إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء (12)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن جريمة اللواط من أنكر الجرائم وأشدها بشاعة، وقد بعث الله عز وجل رسوله لوطاً إلى أهل سدوم وعمورة يدعوهم إلى إخلاص العبادة له سبحانه، والإقلاع عن إتيان الفاحشة التي أدمنها رجالهم حتى حملهم ذلك إلى اعتزال ما أحل الله لهم من النساء، لكنهم ما قبلوا منه نصحاً، بل وهددوا بأن يخرجوه من قريتهم، فأنجاه الله عز وجل وأهله إلا من سبق عليه القول من أهله، وأمطر القرية التي كان أهلها يفعلون السيئات فساء مطر المنذرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذبت قوم لوط المرسلين ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده )، وها نحن مع سورة الشعراء المكية، فتأملوا الآيات!

    قال تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ * قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ * قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ * رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:160-175].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات: قول ربنا جل ذكره: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:160] هذا خبر يخبر الله تعالى به، وهو صدق وحق كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:160].

    من هو لوط عليه السلام؟ هذا لوط ابن هاران ابن أخ إبراهيم عليه السلام، كان في بابل في أرض العراق مع عمه إبراهيم، فلما هاجرا ومعهما سارة .. لما صدر الحكم بإعدام إبراهيم ونجاه الله ترك تلك البلاد وهاجر ومعه زوجته وابن أخيه لوط، فلما وصلوا إلى أرض الشام نبأ الله تعالى وأرسل لوطاً إلى مدن سدوم وعمورة عند الأردن، على أنه رسول الله إليهم يبلغهم دعوة الله عز وجل، ليعبدوا الله وحده ويتجنبوا مآثم وذنوب لا ينبغي للإنسان المؤمن أن يفعلها، فأخبر تعالى عنه فقال: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:160] قومه أي: الذين أرسل إليهم باسم الله ليدعوهم إلى الله ليعبدوه ويتقوه.

    لما وصل إليهم ودعاهم إلى عبادة الله وترك تلك الفاحشة المنكرة كذبوا وما صدقوا.

    قال تعالى: إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ وهذه الأخوة ليست أخوة نسب ولا أخوة دين.. هذه أخوة وطن، فأنواع الأخوة: النسب أخوة، والدين أخوة، والوطن أخوة.. من قومه، من أرض دياره.

    ولوط عليه السلام أخوهم ولكن ليس في النسب، ولا في الدين ولكن في الوطن الذي معهم.. يعيش معهم، إذ أرسله الله إليهم.

    ماذا قال لهم؟ أَلا تَتَّقُونَ كما قالها نوح وإبراهيم وصالح أَلا تَتَّقُونَ وهو كالاستفهام، لكن معناه الأمر: اتقوا.

    ما المانع أن تتقوا؟ لم ما تتقون ربكم وأنتم عبيده وأمره وسلطانه عليكم؟

    كيف تعصونه وتخرجون عن طاعته وهو ربكم؟ ألا تتقون؟

    دعاهم إلى أن يتقوا الله، وأمرهم بتقواه، والتقوى تكون بطاعة الله عز وجل بفعل أوامره وترك نواهيه، وهو رسول الله إليهم، أرسله الله إليهم ليعلمهم وليهديهم وليبين لهم الطريق من أجل والله أن يكملوا ويسعدوا، فلما رفضوا أهلكهم الله عز وجل.

    إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ [الشعراء:161-162] بعثني الله إليكم.. أرسلني إليكم وإني أمين على هذه الرسالة لا أزيد فيها ولا أنقص منها، أبلغها كما بعثني الله بها أقدمها لكم وأبلغكم إياها.

    وعامة الرسل أمناء، وكل الدعاة إلى الله يجب أن يكونوا أمناء فلا زيادة ولا نقص، ولا تقديم ولا تأخير؛ لأنها أمانة الله ائتمنهم عليها، فيجب أن يؤدوها كما هي فلا يجحدون شيئاً أو يخفونه أو يأتون بشيء ما جاء بذكر الله.

    إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:162-163] هذه التي قالها نوح وقالها هود وقالها صالح وقالها إبراهيم فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:163] وقالها خاتم الأنبياء وإمام المرسلين صلى الله عليه وسلم لأمته فاتقوا الله أولاً وأطيعون.

