.

    كيف تؤمنون بموسى وتنهزمون أمامه؟! فلسوف تعلمون ما يحل بكم وينزل بكم من عذاب.

    ثم قال: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ [الشعراء:49] توعدهم.. وهل فعل ذلك أو لم يفعل؟

    ما ثبت ذلك في التفسير لا عندنا ولا عند ابن جرير .

    توعدهم وقال: لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف.. يقطع الرجل اليمنى ويترك اليد اليسرى حتى تختلف.

    ويقطع اليد اليمنى ويقطع الرجل اليسرى ويتركهم بيد ورجل فقط ثم بعد ذلك يصلبهم ويربطهم بالحبال على الأخشاب ويبقون هكذا حتى يموتوا.

    أي: عاقبة خروجكم عن طاعتي واتباعكم لموسى وإيمانكم بما جاء به لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ [الشعراء:49].

    سر الخلاف: لو قطع أرجلهم فقط وخلى اليدين فإن هذا الأمر ليس بشعاً كالمخالفة.. قطع رجل ويد مخالفة ولو قطع اليمنى مع اليسرى فليس بشعاً لكن الخلاف أبشع.

    وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ [الشعراء:49] الكل منكم يكون مصلوباً على خشبة مربوط بها حتى يموت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون)

    وكان جوابهم عليه رضي الله عنهم: قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ [الشعراء:50].

    لا ضَيْرَ [الشعراء:50] لا ضرر أبداً.. تقتل تصلب تقطع لا ضرر في هذا؛ لأن أرواحنا طاهرة ونفوسنا سعيدة والأبدان لا قيمة لها، وهو كذلك.. الأبدان لا قيمة لها، القيمة للروح فإذا طابت سعدت ورفعت للملكوت الأعلى.

    وتلك امرأة فرعون آسية بنت مزاحم صلبها ولكن فاضت روحها قبل أن ينزل الحديد على جسمها وقالت: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11] فما إن رفعت الحديدة أو السيف عليها حتى فاضت روحها ودخلت الجنة.

    فلهذا قالت السحرة: لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ [الشعراء:50] لا ضرر أبداً ولا أذى عندنا.

    لماذا؟ لأننا راجعون إلى ربنا، فالموت نعمة.. في الحقيقة الموت نعمة كبيرة.

    نحن الآن في تعب وعناء ومشقة وآلام وفي وحشة عظيمة لكن إذا أخذت أرواحنا إلى الجنة فنحن في سعادة.

    ما هي السعادة التي هي أعظم من هذه السعادة؟! لا شيء.

    ولو كنا منقلبين إلى جهنم لكانت الحياة خير من الموت ولكن ما دمنا منقلبين إلى دار السلام بجوار رب العالمين فالموت والله خير.

    قال: السحرة لما أسلموا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ [الشعراء:50] راجعون إلى ربنا فلم نخاف ونكرب ونحزن؟!

    وفي قوله تعالى من سورة فصلت: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30] .

    هذه الآية العظيمة تعلمنا أن وفاة المؤمن خير من حياته، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) .

    الدنيا سجن المؤمن.. والله المؤمنون كأنهم مسجونون في هذه الدنيا بالنسبة إلى سعادتهم في الملكوت الأعلى مع مواكب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فما إن تصل الروح إلى الحلقوم إلا ووفد من الملائكة كلهم أنوار يفدون إلى تلك الروح فرحون بأخذها، قال تعالى: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [فصلت:30] وتقول لهم: أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [فصلت:30-31].

    حقاً والله إن الدنيا لسجن المؤمن وجنة الكافر، فلهذا قال السحرة: لا ضير. أي. لا خوف ولا ضرر أبداً.

    لماذا؟ لأننا راجعون إلى ربنا فنسعد برجوعنا إلى سيدنا. كالذي يفر من سيده ويهرب منه، السعادة أن يعود إليه ويعود إلى سيده.. إِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الشعراء:50].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا...)

    ثم قالوا إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا [الشعراء:51] والخطايا: جمع خطيئة وقد ارتكبوا من الخطايا ما لا حد له ولا عد، فقد عاشوا كافرين وما أسلموا إلا في هذه الساعة.. ساعة المباراة؛ فاعترفوا وقالوا: إِنَّا نَطْمَعُ [الشعراء:51] وحقق الله طمعهم واستجاب لهم، وهذا الطمع محمود مرغوب فيه: إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا [الشعراء:51] متوسلين إلى الله بقولهم أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:51].

    ليسوا هم أول من آمن في الأرض ولكن بالنسبة إلى ذلك المجتمع وذاك الحفل الذي حضر هم أول من آمن.

    ولا شك أنه آمن كثيرون بانهزام السحرة، وقالوا: أكثر من ستين ألف آمنوا؛ لأنهم شاهدوا بطلان السحر وأنه ترهات وأباطيل، وآمن علماء السحر؛ لأن السحرة هؤلاء عددهم كثير أيضاً.

