إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء (13)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان أصحاب الأيكة يطففون الميزان ويبخسون الناس أشياءهم، وفي هذا فساد عظيم ينجر على العباد والبلاد، وقد بعث الله فيهم نبيه شعيباً عليه السلام يدعوهم إلى تقوى الله العزيز الحميد، والوزن بالقسط والعدل، لكنهم سخروا من نبي الله واتهموه بأنه مسحور، واستهزءوا بما جاءهم به من الوعيد، فعاقبهم الله عز وجل بأن أرسل عليهم الظلة، وظنوا أن فيها الرحمة فلما تكاملوا تحتها فإذا فيها العذاب الأليم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذب أصحاب الأيكة المرسلين ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده )، وها نحن مع سورة الشعراء المكية، فتأملوا الآيات!

    قال تعالى: كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:176-191].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:176]، هذا هو القصص السابع من قصص قص على نبينا في كتاب الله من سورة الشعراء.

    أصحاب اليكة والأيكة معناه: الغيضة. أماكن ذات أشجار ملتفة في بعضها البعض.

    الغيضة: الأشجار الملتفة حول بعضها البعض. هذه الأيكة وفيها قراءتان: (الأَيْكَةِ)، (اليكة) إذا أدخلنا (ال) الأيكة تكون جار ومجرور أَصْحَابُ الأَيْكَةِ [الشعراء:176]، وإذا قلنا: (اليكة): ممنوع من الصرف، والمعنى واحد: أصحاب أشجار ملتفة عبدوا فيها الشيطان، سول لهم الشيطان أن يعبدوا غير الله فعبدوها.

    ثم أين توجد هذه الأيكة؟

    الجواب: قريبة من مدينة شعيب، نبي الله شعيب وهو من أنبياء العرب الأربعة عليه السلام، أرسله الله إلى مدين. ومدين: مدينة كبيرة وفيها خلق كثير، وقريب من هذه المدينة هذه الأيكة، فأرسله الله تعالى لهم أيضاً، رسالته كانت في أهل مدين، ثم لما وجدت هذه الطائفة المشركة تعبد الشجر. إذاً: قال له الرب تعالى: اذهب إليهم وبلغهم دعوتنا، فهو رسول للجهتين: لمدين وللأيكة.

    قال تعالى مخبراً بالواقع الذي وقع: كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:176]، والمراد من (الْمُرْسَلِينَ): شعيب عليه السلام، وقد علمتم بالأمس وقبل الأمس: أن من كذب برسول يعتبر مكذباً بكل الرسل، والدليل قوله تعالى: كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:176]، مع أنه رسول واحد ألا وهو شعيب، ولكن من كذب رسولاً من رسل الله وهم ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً يعتبر شرعاً مكذباً بكل الرسل؛ لأن دعوة الرسل واحدة لا تختلف وهي أن يعبد الله وحده.

    إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ [الشعراء:177] أي: قال لأهل الأيكة أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:177]، كما قالها هود وصالح وموسى أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:177]، يحثهم على تقوى الله عز وجل؛ خشية أن ينزل بهم العذاب.

    وتقوى الله بم تكون؟ بالإيمان العمل الصالح، آمنوا بأن لا إله إلا الله، وأن شعيباً رسول الله، واعبدوا الله عز وجل بما يشرع لكم ويبين لكم رسوله.

    إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ [الشعراء:178] ما قال: إني إليكم إِنِّي لَكُمْ [الشعراء:178]، لأنه أصله في مدين.. رسالته هناك، ثم بعث لهذه الجماعة لهدايتها، أرسله الله لهم إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ [الشعراء:178].

    وكلمة (أَمِينٌ): من الأمانة، وكل الرسل أمناء على رسالتهم، لا يزيدون ولا ينقصون، لا يقدمون ولا يؤخرون، كما ينزل الوحي عليهم يبلغونه.. أمناء فلا خيانة معهم.

    إذاً: بناءً على هذا: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:179]، كما قالها هود وصالح، اتقوا الله، خافوه، فآمنوا به واعبدوه، وبذلك تتقوا عذابه وسخطه وغضبه.