    اتقوا الله: آمنوا به، وحدوه، واعبدوه وحده بما شرع لكم من أنواع العبادات.

    ثم قال أيضاً: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ما أطلب منكم مالاً لا ديناراً ولا درهماً، لا ثمر ولا قمحاً ولا شعيراً أبداً، أبلغكم دعوة الله مجاناً، وإنما أجري ومثوبتي وجزائي على الله الذي كلفني وأرسلني، هو الذي يعطيني الأجر، أما أنتم فخذوها نقية واضحة سليمة ولا نطالبكم بشيء أبداً، ولا كأس ماء.

    إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:164] من هو رب العالمين؟ الله جل جلاله.

    ما معنى رب العالمين؟ مالكهم وخالقهم وسيدهم وإلههم؛ لأن كلمة رب تشمل المالك السيد، المعبود الإله الحق: إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:164].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أتأتون الذكران من العالمين ...)

    ثم قال لهم: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ [الشعراء:165-166].

    أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ [الشعراء:165]؟ هذا الاستفهام إنكاري وتوبيخي.

    ومعنى هذا: أن الرجل ينزو على الذكر ويطؤه كما توطأ المرأة والعياذ بالله تعالى، والذي علمهم هذه الفاحشة إبليس لعنة الله عليه، علمهم هذه الفاحشة يأتونها في أنديتهم والعياذ بالله.

    أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ [الشعراء:165] أي: الذكور مِنَ الْعَالَمِينَ [الشعراء:165] منكم ومن غيركم من كل الناس، وبخاصة الضيوف إذا دخلوا بلادهم لا يسلمون منهم ولا ينجون.

    أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ [الشعراء:165-166] أي: وتتركون مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ [الشعراء:166]؟ كيف هذا؟

    تأتون الفاحشة مع الرجال وتتركون النساء؟! هذا مسخ.. فقدوا عقولهم، فقدوا أخلاقهم، فقدوا وجودهم..

    كيف هذا يتم؟ بتزيين الشيطان عليه لعائن الرحمن، فهو الذي زين لهم هذا وعلمهم كيف يفعلونه في ناديهم.

    أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ [الشعراء:165-166] أي: وتتركون مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ [الشعراء:166] إذاً بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ [الشعراء:166] معتدون ظالمون؛ لأن الاعتداء وضع الشيء في غير موضعه.

    أي ظلم أعظم من هذا الظلم؟! أي اعتداء أفحش من هذا الاعتداء؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين)

    بم أجابوه؟ قال تعالى: قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ [الشعراء:167].

    أي: نخرجك من ديارنا، ولا نسمح بوجودك أنت وأهلك إن لم تنته عن هذا الذي تقول وتدعو إليه من التوحيد وترك هذه الفاحشة!

    حلفوا بآلهتهم لنخرجنك أو لتكونن من المخرجين الذين أخرجناهم من بلادنا وديارنا.

    هكذا وجه دعوته إليهم واضحة صريحة: إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:164] ثم أنكر عليهم هذه الفعلة الفاحشة الشنعاء أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ [الشعراء:165-166] إذاً قَوْمٌ عَادُونَ [الشعراء:166] ظالمون معتدون.

    فأجابوه: قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ هذا فيها معنى القسم لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ [الشعراء:167] أي: نخرجك من البلاد أنت ومن معك من أتباعك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال إني لعملكم من القالين)

    فأجابهم عليه السلام كما قال تعالى: قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ [الشعراء:168] أي: المبغضين الساخطين عليه.

    قلاه يقلوه؛ إذا سخطه وغضب عليه. إِنِّي لِعَمَلِكُمْ هذا العمل الفاحش.. إتيان الذكور وترك النساء مِنَ الْقَالِينَ [الشعراء:168] المبغضين له، لست براض عنه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (رب نجني وأهلي مما يعملون)

    ولما واصل دعوته سنين وما تبين له خير وعجز، وهددوه بالإخراج فزع إلى ربه فقال: رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ [الشعراء:169] نجني وأهلي. والمراد من أهله: بنتاه وأمهما، وأما العجوز الأخرى فهي هالكة مع الهالكين.

    رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ [الشعراء:169] من هذا الشر والظلم والفساد رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي أهله ابنتان له وأمهما مسلمة ومعهما ضرة له امرأة عجوز كافرة خبيثة كانت هي التي تأتي باللوطيين إلى بيته، وتقول: عندنا ضيوف تعالوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فنجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزاً في الغابرين ...)

    قال تعالى: فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ [الشعراء:170] فنجينا لوطاً صلى الله عليه وسلم وأهله. يعني: ابنتيه وأمهما المسلمة أجمعين، وذلك بأن أمر لوطاً ومن معه أن يخرجوا من البلاد من سدوم وعمورة، فما إن خرجوا بعيداً حتى خسفت بهم الأرض وأصبح ظاهر الأرض أسفل، وأسفل الأرض ظاهر، ثم أرسل الله عليهم حجارة، هذه الحجارة أصابت العجوز التي مشت معهم خارج البلاد فأهلكتها.

    إذاً فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ [الشعراء:170-171] أي: في الهالكين.. خرجت ولكنها أصابتها حجارة وماتت وهي هاربة في الطريق، فالذين كانوا داخل المدن خسف الله بهم الأرض وإلى الآن البحيرة المنتنة موجودة إلى الآن بين فلسطين والأردن.

    والذين كانوا خارج البلاد أرسل الله عليهم حجارة من السماء أهلكتهم عن آخرهم فما نجا أحد إلا لوط وأسرته فقط.

    إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ [الشعراء:171-172] آلاف.. أمة كاملة أهلكهم الله عن آخرهم، وما نجا إلا لوط وأهله فقط.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأمطرنا عليهم مطراً فساء مطر المنذرين)

    ثم قال تعالى: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ [الشعراء:173].

    وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا [الشعراء:173] هذا مطر ما هو ماء من السماء، حجارة، صواعق دمرتهم تدميراً كاملاً.

    وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ [الشعراء:173]، ما أقبحه وما أشنعه.

    فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ [الشعراء:173] من هم المنذرون؟ الذين أنذرهم الله بواسطة رسوله لوط وبعثه إليهم، ودعاهم إلى عبادة الله وحده، ودعاهم إلى ترك هذه الفاحشة فاحشة اللواط، لكنهم أبوا وأصروا على ذلك، وهددوه بأن يخرجوه من البلاد كما أخرجوا غيره.

    إذاً: فدعا ربه فاستجاب له فنجاه وأهله اللهم إلا تلك العجوز في الغابرين هلكت مع من هلك.

    وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ [الشعراء:173] ما أقبح مطر من أنذرهم الله وأبوا أن يستجيبوا له وأصروا على عنادهم وكفرهم وفسقهم وفجورهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين)

    ثم قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:174-175].

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً [الشعراء:174] هذا الذي كونه يرسل رسولاً إلى أمة يدعوها إلى ربها فترفض الدعوة ولا تستجيب له وتصر على الشرك وينهى عن أقبح فاحشة فتصر على ذلك وفي النهاية يهددونه بإخراجه من البلاد في هذا أعظم آية تدل على وجود الله، وأنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن البعث الآخر حق؛ إذ هذه آية تدل على صدق محمد فيما يدعو إليه؛ إذ أنزلها الله عليه بالوحي الإلهي.

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ [الشعراء:174] ممن سمع من أهل مكة من الطغاة والجبابرة والظلمة ما كانوا بمؤمنين؛ لأن الله كتب ذلك أزلاً عليهم، فلن يموتوا إلا على الشرك والكفر والعياذ بالله تعالى.

    وبالأمس قدمنا وقلنا: المعجزات لا تستلزم الإيمان أبداً، فهؤلاء شاهدوا معجزات وما آمنوا، فالمعجزة فقط من باب إحقاق الحق وإبطال الباطل، فإن رفض الناس القبول للحق ورفضوا دعوة الحق انتقم الله منهم وسلط عليهم نقمته في الدنيا والآخرة.

