إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء (16)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن بين الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم ما أعده للمكذبين من العذاب الأليم، أمره سبحانه بأن يدعو من يرجى قبولهم لدعوته من أهله وقرابته، وأن يخفض جناحه للمؤمنين الذين اتبعوه وقبلوا دعوته، وأن يتوكل على ربه العزيز الرحيم، الذي لا يخفى عليه شيء من حاله وهو اللطيف الخبير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلا تدع مع الله إلهاً آخر فتكون من المعذبين)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده )، وها نحن مع سورة الشعراء المكية، فتأملوا الآيات!

    قال تعالى: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الشعراء:213-220].

    معاشر المؤمنين المؤمنات! قول ربنا جل ذكره فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الشعراء:213]. من هذا الناهي؟ ومن هو المنهي؟ الناهي هو الله القائل: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ [الشعراء:213]، هو الله جل جلاله وعظم سلطانه.

    والمنهي: هو نبيه ومصطفاه محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا كان الله ينهى رسوله أن يدعو مع الله غيره فكيف بغير الرسول صلى الله عليه وسلم فهو من باب أولى، لعل هذا كقولهم: إياك أعني واسمعي يا جارة.

    والرسول الذي يوحي الله تعالى إليه كتابه ووحيه يواجه بهذا الخطاب: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الشعراء:213] وهذا في الحقيقة موجه إلى الذين يشركون بالله ويعبدون غيره، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن هذه العبادة التي تصرف لغير الله فكيف بغير رسول الله من الناس.. من باب أولى.

    والمراد من الدعاء هنا: العبادة فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ [الشعراء:213] أي: لا تعبد مع الله، والدعاء هو العبادة، والدعاء مخ العبادة؛ لأن الدعاء تتمثل فيه العبادة بأعظم صورة من صورها، وإليكم بيان ذلك: لما ترفع كفيك إلى الله عز وجل فمعنى ذلك أنك لم تعترف بوجود كائن يقضي حاجتك ويسد خلتك إلا الله!

    أغمضت عينيك عن كل المخلوقات وانصرفت عن كل الخلائق وأقبلت على الله وحده.

    رفعت يديك على علم يقيني منك أن الله يراك ويرى يديك وهما مرفوعتان إليه!

    علمت أن الله يسمع نداءك! علمت أن الله يعطيك حاجتك فأغمضت عن كل ما سوى الله، فلهذا كان الدعاء هو العبادة، ومن دعا غير الله هلك!

    أشرك وهو يدعو من لا يملك شيئاً ولا يقدر على إعطاء شيء، ومع هذا الشياطين تزين للناس غير الله.

    معاشر المؤمنين والمؤمنات! فلنحذر أن نرفع أصواتنا سائلين شيئاً غير ربنا عز وجل، ولا يحل أن تقول يا رسول الله ولا يا فاطمة ولا حسن ولا يا عبد القادر ولا يا جبريل ولا يا ميكائيل فضلاً عن الأشجار والأحجار والأصنام والتماثيل، إذ لا يدعى إلا الله، ولا يقضي الحاجة إلا الله، ولا يرفع الدرجة إلا الله، ولا يمحو الذنب ويكفر السيئة إلا الله، لهذا لا يدعى إلا هو.

    وهذا إرشاد الله وتوجيهه: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ [الشعراء:213].. الذين يدعون غير الله.. الذين يعبدون غير الله إذا ماتوا على الشرك والكفر -والعياذ بالله- يعذبهم الله عذاباً أبدياً لا ينقطع ولا ينتهي أبداً.

    من ساعة أن يموت وروحه تعذب إلى البعث والجزاء ثم تنقل البدن والجسم إلى النار فتخلد في العذاب بلا نهاية، هكذا شاء الخالق، وهذا حكم الله عز وجل.

    فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ [الشعراء:213] من الذي يعذبهم؟ الرب تعالى هو القادر على ذلك، وهذا العذاب يبدأ من موت الإنسان وأخذ روحه فتلقى في سجين وتبقى في عذاب حتى تبعث الخليقة يوم القيامة وتعود لها أجسامها وتدخلها أرواحها ثم تنقل إلى عالم الشقاء.. إلى النار.. إلى الجحيم.. إلى جهنم.. إلى سقر.. سبع دركات، لا تخرج منها أبداً والعياذ بالله.