    وقالوا: إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:51] أي: لأنا أصبحنا أول المؤمنين.

    والإيمان معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات: الإيمان: تصديق الله ورسوله في كل ما أخبر به من الغيب والشهادة.

    تقول: آمنت بالله، وبما جاء عن الله، آمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله. بمعنى صدقت تصديقاً جازماً لو أقطع.. لو أصلب.. لو أحرق لا أرجع أبداً، ولا أنكر ما آمنت به.

    هذا الإيمان هو مفتاح دار السلام، فالمؤمنون في الجنة والكافرون في النار، وأركان الإيمان بالضرورة معروفة عندكم أنها ستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر.

    ستة أركان وهي تدخل تحت لا إله إلا الله محمداً رسول الله، فمن حضرته الوفاة وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله؛ دخل الجنة. على شرط أن يقولها وهو راج للحياة لا آيس منها.

    ولهذا أمرنا أن نلقن مرضانا لا إله إلا الله، أمرنا الله ورسوله أن نلقن موتانا لا إله إلا الله إذ قال عليه السلام: ( من مات يقول: لا إله إلا الله دخل الجنة ) وإن دخل النار وإن عذب فلابد وأن يدخل الجنة.

    وقال تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [النساء:18] فلابد وأن يتوب وأن يعلن عن الشهادة قبل أن تصل الروح إلى حلقومه فما فارقت بدنه كاملاً لأن الروح تمشي كالدم من الجسم إلى أن تصل إلى الحلقوم وبعد ذلك يأتي ملك الموت وأعوانه ويستلمونها والمؤمن الصادق ولي الله تؤخذ روحه وهو والله يبستم وبصره هكذا يشاهد روحه كيف أخرجت.

    وما منا إلا وسيحصل له هذا. والله ما منا إلا وسيتم له هذا، فمن هنا لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، إن من مات وآخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة.

    وكم نادينا بأعلى أصواتنا في هذه القضية وقلنا: يجب على وزراء الصحة أن يوجدوا ملقنين في كل مستشفى كل مصحة لابد فيها من وجود من يلقن المرضى لا إله إلا الله محمداً رسول الله، وبلغني أنهم في المدينة فعلوا.

    يجب على وزراء الصحة في العالم الإسلامي في ديار المسلمين أن يجعلوا اثنين أو ثلاثة في كل مستشفى مهمتهم إذا ثقل المريض وأصبح في آخر ساعاته يجلس إلى جنبه الأيمن ويقول: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله مرة مرتين فإذا قالها المريض سكت عنه.

    إذا قال المريض: لا إله إلا الله. يسكت. فإذا تكلم المريض بعد ذلك أو أعطوه ماء أو طعاماً يعيد الملقن مرة ثانية: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله حتى يقول المريض لا إله إلا الله فيسكت؛ حتى يموت عليها من مات وآخر كلامه لا إله إلا الله ويدخل الجنة. هذا قول الرسول الكريم في صحاح الأحاديث.

    وهؤلاء السحرة قالوا: إنا نطمع أن يغفر لنا من خطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:51] أي: بأنه لا إله إلا الله وأن موسى رسول الله.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    قال تعالى: قَالَ لَهُمْ مُوسَى [الشعراء:43] لمن قال؟ للسحرة قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ [الشعراء:43] لماذا بدأ بهم؟ لأنها حجاج وحوار ينبغي للمحاج المحاور أن يؤخر نفسه حتى يبطل ما يلقيه الخصم من الحجج أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [الشعراء:43-44] حلفوا بفرعون.. كفار مشركون.

    وهل يجوز للمؤمن أن يحلف بغير الله فيقول: وحق سيدي عبد القادر ، والنبي ، والكعبة؟ والله ما يجوز، فهذا شرك.

    وهؤلاء مشركون وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ [الشعراء:44-46] أسلموا! انبهروا اندهشوا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:121] من هو؟ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف:122] حتى يفهم المواطنون كلهم من رب العالمين رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف:122]. من أراد أن يسأل موسى يسأله وهارون جزاهم الله خيراً.

    فرعون ماذا قال؟ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [الشعراء:49] سخرية واستهزاء.

    كيف يأذن لهم في الإيمان؟!

    كيف تطيعونه وتجرون وراءه ولا تستأذنون؟!

    آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ [الشعراء:49] من هو؟ ماذا يعني فرعون؟ يعني موسى.. عده من السحرة، وأنه أستاذ السحر ومعلمه؛ لأنه انتصر وانهزم السحرة.

    إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الشعراء:49] توعدهم بالعذاب لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ [الشعراء:49]، فليس هناك أبشع من أن يقطع يده اليمنى ورجله اليسرى على خلاف، وممكن هو جرب هذا واستعمله في أمته.

    وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ [الشعراء:49]. صلبه. أي: جعله كالصليب.. ربطه بالحبل على العمود.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    ما زال السياق في الحوار الذي دار بين موسى عليه السلام وفرعون عليه لعائن الرحمن إنه بعد إرجاع السحرة فرعون وسؤالهم له: هل لهم من أجر على مناورتهم موسى إن هم غلبوا وبعد أن طمأنهم فرعون على الأجر والجائزة العظيمة، قال لهم موسى حينئذ: أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ [الشعراء:43] أي: من الحبال والعصي في الميدان ميدان المشاهدة والمباراة.

    فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ [الشعراء:44] وأقسموا بعزة فرعون إنهم هم الغالبون، وفعلاً انقلبت الساحة كلها حيات وثعابين حتى أوجس موسى في نفسه خيفة] هو خاف نعم [ فأوحى إليه ربه تعالى أن ألق عصاك فألقاها فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [الشعراء:45].

    هذا معنى قوله تعالى في هذا السياق: فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [الشعراء:44-45].

    ومعنى تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [الشعراء:45] أي: تبتلع في جوفها من طريق فمها كل ما أفكه أي كذبه وافتراه السحرة بسحرهم من انقلاب الحبال والعصي حيات وثعابين.

    وقوله تعالى: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ [الشعراء:46] أي: أنهم لاندهاشهم وما بهرهم من الحق ألقوا بأنفسهم على الأرض ساجدين لله تعالى مؤمنين به، فسئلوا عن حالهم تلك قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف:121-122] وهنا خاف فرعون ] خاف مم؟ [ أن تفلت الزمام من يده ] خاف أن يتلفت الزمام من يده [ وأن يؤمن الناس بموسى وهرون ويكفروا به، فقال للسحرة: قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [الشعراء:49] بذلك أي: كيف تؤمنون بدون إذني؟ على أنه يملك ذلك منهم، وهي مجرد مناورة مكشوفة ] لا أقل ولا أكثر [ ثم قال لهم إِنَّهُ [الشعراء:49] أي موسى لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ [الشعراء:49] أي إنه لما كان أستاذكم تواطأتم معه على الغلب فأظهرتم أنه غلبكم تمويهاً وتضليلاً للجماهير المتفرجين. ثم تهددهم قائلاً: فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الشعراء:49] أي: عقوبتي لكم على هذا التواطؤ وهي لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ [الشعراء:49] ثم أقطع من الواحد منكم يده اليمنى ورجله اليسرى وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ [الشعراء:49] فلا أبقي منكم أحداً إلا أشده على خشبة حتى يموت مصلوباً.

    هل فعل فرعون ما توعد به؟ الله أعلم ].

    هداية الآيات

    قال: [من هداية الآيات:

    أولاً: لم يبادر موسى بإلقاء عصاه أولاً؛ لأن المسألة مسألة علم لا مسألة حرب، ففي الحرب تنفع المبادرة بافتكاك زمام المعركة، وأما في العلم فيحسن تقديم الخصم، فإذا أظهر ما عنده كر عليه بالحجج والبراهين فأبطله وظهر الحق وانتصر على الباطل. هذا الأسلوب الذي اتبع موسى بإلهام من ربه تعالى ].

    لقد ذكرت لكم هذا في الدرس في شرح الآية أن هذه المباراة ما كانت حرباً ولو كانت حرباً فالذي يتقدم هو الذي ينتصر.. صاحب الضربة الأولى هو الذي ينتصر، لكن هذه مباراة علم ومعرفة.. حجج وبراهين، فالذي يلقي ما عنده الأخير يبطل ذلك الذي ألقاه.. يبطله بالمرة الواحدة.

    [ ثانياً: مظهر من مظاهر الهداية الإلهية هداية السحرة إذ هم في أول النهار سحرة كفرة وفي آخره مؤمنون بررة ].

    مظهر من مظاهر الهداية الإلهية التي نسأل الله أن لا يحرمناها: أول النهار كانوا مشركين كافرين.. السحرة آخر النهار كانوا مؤمنين ربانيين.

    من يملك هذه الهداية سوى الله عز وجل؟! أول النهار كانوا كافرين مشركين فما جاء آخر النهار إلا وهم مؤمنون ربانيون. دل على هذا كلام الله.

    [ ثالثاً:] وأخيراً [ ما سلكه فرعون مع السحرة كله من باب المناورات السياسية الفاشلة ].

    ما سلكه فرعون مع السحرة فيما سمعناه ما هو إلا مناورات سياسية لهذا انهزم وانكسر وتحطم والعياذ بالله.

    وغداً إن شاء الله يخرج موسى مع بني إسرائيل كما في قوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى [الشعراء:52] وصلى الله وسلم على نبينا وآله وصحبه أجمعين.