    عظم بشاعة ونكارة جريمة اللواط

    معاشر المؤمنين! هذه الفاحشة.. فاحشة اللواط محرمة بالإجماع عند كل الأمم، ولا تحل أبداً في البشر، وما أحلها إلا إبليس لقوم لوط، والحكم فيها: الإعدام، والرسول الكريم يقول: ( اقتلوا الفاعل والمفعول ) اقتلوا الفاعل لهذه الفاحشة والمفعول به، فلا يقال هذا مظلوم المفعول به لا يقتل ( اقتلوا الفاعل والمفعول ) ولا تحل أبداً، لا مروءة ولا كرامة ولا حتى آدمية فضلاً عن الإسلام والشريعة المحمدية.

    ومن اللطائف: أن الخليفة عبد الملك بن مروان كان يخطب الناس في دمشق يوم جمعة، وتعرض لهذه الفاحشة، فحلف وقال: لولا أن الله أخبرنا في القرآن -في كتابه- أن قوماً ارتكبوا هذه الفاحشة ما كان يخطر ببالنا نحن العرب أن الرجل ينزو على الرجل.

    حلف على المنبر وهو صادق أنه ما يخطر ببالنا أن الذكر ينزو على الذكر حتى نزل القرآن وقص الله علينا قصة قوم لوط فآمنا، أما قبل ذلك فلا يمكن أن يخطر ببالنا أن الذكر ينزو على الذكر.

    وأول حادث حدث على عهد عمر أعجميان في البحرين ارتكبا هذه الفاحشة فضبطوهما، فاختلف الأصحاب كيف يفعلون بهما فأفتى علي بأن يرسلا من أعلى جبل إلى أسفل الأرض ثم يرجمون بالحجارة حتى يهلكوا، كما فعل الله بقوم لوط.

    ولهذا ديار الإسلام منزهة من هذه الفاحشة إلا ما شذ، أما ديار الكفر فقد بلغنا أن هناك أندية تعرف بأندية اللواط بأوروبا، أندية اللواط وهو مسخ كامل، وحسبنا أن يخبرنا ربنا ويعلمنا عز وجل بما فعل بأصحاب هذه الفاحشة، حيث خسف بهم الأرض، وأرسل عليهم مطراً من السماء.. حجارة فدمرهم وأهلكهم.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    إليكم الآيات مرة ثانية فتأملوها! يول تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:160]، أي: لوطاً عليه السلام، ومن كذب رسولاً فيعتبر كذب الرسل أجمعين؛ فلهذا قال الله: الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:160].

    كيف كذبوه؟ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ [الشعراء:161]، أخوهم في الوطن لا في النسب ولا في الدين؛ إذ هو بابلي من أرض العراق ما هو من جنسهم من قبائلهم ولا هم على دينه الدين الإسلامي، فهي إذا أخوة وطنية كما يقولون.

    إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ [الشعراء:161] ماذا قال لهم؟ أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:161] قالها آلاف المرات، ما هي كما هي عندنا آية عشرات السنين وهو يدعو أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ [الشعراء:161-162]. إذاً: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:163]، فاتقوا الله وأطيعوني أنا فيما آمركم به وأنهاكم عنه؛ لأني مبلغ عن ربي الذي أرسلني إليكم، ولهذا طاعة الرسول كطاعة الله عز وجل، قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80]، طاعة الرسول من طاعة الله عز وجل، معصية الرسول كمعصية الله عز وجل.

    قال: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [الشعراء:163-164]، أي: مقابل هذه الدعوة إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:164]، وما هي على البشر، على رب العالمين.

    ثم قرعهم ووبخهم وندد بفعلهم: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ [الشعراء:165]؟ كيف تفعلون هذا؟ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ [الشعراء:165] من البشر من قبائلكم وغيرها وَتَذَرُونَ [الشعراء:166] أي: تتركون مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ [الشعراء:166]، تعطلون الزواج بالنساء وتشتغلون والعياذ بالله بهذه الفاحشة بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ [الشعراء:166]، ظالمون معتدون فسقة فجرة كافرون مشركون!

    تجاوزوا الحد في كل ميادين الحياة. فأجابوه والعياذ بالله: قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ [الشعراء:167]، هذه الصيغة فيها صيغة يمين، كأن قالوا: والله إن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين من بلادنا ولا نسمح ببقائك ولا نرضى بك هنا.