    هكذا يوجه تعالى خطابه لرسوله ليسمع السامعون ويعي الواعون!

    وإذا كان رسول الله يوجه إليه هذا الخطاب ويتوعد بالعذاب فكيف بنا نحن؟

    معشر المؤمنين والمؤمنات! لا يسمعك ربك تدعو غيره بكلمة وتناديه أبداً، ما لك إلا الله، فنقول: يا ألله! يا رب! اللهم، أما غير الله فلا لا رسول ولا نبي ولا ولي ولا ملك ولا.. ولا، إذ لا يدعى إلا الله، وهذا كلام الله نسمعه يوجه الله خطابه إلى الرسول نفسه فيقول له: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الشعراء:213] فتكون إن أنت دعوت غيره من المعذبين. أي: في جهنم في عالم الشقاء - والعياذ بالله تعالى- فلما يسمع المشركون في مكة هذا تذوب نفوسهم ويستحون، رسول الله ينهى عن دعاء غير الله وعبادة غير الله ونحن نرضى بأن نعبد اللات والعزى أو مناة والأصنام؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين)

    ثم قال تعالى له أيضاً موجهاً خطابه إليه: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] يا رسولنا والمبلغ عنا أنذر عشيرتك الأقربين، ابدأ ببناتك.. بآبائك.. بأجدادك.. بأجداد أجدادك فأنذرهم عقوبة الكفر والشرك وهي الخلود في جهنم!

    ابدأ بأقاربك فأنقذهم قبل غيرهم، وهذا دليل على أن على المرء أن يبدأ دائماً بأقاربه.

    يبدأ بالأقارب أولاً ثم ينتقل إلى من بعدهم، وها هو تعالى يقول للرسول: ابدأ بقبيلتك، وبالفعل جمعهم صلى الله عليه وسلم ونادى! يا بني هاشم! يا بني عبد المطلب! يا عباس يا فاطمة -بأسمائهم- أنقذوا أنفسكم من النار، فإن من مات كافراً يخلد في النار، من مات مشركاً بربه يعذبه ربه ويخلده في النار. والعياذ بالله.

    وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ [الشعراء:214] أي: أقاربك الأقربين. فبدأ ببني المطلب ثم ببني هاشم وانتهى والله بـفاطمة كما سيأتي ( يا فاطمة بنت محمد! أنقذي نفسك من النار، سليني من مالي ما شئت ولكن لا أغني عنك من الله شيئاً ).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين)

    ثم قال له: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:215] فالمؤمنون منهم من آمن اليوم، ومنهم من آمن من أسبوع، ومنهم من آمن منذ شهر أو سنة فإذا لم يرفق بهم ويلين جانبه لهم لو يعتب عليهم قد يرتدوا وينتكسوا، فمن هنا: على الدعاة أن يكونوا لينين طيبين رقيقين غير عنفاء ولا أشداء ولا غليظين؛ لأن هذا الذي دعوته واستجاب، الشيطان يكون غير مستريح والله متألم، ومن الممكن إذا أغلظت له القول أو شددت عليه ينفر ويعود إلى ما كان عليه، وهذا ظاهر في قول الله تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ [الشعراء:215] أي: لن أو ألن جانبك ورقق عبارتك واستعمل الكلمات الهينة لمن دخلوا في الإيمان حتى لا ينفروا ويرتدوا والعياذ بالله.

    وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:215] وإن قلت هل للإنسان جناح؟ قلنا: نعم. يدك اليمنى جناح ويدك اليسرى جناح.

    كيف أخفض جناحي؟ باللين، لا تتكبر ولا تتجبر بل تتعاطف وتتراخى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:215]، وأما الكافرين فأغلظ واشدد عليهم، لكن المؤمنين لن لهم في كلماتك وفي عملك حتى يستأنسوا بك ويبقوا على إيمانهم وإسلامهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون)

    ثم قال له: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء:216] فإن عصوك.. الذين تدعوهم إلى الله ليؤمنوا ويسلموا.. ليعبدوا الله وحده ولا يشركوا به.. هؤلاء الكفرة المشركون إن عصوك ولم يستجيبوا لك ورفضوا دعوتك وقاوموك فقل لهم: إني بريء مما تعملون. أي: من شرككم وباطلكم وفسقكم وفجوركم، أنا بريء من هذا؛ حتى لا يستأنسوا بك ويظنوا أنك راض بشركهم وكفرهم.