    وَأَطِيعُونِ [الشعراء:179] إني رسول الله إليكم، آمركم بما يأمركم الله به، وأنهاكم عما ينهاكم الله عنه، فمعصية الرسول معصية لله تعالى كما أن طاعة الرسول طاعة لله عز وجل.

    وفي كتاب الله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:69] لا فرق بين طاعة الله وطاعة الرسول؛ لأن الرسول يأمر بما يأمر الله به، وينهى عما ينهى الله تعالى عنه، فلهذا قال شعيب لهؤلاء الطائشين الهلكى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:179] .

    ثم قال: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [الشعراء:180]، أي: على هذا البلاغ وهذا البيان، لا أطالبكم بأجرة على هذا أبداً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:180]، كما قالها هود وصالح وموسى وإبراهيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين ...)

    ثم قال لهم: أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ [الشعراء:181]، أهل مدين جماعة معروفون بالبخس في الكيل والوزن والعياذ بالله.

    من ذنوبهم وجرائمهم الشائعة بينهم: أنهم يطففون في الكيل والوزن، قال تعالى: أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ [الشعراء:181]، لغيركم.. تخسرون أموالهم وتضيعونها وتأخذونها.

    وفي القرآن المدني قال تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ [المطففين:1-4]، هذه الآية نزلت في المدينة.. سورة المطففين مدنية، تحدث أهل المدينة فقالوا: كنا أسوأ الناس كيلاً ووزناً فما إن نزلت فينا هذه الآية حتى أصبحنا أعدل الناس في الكيل والوزن.

    وقد زرنا المدينة منذ سبع وأربعين سنة في أول البداية ووالله ما رأينا ميزاناً أعدل من ميزان أهل المدينة؛ حتى نشفق عليهم، والآن أصبح الوازنون ليسوا مدنيين بل عمال من هنا وهناك وممكن ما أصبحوا على الهيئة الأولى من عهد رسول الله إلى اليوم.

    إذاً: أهل المدينة أعدل الناس في الكيل والوزن؛ لأن الله نزل بينهم: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين:1]، وكلمة الويل تعني العذاب والهلاك.

    إذاً: شعيب عليه السلام قال لأهل الأيكة: أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ [الشعراء:181-182]، أي: بالعدل في موازينكم. يجب أن يكون الميزان ميزان عدل، وأن تقسط فيه وتعدل ويستقيم.

    وهذه العظيمة من عظائم الذنوب وهي متجاهلة عند الناس ولا يعرفونها.. كيف تزن بميزان ليس بسليم ولا صحيح؟! كيف تكيل بمكيال ليس بسليم ولا بصحيح حتى تستفيد منه وأنت تعلم قول الله: أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ [الشعراء:181]؟!

    وَزِنُوا [الشعراء:182] إذا وزنتم لغيركم ممن تشرون منه وتبيعون فزنوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ [الشعراء:182] بالعدل المستقيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين)

    ثم قال لهم: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الشعراء:183]، كذلك من محنتهم تقول له: بكم هذه الشيء فيقول: بعشرة ريال. وهي تساوي مائة.

    بكم تبيع هذا القنطار؟ يقول له: بيع بخمسة ريالات. وهو يساوي عشرين ريالاً. هذا بخس الناس أشياءهم.

    وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الشعراء:183] التي بين أيدهم يبيعونها فتساومونهم بأقل السوم.

    وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [الشعراء:183]، أي: لا تفسدوا في الأرض بالإجرام.. كانوا يقتلون الناس ويسلبون أموالهم.. سلب الأموال وقتل الأنفس من الفساد، هكذا كانوا عايشين أهل مدين وأهل الأيكة قريبين منهم.

    وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [الشعراء:183]. ما الفساد في الأرض؟

    تكرر هذا المعنى! الفساد في الأرض: هو عدم العمل بشرع الله عز وجل.. معاصي الله ورسوله والله لهي الفساد، فكل من يعصي الله ورسوله فيما يأمران وينهيان فهو عامل بالفساد. لماذا؟ لأن الله عز وجل لما يرسل الرسول وينزل الوحي معه يبين للناس كيف يكملون ويسعدون.. آداب، أخلاق، حقوق وشرائع، قوانين كلها تنزل في كتاب الله أو على رسول الله، فالعمل بتلك الشرائع يسعد ويكمل في الدنيا والآخرة، والإعراض عن تلك الشرائع وإهمالها وعدم العمل بها فساد في الأرض؛ لأنه يجر على أهل الأرض البلاء والشقاء والخسارة في الدنيا والآخرة.

    هل يكون الفساد في الأرض بحفر الآبار؟ بهدم البيوت؟ بم يكون؟

    الجواب: يكون بمعصية الله ورسوله، فالذين لا يمتثلون أمر الله ورسوله ولا يجتنبون نهي الله والرسول، والله لمفسدون في الأرض، فالعمل بمعاصي الله ورسوله هو الفساد في الأرض، والعمل بما شرع الله هو الإصلاح في الأرض.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين)

    ثم قال: وَاتَّقُوا [الشعراء:184] من؟ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ [الشعراء:184] من الأمم والشعوب.

    وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ [الشعراء:184]، أيخلقك ويرزقك وما تتقيه وتعصيه وتفجر عنه وتخرج عن طاعته؟ كيف يليق بك هذا؟!

    من عليك بوجودك، أعطاك وجودك وخلقك ثم يأمرك فتعصيه وينهاك فتعصيه؟ أين العقل؟

    ولهذا قال لهم: وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ [الشعراء:184] وهو الله جل جلاله، وخلق الجبلة الأولين. أي: الخلائق الأولين قبلكم.

    هكذا يأمرهم بأن يتقوا الله، بأن يعبدوه وحده ولا يشركوا به سواه، وألا يفسدوا في الأرض بارتكاب الذنوب والمعاصي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا إنما أنت من المسحرين ...)

    هنا أجابوه قائلين: قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ [الشعراء:185]. ولفظ (الْمُسَحَّرِينَ): يحمل معنيين كلاهما سليم وصحيح: المسحر: الذي يأكل السحور.. الذي يأكل ويشرب، يقال فيه: تسحر؛ لأن السحر والنحر هنا يدخل الطعام مع الحلق، أي: ممن يأكلون ويشربون، فما أنت بملك ولا أنت بإله فكيف تأمرنا وتنهانا؟

    ويصح من المسحرين: المسحورين الذين غلب على قلوبهم السحر فأصبحوا يهرفون بما لا يعرفون، وأنت تقول ما لا تعلم؛ لأنك مصاب بالسحر.

    هذا جواب أصحاب الأيكة وأصحاب مدين: إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ [الشعراء:185]، ولو لم تكن كذلك لما أمرتنا بأن نترك أموالنا ونضيع حياتنا ونشتغل بما تقول أنت.

    وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا [الشعراء:186]، وما أنت إلا بشر إنسان مثلنا.. كيف تفوقت، وكيف تفوز، وكيف تعلو علينا وتأمرنا وتنهانا؟ ما الفرق بيننا وبينك؟

    ولو عرفوا أن الفرق هو أن الله أرسله إليهم لعرفوا، لكن ما آمنوا برسالته، فقط زيه وبشريته كبشريتهم مثلهم.

    ثم قالوا بعد ذلك: وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ [الشعراء:186]، والظن هنا بمعنى: اليقين وليس مجرد ظن، إذ يطلق لفظ الظن ويراد به اليقين، فاليقين والظن يتناولان المعنى الواحد: وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ [الشعراء:186] فيما تقوله وتدعو إليه، فلست بصادق في دعوتك.

    هذه المقالة قالتها الأمة ورؤساؤهم، أعيانهم، رجالهم، وليس شرطاً أن يقولها كل فرد، بل المسئولون ردوا هذا الرد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأسقط علينا كسفاً من السماء إن كنت من الصادقين)

    ثم يحكي الله جواب قومه له فيقول تعالى: فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء:187]، إذا كانت من الصادقين فيما تدعو إليه وتأمر به وتنهى عنه فأسقط علينا قطعة كسف من السماء تدمرنا وتستريح.