    إذاً: هنا قال تعالى عنه: قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ [الشعراء:168]، المبغضين.

    مَن مِن العقلاء لا يبغض هذه الفاحشة؟ والله لا يوجد على وجه الأرض من لا يبغضها، ولهذا: قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ [الشعراء:168]، أي المبغضين، ثم رفع يديه إلى ربه داعياً سائلاً: رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ [الشعراء:169]، من هذه الفاحشة المنكرة. واستجاب الله له.

    قال تعالى: فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ [الشعراء:170] الذي بلغنا أن له بنتان مؤمنتان وأمهما امرأة مؤمنة صالحة، وأما العجوز فقد أهلكها الله بعد ما خرجت من البلاد.

    فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ [الشعراء:170-171] والعجوز من تجاوزت الستين أو السبعين. في الغابرين الهالكين الذين هلكوا.

    ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ [الشعراء:172]، والله ما نجا أحد، والآن البحيرة المنتنة معروفة أو البحر المنتن.. البحر الميت موجود إلى الآن تحته مدن ضخمة عظيمة منها سدوم وعمورة أصبحت تحت الأرض والماء فوقها، والذين شردوا من أهل المدينة أرسل الله أمطر عليهم فأهلكهم عن آخرهم وهلكت معهم هذه العجوز.

    ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا [الشعراء:172-173]، ليس ماء السماء لتسقى به الأرض، لا، هذه حجارة من السماء، ولهذا قال تعالى: فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ [الشعراء:173]، والعياذ بالله.

    من هم المنذرون؟ قوم لوط، أنذرهم كذا من السنين وهم مصرون على الباطل وعلى الشرك والفاحشة هذه فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ [الشعراء:173].

    ثم قال تعالى ختماً لهذه القصة: إِنَّ فِي ذَلِكَ [الشعراء:174] الذي سمعت يا عبد الله، يا رسول الله، يا عاقل، فيه آية تدل على أنه والله لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    من أنزل هذا الكلام؟ من قاله؟ أليس الله؟ من نزل.. على من نزل؟ أليس محمد رسول الله؟ إذاً: لا إله إلا الله محمد رسول الله والدار الآخرة حق.

    وهذه هي ما تحمله السور المكية من تحقيق العقيدة وتصحيحها وهي التوحيد والنبوة والبعث الآخر.

    وقوله تعالى: وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:174]، لأن الذي سبق في علم الله وقضائه وقدره أنهم لا يؤمنون.. يشاهدون الآيات وما يؤمنون، يشاهدون الآيات ويحضرون مكانها ولا يؤمنون؛ لأن الله حكم بهلاكهم قبل أن يخلقهم، ولهذا هل آمن أهل مكة بهذه الآيات ودخلوا في الإسلام؟ سبعون صنديداً هلكوا في بدر بعد سنين وهم يسمعون، بعد عشر سنوات.. بعد ثلاثة عشر سنة وهم يسمعون وما استجابوا؛ لأن الله كتب في كتاب المقادير أن فلان وفلان لا يؤمنون ولا يدخلون الجنة.

    وَإِنَّ رَبَّكَ [الشعراء:175]، يا رسول الله، يا من يسمع وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ [الشعراء:175]، أي: الغالب، القاهر، الذي لا يغالب ولا يمانع في شيء يريده أبداً، والرحيم بأوليائه وعباده المؤمنين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: جواز إطلاق أخوة الوطن دون الدين والنسب ]. جواز إطلاق الأخوة الوطنية، وقد أخذناها من القرآن فلا نقول: لابد وأن تكون أخوة نسبية من قبيلته أو أخوة دينية، بل وجدنا أخوة ثالثة هي الأخوة الوطنية، أخونا في الوطن، أما في الدين فليس إلا الإسلام وأما غير المسلم فله دينه ولنا ديننا، وفي النسب نحن من بني فلان وهو من بني فلان،وفي البلاد أخوة في البلاد.. أخوة وطنية تكون أنت في بلجيكا أو في أمريكا وتقول: هذا أخي أي في البلاد، ما هو في الدين ولا في النسب.. في الوطن.

    [ ثانياً: الأمانة من مستلزمات الرسالة، إذ كل رسول يقول: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ [الشعراء:162] ].