    أعلن البراءة بينك وبينهم -وهذا باق إلى يوم القيامة- الكافرون نحن برآء من الكفار، ومن كفر يتبرأ منه المؤمن ولا يصله أبداً إلا صلة الرحم فهذه مشروعة.

    صلة الرحم إن كان أخوك كافراً أو والدك أو قريبك أو رحمك فترحمه وتصله بما استطعت ولكن لا تحبه ولا تواده ولكن تصله فقط.

    فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء:216] من الشرك والباطل والشر والفساد؛ حتى لا ينسب إليك شيء من ذلك أعلن البراءة منهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وتوكل على العزيز الرحيم)

    ثم يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: إذا أعلنت براءتك من هؤلاء الجبابرة المتكبرين المشركين توكل على الله: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ [الشعراء:217] لأنه إذا أعلن البراءة والبعد عنهم يعادونه.. أصبحوا أعداء، والعدو يكيد لعدوه ويمكر به، وهنا ما لك من طريق إلا أن تتوكل على العزيز الرحيم.

    ولو قيل: كيف أتبرأ منهم وأنا بينهم وأنا واحد وهم مئات؟ أنا ضعيف وهم أقوياء؟ كيف أتبرأ؟

    يقول له: توكل على العزيز الرحيم، وإن كنت وحدك وكانوا آلافاً: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ [الشعراء:217] أي: فوض أمرك إلى ربك فهو الغالب القاهر لكل من يدعي القهر والغلبة، الرحيم بك وبأوليائه، فما دام ربك عزيزاً رحيماً فيصح التوكل عليه والاعتماد عليه وتفويض الأمر إليه؛ لأنه عزيز غالب لا يغالب ولا يمانع في شيء يريده أبداً، وهو الرحيم بأوليائه وصالح عباده، فهذا ينبغي أن نتوكل عليه، وكل مؤمن ومؤمنة يجب أن يتوكل على العزيز الرحيم، فلا يرضى بالفسق ولا بالفجور ولا بالكذب ولا بالباطل ولا بالفساد ولا يبايع أهله بل يتبرأ منهم ولا يخف إلا الله، وليتوكل على الله؛ لأنه العزيز الرحيم.

    ما كل من خاف ترك دعوة الله! ندعو إلى الله عز وجل بالكلمة الطيبة والوجه الباش والابتسامة ولا نخاف إلا الله عز وجل، ومن خوفنا نفوض أمره إلى ربنا وهو يكفينا شره وظلمه؛ لأن الله عزيز رحيم.. صفتان جليلتان: العزة والرحمة.

    هذا الذي ينبغي أن نعتمد عليه، فلو كان غير عزيز ورحيم فقط ما تنفعنا رحمته مع هؤلاء الظلمة المشركين الكافرين، ولو كان عزيزاً فقط غير رحيم أيضاً ما يرحمنا نحن ويتركهم يعذبوننا، لكنه العزيز الرحيم، فالعزة والرحمة صفتان من صفات الله عز وجل، وهذا هو الذي نفوض أمرنا إليه ونعتمد عليه ونتوكل عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذي يراك حين تقوم ...)

    ثم قال تعالى: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ [الشعراء:218] من هو العزيز الرحيم هذا؟

    الجواب: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ [الشعراء:218]الذي يراك ويشاهدك لما تقوم للصلاة! إذاً هو معك. والذي يراك ليس بغائب عنك، وما دام يراك فتوكل عليه، ولو كان لا يراك ولا يعرفك لا تعتمد عليه.. يكون في الهند وأنت في الصين أو في الأمريكان ولا يراك قد يقع بك البلاء ولا يستطيع أن يدفعه عنك، لكن الذي يراك وأنت قائم في الصلاة كيف لا تعتمد عليه وتفوض أمرك إليه.