    وهذا تحد واضح! يعني: إن كنت كما تزعم رسولاً فأسقط علينا قطعاً من السماء تدمرنا وتقتلنا!

    كانوا غلاظاً أشداء عجب فسألوا العذاب.. يتحدونه بأنك ما أنت بشيء أبداً، ولا تستطيع أن تفعل شيئاً، وهذه السماء فوقنا فأنزلها علينا قطعاً فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء:187] فيما تدعو إليه وتقوله، وأنه لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ويجب أن نتبعك ونمشي وراءك! دلل على هذا بهذه البرهنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال ربي أعلم بما تعملون)

    قال تعالى: قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ [الشعراء:188]، قال شعيب عليه السلام رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ [الشعراء:188] من الجرائم والشر والخبث والفساد، وسوف يجزيكم بعملكم، والله العظيم.

    رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ [الشعراء:188]، ماذا يعملون؟ الشرك والخيانات والعبث وقتل الأنفس و.. و.. كل المفاسد يعملونها، ويتحدون رسول الله، ويقولون: أسقط علينا السماء إن كنت من الصادقين.

    فأجابهم عليه السلام بقوله: رَبِّي [الشعراء:188] جل جلاله وعظم سلطانه، خالقي ومالكي ومعبودي الحق أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ [الشعراء:188]، أي: من الشر والفساد والشرك والكفر، وسيجزيكم بما أنتم أهل له.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة ...)

    وهنا قال تعالى: فَكَذَّبُوهُ [الشعراء:189]، كذبوا شعيباً، أصحاب الأيكة كأصحاب مدين، الكل على منهج واحد وطريقة واحدة.. الفسق والفجور والشرك والظلم.

    فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء:189]. بم أهلكهم الله؟

    أولاً: أصابتهم ريح سبعة أيام.. ريح حارة ملتهبة فيدخلون في الكهوف.. في البيوت فما استطاعوا سبعة أيام والله تأكلهم حرارة فوق المائة درجة كلما هربوا إلى مكان دخلت الحرارة.

    وفي اليوم السابع يرفع الله ظلة وسحابة عظيمة بعيدة عنهم فما إن شاهدوها حتى جروا ليستظلوا بها، فلما جلسوا تحتها ووجدوا بعض الراحة فيها أسقطها الله عليهم فأهلكهم عن آخرهم: فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ [الشعراء:189].

    (الظُّلَّةِ): من الظلال.. سحابة كبيرة فأتوا السحابة بعد أن أصابهم حر شديد لا يتصور.. سبعة أيام وهم في هيجان، فلما أظهر تعالى تلك السحابة العظيمة قالوا: هذه الظلة نعم، نهرب من هذا الحر، فلما اجتمعوا كلهم تحتها، نساءً ورجالاً وأطفالاً أسقطها الله عليهم فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء:189]، إي والله، وأهلك الله القبيلتين بهذا العذاب.

    وهنا لطيفة نسيتها: ما قال لهم أخوهم شعيب كما قال هود وصالح فهنا لا أخوة دين، ولا أخوة وطن، ولا أخوة نسب، فلهذا قال: قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ [الشعراء:177] وما قال: أخوهم شعيب. وهذا يعني أصحاب الأيكة، أما أصحاب مدين فهم منه وهو منهم لكن أصحاب هذه القرية ليسوا منهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنون)

    ثم قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ [الشعراء:190] الذي سمعتم لَآيَةً [الشعراء:190] عظيمة.

    كيف هذه الآية؟ سحابة يجتمع تحتها أمة وتسقط عليهم فيهلكون عن آخرهم!

    آية تدل على وجود الله، وأنه لا إله إلا الله إلا الله!

    تدل على صدق رسول الله، وأنه رسول الله!

    تدل على الدار الآخرة والجزاء فيها؛ لأن هذا من فعل الله عز وجل وتدبيره لخلقه!