    فالأمانة من مستلزمات الرسالة لابد وأن تكون الرسالة مأمونة ما فيها زيادة ولا تبديل ولا تغير ولا تقصير، إذ كل الرسل يقولون: رَسُولٌ أَمِينٌ [الشعراء:162]، على ماذا؟ على هذه الرسالة، والله ما يزيد فيها ولا ينقص بل يبلغ عن الله كما أمره الله وبلغه، فما أحله الله هو الحلال، وما حرمه الله هو الحرام، وما أوجبه الله هو الواجب، وما نهى عنه هو المنهي والمكروه، والرسول مهمته أن يبلغ رسالة الله كما أرسل بها بلا زيادة ولا نقصان.

    [ ثالثاً: سبيل نجاة الفرد والجماعة في تقوى الله تعالى وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ].

    هذه لطيفة أيضاً: سبيل نجاة الفرد أو الأسرة أو الجماعة أو المنظمة في الإقليم سبب نجاتهم هو تقواهم لله رب العالمين، فقد نجا الله تعالى لوطاً وأسرته وأهلك أمتهم وقومهم ونجاهم بسبب إيمانهم وتقواهم لله عز وجل، فأي ما مؤمن يكون في أي مكان يصاب ذلك المكان بالبلاء فالمؤمن ينجيه الله عز وجل ويحفظه ويقيه ذلك المكروه. هذه سنة الله في عباده.

    [ رابعاً: وجوب إنكار المنكر وتقبيحه على فاعله لعله يرعوي ].

    من هداية هذه الآيات: وجوب إنكار المنكر كما أنكر لوط عليه السلام وقال: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ [الشعراء:165-166]، هذه الآية تدل على وجوب تغيير المنكر ولا يصح السكوت أبداً.

    والآن بلغني أن زغردة في المسجد النبوي من النساء، يا معشر النساء! لا تزغردن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ترفعن أصواتكن لا بالكلام ولا بالزغردة، وعليكن بالسكينة والوقار وذكر الله عز وجل.

    الفرح نعم يدخل في قلب المؤمنة لما تشاهد مسجد رسول وبيته وقبره نعم، لكن ليس بلازم أن تزغرد كأنها في عرس، فقد أنكر هذا المؤمنون وقالوا: ما ينبغي.

    يا مؤمنات! لا يحل الزغردة في مسجد رسول الله، وهكذا يجب أن ننكر المنكر متى رأيناه، ولا نرضى به ولا نقره.

    واسمع لوط ماذا قال؟ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ [الشعراء:165]، يوبخهم ويقرعهم ويؤدبهم وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ [الشعراء:166]، ظالمون، معتدون.

    [ خامساً: أكبر فاحشة وقعت في الأرض هي فاحشة اللواط، والعياذ بالله تعالى ].

    حقاً، أكبر فاحشة وقعت على سطح الأرض من عهد آدم إلى اليوم هي فاحشة اللواط، فلا أفحش منها أبداً.

    المفروض إذا سمع الإنسان هذا يغمى عليه، ولكن إذا فسدت القلوب وانطمست البصائر واستولى الشيطان على القلب وأصبح يسوق الإنسان كالحيوان يقوده إلى أفحش من هذا والعياذ بالله، وحسبكم ما سمعتم أن هناك أندية في أوروبا لهذه الجريمة.

    [ سادساً: التهديد بالنفي سنة بشرية قديمة ]. لطيفة سياسية: التهديد بالنفي هذه سنة بشرية من قديمة الزمان، فقد هددوا لوطاً أن يخرجوه من البلاد: لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ [الشعراء:167]، فأيما أهل بلاد يظهر أحدهم أو شخص يؤذيهم يتعرض لهم بأذى يخرجونه ويسمونه بالنفي، وينفونه من البلاد.. سنة بشرية موجودة في القرآن الكريم، أيما شخص في القرية يؤذي، يظلم، يعتدي.. على أهل القرية أن ينفونه ويخرجونه من القرية، إما أن تستقيم وإما أن تخرج، ولهم الحق.