    إذاً وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ [الشعراء:217-218] لأي شيء يقوم؟ ليأكل ويشرب؟ الجواب: لا. للصلاة. ومعنى هذا: أن القيام للصلاة أفضل عبادة وأحسن حال ولا أجمل حال للعبد أكثر من أن يكون قائماً للصلاة الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ [الشعراء:218-219] هو يرى تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:219] قائماً راكعاً ساجداً، هذا الذي أمرت أن تتوكل عليه وتفوض أمرك إليه لعزته وغلبته ورحمته وعلمه بحالك وقدرته على منعك وما تريد أن تمنح .. الذي يراك حين تقوم في صلاتك ويراك وأنت تتقلب في طاعته.

    وفي هذا إشارة إلى أن صلاة الجماعة مفروضة على هذه الأمة، ولا يصح أن يصلي كل فرد في بيته أو في بستانه، بل لابد من أن تصلي جماعة المسلمين في بيوت ربها الصلوات الخمس، ويكفيهم شرفاً أن يعلمهم الله بأنه ينظر إليهم وهم قائمون في صلاتهم، وهم ركعاً سجداً في صلاتهم فالحمد لله فهذه فضيلة ما أعظمها.

    إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الشعراء:220] إنه هو أي: الله جل جلاله السميع لأقوال عباده.. السميع لأقوال مخلوقاته سواء كانت حيوانات أو كانت إنساً أو جناً أو كانت ملائكة

    من تكلم بكلمة فالله والله يسمعه، فسبحان الله وآمنا بالله.

    حيثما تكلمت الله سمع صوتك، وأحياناً نقول: لا تغفل! اسمع ما يقول تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67] فالذي أنت تكون في كفه كيف لا يسمعك؟ كيف لا يراك؟ الكون كله في كفه فهل بقي شيء يبعد عنه؟ فلهذا كل صوت يسمعه بالليل أو بالنهار من إنسان أو من حيوان، عليم بكل حركة، ووالله لاجتماعنا هذا عليم به، والله لحركة يدي هذه كتبها أزلاً وهو عليم بها، بل وما يخطر ببالك إلا والله عليم به.

    سبحان الله! هذه العظمة تريد أن تتجلى لك فانظر فقط في هذه البشرية رجالاً ونساءً لو يجتمعون في صعيد واحد في مكان واحد والله ما يختلط اثنان لا يميز بينهما أبداً. فأية آية أعظم من هذه الآية؟!

    ومن آياته خلق السماوات والأرض.. من أوجد هذه العوالم الأرضية؟ هذه الجبال والتلال والبحور والمياه والأشجار؟ من أوجد هذه الأرض؟ آباؤنا؟ أمهاتنا؟!

    من أوجد السماوات السبع؟ من خلقها؟

    هل الذي خلق الأرض وما فيها والسماوات وما فيها يعجزه شيء؟

    هل يخفى عنه شيء؟ لا والله ما كان أبداً.

    قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ [الروم:22].. كيف الألسن مختلفة؟ هذا إنجليزي وهذا فرنسي وهذا ألماني وهذا كذا وهذا كذا وهذا كذا!

    إفريقيا نفسها.. ألوان وأشكال اللغات، وآسيا وغرب آسيا وكل الدنيا! هذه الألسن كيف كانت؟ من جعلك تنطق يا طفل؟! لو شاء الله أن نولد لا ننطق والله ما ننطق أبداً. هل نخلق لأنفسنا نطقاً ونوجد ألسنة؟ لا نستطيع.

    اختلاف الألسن عجب، والألوان في نظري والله أعظم، وها نحن في هذه الحلقة مؤمنون مسلمون راجعون لرب العالمين فهل تجد اثنين لا يميز بينهما، مع أن البصر والسمع واللسان والذات هيكل واحد؟ أليس كذلك؟ لا يوجد اثنان لا يفرق بينهما. فأي علم أعظم من هذا العلم؟ لأنه لو كان يوجد ما لا يفرق بينهما لاختلطت البشرية، هذا يدخل على امرأتك وأنت تدخل على امرأته. لماذا؟ هذا هو أبونا.. أو هذا هو زوجي، هذه الآية أعظم آية للبصراء والعقلاء.

    وَمِنْ آيَاتِهِ [الروم:22] وما أكثرها خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ [الروم:22] لا للجاهلين.