    آية وأية آية أعظم من هذه؟! سبعة أيام والحرارة تأكلهم وهم هاربون بنسائهم وأطفالهم.. ضاقت بهم الأرض فظهرت ظلة فوق السماء فاجتمعوا تحتها هاربين من الحرق فتسقط عليهم فيهلكون عن آخرهم. أي آية أعظم من هذه؟

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:190]، أي: أهل مكة التي تتلى عليهم هذه الآيات ويقص عليهم هذا القصص أكثرهم ما آمن؛ لأنه الله قضى وقدر هذا أنهم لا يؤمنون.

    وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ [الشعراء:191] الغالب الذي لا يغالب ولا يقهر ولا يحال بينه وبين ما يريد الرَّحِيمُ [الشعراء:191] بأوليائه وصالح عباده.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    إليكم الآيات فتأملوها: كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:176]، كذبوا من؟ شعيباً عليه السلام. إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:177]، أمرهم بتقوى الله، رغبهم فيها، حثهم عليها؛ لأن تقوى الله هي سبيل النجاة، ومن لم يتق الله خسر دنياه وأخراه. أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:177] فتتركون الشرك والمعاصي والذنوب والآثام.

    إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ [الشعراء:178] لا أخونكم ولا أكذب عليكم فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:179] لأبلغكم رسالة ربي لتبعدوه وتكملوا وتسعدوا.

    وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:180]، فهو الذي كلفني وهو الذي يعطيني أما أنتم فلا أسألكم شيئاً.

    أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ [الشعراء:181]. ليبلغ هذا كل تاجر يبيع ويشتري أن عليه أن يفي إذا وزن وكال ولا ينقص كيلاً ولا ميزاناً فقد أهلك الله أمة من أجل هذا ولكن حسبنا نحن المسلمين وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين:1-3]، (كَالُوهُمْ) بمعنى: كالوا لهم، من ثم ما أصبح مؤمن يستطيع أن يغش أو يخدع أو يزيد أو ينقص في كيله أو زنه.

    وهؤلاء كانوا يعملون آلة كيل إذا اشتروا كبيرة وإذا باعوا آلة أخرى صغيرة حتى يحتفظوا بالزيادة فقال لهم: أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ [الشعراء:181].

    من هم المخسرون في الأرض يرحمكم الله؟ تارك الصلاة، عاق والديه، المؤذي لجيرانه، الفاسق، الفاجر، آكل الربا، الكذاب، المؤذي للمؤمنين والمؤمنات والله لهو المفسد في الأرض، والله يقول لهم: ولا تفسدوا ولا تكونوا من المخسرين.

    إذاً: أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الشعراء:181-183]، يا تاجر! لا تبخس أخاك ما يبيعه وتحتقره، وتقول: هذا لا يساوي كذا وأنت تعلم أنه يساوي كذا وكذا.. الناس عامة يهود أو نصارى مؤمنين أو كافرين.

    وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الشعراء:183]. البخس أن تكون السلعة تساوي عشرة فتقول له: هذه بريالين. هنا بخسته وأنقصته.

    أنت تعرف أن هذه السيارة تساوي عشرين ألف ريال فتقول له: تبيعها بأربعة آلاف، لا تساوي إلا أربعة ألاف.. والله بخسته حقه.

    وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الشعراء:183] وهو عام في كل أنواع التجارة.

    وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [الشعراء:183]، العثو في الأرض بم يكون؟ عثا يعثو إذا أفسد في الأرض بالظلم والاعتداء، بالفسق والفجور، بالكفر والشرك والعياذ بالله تعالى.

    وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ [الشعراء:184] وخلق الأمم والشعوب قبلكم.. يجب أن تتقوه، فأجابوا قائلين: إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ [الشعراء:185]، يضحكون ويسخرون: أنت ممن يأكلون ويشربون مثلنا فلم تعل علينا وتفوز، أو مسحور في عقلك لا تعرف الطريق.

    وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ [الشعراء:186]، نعتقد أنك كاذب فقط وما أنت برسول.