    وهذا قلناه: لما تتكون تلك اللجان في المساجد، يجتمعون على كتاب الله وسنة رسوله كل ليلة طول العام، أهل القرية يكونون لجنة من الإمام والواعظ وشيخ القرية أو عمدتها واثنين أو ثلاثة من أهل الفضل.. تتكون لجنة تقوم بسد حاجة أهل القرية من جوع أو طعام أو دواء أو.. ثم إذا شخص شذ وتطرف في القرية أو في الحي وأبى أن يستقيم يرفعون به شكوى إلى المسئولين ليبعدوه عنهم، فإذا ما استجيب لهم يخرجونه هم من قريتهم أو مدينتهم.

    [ سابعاً: وجوب بغض الشر والفساد في أي صورة من صورهما ]. على كل مؤمن ومؤمنة أن يبغض الشر والفساد، أن يبغض الفاحشة، أن يبغض الذنب والإثم، ما عندنا ذنب ولا إثم أبداً نستحليه أو نرضى به أبداً، بل يجب أن نبغضه، كل ظلم، كل خبث، كل شر، كل فساد على المؤمن أن يبغضه، قال لوط: إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ [الشعراء:168]، أي: المبغضين لعملكم هذا. وهذا شأن المؤمن لا يرضى بالخبث ولا يعمله، فلابد وأن نسخط ونغضب ولا نرضى بمعصية أبداً لله في بلادنا.

    [ ثامناً: استجابة دعوة المظلوم لاسيما إن كان من الصالحين ].

    من هداية الآيات: استجابة دعوة المظلوم، استجاب الله للوط ونجاه وأهلك قومه، وما زال الله يستجيب لأوليائه في أي مكان ظلموا واعتدي عليهم وصبروا ورفعوا أيدهم إلى الله، والله يستجيب لهم، ولهذا نحذر إخواننا أن يتعرضوا لأذى مؤمن أو مؤمنة فيغضب فيرفع يديه إلى الله؛ لأن دعوة المظلوم لا ترد، يخبر بهذا الرسول صلى الله عليه وسلم: ( ليس بينها وبين الله حجاب )، وقد جربنا، ودعونا الله على ظالم فأرانا الله به آياته فمن ذلك الزمان ما ندعو على ظالم خشية أن يهلك.

    [ تاسعاً: توقع العذاب إذا انتشر الشر وعظم الظلم والفساد ].

    توقع العذاب والبلاء من الله إذا انتشر الظلم والشر والفساد، والله يجب أن نتوقع هذا، إذا انتشر الخبث والظلم والشر والفساد لابد وأن نتوقع أن محنة إلهية تنزل بالأرض، وقد تم هذا في كثير من البلاد.

    [ عاشراً: الآيات مهما كانت عظيمة لا تستلزم الإيمان والطاعة ].

    المعجزات والآيات مهما ما كانت عظيمة لا تستلزم الطاعة أبداً فقد شاهدوا الآيات وما آمنوا، وانفلق القمر فلقتين وأخبر تعالى بقوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، فما آمنوا.. عصا موسى ويده التي كأنها فلقة قمر شاهدها مئات الآلاف وما آمنوا، وإنما آمن عدد قليل وهم السحرة فقط، فلهذا لا تطالب أنت بالمعجزة حتى يؤمن الناس فليست مسلمة فقط بين دعوة الله وبين الطريق ويسلكه من هداهم الله وهيأهم لسعادة الآخرة والنزول في الجنة دار السلام.

    [ الحادي عشر: من لم يسبق له الإيمان لا يؤمن ولو جلبت عليه كل آية ].

    كما قدمنا من كتبه الله في كتاب المقادير أنه لا يؤمن والله لا يؤمن ولو تأتيه بالمعجزات من فوق رأسه ومن تحته؛ لأن الله كتب شيء لابد وأن ينفذ، فلهذا نفزع إلى الله عز وجل، ونقول: اللهم اجعلنا من المؤمنين الصالحين.. اللهم اجعلنا من المؤمنين الصالحين وتوفنا وأنت راض عنا يا رب العالمين.

    [ الثاني عشر: ] وأخيراً [ مظاهر قدرة الله وعلمه ورحمته ] وقد ظهرت قدرة الله في إهلاك أمة بكاملها، وأما مظاهر الرحمة فقد نجى المؤمنين وأنجاهم وأنقذهم وأهلك الظالمين والفاسقين.. وهكذا تتجلى في الحياة كلها.