    إذاً: يقول الله لنبيه: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ [الشعراء:218] أي: في الصلاة وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:219]أي: في المصلين وهم ساجدون إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الشعراء:220] فوض أمرك إليه واطرح بين يديه، واسلك سبيلاً دعاك إليه، ولا تبالي بالأبيض ولا بالأسود، ولا بالقوي ولا بالضعيف؛ لأنك اطرحت بين يدي العزيز الرحيم السميع العليم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في طلب هداية قريش قوم محمد صلى الله عليه وسلم ] سياق الآيات من أول السورة إلى الآن ما زال السياق سياق الحديث في طلب هداية قريش.. قوم محمد صلى الله عليه وسلم [ فقوله تعالى: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ [الشعراء:213] فيه إيحاء وإشارة واضحة بأنه تعريض بالمشركين الذين يدعون آلهة أصناماً، وهي دعوة توقظهم من نومتهم: إنه إذا كان رسول الله ينهى عن عبادة غير الله وإلا يعذب مع المعذبين فغيره من باب أولى، فكأن الكلام جرى على حد: إياك أعني واسمعي يا جارة!

    وقوله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] أمر من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يخص أولاً بإنذاره قرابته لأنهم أولى بطلب النجاة لهم من العذاب، وقد امتثل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أمر ربه فقد ورد في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم لما أنزل عليه وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] ] لما أنزل عليه هذا اللفظ [ قال: ( يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله ) ] ما هو الثمن الذي يشترون به؟ [ يعني: بالإيمان والعمل الصالح بعد التخلي عن الشرك والمعاصي ( فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً ) ] هذه دعوة لقريش [ ( يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئاً ) أي: من عذابه شيئاً ( يا عباس بن عبد المطلب

    لا أغني عنك من الله شيئاً! يا صفية

    -عمة رسول الله- لا أغني عنك من الله شيئاً! يا فاطمة بنت محمد

    سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً
    ) ].

    استجاب لأمر ربه وجمع قريش وناداهم بأسمائهم؛ لأن الله قال: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] فامتثل أمر ربه وجمعهم ودعاهم صلى الله عليه وسلم.

    [ وقوله تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:215] أمره أن يلين جانبه للمؤمنين، وأن يعطف عليهم ويطايبهم؛ ليرسخ الإيمان في قلوبهم ويسلموا من غائلة الردة فيما لو عوملوا بالقسوة والشدة وهم في بداية الطريق إلى الله تعالى ].

    وهذا -كما قلت- أيما مؤمن يدعو إخوانه إلى ترك الجريمة.. إلى فعل واجب كذا يجب أن يكون لين العبارة هش الكلمة ولا يكون عنيفاً ولا غليظاً ولا شديداً. هذا توجيه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم.

    [ وقوله تعالى: فَإِنْ عَصَوْكَ [الشعراء:216] أي: من أمرت بدعوتهم إلى توحيد الله وعبادته وخلع الأنداد والتخلي عن عبادتها فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء:216] أي: من عبادة غير الله تعالى، وغير راض بذلك منكم، ولا موافق عليه؛ لأنه شرك حرام وباطل مذموم.

    وقوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ [الشعراء:217] أي: الغالب القاهر الذي لا يمانع في شيء يريده، الرحيم بالمؤمنين من عباده. والأمر بالتوكل هنا ضروري لابد منه؛ لأنه أمره بالبراءة من الشرك والمشركين وهي حال تقتضي عداوته والكيد له، بل ومحاربته، ومن هنا وجب التوكل على الله والاعتماد عليه وإلا فلا طاقة له بحرب قوم وهو فرد واحد.

    وقوله: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ [الشعراء:218] أي في صلاتك وحدك وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:219] أي: ويرى تقلبك قائماً وراكعاً ساجداً مع المصلين من المؤمنين. بمعنى أنه معك يسمع ويرى، فتوكل عليه ولا تخف غيره، وامض في دعوتك ومفاصلتك للمشركين.

    وقوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الشعراء:220] تقرير لتلك المعية الخاصة إذ السميع لكل صوت والعليم بكل حركة وسكون يحق للعبد التوكل عليه وتفويض الأمر إليه ].