    إذاً: فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء:187]. تحدوه فقال تعالى: قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ [الشعراء:188] من الشر والشرك والفساد وسيجزيكم.

    فَكَذَّبُوهُ [الشعراء:189] وبناءً على ذلك فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ [الشعراء:189].

    ما عذاب يوم الظلة؟ لما اشتدت الحرارة بهم وما أطاقوا المنازل ولا السطوح ولا.. هربوا.

    أين يهربون؟ سبعة أيام، فأخرج الله لهم ظلة.. سحابة عظيمة بعيداً من قرية ومكان كذا.. فما إن شهدوها حتى تتابعوا إليها ليجدوا بعض الراحة فيها، فلما نزلوا تحتها واستراحوا أطبقها الله عليهم، فذلك هو عذاب يوم الظلة إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء:189]

    ثم قال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً [الشعراء:190] والله لآية من أعظم الآيات، وما كان أكثر الناس مؤمنين، مع الأسف إلى اليوم وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:191]، (الْعَزِيزُ): الغالب لأعدائه. (الرَّحِيمُ) بأوليائه.

    اللهم اجعلنا من أوليائك.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: الأمر بالتقوى فريضة كل داع إلى الله تعالى وسنة الدعاة والهداة إذ طاعة الله واجبة ].

    من هداية هذه الآيات: أن الأمر بتقوى الله عز وجل سنة الله في العباد بها يدعو الأنبياء والرسل والدعاة؛ لأن تقوى الله هي النجاة، فمن أراد أن ينجو فليتق الله، ومن أراد أن تنجو أمة أو قبيلة أو قرية فليأمرهم بتقوى الله حتى ينجون.

    [ ثانياً: لا يصح لداع إلى الله أن يطلب أجره ممن يدعوهم فإن ذلك ينفرهم ].

    وهكذا بيننا نحن إذا قام الشخص يدعو إلى الله في قرية، في مسجد، في مكان لا يقول للناس: اجمعوا لي نقودا مقابل دعوتي. لا يحل هذا أبداً فالرسل كلهم يقولون: إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [يونس:72]، فكل داعية يجب أن يأخذ أجره من الله ولا يطلب من الناس أجراً على أن يعلمهم.

    [ ثالثاً: وجوب توفية الكيل والوزن وحرمة التطفيف فيهما ]. وهذا بإجماع الأمة لا يحل لمؤمن أن يبخس أخاه في كيل أو وزن ولو بجرام واحد وهو قادر عليه.

    [ رابعاً: حرمة بخس الناس حقوقهم ونقصها بأي حال من الأحوال ].

    حرمة بخس الناس حقوقهم بأي حال من الأحوال سواء كان في البيع أو الشراء أو في غير ذلك، فمثلاً: عامل يستطيع أن يعمل ويأخذ ألف ريال فلا تعطه أنت مائتي ريال فقد بخسته حقه.

    و المماكسة لا تصح والمكاس ملعون وأكله وماله حرام، ولا يصح المماكسة بالمؤمنين. والمكاس معروف: يقف في الطريق ويقول: لا تمر حتى تدفع كذا، لا تبيع هذه البضاعة إلا إذا دفعت عنها كذا. هذا المكس ملعون صاحبه.

    والمماكسة في عرف الناس أن يقول لك: هذه بعشرة فتقول له: لا. خليها بثمانية مثلاً.

    فهذا ليس من المماكسة وإنما هو من البخس، البضاعة تساوي عشرة فيقول له: بيعها لنا بخمسة أو بأربعة، هذا هو البخس.. بخس الناس حقوقهم. ويجوز أن تقول له: إذاً تبيعها لي بثمانية ولا بأس وأنت تعرف أنها تساوي هذا العدد، لكن البخس أن تساوي عشرة فتقول له: بخمسة وأنت تعرف أنها تساوي عشرة في السوق.

    [ خامساً: حرمة الفساد في الأرض بارتكاب المعاصي وغشيان الذنوب ].

    هذه الأرض التي نعيش عليها يحرم على أي إنسان أن يعصي الله فوقها؛ فإن معصية الله فقوها إفساد للأرض وإفساد للحياة، والله يقول: وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا [الأعراف:56].

    [ سادساً: هذا آخر سبع قصص ذكرت بإيجاز؛ وذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتهديداً للمشركين المكذبين ].

    هذا القصص السابع الذي قص الله تعالى علينا وعلى رسولنا أولاً من أجل أن نعتبر بهذا القصص فنوحد الله عز وجل ونعبده وحده ولا نشرك به ولا نعص الله ولا رسوله، فلا ظلم ولا فسق ولا فجور ولا كذب ولا إجرام أبداً؛ لأننا مؤمنون أولياء الله عز وجل نعيش على عبادة الله وتقوى الله عز وجل. ونفع الله بهذا القصص ملايين المسلمين فهم في دار السلام.

    [ سابعاً: دعوة الرسل واحدة وأسلوبهم يكاد يكون واحداً: الأمر بتقوى الله وطاعة رسوله ].

    دعوة الرسل واحدة ومناهجهم وطرقهم في الدعوة تكاد تكون واحدة، وإلى الآن المسلمون لما تدخل مصر أو الشام أو العراق تجد داع يدعو ويقول للناس: أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، اتركوا ما حرم، اجتنبوا الشرك وضروبه، في أي مكان دعوة واحدة، دعوة السلامة والنجاة واحدة في العالم.

    [ ثامناً: سنة تعلل الناس بأن الرسول لا ينبغي أن يكون بشراً فلذا هم لا يؤمنون ].

    فهذه قالها العرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: إنما أنت بشر مثلنا، فهذه سنة في الأمم إذا بعث الله إليهم رسولاً، قالوا: كيف تفوقنا وتسودنا، وتأمرنا وتنهانا وتتحكم بنا وأنت رجل مثلنا تأكل كما نأكل وتشرب كما نشرب؟ فيرفضون الدعوة لهذا السبب، لكن تأتي المعجزات ولا يؤمنون إلا من شاء الله أن يؤمن.

    [ تاسعاً: المطالبة بالآيات تكاد تكون سنة مطردة وقل من يؤمن عليها ].

    المطالبة بالمعجزة من الرسل سنة ماضية من نوح إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كلما يأتي الرسول يطالبونه بالآيات والمعجزات، ثم يشاهدونها ولا يؤمنون إلا من أراد الله إيمانه ويكفرون بذلك

    [ عاشراً: تقرير التوحيد والنبوة والبعث وهي ثمرة كل قصة تقص في هذا القرآن العظيم ].

    وأخيراً معاشر المؤمنين والمؤمنات: القرآن الكريم.. السور المكية كلها تدعو إلى ثلاثة أمور:

    أولاً: أن يعبد الله وحده.. تقرير الألوهية وأنه لا إله إلا الله، ومن هنا لا يعبد إلا الله، لا بالدعاء ولا بالاستغاثة ولا بالحب ولا بالخوف والرهبة، ولا بالطاعة، أبداً لا يعبد إلا الله.

    ثانياً: أن محمداً رسول الله، ولو لم يكن رسول الله فكيف ينزل عليه هذا القرآن؟ كيف يقص عليه هذا القصص؟

    ثالثاً: الدار الآخرة والجزاء فيها، كما علمتم هذه دار عمل، والدار الآخرة دار جزاء، ونحن الآن نعمل صالحاً وفاسداً، ولكن الجزاء في الدار الثانية، فأهل الصلاح في الجنة، وأهل الطلاح والشقاء في جهنم والعياذ بالله تعالى.

    هذه الأمور الثلاثة كل السور المكية تعمل على إيجادها وتقريرها:

    أولاً: تقرير أنه لا إله إلا الله. ثانياً: تقرير أن محمداً رسول الله. ثالثاً: تقرير أن الدار الآخرة حق، وأن البعث والجزاء لابد منه، والجزاء يوم القيامة إما بالجنة فوق السماء وإما بالنار تحت الأرض.

    والله نسأل أن يجعلنا من أهل الجنة.