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير التوحيد وحرمة دعاء غير الله تعالى من سائر مخلوقاته؛ لأنه شرك ].

    أولاً: تقرير عقيدة التوحيد فمن لم يوحد الله لن ير وجه الله، ومن لم يوحد الله والله لن يدخل جنة الله.

    من لم يوحد الله ليس بمؤمن أبداً وإن ادعى أنه مؤمن ومصدق وصادق في إيمانه، فالتوحيد هو أن نعبد الله وحده بأنواع العبادات من الركوع والسجود والدعاء، وكل أعمال العبادات يجب أن لا ننظر فيها إلا إلى الله، ومن التفت فيها إلى مخلوق هبط والعياذ بالله تعالى.

    وبلغوا إخوانكم الذين يرفعون أصواتهم! يا رسول الله المدد! يا فاطمة كذا! يا عبد القادر ! يا أولياء الله! هذا والله شرك محرم، وأصحابه إن لم يتداركهم الله بالتوبة هالكون والعياذ بالله.

    [ ثانياً: من مات يدعو غير الله فهو معذب لا محالة مع المعذبين ] قال تعالى: فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ [الشعراء:213] فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ [الشعراء:213] من مات يعبد غير الله في التعذيب لا يخرج من العذاب لا في الدنيا ولا في الآخرة. أي: في البرزخ والآخرة.

    [ ثالثاً: تقرير قاعدة البدء بالأقارب في كل شيء؛ لأنهم ألصق بقريبهم من غيرهم ].

    تقرير قاعدة وهي أن تبدأ بأقاربك في كل شيء.. في الطعام.. في الشراب.. في الكسوة.. في الدعوة.. في التوجيه.. في الإرشاد، لابد من أن تبدأ بأسرتك وأهل بيتك ثم تنتقل للآخرين.. وهكذا، بدأ الله بهذا وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] لا تترك بيتك لا يصلي فيها النساء والرجال وتدعو الناس بالشارع.

    [ رابعاً: مشروعية لين الجانب والتواضع للمؤمنين لاسيما الحديثو عهد بالإسلام ].

    مشروعية التواضع ولين الجانب والرفق بالمؤمنين عامة لاسيما الذين يدخلون في الإسلام.. حديثو عهد.. فلان أسلم فرنسي إيطالي أسباني بلجيكي مع المؤمنين فيجب أن يرحموه وأن يشفقوا عليه، وأن يلينوا له الجانب حتى يستقر الإيمان في نفسه؛ فإنه إن وجد غلظة وشدة وعنف يعود -والعياذ بالله- إلى ما كان عليه، وهذا الله يأمر رسوله به.

    [ خامساً: وجوب البراءة من الشرك وأهله ]. نبرأ إلى الله من الشرك ومن المشركين. نحن فقط أولياء الله، وأولياء الله هم الموحدون، أما المشركون الذين نظروا إلى سواه وعبدوا غيره واعترفوا بغيره فليسوا بأوليائه، بل هم شر الخلق.. شر الخليقة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة:6] والبرية: الخليقة. بمعنى المبروءة والمخلوقة.

    [ سادساً: وجوب التوكل على الله والقيام بما أوجبه الله تعالى ]. وهذا واجب كل مؤمن ومؤمنة: أن يتوكل على الله عز وجل ويعبده ولا يخاف أعداءه ولا يرهبهم، بل يخاف الله وحده ويتوكل عليه، ويبين الحق ويدعو إليه ولا يبالي غضبوا أم سخطوا أم عذبوا.. يفعلون ما شاءوا لأننا فوضنا أمرنا إلى العليم الحكيم.. إلى العزيز الرحيم.

    [ سابعاً:] وأخيراً [ فضل قيام الليل وصلاة الجماعة لما يحصل للعبد من معية الله تعالى ]. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ [المزمل:1-4]. فقيام الليل من أفضل العبادات وأشرفها فلا تحرم نفسك يا عبد الله!

    قبل الفجر بساعة تقوم وهي كافية إن شاء الله، وعندكم الآن الساعات المنبهة توقظكم، وصلاة الجماعة من أفضل الأعمال والعبادات، والآية الكريمة دلت على هذا.